(يحرم الكلام والإمام يخطب، وهو) قريب (منه، بحيث يسمعه)؛ أي: يسمع الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. قال أكثر المفسرين: نزلت في
_________________
(١) ولفظه: «أن النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر سلم» رواه ابن ماجه برقم (١١٠٩).
(٢) لما روى سمرة بن جندب: («أن النبي ﷺ كان إذا خطبنا استقبلناه بوجوهنا، واستقبلنا بوجهه»). رواه الترمذي برقم (٥٠٩) من غير قوله: «واستقبلنا بوجهه» وكذا عند البيهقي في سننه الكبرى برقم (٥٩٢١).
(٣) أي: أن يكون كلامه بينًا فصيحًا. انظر: تهذيب اللغة ٢/ ٢١٩.
(٤) نقله عنهم في الفروع ٣/ ١٨٨.
[ ٣١٦ ]
الخطبة (^١)، ولخبر الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت» (^٢).
واللغو: الإثم. إلا الكلام للإمام، أو لمن كلمه الإمام لمصلحة، فلا يحرم. فإن كان الإمام بعيدًا، بحيث لا يسمعه، لم يحرم عليه الكلام. ويجب الكلام لدفع ضرر عنه، أو عن غيره (ويباح) الكلام (إذا سكت) الإمام (بينهما) أي: بين الخطبتين (أو) إذا (شرع) الإمام (في الدعاء).
وتحرم إقامة صلاة (الجمعة، وإقامة) صلاة (العيد) في أكثر من موضع واحد (من البلد) ولا يجوز تعددها (إلا) إذا دعت (الحاجة) لذلك (كضيق) المصلى (وبعده) (وخوف فتنة) لعداوة أهل بلد، فتصح صلاة المتعدد (فإن تعددت لغير) حاجة من (ذلك) أي: مما ذكر (فالسابقة ب) تكبيرة (الإحرام، هي الصحيحة) والمتخلفة، تعيدها ظهرًا. وإن وقعتا معًا، فإن أمكن اجتماعهم مع بقاء الوقت، صلوا جمعة، وإلا، فظهرًا. وإن جهل كيف وقعتا، صلوا ظهرًا.
(ومن أحرم بالجمعة في وقتها، وأدرك مع الإمام ركعة، أتمـ) ـــــها (جمعة. وإن أدرك أقل) من ركعة (نوى) خلف الإمام (ظهرًا) إذا كان دخل وقتها؛ لأنه لو صلى الإمام الجمعة قبل الزوال في وقت الجواز، فوقت الظهر باق لم يدخل، فيؤخر الظهر إلى دخول وقته.
_________________
(١) روي ذلك عن عائشة ﵂، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار ﵏. انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٢٨٢.
(٢) صحيح البخاري برقم (٨٩٢)، ومسلم برقم (٨٥١).
[ ٣١٧ ]
(وأقل السنة) الراتبة (بعدها) أي: بعد الجمعة (ركعتان، وأكثر) السنة بعدها (ستة (^١) ركعات) نصًا. ولا راتبة قبلها، ويسن أربع.
(وسن قراءة سورة الكهف في يومها) أي: في يوم الجمعة، لحديث أبي سعيد مرفوعًا: ﴿من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له ما بين الجمعتين﴾ رواه البيهقي (^٢). ورواه سعيد موقوفًا، وقال: «ما بينه وبين البيت العتيق» (^٣). زاد أبو المعالي: وليلتها (^٤). وقال في «الوجيز»: «يقرأ سورة الكهف في يومها، أو ليلتها». قاله في «الإنصاف»، وفي «المبدع»؛ لقوله ﵊: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أو ليلته (^٥) وقي الدجال» (^٦).
_________________
(١) كذا في الأصل، والصواب: (ست).
(٢) السنن الكبرى برقم (٦٢٠٩).
(٣) قال في السنن الكبرى ٣/ ٢٤٩: ورواه سعيد بن منصور، عن هشيم، فوقفه على أبي سعيد: وقال: «ما بينه وبين البيت العتيق».
(٤) نقله عنه في الفروع ٣/ ١٦٠.
(٥) في المبدع ٢/ ١٧١، ومعونة أولي النهى ٢/ ٤٩٢، وكشف المخدرات ١/ ١٩٩ بلفظ: «ليلته»، كما عند الشارح. أما في كشاف القناع ٣/ ٣٧٥، وشرح المنتهى ٢/ ٢٧، ومطالب أولي النهى ١/ ٧٨٢ بلفظ: «ليلتها».
(٦) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة تكون، فإن خرج الدجال عصم منه» أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ٢/ ٥١.
[ ٣١٨ ]
(و) سن (أن يقرأ في) صلاة (فجرها) في الركعة الأولى ب ﴿أَلَمْ السجدة، وفي﴾ الركعة (الثانية) ب ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ [الإنسان: ١] (وتكره مداومته عليها) أي: على القراءة في الفجر بالسورة. قال الإمام أحمد: «لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة» (^١). وقال جماعة: «لئلا يظن الوجوب».
تتمة: إذا وقع عيد في يوم جمعة، سقطت الجمعة عمن حضر العيد مع الإمام؛ لأنه ﷺ «صلى العيد، وقال: من شاء أن يُجمع فليُجمّع» رواه أحمد (^٢) من حديث زيد بن أرقم. سقوط حضور، لا سقوط وجوب، كمريض، لا كمسافر. فمن حضرها منهم، وجبت عليه، وانعقدت به. وأما من لم يصلي العيد، أو صلاه بعد الإمام، لزمه الحضور للجمعة، إلا الإمام الذي صلى العيد، فلا يسقط عنه حضور الجمعة؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه عن الجمعة، وإنا مُجمّعون» رواه أبو داود (^٣). فإن اجتمع مع الإمام العدد المعتبر، ولو ممن حضر العيد، أقامها، وإلا، صلوا ظهرًا. وكذا سقوط عيد بها (^٤).
وسن بتأكد في يومها وليلتها، كثرة الصلاة على النبي ﷺ، لحديث: «أكثروا الصلاة علي ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، فمن صلى
_________________
(١) نقله عنه في المغني ٣/ ٢٥٢.
(٢) مسند أحمد برقم (١٩٣١٨).
(٣) سنن أبي داود برقم (١٠٧٣).
(٤) وذلك فيما إذا قُدّمت الجمعة على العيد. انظر: الحاوي الصغير ص ١١٣، الإنصاف ٥/ ٢٦٢، معونة أولي النهى ٢/ ٤٩٠.
[ ٣١٩ ]
عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا» رواه البيهقي (^١). وتقدم استحباب الاغتسال لها فيه، وأفضله عن جماع. وسن تنظف، من قص شارب، وتقليم ظفر، وقطع روائح كريهة بسواكه، وغيره، وتطيب؛ لحديث أبي سعيد مرفوعًا: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن بدهن، ويمس من طيب امرأته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» رواه البخاري (^٢). وسن لبس أحسن ثيابه، وهو البياض. ويسن تبكير إليها ماشيًا بعد فجر. ولا بأس بركوبه لعذر. ويجب السعي بالنداء الثاني بين يدي الخطيب؛ للآية (^٣). ما لم يكن منزله بعيدًا، فيجب السعي في وقت يدركها كلها. وسن أن يسعى لها بسكينة، ووقار، مع خشوع، ويقرب من الإمام. وسن اشتغال بذكر، وصلاة، وقراءة، إلى خروج الإمام. فبعد خروجه يحرم (^٤) الصلاة، غير تحية المسجد.
ومن دخل والإمام يخطب، لم يجلس حتى يركع ركعتين خفيفتين، تحية المسجد؛ لقوله ﷺ: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليصل (^٥) ركعتين» متفق عليه (^٦). ما لم يخف
_________________
(١) هو من حديث أنس. السنن الصغرى برقم (٢٩٥).
(٢) صحيح البخاري برقم (٨٤٣).
(٣) هي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
(٤) كذا في الأصل، ولعل الأنسب أن يقال: (تحرم).
(٥) في الأصل: (فيصل).
(٦) صحيح البخاري برقم (١١١٣)، ١/ ٣٩٢، ومسلم برقم (٨٧٥).
[ ٣٢٠ ]
فوت تكبيرة الإحرام مع الإمام، ولا تجوز الزيادة عليهما. وذلك في غير المسجد الحرام؛ لأن تحية المسجد الحرام الطواف. وتجزئ راتبة، أو فريضة، ولو فائتتين عنها. فإن قعد قبل فعلها، قام فأتى بها، إن لم يطل الفصل؛ لقوله ﷺ: «قم فاركع ركعتين» متفق عليه (^١).
وليس له تسكيت من تكلم بكلام، بل يسكته بإشارة. ويجوز رد السلام نطقًا. ويكره العبث والشرب حال الخطبة. ويكره أن يتخطى رقاب الناس؛ لما ورد من النهي (^٢)، ما لم يكن إمامًا، أو مأمومًا يرى فرجة ليجلس بها. ويحرم أن يقيم غيره فيجلس مكانه، ولو عبده، أو ولده الكبير، لا الصغير. ويكره الإيثار بالمكان الأفضل؛ كالصف الأول، ونحوه. ولا يكره قبوله.
خاتمة: روى ابن السني، عن أنس مرفوعًا: «من قرأ إذا سلم الإمام يوم الجمعة، قبل أن يثني رجليه فاتحة الكتاب، و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُ﴾ [الإخلاص: ١]، والمعوذتين سبعًا، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطي من الأجر بعدد من آمن بالله ورسوله» (^٣).
* * *
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٨٨٨)، ومسلم برقم (٨٧٥).
(٢) عن عبد الله بن بسر ﵁ قال: «جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب فقال له النبي ﷺ: اجلس فقد آذيت» رواه أبو داود، واللفظ له برقم (١١١٨)، والنسائي برقم (١٣٩٩).
(٣) لم أجده في عمل اليوم والليلة لابن السني.
[ ٣٢١ ]