(وغسل الميت) المسلم (فرض كفاية).
(وشرط في الماء): (الطَّهُورِيَّةُ): أن لا يكون مُستَعملًا، (والإباحة) بأن لا يكون مَغْصُوبًا.
(و) يشترط (في الغاسل: الإسلام) ونيته (والعقل، والتمييز) لأن ما عدا ذلك ليس له نية، وتعميم الميت بالماء.
(والأفضل) في الغاسل أن يكون (ثِقَةً) أمينًا، بحيث إن وجد عيبًا لم يذكره (عارفًا بأحكام الغسل. والأولى به) أي: بالغسل (وصيه العدل) إذا وصى به لأحد، ثم الأب، وإن علا، ثم الابن، وإن نزل.
(وإذا شرع) الغاسل (في غسله، ستر عورته وجوبًا) لا من له دون سبع سنين، ثم يجرد من ثياب ندبًا، إلا النبي ﷺ، فلا يجرد؛ لأنه حين اختلفوا في تجريده، أوقع الله تعالى عليهم النوم، ثم
_________________
(١) ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ١/ ٤١٤. وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٢٦٧.
(٢) الاختيارات ص ١٢٨.
[ ٣٥١ ]
كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو، أن غسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه، فغسلوه وعليه قميص، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص دون أيديهم» رواه أحمد (^١)، ولأن فضلاته ﵊ كلها طاهرة، فلم يخشى (^٢) تنجيس قميصه. ويكره حتى للغاسل النظر للميت لغير حاجة (ثم يلف) الغاسل (على يده خرقة، فينجي) أحد فرجيـ (ـه بها) ثم يأخذ خرقة ثانية للفرج الثاني. وظاهر كلام «المقنع» و«المنتهى» وغيرهما: تكفيه خرقة واحدة.
(ويجب غسل ما به من نجاسة) سبعًا (ويحرم مس عورة من بلغ) سنه (سبع) سنين، و(سن) للغاسل (أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة).
(و) يجوز (للرجل أن يغسل زوجته، وأمته، و) أن يغسل (بنت دون سبع سنين، و) يجوز (للمرأة) أن تغسل زوجها، وللأمة، أو أم الولد (سيدها، و) [للمرأة] (^٣) أن تغسل (ابن دون سبع) سنين.
(وحكم غسل الميت، فيما يجب، و) فيما يسن، كحكم (غسل الجنابة) من تعميم بدنه بالماء، ونية الغاسل، كما تقدم لكن لا يدخل الماء في فمه، ولا في أنفه، بل يأخذ خرقة مبلولة، فيمسح بها أسنانه، ويمسح بها (مَنْخِريه).
(ويكره الاقتصار في غسله على مرة واحدة؛ لأن السنة
_________________
(١) مسند أحمد برقم (٢٣٥٧). وهو في مسند عائشة ﵂، ورواه أبو داود برقم (٣١٤١).
(٢) كذا في الأصل بالإشباع، والأصح أن يقال: (لم يخش).
[ ٣٥٢ ]
ثلاثًا؛ لقوله ﷺ للنساء اللاتي غسلن ابنته: «غسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، إن رأيتن ذلك، بماء وسدر (^١)» (^٢)؛ لأنه يستحب تغسيل الميت بالسدر (^٣).
هذا إن لم يخرج منه من السبيلين، أو من غيرهما (شيء. فإن خرج منه شيء (وجب إعادة الغسل إلى سبع، فإن خرج بعدها) أي: بعد السبع شيء (حُشي) المخرج بقطن، فإن لم يستمسك) المخرج من القطن فيحشى (بطين، ثم يغسل المحل) أي: يطهره (ويُوضأ وجوبًا) حكم وضوء الحي (ولا غسل) بعد السبع (وإن خرج بعد تكفينه) شيء (لم يعد الوضوء، ولا الغسل) سواء كان الخارج قليلًا، أو كثيرًا. ويسن أن يجعل في الغسلة الأخيرة سدرًا، وكافورًا. وغسله بالماء البارد أفضل، ولا بأس بالحار. فإذا فرغ من غسله، نشفه بشيء.
تتمة: ومن دفن قبل غسله، وأمكن غسله، لزم نبشه، إن لم يخش تفسخه، أو تغيره. وكذا من دفن غير متوجه للقبلة، أو دفن قبل الصلاة عليه، أو قبل تكفينه. ومن كفن بحرير، فالأولى عدم نبشه. ويجوز نبشه لغرض صحيح، كتحسين كفن، ولدفنه في بقعة
_________________
(١) السدر: شجر النبق. انظر: مختار الصحاح ص ١٢٣، مادة: (سدر).
(٢) متفق عليه من حديث أم عطية ﵂. صحيح البخاري برقم (١١٩٥)، ومسلم برقم (٩٣٩).
(٣) قد يفهم من ظاهر كلامه تعميم بدن الميت بذلك. وهو اختيار جماعة من الأصحاب. والصحيح من المذهب: أنه لا يغسل برغوة السدر إلا رأسه ولحيته فقط، وذلك في كل غسلة. انظر: الإنصاف ٦/ ٦٧، التنقيح ص ١٢٧.
[ ٣٥٣ ]
خير من بقعته، ولمجاورة صالح، إلا الشهيد، حتى لو نقل منه، رد إليه؛ لأن دفن الشهيد في مصرعه سنة. وحمل الميت إلى غير بلده، لغير حاجة، مكروه. ويجوز نبشه إذا دفن لعذر بلا غسل وحنوط (^١). وكذا يجوز نبشه؛ لإفراده في دفنه عمن دفن معه بقبر على حدته.
تتمة: ظاهر كلام الأكثر: أن غسل الملائكة لا يكفي. قال في «الانتصار»: «يكفي إن علم غسله» (^٢)، وكذا منقول في تعليق القاضي (^٣)، واحتج بغسل الملائكة لحنظلة (^٤)، وبغسلهم لآدم ﵇ (^٥)، وبأن سعدًا لما مات «أسرع النبي ﷺ في المشي إليه، فقيل له في ذلك، فقال: خشيت أن تسبقني الملائكة إلى غسله، كما
_________________
(١) الحنوط: ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٤٥٠.
(٢) الانتصار ٢/ ٦٢٠.
(٣) انظر: الفروع (٣/ ٢٧٦).
(٤) لما قُتِلَ حنظلة قال رسول الله ﷺ: «إن صاحبكم تغسله الملائكة، فسألوا صاحبته، فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب، فقال رسول الله ﷺ لذلك غسلته الملائكة» رواه ابن حبان برقم (٧٠٢٥)، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (٧٠٦٢).
(٥) عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ قال: «لما حُضر آدم ﵇ قال لبنيه: انطلقوا فاجنوا لي من ثمار الجنة، قال: فخرج بنوه، فاستقبلتهم الملائكة، فقالوا: أين تريدون يا بني آدم؟ قالوا: بعثنا أبونا؛ لنجني له من ثمار الجنة، قال: ارجعوا فقد كفيتم، قال: فرجعوا معهم حتى دخلوا على آدم، فلما رأتهم حواء ذعرت منهم، وجعلت تدنو إلى آدم، وتلصق به، فقال لها آدم: إليك عني، إليك عني، فمن قبلك أتيت، خل بيني وبين ملائكة ربي، قال: فقبضوا روحه، ثم غسلوه، وحنطوه، =
[ ٣٥٤ ]
سبقتنا إلى غسل حنظلة» (^١). قال في «الفروع»: «ويتوجه في مسلمي الجن كذلك، وأولى؛ لتكليفهم».
(وشهيد المعركة) من ذكر، وأنثى (والمقتول ظلمًا) ملحق بشهيد المعركة (لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه)، جزم أبو المعالي بالحرمة. وقال ابن الجوزي في «التبصرة» (^٢): «لا يجوز غسله» (^٣). وكلام الموفق يحتمل الكراهة والتحريم، ذكره في «الإنصاف» (^٤). وقال في «مجمع [٥٦/ ب] البحرين»: «لم أقف بتصريح لأصحابنا، هل غسل الشهيد حرام أو مكروه؟» (^٥). وقطع في «التنقيح» بأنه يكره، وتبعه في «المنتهى» (^٦).
_________________
(١) = وكفنوه، ثم صلوا عليه، ثم حفروا له، ثم دفنوه، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم في موتاكم رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم (٦٩٤٧).
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٤٢٧.
(٣) «التبصرة» لابن الجوزي كتاب مشتمل على مجالس وعظية، من وقفات مع آيات، وقصص للأنبياء، ونحو ذلك، وقد سبق أن نقل منه الشارح في المقدمة بعض الأحاديث في فضل العلم. أما كتاب التبصرة الذي ينقل منه الأصحاب فهو: «التبصرة في الفقه»، لأبي محمد، عبد الرحمن بن محمد الحلواني الحنبلي، المعروف بأبي الفتح، المتوفى سنة خمسمائة وست أربعين. انظر: حاشية ابن قاسم ١/ ١٢٦.
(٤) نقل في الفروع ٣/ ٢٩٦ قول أبي المعالي، وقول صاحب «التبصرة».
(٥) انظر: الإنصاف ٦/ ٩٠. وكلام الموفق المحتمل في المقنع ص ٧٧، حيث قال: (والشهيد لا يغسل، إلا أن يكون جنبًا).
(٦) وتمام كلامه كما في النكت والفوائد السنية ١/ ٢٩٠: (فيحتمل الحرمة؛ لمخالفته الأمر).
(٧) انظر: التنقيح ص ١٢٨، المنتهى ١/ ١٠٦.
[ ٣٥٥ ]
اعلم أنَّ الشهيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم: شهيد الدنيا والآخرة. وهو شهيد المعركة: من قاتل الكفار؛ لتكون كلمة الله هي العليا حتى مات. فشهيد الآخرة بالنسبة لما له من الثواب في الآخرة، وشهيد الدنيا بالنسبة لعدم تغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه. وما ألحق به: من المقتول ظلمًا. روى أبو داود عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» (^١).
وقسم: شهيد الآخرة. وهو بالنسبة لما له من الثواب في الآخرة، من غير أحكام الدنيا؛ كالحريق، والغريق، [والشريق]، والمبطون (^٢)، والمطعون (^٣)، وصاحب الهدم (^٤)، وذات الجنب (^٥)، والسل (^٦)، واللُّقْوة (^٧)، والصابر في الطاعون، والمتردي إن لم يكن
_________________
(١) أخرجه أبو داود، في شرح السُّنَّة برقم (٤٧٧٢)، والترمذي برقم (١٤٢١).
(٢) المبطون: الذي يموت بمرض بطنه كالاستسقاء، والإسهال. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ١٣٦، المطلع ص ٢٩٢.
(٣) المطعون: الذي مات بالطاعون. انظر: مشارق الأنوار ١/ ٣٢١.
(٤) أي: الذي يقع عليه الشيء. انظر: غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٤٩٣.
(٥) ذات الجَنْب: قرحة تصيب الإنسان داخل جنبه. انظر: المطلع ص ٢٩٢، وفي الطب الحديث: التهاب في الغشاء المحيط بالرئة. انظر: المعجم الوسيط ١/ ١٣٨، مادة: (جنب).
(٦) السِّل: قروح تكون في الرئة، فتتجلط، وتثقل عن الحركة. انظر: الشرح الممتع ١١/ ١٢٢.
(٧) اللُّقْوة: داء يأخذ في الوجه، يعوج منه الشدق. انظر: العين ٥/ ٢١٢، المعجم الوسيط ٢/ ٨٣٦، مادة: (لقو).
[ ٣٥٦ ]
بفعل الكفار، فيكون شهيد المعركة، ومن مات في سبيل الله، وعن صاحب «الفروع»: «من مات في الحج، ومن مات في طلب العلم». انتهى، ومن طلب العلم بنية صادقة، وموت المرابط، والعلماء الذين هم أمناء الله في الأرض، والمجنون، والنفساء، واللديغ، وفريس السَّبع، ومن خرَّ عن دابته. ومن أغربها: موت الغريب، وأغرب منه: موت العاشق إذا عفَّ وكتم. وقد بينت أدلة ذلك في كتابي: «حقائق العيون الباصرة» أحسن بيان، في الباب الحادي عشر، المعقود لأحكام الشهداء.
وقسم: شهيد الدنيا فقط. وهو من قام به مانع حال القتال، كمن قاتل رياء وسمعة، أو غلَّ في الغنيمة، أو فر من الزحف، ونحوه؛ لأن الأحاديث وردت بنفي تسميته شهيدًا إذا قتل في حرب الكفار (^١). وإنما له حكم شهداء الدنيا، من كونه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه، وفي مصرعه. ولكن ليس له ثوابهم، وربما يأثم.
تنبيه: المراد بالشهيد. قيل: إن الله وملائكته يشهدون له بالجنة. وقيل: إن الأنبياء تشهد له بحسن الاتباع. وقيل: إن
_________________
(١) ومنها ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت؛ لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به، فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار …» رواه مسلم برقم (١٩٠٥).
[ ٣٥٧ ]
الملائكة كذلك. إلى غير ذلك من الأقوال. وقد ذكرت في كتابي «حقائق العيون الباصرة» نحوًا من ثمانية عشر قولًا، فراجعه إن أردت اتساعًا.
(ويجب بقاء دمه) أي: دم الشهيد (عليه) لا نجاسة معه؛ لقوله ﷺ: «يدفن قتلى أحد في دمائهم» (^١)، وفي الحديث: «اللون لون الدم، والريح ريح المسك» (^٢)، (و) يجب (دفنه في ثيابه) التي قتل فيها؛ لأمره ﷺ بقتلى أحد «أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم، بدمائهم» رواه أبو داود، عن ابن عباس (^٣). قال في «الإقناع»: «وظاهره: ولو حريرًا» (^٤). قال في «المبدع»: «ولعله غير مراد»، فلا يزاد في الثياب، ولا ينقص. فإن كان الشهيد قد سلبها، فيكفن بغيرها. ويستحب دفنه في مصرعه، وهو المكان الذي قتل فيه؛ لقوله عليه الصلاة السلام: «تدفن
_________________
(١) أخرجه البخاري من حديث جابر ﵁ ولفظه: «كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم». وتقدم تخريجه في مقدمة الشارح عن فضل العلم.
(٢) أوله: «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة …» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁. صحيح البخاري برقم (٢٦٤٩)، ومسلم برقم (١٨٧٦).
(٣) سنن أبي داود برقم (٣١٣٤)، وابن ماجه برقم (١٥١٥).
(٤) الإقناع ١/ ٣٤١. قال في غاية المنتهى ١/ ٢٦٦: (ودفن بثيابه التي قتل فيها، ولو حريرًا).
[ ٣٥٨ ]
الأجساد حيث تقبض الأرواح» (^١)، حملوه على الشهداء؛ لأن السنة في غيرهم دفنهم في الصحراء.
(وإن حمل) شهيد المعركة، أو المقتول ظلمًا (فأكل، أو شرب، [١/ ٥٧] أو نام، [أو بال] (^٢)، أو تكلم، أو عطس، أو طال بقاؤه عرفًا، أو قتل، وعليه ما يوجب الغسل، من نحو جنابة كحائض، ونفساء انقطع دمهما فهو كغيره من الموتى، يغسل ويكفن، ويصلى عليه وجوبًا؛ لتغسيله ﷺ سعد بن معاذ (^٣).
(و) يغسل، ويكفن، ويصلى على ال (سقط) (^٤) لأربعة أشهر) فأكثر كما يغسل (المولود) إذا ولد (حيًا) ثم مات. ويستحب تسميته، ولو ولد قبل أربعة أشهر. وإن كان السقط من كافرين، فمات أحد أبويه [بدارنا] (^٥)، فكمسلم؛ لأنه محكوم بإسلامه.
(ولا يغسل مسلم كافرًا، ولو) كان الكافر (ذميًا) أي: كتابيًا (ولا يكفنه، ولا يصلي عليه، ولا يتبع جنازته، بل يوارى الكافر، أي: يدفن لعدم من يواريه) التراب.