(ومن جاوز) أي: تعدَّى (دَمُها خمسةَ عشرَ يومًا) الذي هو مدة أكثر الحيض (فهي مستحاضة) لأنه لا يصلح أن يكون حيضًا؛ لقوله ﷺ: «إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة» متفق عليه (^١).
والاستحاضة: سيلان الدم في غير زمن الحيض من عرق يقال له: العاذل - بالذال المعجمة. وقيل: المهملة -.
(تجلس) أي: المستحاضة، بأن تدع الصلاة، والصوم، والطواف، وقراءة القرآن، ونحوه (من كل شهر) غالب الحيض (ستة) أيام (أو سبعة) أيام (حيث (لا) تعلم لدمها (تمييز)، فإن كان لدمها تمييز، بأن كان بعض دمها أحمر، وبعضه أسود، ولم يتجاوز الأسود أكثر الحيض، ولم ينقص عن أقله، جلسته في الشهر الثاني، وكان حيضها، والآخر يكون استحاضة. وكذا يعتبر الرقيق والثخين. إن صلح أن يكون حيضًا، تجلسه، ولو لم يتكرر، أو يتوال. والأحمر والرقيق غير المنتن، استحاضة.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٠٠)، ومسلم برقم (٣٣٣).
[ ١٦٠ ]
وإن استحاضت معتادة، جلست عادتها. وإن نسيت عادتها، عملت بالتمييز الصالح إن كان. فإن لم يكن لها تمييز، أو كان لها تمييز، ولكنه غير صالح، بأن نقص عن يوم وليلة، أو جاوز خمسة عشر يومًا، فهي المتحيرة. فراجع حكمها في المطولات إن أردت بيانًا.
تتمة:
في المبتدأة بدم، أو صُفْرَة، أو كُدْرَة (^١)، بعد تسع سنين، تجلس بمجرد ما تراه أقل الحيض يوم وليلة، إن بلغ ذلك، فتغتسل بعده، سواء انقطع بعد اليوم والليلة أو لا، وتصلي، وتصوم، ونحوهما؛ لأن ما زاد على أقله يحتمل أن يكون استحاضة، ولا تترك الغسل لفعل الواجب، ما لم يكن انقطع لأقل من يوم وليلة.
فإذا جاوز الدم أقل الحيض، ثم انقطع، ولم يجاوز أكثر الحيض، اغتسلت ثانيًا وجوبًا، ثم تجلس شهرين كذلك، تغتسل بعد اليوم والليلة، وتغتسل أيضًا بعد انقطاع الدم؛ لقوله ﷺ: «دعي الصلاة أيام أقرائك» (^٢) (^٣)، وهي جمع، وأقله ثلاث، فتجلس
_________________
(١) الصُّفْرَة: الماء الأصفر الذي تراه المرأة في أثناء الدم. انظر: الدر النقي ١/ ١٤٧. والكُدْرَة من الألوان: ما نحا نحو السواد والغبرة. انظر: لسان العرب ٥/ ١٣٤، مادة: (كدر).
(٢) الأقراء جمع قرء: وهو الوقت، فيطلق على الحيض، وعلى الطهر، فهو من الأضداد. انظر: لسان العرب ١/ ١٣٠، مادة: (قرأ)، المطلع ص ٣٣٤. والمراد هنا: الحيض. انظر: المغني ١١/ ١٩٩، مجموع الفتاوى ٢٠/ ٤٧٩.
(٣) رواه الدارقطني برقم (٣٦).
[ ١٦١ ]
الثلاثة (^١) أشهر، ولا تثبت العادة بدونها.
فإن لم يختلف حيضها في الثلاثة (^٢) شهور، صار عادة، فتنتقل إليه، بأن تجلسه جميعًا في الشهر الرابع؛ لتيقنه حيضًا، وتعيد صوم الفرض؛ كرمضان، ونذر، وكطواف، واعتكاف واجبين، إن صدر ذلك في حال الدم؛ لكونه تبين أنه حيضًا.
وإن اختلف في الشهور الثلاثة، بأن كان في أول شهر خمسة، وفي الثاني ستة، وفي الثالث سبعة، فتجلس خمسة أيام، وهو ما تكرر منه في الثلاثة (^٣) [شهور]؛ لأنه حيض.
وإن رأت في الأول ستة، وفي الثاني خمسة، وفي الثالث أربعة، فتجلس الأربعة؛ لتكررها في الثلاثة (^٤) شهور.
وإن جاوز أكثر مدة الحيض، فهي مستحاضة، وتقدم أحكامها (^٥).
(ثم) إن المستحاضة (تغتسل، وتصوم، وتصلي) بوضوء، ويكون ذلك (بعد غسل المحل) الملوث (وتعصيبه) من ربط، وحشو قطن، وغيره، حسب الإمكان، بما يمنع الخارج.
(و) يلزمها أن (تتوضأ في وقت كل صلاة) إن خرج شيء فيه، وإلا، فلا يلزمها.
_________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) كذا في الأصل.
(٣) كذا في الأصل.
(٤) كذا في الأصل.
(٥) تقدمت في أول هذا الفصل.
[ ١٦٢ ]
وإن كان ينقطع الدم في زمن يتسع فيه فعل الوضوء والصلاة، لزم الوضوء، وفعلها فيه.
(وتنوي) المستحاضة (بوضوئها الاستباحة) أي: استباحة الصلاة. ويسن اغتسالها لكل صلاة، كما تقدم في الأغسال المستحبة في باب الغسل.
(وكذا يفعل) من غسل المحل، وتعصيبه، والوضوء في وقت كل صلاة بنية الاستباحة كل من كان (حدثه دائم) من سلس بول، أو سلس مَذْي، أو ريح، أو جرح لا يرقأ (^١) دمه، أو رُعَاف (^٢) دائم، ونحوه.
(ويحرم وطء المستحاضة) ما لم يكن خائف العنت (^٣)، وكذلك هي؛ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها (^٤) (ولا كفارة) في وطء المستحاضة.
(والنفاس لا حد لأقله) لأنه لم يرد تحديده، فرجع فيه إلى الوجود. وهو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل له، مأخوذ من النفس، وهو الخروج من الجوف، أو من نفس الله كربته، أي: فرجها.
_________________
(١) أي: لا يسكن. انظر: العين ٥/ ٢١١، مادة: (رقأ).
(٢) الرُّعَاف: الدم الذي يسبق من الأنف. انظر: تاج العروس ٢٣/ ٣٥١، مادة: (رعف).
(٣) العَنَت: الزنا. انظر: شرح الزركشي ١/ ٤٣٥.
(٤) قالت عائشة ﵂: «المستحاضة لا يغشاها زوجها» رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم (١٦٢٤).
[ ١٦٣ ]
وعرفا: دم ترخية الرحم مع ولادة، وقبلها بيومين، أو ثلاثة، بعلامة على الولادة؛ كالتألم. وإلا فلا تجلسه؛ عملا بالأصل. وإن تبين عدمه، أعادت ما تركته من العبادة.
(وأكثر) النفاس، غير اليومين، أو الثلاثة، الذي تراه من قبل الولادة (أربعون يوما).
(ويثبت حكمه) أي: حكم النفاس (بوضع ما يتبين فيه خلق إنسان) ولو كان خفيا؛ لأنه ولادة. ولا يثبت حكم النفاس بوضع علقة، أو مضغة (^١) لا تخطيط فيها. وأقل ما يتبين فيه خلق أحد وثمانون يوما. قال المجد (^٢)، وابن تيميم (^٣)، وابن حمدان (^٤)،
_________________
(١) (العلقة): المني ينتقل بعد طوره، فيصير دما غليظا متجمدا، ثم ينتقل طورا آخر، فيصير لحما، وهو (المضغة) سميت بذلك؛ لأنها بمقدار ما يمضغ. انظر: المصباح المنير ٢/ ٤٢٦، مادة: (علق).
(٢) هو: مجد الدين، أبو البركات، عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن تيمية الحراني ﵀، ولد سنة تسعين وخمسمائة - تقريبا - بحران، من مصنفاته: المنتقى من أحاديث الأحكام، والمحرر في الفقه. توفي بحران سنة اثنتين وخمسين وستمائة. انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٤٩.
(٣) هو: الفقيه، أبو عبد الله، محمد بن تيميم الحراني ﵀، تفقه على الشيخ المجد، وصنف المختصر، ووصل فيه إلى أثناء الزكاة. توفي شابا، قريبا من سنة خمس وسبعين وستمائة. انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٩٠.
(٤) هو: نجم الدين، أبو عبد الله، أحمد بن حمدان بن شبيب النميري الحراني ﵀، ولد سنة ثلاث وستمائة بحران، ومن مصنفاته: الرعاية الكبرى والصغرى. توفي سنة خمس وتسعين وستمائة بالقاهرة.
[ ١٦٤ ]
وغيرهم: ثلاثة أشهر (^١).
(فإن تخلل) أي: نقص عن الـ (الأربعين) يوما، فحصل الـ (نقاء، فهو طهر) كالحيض، فتغتسل، وتفعل العبادة (لكن يكره وطؤها فيه) أي: في زمن النقاء بعد الغسل.
(ومن وضعت ولدين، فأكثر) أي: أكثر من ولدين (فـ) يكون (أول مدة النفاس من) ولادة (الأول، فلو كان) مضى (بينهما) أي: بين الولدين (أربعون يوما) فأكثر (فلا نفاس للـ) مولود الـ (ثاني). (و) تجب الكفارة (في وطء النفساء) كـ (ما) تجب (في وطء الحائض) نصا، قياسا عليه، وهو دينار، أو نصف دينار، على التخيير، كما تقدم.
(ويجوز للرجل شرب دواء مباح) غير محرم؛ لـ (يمنع) به (الجماع، و) يجوز (للأنثى) أيضا (شربه؛ لـ) أجل (حصول الحيض؛ ولـ) أجل (قطعه) ولا يجوز أن تسقى المرأة؛ لقطع الحيض، بغير علمها. وفي «الفائق»: «لا يجوز أن تشرب ما يقطع الحمل. ذكره بعضهم» (^٢).
_________________
(١) = انظر: المقصد الأرشد ١/ ٩٩، شذرات الذهب ٥/ ٤٢٨.
(٢) عزا في كشاف القناع ١٣/ ١٦: قول المجد لشرح الهداية، وفي المحرر ٢/ ٢٩٣، والرعاية الصغرى ٢/ ٢٧٦ أن أقل ما يتبين فيه الولد أحد وثمانون يومًا. وأما ابن تميم فقال في مختصره ١/ ٤٤٠: (غالبًا ثلاثة أشهر). وانظر: شرح المنتهى ١/ ٢٤٤.
(٣) «الفائق» لشرف الدين ابن قاضي الجبل كما في ترجمته في الدر المنضد ٢/ ٥٤٧، والمقصد الأرشد ١/ ٩٥، وقد اطلع عليه الشطي كما في مختصره ص ٧١، وقال: (اسمه كمسماه)، ولا أعلم شيئًا عن مكان وجوده. وقد نقل قوله في الإنصاف ٢/ ٤٧١. ووافقه في: الإقناع ١/ ١١٠، وغاية المنتهى ١/ ١٢٣.
[ ١٦٥ ]