(ويجب) الزكاة (^١) (فيما يُسْقَى بلا كُلْفَة) كمن يشرب بعروقه، وهو البَعْلي. وكمن يشرب من الغيث، وهو المطر. وكمن يشرب بسيح (^٢)، من ماء نهر، أو عين، ولو بإجراء ماء حَفِيرة اشتراه. ولا يؤثر مؤنة حَفْر النهر، ولا مؤنة تحويل الماء (العُشْر) فاعل يجب؛ لما في الخبر (^٣) (و) يجب (فيما يُسْقَى بكُلْفَة) كمن يشرب من دولاب، وتسمى بمصر ساقية (^٤)، وناعورة يديرها الماء، وناضح (^٥)، وما يحتاج إلى رفع الماء، من آلة غرف، أو غيره (نصف العُشْر) لما رواه أحمد، عن ابن عمر مرفوعًا: «فيما سَقَتْ السماء العُشْر، وفيما سُقِي بالنَّضْح نصف العُشْر» (^٦).
ويجب فيما يسقى نصفه بكُلفة، ونصفه بلا كُلفة، ثلاثة أرباع العُشْر. فإن تفاوت أحدهما، بأن سُقِي بأحدهما أكثر من الآخر، اعتبر الأكثر. فإن جُهِل، فالعُشْر.
_________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) السَّيح: الماء الجاري على وجه الأرض. انظر: مختار الصحاح ص ١٣٦، مادة: (سيح).
(٣) سيأتي ذكره بعد قليل.
(٤) وهي الآلة التي تديرها الدابة؛ ليستقى بها. انظر: المعجم الوسيط ١/ ٣٠٥، مادة: (دَلَب).
(٥) الناضح: البعير، أو الثور، أو الحمار الذي يستقى عليه الماء. انظر: لسان العرب ٢/ ٦١٩، مادة: (نضح).
(٦) مسند الإمام أحمد رقم (٢٢٠٣٧) من حديث معاذ ﵁.
[ ٤١٩ ]
(ويجب إخراج زكاة الحب مصفى) من قشره، وتبنه (و) يجب إخراج زكاة الثمر (يابسًا) للخبر (^١)؛ لأنه حال نضجه وطيب أكله. فلو باعه على هذه الحالة، لم تسقط الزكاة. ويصح اشتراط الزكاة على مشتر، ولا زكاة إن باع قبل ذلك، إلا إن قصد الفرار، فلا تسقط.
ولا تستقر الزكاة إلا بجعل الحبوب والثمار في جَرِين، وهو بمصر والعراق، والآن بمصر يسمى جُرْن، والبيدر بالشرق والشام، والمِرْبَد بالحجاز، والمِسْطَاح بلغة آخرين (^٢)، وهو الموضع الذي تجمع (^٣) فيه الحب والثمر؛ ليتكامل الجفاف.
قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن الخارص إذا خرص الثمر، ثم أصابته جائحة (^٤) قبل الجذاذ، فلا شيء عليه». انتهى.
(فلو خالف) المزكي (وأخرج) الزكاة (رطبًا، لم يجزئه) عن الزكاة (ووقع) ذلك الإخراج (نفلًا) أي: صدقة.
(وسن للإمام، بعث خارص لثمرة النخل والكرم إذا بدا
_________________
(١) عن عتاب بن أسيد ﵁ قال: «أمر رسول الله أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبًا، كما تؤخذ زكاة النخل تمرًا» رواه أبو داود برقم (١٦٠٣)، والترمذي برقم (٦٤٤)، وقال: «هذا حديث حسن غريب».
(٢) أهل نجد يسمونه (المِسْطَح). انظر: جمهرة اللغة ١/ ٢٩٧، لسان العرب ٣/ ١٧١، مادة: (ربد).
(٣) كذا في الأصل، ولعل الأنسب أن يقال: (يجمع).
(٤) الجائحة: الآفة من السماء بغير جناية آدمي، تهلك الثمار. انظر: تهذيب اللغة ٥/ ٨٨، مادة: (جوح).
[ ٤٢٠ ]
صلاحها) وهو وقت الوجوب؛ لحديث عائشة (^١) (ويكفي) خارص (واحد) لخبر عائشة (^٢) (وشرط كونه) أي: الخارص (مسلمًا، أمينًا) لا يتهم. والمتهم من عمودي نسب المالك (خبيرًا) بالخرص، ولو كان عبدًا (وأجرته) أي: الخارص (على رب الثمرة) وفي «المبدع»: (أجرته على بيت المال).
والخرص: حزر مقدار الثمرة في رؤوس النخل والكرم، بعد أن يطوف الخارص به.
ويجب على الخارص أن يترك لرب المال الثلث أو الربع، فيجتهد حسب المصلحة؛ لحديث سهل بن أبي حثمة مرفوعًا: «فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا فدعوا الربع» رواه أحمد (^٣).
فإن أبى الخارص، فلمالك أكل بقدر ذلك من ثمر، نصًا.
ويأكل مالك من حب العادة، وما يحتاجه، ولا يحتسب ذلك عليه. قال أحمد في رواية عبد الله (^٤): «لا بأس أن يأكل الرجل من غلته بقدر ما يأكل هو وعياله»، ولا يحتسب عليه.
_________________
(١) عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود، فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه» رواه أبو داود برقم (١٦٠٦).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) مسند أحمد برقم (١٥٧١٣)، وأبو داود برقم (١٦٠٥)، والترمذي برقم (٦٤٣) وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد».
(٤) هو: أبو عبد الرحمن، عبد الله ابن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل ﵀، ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين، حدث عن أبيه وغيره، وله عنه مسائل كثيرة، ولم يكن أحد أروى عن أبيه منه، مات سنة تسعين ومائتين، عن سبع وسبعين سنة. انظر: طبقات الحنابلة ١/ ١٨٠.
[ ٤٢١ ]
ولا يخرص غير نخل وكرم.
(ويجب عليه) أي: على الإمام (بعث السعاة (^١) قرب الوجوب؛ لقبض زكاة المال الظاهر) من المزكي.
(ويجتمع العشر والخراج في كل الأرض الخراجية) نص عليه؛ لعموم الأخبار (وهي) أي: الأرض الخراجية (ما فتحت عنوة) أي: قهرًا بالسيف (ولم تقسم بين الغانمين) غير مكة (كمصر والشام والعراق) (وتضمين أموال العشر) وهو الالتزام بها (و) كذا تضمين (الأرض الخراجية) بمقدار معلوم (باطل) لأنه يقتضي الاقتصار عليه، فيملك ما زاد، ويغرم ما نقص، وهذا مناف لموضوع العمالة، وحكم الأمانة.
(و) تجب الزكاة (في العسل) من النحل: (العشر) نصًا، سواء أخذه من موات، كرؤوس الجبال، أو من أرض مملوكة له، أو لغيره، عشرية، أو خراجية؛ لحديث عمرو بن شعيب (^٢) (ونصابه) أي: العسل (مائة وستون رطلًا عراقية) ومائة واثنان وأربعون رطلًا وستة أسباع رطل مصرية، وهو عشرة أفراق نصًا؛ لما روي عن عمر (^٣). والفرق ستة عشر رطلًا عراقية، وهي مكيال.
_________________
(١) السعاة: عمال الصدقة الذين يأخذونها من أربابها. مختار الصحاح ص ١٢٦، مادة: (سعي).
(٢) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو -رضي الله عن ﵁ هما-، عن النبي ﷺ: «أنه أخذ من العسل العشر» رواه ابن ماجه برقم (١٨٢٤).
(٣) عن عطاء الخراساني: «أن عمر أتاه ناس من أهل اليمن، فسألوه واديًا، فأعطاهم إياه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن فيه نحلًا كثيرًا، قال: فإن عليكم في كل عشرة أفراق فرقًا» رواه عبد الرزاق ٤/ ٦٣.
[ ٤٢٢ ]
معروف بالمدينة. ذكره الجوهري (^١) (^٢).
ولا زكاة في من (^٣)، وترنجبيل (^٤)، وشير خشك (^٥)، ونحو ذلك.
تتمة: (و) يجب (في الركاز) أي: الكنز من دفن الجاهلية، أو ما (^٦) تقدم من الكفار في دار إسلام، أو عهد، أو حرب، - فإن كان عليه، أو على بعضه علامة المسلمين، فهو لقطة. وكذا ما وجد من الأواني، والحلي، والسبائك، لا يملك إلا بعد التعريف؛ تغليبًا
_________________
(١) هو: أبو نصر، إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي ﵀، إمام مشهور في اللغة والأدب، وقد شافه باللغة العرب العاربة، وله الكثير من التصانيف توفي في حدود الأربعمائة. انظر: معجم الأدباء ٢/ ٢٠٥.
(٢) انظر: الصحاح في اللغة للجوهري ٤/ ١٥٤٠، مادة: (فرق). ويعادل ٦٥٢٨ غرامًا، و٨، ٢٦٣ لترًا. انظر: التعليق على الإيضاح والتبيان ص ٦٩.
(٣) المن: كل طل ينزل من السماء على شجر أو حجر، ويحلو، وينعقد عسلًا. انظر: تاج العروس ٣٦/ ١٩٦، مادة: (منن).
(٤) كذا في الأصل، والذي يظهر أن مراده الترنجبين، كما في الإقناع ١/ ٤٢٥. والترنجبين: هو المن. انظر: تاج العروس ٣٤/ ٣١٦، مادة: (ترنجبن). وفي تكملة المعاجم العربية ٢/ ٤٠، ٤١ أن الترنجبيل: نبات من الفصيلة البقلية، له زهر أصفر، وله بزر يشبه العدس.
(٥) شير خشك: نوع من المنّ، وهو حب أبيض، مثل حب الترنجبين، وهو أفضل أنواع المنّ، وأصله: (شيرين خسك)؛ أي: حلاوة يابسة. انظر: تكملة المعاجم العربية ٦/ ٣٩٦.
(٦) كذا في الأصل. ولعل الأنسب أن يقال «من»، انظر: المنتهى (١/ ١٣٦).
[ ٤٢٣ ]
لدار الإسلام - من نقد، أو عرض، ولو كان قليلًا. على واجده إذا كان من أهل الزكاة، ولو صغيرًا (الخمس) لحديث أبي هريرة (^١). ويملك الركاز إذا كان بأرضه، أو في أرض موات، أو شارع، أو أرض لا يعلم مالكها، ولو على وجهها من غير دفن. وإن علم مالك الأرض، أو انتقلت إليه، ولم يدعه المالك معه علمه؛ لأن الركاز لا يملك، فهو للواجد. فإن ادعاه ولا بينة معه ولا وصف، فالركاز له مع يمينه. وكذا حكم المستأجر والمستعير.
_________________
(١) ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «وفي الركاز الخمس» متفق عليه. صحيح البخاري برقم (١٤٢٨)، ومسلم برقم (١٧١٠).
[ ٤٢٤ ]