وهي ثابتة بالكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ
_________________
(١) في الأصل بالإشباع والصواب ما أثبته.
(٢) في الأصل: «أحدهما»!.
[ ٢٩٧ ]
الصَّلوةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]، وبالسنة؛ لأنه ﷺ صلاها، وأجمع
الصحابة على فعلها.
(تصح صلاة الخوف إذا كان القتال مباحًا) لا محرَّمًا؛ لأنها رخصة لا تستباح لمحرَّم (حضرًا) كان (أو سفرًا) لأن المبيح الخوف، لا السفر. إلا الجمعة، فتصح حضرًا، لا سفرًا. وقيل: تجوز سفرًا.
صلاة الخوف تصح في السفر على ستة أوجه، قال في «الإقناع»: «أو سبعة» أوجه، قال الإمام أحمد: «صح عن النبي ﷺ صلاة الخوف من خمسة أوجه، أو ستة»، وفي رواية أخرى: «من ستة أوجه، أو سبعة» (^١). قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تقول بالأحاديث كلها، أم تختار واحدًا منها؟ قال: (أنا أقول: من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل (^٢) فأنا أختاره) (^٣).
الأول: إذا كان العدو جهة القبلة، يُرى للمسلمين، ولم يُخف كمين يأتي من خلف المسلمين، صفهم الإمام صفين، أو أكثر
_________________
(١) ذكر الروايتين في: المبدع ٢/ ١٢٦، والإنصاف ٥/ ١١٧. وفي مسائل أبي داود ص ١١١: (سمعت أحمد سُئل عن صلاة الخوف؟ فقال: أوجه يروى فيه، أو سبعة).
(٢) عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع، صلى صلاة الخوف: «أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم» متفق عليه. صحيح البخاري برقم (٣٩٠٠)، ومسلم برقم (٨٤٢).
(٣) نقله عنه في المغني ٣/ ٣١١، ونحوه في مسائل ابن منصور ٢/ ٧٣٢.
[ ٢٩٨ ]
من صفين، وأحرم بالجميع، ثم ركع بهم ورفع، فإذا سجد الإمام سجد معه الصف المقدم، وحرس الصف المؤخر، حتى يقوم الإمام بالصف المقدم إلى الركعة الثانية، فيسجد الصف المؤخر للركعة الأولى لنفسه، ويلحق الإمام في وقوفه، ثم الأولى: تأخر الصف المقدم، وتقدم الصف المؤخر؛ ليحصل التساوي في فضيلة الموقف، ويسجد في الركعة الثانية مع الإمام الصف الذي تقدم، وحرس الصف المؤخر الذي سجد معه في الركعة الأولى، حتى يجلس الإمام للتشهد، فيسجد الصف المؤخر الحارس في الركعة الثانية لنفسه، ويلحق الإمام في التشهد، فيسلم الإمام بجميعهم.
ويجوز جعلهم صفًا واحدًا، ويحرس بعض الصف في الركعة الأولى، ويقوم الإمام بهم إلى الركعة الثانية، ويسجد بقية الصف الحارس، ويلحق الإمام. ويفعل في الركعة الثانية كذلك. ولا يجوز حرس صف في الركعتين. وهذه الصفة رواها جابر (^١).
_________________
(١) عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصفنا صفين: صف خلف رسول الله ﷺ، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا، في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا» رواه مسلم برقم (٨٤٠).
[ ٢٩٩ ]
الثاني (^١) إذا كان العدو بغير جهة القبلة، أو كان بجهة القبلة، ولكن لم ير (^٢) كلهم، أو بعضهم للمسلمين، قسمهم الإمام طائفتين، تكفي كل طائفة منهم العدو، فطائفة تذهب لجانب العدو تحرس المسلمين، وهي مؤتمة بالإمام حكمًا في كل صلاته، والطائفة الثانية تحرم مع الإمام بعد إحرامه، فيصلي بها ركعة، وهي مؤتمة به في هذه الركعة فقط، فإذا فرغت هذه الطائفة من هذه الركعة الأولى، نوت مفارقة الإمام بعد أن يستتم قائمًا إلى الركعة الثانية، فإن فارقته قبل أن يستتم الإمام قائمًا إلى الركعة الثانية، بطلت الصلاة، فإذا فارقت الإمام، أتمت صلاتها لنفسها، وسلمت، ومضت للحراسة مكان الطائفة الحارسة، ويطيل الإمام في هذه الحالة القراءة، إلى أن تأتي الطائفة التي كانت حارسة، فتنوي، وتصلي [معه] الركعة الثانية، فإذا أتم الإمام الركعة الثانية، جلس للتشهد ينتظرها، ويكرر في جلوسه التشهد حتى تأتي بالركعة التي فاتتها، وتتشهد، فيسلم بها، ولا يسلم قبلهم.
وللإمام أن يصلي بالطائفتين الرباعية التامة من غير قصر، يصلي بالطائفة الأولى ركعتين حكم ما تقدم، ثم تنوي المفارقة في التشهد وتتم لنفسها وتسلم، لكن يجلس الإمام بعد صلاة الطائفة الأولى في التشهد، ويكرره ينتظر الطائفة الثانية الحارسة، فيقوم فيصلي بها الركعتين، ثم يجلس الإمام في التشهد يكرره، إلى أن تأتي الطائفة الثانية بالركعتين، ثم يسلم بها. ويصح أن يصلي الإمام الرباعية بطائفة ركعة واحدة، وبالأخرى ثلاثًا.
_________________
(١) هذا الوجه هو الموافق لحديث سهل ﵁، الذي اختاره الإمام أحمد ﵀.
(٢) في الأصل: بالإشباع، والصواب ما أثبته.
[ ٣٠٠ ]
وإن كانت مغربًا (^١)، صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعتين، وفارقته في التشهد، فتتم صلاتها لنفسها، وتسلم، والإمام يجلس، فيكرر التشهد، إلى حين أن تتوجه الطائفة الأولى التي صلت، وتأتي الطائفة الثانية الحارسة، فيصلي بها ركعة، ويجلس يكرر التشهد، إلى حين أن تأتي بما فاتها، ثم تجلس تتشهد، ويسلم الإمام بها. وللإمام أن يصلي بالأولى ركعة، وتنوي المفارقة، وتتم لنفسها، وتسلم، ويصلي الإمام بالثانية ركعتين، ويجلس في التشهد، يكرره، إلى أن تأتي بالركعة وتتشهد، ويسلم بها.
وإن جعلهم الإمام في الرباعية أربعًا، وصلى بكل طائفة ركعة، صحت، وكذا المغرب إن جعلهم ثلاثًا، صحت.
الثالث: يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعة، ثم تفارقه، وتمضي للحراسة، وتأتي الأخرى، فيصلي بها الركعة الثانية، ثم تمضي، ويسلم الإمام وحده، ثم تأتي الطائفة الأولى، فتتم صلاتها، وتسلم، ثم تمضي، وتأتي الأخرى، وتتم صلاتها كذلك؛ لخبر ابن مسعود (^٢).
_________________
(١) في الأصل: مغرب، والصواب ما أثبته.
(٢) ولفظه: قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصففنا صفين، صف خلفه، وصف مواجه العدو، فكبر رسول الله ﷺ بالصفين خلفه، فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم انصرفوا إلى مقام إخوانهم، وأقبل الآخرون يتخللونهم، فصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم سلم رسول الله ﷺ، وصلوا الذين خلفه لأنفسهم ركعة وسجدتين، ثم انصرفوا إلى مصافهم، وأقبل الآخرون فصلوا لأنفسهم ركعة وسجدتين» أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (٦٢٥٧)، وقال: «هذا الحديث مرسل، أبو عبيدة لم يدرك أباه».
[ ٣٠١ ]
الرابع: أن يصلي الإمام بكل طائفة من الطائفتين صلاة، ويسلم بها رواه أحمد، عن أبي بكرة مرفوعًا (^١). والشافعي، عن جابر (^٢). وغايته اقتداء الطائفة الثانية المفترضين بالمتنفل، وهو مغتفر هنا.
الخامس: أن يصلي الإمام الرباعية الجائز قصرها تامة، بكل طائفة ركعتين، بلا قضاء من الطائفتين المأمومتين، فتكون للإمام تامة، وللمأمومين مقصورة؛ لحديث جابر (^٣).
السادس: ومنعه الأكثر (^٤). وهو أن يصلي الإمام الرباعية الجائز قصرها بكل طائفة ركعة، بلا قضاء على الطائفتين؛
_________________
(١) مسند أحمد برقم (٢٠٤٩٧)، ولفظه: قال: «صلى بنا النبي ﷺ صلاة الخوف، فصلى ببعض أصحابه ركعتين، ثم سلم، فتأخروا، وجاء آخرون فكانوا في مكانهم، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فصار للنبي ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان ركعتان».
(٢) الأم ١/ ٢١٦. وهو مرفوع أيضًا، ولفظه: عن جابر بن عبد الله ﵁: «أن النبي ﷺ صلى صلاة الظهر صلاة الخوف ببطن نخل، فصلى بطائفة ركعتين وسلم، ثم صلى بأخرى ركعتين ثم سلم». ورواه النسائي، في كتاب صلاة الخوف برقم (١٥٥٢).
(٣) وفيه: «وأقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي ﷺ أربع، وللقوم ركعتان» متفق عليه. صحيح البخاري برقم (٣٩٠٦)، ومسلم برقم (٨٤٣).
(٤) قال في التنقيح ص ١١٦: (صح في ظاهر كلامه، واختاره الموفق، وقدمه في الفروع، والرعاية، ومختصر ابن تميم، ومجمع البحرين، والفائق، وغيرهم، وهو الوجه السادس. والمذهب خلافه، وعليه الأكثر).
[ ٣٠٢ ]
كصلاته ﷺ في خبر ابن عباس (^١)، وغيره (^٢).
السابع من الأوجه التي أشار إليها الإمام أحمد؛ لما رواه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعًا (^٣). وهو أن تقوم معه، أي: مع الإمام طائفة، وأخرى تجاه العدو، وظهرها إلى القبلة، ثم
_________________
(١) ولفظه: «أن رسول الله ﷺ صلى بذي قَرَد، وصف الناس خلفه صفين: صفًا خلفه، وصفًا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة، ولم يقضوا» رواه النسائي، في كتاب صلاة الخوف برقم (١٥٣٣)، ٣/ ١٦٩، وأحمد ١/ ٣٥٧، والحاكم ١/ ٤٨٥، وقال: «هذا حديث صحيح»، وصححه الألباني في صحيح النسائي برقم (١٤٤٢).
(٢) عن ثعلبة بن زهدم قال: «كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقام فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فقال حذيفة أنا، فصلى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة، ولم يقضوا» رواه أبو داود برقم (١٢٤٦)، والنسائي برقم (١٥٢٩).
(٣) مسند أحمد برقم (٨٢٦٠). ولفظه: قال ﵁: «قام رسول الله ﷺ لصلاة العصر، وقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابلة العدو، ظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله ﷺ وكبروا جميعًا، الذين معه، والذين يقابلون العدو، ثم ركع رسول الله ﷺ ركعة واحدة، ثم ركعت معه الطائفة التي تليه، ثم سجد وسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابلة العدو، فقام رسول الله ﷺ، وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إلى العدو، فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلة العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثم قاموا، فركع رسول الله ركعة أخرى، وركعوا معه، وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت تقابل العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله قاعد ومن تبعه، ثم كان التسليم، فسلم رسول الله ﷺ، وسلموا جميعًا، فكانت لرسول الله ﷺ ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعتان».
[ ٣٠٣ ]
يُحرم، وتحرم معه الطائفتان، ثم يصلي ركعة هو والذين معه، ثم يقوم إلى الثانية، ويذهب الذين معه إلى وجه العدو، وتأتي الأخرى، فتركع وتسجد، ثم يصلي بالثانية، وتجلس وتأتي التي تجاه العدو، فتركع وتسجد، ويسلم الإمام بالجميع.
(ولا تأثير للخوف في تغيير عدد ركعات الصلاة) فلا يغيره الخوف، بناءً على قول أكثر الأصحاب، الذين يمنعون الوجه السادس المتقدم، وأما على ظاهر كلام الإمام فيؤثر أيضًا في عددها، كما في الوجه المشار إليه (بل) التأثير (في صفتها) أي:
في صفة الصلاة (وبعض شروطها).
(وإذا اشتد الخوف) أي: تواصل الضرب، والطعن، والكرّ، والفرّ، ولم يمكن تفريق القوم، ولم يمكن صلاتهم على ما سبق (صلّوا) وجوبًا إذا حضرت الصلاة حاضرة (رجالًا) أي: مشاة (وركبانًا، للقبلة، و) ل (غير) القبلة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
(ولا يلزم) المصلي (افتتاحها) أي: الصلاة (إليها) أي:
للقبلة (ولو أمكن المصلي التوجه للقبلة.
(يومئون) المصلون حسب (طاقتهم).
(وكذا) أي: كشدة صلاة الخوف الصلاة (في حالة الهرب من عدو هربًا مباحًا (أو) الهرب من سيل، أو سُبع) وقد يطلق على كل حيوان مفترس (أو نار، أو غريم ظالم) لا قدرة له على وفائه، فإن قدر، لم يجز (أو خوف فوت وقت الوقوف بعرفة) فيصلي بالإيماء صلاة خائف (و) كذا إن خاف على نفسه، أو) خاف على أهله أو خاف على ماله، أو احتاج إلى (ذبه) بالذال
[ ٣٠٤ ]
المعجمة (عن ذلك) أي: دفعه عن نفسه، أو أهله، أو ماله، فيصلي صلاة خائف (و) كذا ذبه (عن نفس غيره) أو مال غيره، صححه في «الإنصاف» (^١).
(وإن خاف عدوًا) يصيبه (إن تخلف عن رفقته، فصلى) في هذه الحالة (صلاة خائف، ثم بان) بعد الصلاة (أمن الطريق، لم يعد) الصلاة.
(ومن) صلى صلاة أمن، (فخاف) في صلاته (أو) صلى صلاة خائف، ف (أمن في صلاته، انتقل) في الأولى من الأمن إلى الخوف، وفي الثانية من الخوف إلى الأمن (وبنى) على ما مضى من صلاته.
(ولمصلي) في صلاة خوف (كرّ) على العدو (وفرّ) منه (لمصلحة) وكذا لا يضر تأخر الإمام عن المأموم في شدة الخوف؛ لدعاء الحاجة إليه (ولا تبطل) الصلاة (بطول) الكر، والفر؛ لأنه موضع ضرورة (وجاز) في الصلاة لأجل (حاجة حمل نجس) لا يعفى عنه في غيرها ولا يعيد ما صلاه في الخوف مع النجس الكثير؛ للعذر.
تتمة: يسن للخائف أن يحمل في الصلاة ما يدفع به عن نفسه، من سيف، وسكين، ما لم يثقله، فيكره. ويكره حمل ما يمنع إكمال الصلاة.
* * *
_________________
(١) الإنصاف (٥/ ١٥١).
[ ٣٠٥ ]