روى الترمذي، عن صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما
_________________
(١) سنن ابن ماجه برقم (٢٢٤).
(٢) المعجم الأوسط ٩/ ١٧٤.
(٣) لم أجده عند الطبراني. وأخرجه البزار ١٥/ ١٩١.
[ ٦٥ ]
آمن بالقرآن من استحل محارمه» (^١).
وروى الترمذي، عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزول قدما عبد [يوم القيامة] حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه فيما فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟» (^٢).
وروى البيهقي، من حديث معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال: «ما تزال (^٣) قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع؛ عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟» (^٤).
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (٢٩١٨).
(٢) سنن الترمذي برقم (٢٤٧١) وما بين معقوفتين زيادة من السنن.
(٣) في شعب الإيمان (تزول).
(٤) شعب الإيمان برقم (١٧٨٥).
[ ٦٦ ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
﷽
افتتح كتابه بهذا الاسم الأعظم، الموصوف بكمال المبالغة في الرحمة (^١)؛ اقتداءً بالفرقان المنزل على رسوله المفضل ﷺ وعَظَّم وكرَّم، وتبركًا بذكر اسم الباري ﷻ. والباء للملابسة، أو للاستعانة. وقيل: للتعدية (^٢)؛ وعملًا بالحديث الشريف، من رواية الخطيب (^٣)، من قوله ﷺ: «كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر» (^٤)، أي: ذاهب البركة (^٥). والرحمن أبلغ من الرحيم (^٦)؛
_________________
(١) بعد كلمة «الرحمة» في الهامش ٥ كلمة غير واضحة.
(٢) انظر: معاني القرآن ١/ ٥١.
(٣) هو: أحمد بن علي بن ثابت البغدادي ﵀، ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، من مصنفاته: تاريخ بغداد، والفقيه والمتفقه، وتقييد العلم. توفي ببغداد سنة ثلاث وستين وأربع مائة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٢٧٠، الوافي بالوفيات ٧/ ١٢٦.
(٤) من حديث أبي هريرة ﵁. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٦٩. انظر: كتاب تحقيق المقال في شرح حديث «كل أمر ذي بال» لأحمد بن أحمد المقدسي والذي تشرفت بتحقيقه وهو من مطبوعات مشروع لطائف لصاحبه شيخنا الدكتور وليد المنيس حفظه الله تعالى.
(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٩٣.
(٦) انظر: الفروق اللغوية للعسكري ص ١٦٠، تفسير ابن كثير ١/ ٢١.
[ ٦٧ ]
لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى. وقدّم (^١)؛ لأنه كالعلم، من حيث إنه لا يوصف به غيره تعالى؛ لأن معناه: المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وهو لا يصدق على غيره تعالى.
(الحمد لله) الحمد في اللغة: الوصف الجميل الاختياري، على جهة التبجيل والتعظيم. وفي العرف: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم، من حيث إنه منعم على الحامد، أو غيره.
ابتدأ المصنف بذلك؛ تأسيًا بالكتاب العزيز، ولقوله ﷺ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع» (^٢). ومعنى ذي بال: أي: حال يهتم به. ومعنى أقطع: أي: ناقص البركة. وأل في الحمد: للجنس، أو الاستغراق، أو العهد. واللام في الله: للملك. واختير لفظ الجلالة دون بقية الأسماء؛ لأنه علم للذات، ومختص به، فيعم جميع أسمائه الحسنى، ولأنه اسم الله الأعظم عند أكثر العلماء.
(رب) أي: المالك (العالمين) جمع عالم، وهو: كل ذي روح. وقيل: كل من كان له عقل يخاطب، مثل: بني آدم، والملائكة، والجن.
(وأشهد) أي: أقر، وأعلم (أن لا إله) أي: لا معبود في الوجود بحق (إلا الله وحده) أي: المنفرد في ذاته (لا شريك له).
_________________
(١) أي قدّم الرحمن على الرحيم.
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٢٠٨.
[ ٦٨ ]
في ذاته، ولا صفاته، ولا أفعاله. وذكر التشهد؛ لخبر أبي داود من قوله ﷺ: «كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء» (^١)، أي: قليلة البركة (مالك) قال - في التفسير - الليث السمرقندي (^٢): «مالك الملوك، وأيضًا يعني: قاضي، وحاكم (يوم الدين) أي: يوم الحساب».
و(أشهد أن محمدًا) سُمي به ﷺ؛ لكثرة خصاله المحمودة. ونقل عن بعض الحفاظ أنه سمي بهذا الاسم قبل النبي صلى الله عليه سبعة عشر إنسان (^٣) (عبده) وهو القائم بحقيقة العبودية (ورسوله) هو: إنسان أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه، وهو أخص من النبي (المُبَيِّن) أي: المظهر (لأحكام) جمع حكم، وهو في اللغة: القضاء، والحكمة. وفي الاصطلاح: خطاب الله تعالى المفيد فائدة شرعية (شرائع) جمع شرع، وهو ما شرعه الله تعالى من الأحكام (الدين) هو - أيضًا - ما شرعه الله تعالى من الأحكام، ويطلق على الإسلام، والملة (الفائز) أي: الظافر (بمنتهى) أي: بغاية (الإرادات) أي: المقاصد (من ربه) أي: من مالكه، كما تقدم (^٤) (فمن تمسك) أي: استعصم (بشريعته) أي: بأحكامه (فهو من الفائزين) أي: من الظافرين:
_________________
(١) من حديث أبي هريرة ﵁. سنن أبي داود برقم (٤٨٤١).
(٢) هو: نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي ﵀، المعروف بإمام الهدى، تفقه على أبي جعفر الهندواني، له تفسير القرآن، وكتاب النوازل في الفقه، وتنبيه الغافلين. توفي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ص ٩١، الفوائد البهية ص ٢٢٠.
(٣) انظر: التحبير ١/ ٩٠.
(٤) عند قول الماتن ﵀: (رب العالمين).
[ ٦٩ ]
(صلى الله) قال الأزهري (^١): «الصلاة من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن غيرهم التضرع والدعاء».
واختار ابن القيم رحمه الله تعالى في «جلاء الأفهام» (^٢) أن صلاة الله تعالى عليه: ثناؤه عليه، وإرادة إكرامه، برفع ذكره ومنزلته، وتقريبه. وأن صلاتنا نحن عليه: سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به. ورد قول من قال صلاته عليه: رحمته ومغفرته من خمسة عشر وجهًا.
وتستحب الصلاة عليه ﷺ وتتأكد كلما ذكر اسمه. وقيل: تجب (^٣). وكذا في ليلة الجمعة ويومها. وهي ركن في التشهد الأخير في الصلاة، وخطبتي الجمعة.
روى الطبراني، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى عليَّ في كتاب، لم تزل الملائكة تستغفر له، ما دام اسمي في ذلك الكتاب» (^٤).
(وسلم عليه) من السلام، وهو التحية، أو السلامة من النقائص والرذائل.
نقل شيخنا قدوة المحققين، وكنز المدققين، الشيخ منصور
_________________
(١) هو: محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي الأزهري ﵀، ولد سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وصنف تهذيب اللغة، والتقريب في التفسير، وتفسير ألفاظ كتاب المزني. توفي سنة سبعين وثلاثمائة. انظر: طبقات الشافعية للسبكي ٣/ ٦٣.
(٢) انظر: جلاء الأفهام ص ١٥٥.
(٣) انظر: المبدع ١/ ٤٦٧، فتح الملك العزيز ١/ ٨٩. والصحيح من المذهب أن الصلاة عليه ﷺ تتأكد كلما ذكر اسمه. انظر: الإنصاف ٣/ ٥٥١.
(٤) المعجم الأوسط برقم (١٨٣٥).
[ ٧٠ ]
البهوتي الحنبلي - تغمده برحمته (^١) في «حاشيته على الإقناع»: «تجوز الصلاة على غير الأنبياء منفردًا على الصحيح، نص عليه (^٢). قاله في «شرح التحرير»، قال: وظاهر سياقه فيه لا يكره إفراد الصلاة عن السلام عندنا. وفي «المبدع»: مكروه» (^٣).
(وعلى جميع الأنبياء) جمع نبي، وهو إنسان أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه (^٤).
(والمرسلين) جمع مرسل، ومعناه تقدم (^٥)، (وعلى آل كل) أي: آل كل نبي ومرسل. والآل على الصحيح من المذهب: الأتباع على الدين. وقيل: مؤمنو بني هاشم، وبني المطلب، وبني عبد مناف. وقيل: أهله.
(وصحبه أجمعين) أي: صحب كل. والصحب: اسم.
_________________
(١) هو: منصور بن يونس بن صلاح الدين البهوتي المصري ﵀، ولد سنة ألف، شرح الإقناع، والمنتهى، والزاد، ونظم المفردات. مات سنة إحدى وخمسين وألف بالقاهرة. انظر: السحب الوابلة ١١٣/ ١.
(٢) «نص عليه» أي: نص عليه الإمام أحمد. انظر كتاب المذهب عند الحنيفة، المالكية، الشافعية، الحنابلة وقد تشرفت بالعناية بجمعه وتحقيقه، وتفضل بطبعه مشروع لطائف لصاحبه شيخنا الدكتور وليد المنيس حفظه الله.
(٣) حواشي الإقناع ١/ ٣٥. والمذهب عدم وجوب السلام عليه ﷺ مع الصلاة. انظر: الإنصاف ٥/ ٢٢١، غاية المنتهى ١/ ٢٤٣.
(٤) انظر: شرح الطحاوية ص ١٦٧.
(٥) عند قول الماتن ﵀: (ورسوله).
[ ٧١ ]
جمع. والصحابي هو: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا، ومات على ذلك، أو رآه بعد البعثة. وعطفه على الآل من عطف الخاص على العام. والجمع بينهما ردًّا على الشيعة؛ لكونهم يوالون الآل دون الصحب. وقدم الآل؛ لما ورد من قوله ﷺ في حديث كعب: «نصلي عليك؟» (^١)، كما يأتي الحديث في كتاب الصلاة في أحكام التشهد الأخير (^٢).
(وبعد) كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر استحبابًا في الخطب والمكاتبات؛ لفعله ﷺ في خطبه، وشبهها. وهي ظرف زمان، وقد تستعمل ظرف مكان.
(فهذا) إشارة إلى ما استحضره المؤلف في ذهنه، وأقامه مقام الموجود بالعيان، (مختصر) وهو: ما قل لفظه، وكثر معناه، (في الفقه) هو في اللغة: الفهم. وفي الاصطلاح: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل، أو القوة القريبة. وقيل: هو الأحكام المذكورة نفسها، (على المذهب) هو في الأصل مصدر، أو اسم
_________________
(١) وكذا في الأل من غير «كيف»، نصه: قال كعب ﵁: «إن النبي ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله! قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي ﷺ برقم (٥٩٩٦)، ٥/ ٢٣٣٨، ومسلم، كتاب الصلاة برقم (٤٠٦)، ١/ ٣٠٥.
(٢) لم يذكر الحديث، وإنما قال: لحديث كعب بن عجرة.
[ ٧٢ ]
مكان، أو زمان، بمعنى: الذهاب، أو مكانه، أو زمانه، ثم نقل إلى ما قاله الإنسان بدليل (^١)، ومات قائلًا به، وكذا ما أجري مجرى ما قاله (^٢)، (الأحمد) أي: الأرضى الله تعالى ﷻ، (مذهب الإمام) أي: المقتدى به، هو: أبو عبد الله (أحمد) بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان - بالياء المثناة من تحت - بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هِنْب - بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها موحدة - بن أفصى - بالفاء والصاد المهملة - بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الشيباني المروزي البغدادي. هكذا ذكره الحافظ الخطيب وغيره (^٣). ولد في بغداد سنة أربع وستين ومائة. وتوفي ببغداد يوم الجمعة، ثاني عشر ربيع الأول، والأشهر ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وسنه سبع وسبعون سنة، أسلم يوم موته عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس. ومناقبه كثيرة ومصنفاته: «المسند» ثلاثون ألف حديث، و«التفسير» مائة وخمسون ألفًا، و«الناسخ والمنسوخ»، و«التاريخ»، و«المقدم والمؤخر في القرآن»، و«جوابات القرآن»، و«المناسك الكبرى، والصغرى» (^٤).
_________________
(١) في الأصل: (بديل)، ولعل الصواب ما أثبته.
(٢) انظر: أصول ابن مفلح ٤/ ١٥٠٩.
(٣) انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٤١٢، تاريخ دمشق ٥/ ٢٥٢.
(٤) انظر: طبقات الحنابلة ١/ ٤.
[ ٧٣ ]
(بالغت) المبالغة: ضد التقصير، أي: ما قصرت (في إيضاحه) أي: في بيانه (رجاء) أي: مؤملًا من الله تعالى (الغفران) أي: تغطية الذنب، وستره (وبينت) أي: أظهرت (فيه) أي: في المختصر (الأحكام) جمع حكم، وتقدم معناه (^١) (أحسن بيان) أي: أظهر بيان.
(لم أذكر) الذكر بمعنى: التلفظ، وهنا بمعنى الوضع (فيه إلا ما جزم) أي: قطع الأصحاب (بصحته) من الأقوال الصحيحة، مع ترك الضعيف، وذلك ما صححه (أهل التصحيح) للمذهب (والعرفان) قال في الصحاح: «العارف بمعنى: عليم، وعالم (وعليه الفتوى) أي: المفتى به (فيما بين) أي: عند (أهل الترجيح) قال في الصحاح: «رجح» أي: مال، وهو ما مال إليه الأصحاب في الصحة من الفتوى به (^٢)، على قول واحد (والإتقان) قال في الصحاح: «إتقان الأمر: إحكامه» (وسميته) من الوسم، وهو العلامة (بدليل) وهو ما يستدل به (الطالب) أي: القاصد (لنيل) أي: لإصابة (المطالب) جمع مطلب، وهو الشيء المتباعد، الذي لم ينل (^٣) إلا بطلب (والله أسأل) أي: أطلب من الله تعالى (أن ينفع به من اشتغل) أي: من تلبس بطل (به، وأن يرحمني) أي: يجعلني في رحمته الواسعة التي
_________________
(١) عند قوله في المتن: (المُبيّن لأحكام شرائع الدين).
(٢) انظر: تصحيح الفروع (١/ ٣١)، والإنصاف (١/ ٢٣)، والإقناع (١/ ٤).
(٣) كذا في الأصل. والصواب: (لم ينل).
[ ٧٤ ]
وسعت كل شيء (والمسلمين، إنه أرحم الراحمين) أي: أرحم من كل راحم.
[ ٧٥ ]