بفتح الجيم، جمع جنازة بالكسر. وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش الذي عليه الميت. وقيل: عكسه. والنعش من غير ميت يقال له: سرير. مشتقة من جنز، من باب ضرب إذا ستر. ووضع هذا الكتاب هنا؛ لأنه أهم ما يفعل بالميت الصلاة عليه؛ لأنه كان حقه أن يوضع بين الوصايا والفرائض.
(يسن الاستعداد للموت) بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]. والتوبة، ونحوها، واجب على الفور. والمستحب إنما هو ملاحظته في ذلك الخوف من الله تعالى، والعرض عليه، والسؤال عنه، وغيره مما يقع له بعد الموت (و) يسن (الإكثار من ذُكْرِه) (^١) أي: ذكر الموت؛ لقوله ﷺ: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» رواه البخاري (^٢). بالذال المعجمة، أي: الموت. ويكره الأنين لأنه يترجم عن الشكوى، ما لم يغلب عليه
_________________
(١) قال اللبدي في حاشيته ص ١٠٢: (هو بضم الذال المعجمة بمعنى التذكر، وبكسرها يكون بمعنى النطق به، وليس مرادًا. لكن ذكر بعض أهل اللغة أنه يصح أن يكون مكسور الذال بمعنى التذكر، فعلى هذا يقرأ بهما. تأمل).
(٢) لم أقف عليه في صحيح البخاري. أخرجه الترمذي برقم (٢٣٠٧)، وقال: «هذا حديث حسن غريب».
[ ٣٤١ ]
ذلك (و) يكره (تمني الموت) لحديث: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه» الحديث (^١)، (إلا لخوف فتنة) فلا يكره.
(وتسن عيادة المريض المسلم) لحديث أبي هريرة مرفوعًا (^٢). وقال ابن حمدان: إنه فرض كفاية (^٣). قال الشيخ - يعني: تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى -: «الذي يقتضيه النص وجوب ذلك» (^٤)، وقال: «المراد مرة» (^٥)، يعني: يجب مرة. قال في «الإقناع»: «وظاهره: ولو كان المرض من وجع ضرس، أو رمد (^٦)، أو دُمَّل (^٧)، خلافًا لأبي المعالي» (^٨) أنه لا يعاد بهذه الأمراض الثلاثة (^٩). ويسأل المريض عن حاله، وينفس له في الأجل بما
_________________
(١) متفق عليه، البخاري برقم (٥٣٤٧)، ومسلم برقم (٢٦٨٠).
(٢) ولفظه: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» متفق عليه. صحيح البخاري، واللفظ له برقم (١١٨٣)، ومسلم برقم (٢١٦٢).
(٣) ذكر في الرعاية الصغرى ١/ ١٣٤ أنها من المسنونات. وفي الفروع ٣/ ٢٥٢: (وفي أواخر «الرعاية»: فرض كفاية، كوجه في ابتداء السلام، ذكره شيخنا).
(٤) انظر: الاختيارات ص ١٢٨.
(٥) نقله عنه في كشاف القناع ٤/ ١٥.
(٦) الرمد: داء التهابي يصيب العين. انظر: المعجم الوسيط ١/ ٣٧٢، مادة: (رمد).
(٧) الدمَّل: التهاب محدود في الجلد والنسج التي تحته، مصحوب بتقيح. انظر: المعجم الوسيط ١/ ٢٩٧، مادة: (دمل).
(٨) الإقناع ١/ ٣٢٧.
(٩) نقل قول أبي المعالي في الفروع ٣/ ٢٥٢.
[ ٣٤٢ ]
يطيب نفسه؛ إدخالًا للسّرور عليه، ولا يطيل الجلوس عنده. وتكره العيادة وسط النهار. ويعاد المريض بكرةً، وعشيًا؛ لما فيه من تكثير صلاة الملائكة (^١)، وفي رمضان ليلًا؛ لأنه أرفق بالعائد.
ويستحب للعائد أن يذكر المريض بالتوبة؛ لأنها واجبة على كل حال، ويذكره الوصية، والخروج من المظالم، ويرغبه في ذلك، ويدعو للمريض بالصلاح، والعافية. ولا بأس بوضع يده عليه، وبرقاه، فيقول: «أذهب البأس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا». ويقول سبع مرات: «أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يشفيك، ويعافيك».
واعلم أن التوبة لا تقبل حال الغرغرة؛ لقوله ﵊: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (^٢). أي: تبلغ الروح الحلق. والحكمة في ذلك، قال في الآداب الشرعية: «لأن الروح تكون فارقت القلب، فانقطع القصد والنية» (^٣).
تتمة: يسن طلب الدعاء من المريض؛ لما رواه ابن ماجه، عن ميمون بن مهران، عن عمر - ولم يدركه - مرفوعًا: «سلوه الدعاء؛ فإن دعائه كدعاء الملائكة» (^٤).
ولا بأس بإخبار المريض بما يجده من الوجع، بلا شكوى،
_________________
(١) انظر: سنن أبي داود حديث برقم (٣٠٩٩).
(٢) أخرجه الترمذي برقم (٣٥٣٧)، وقال: «هذا حديث حسن غريب»، والترمذي برقم (٢٨٠٢).
(٣) بمعناه. الآداب الشرعية ١/ ١٦٧.
(٤) سنن ابن ماجه برقم (١٤٤١) ولفظه: «إذا دخلت على مريض فمره أن يدعو لك؛ فإن دعاءه كدعاء الملائكة».
[ ٣٤٣ ]
وذلك بعد حمد الله تعالى. ويستحب للمريض، وكل مبتلى، أن يصبر صبرًا جميلًا، وهو الصبر بلا شكوى إلى المخلوق، والشكوى إلى الخالق لا تنافيه، بل هي مطلوبة. وأجيب عن قوله: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] بوجهين:
أحدهما: أنه شكا إلى الله تعالى، لا منه.
والثاني: أنه أراد به الدعاء. فالمعنى يا رب ارحم أسفي على يوسف.
ومن الشكوى إلى الله تعالى، قول أيوب (^١): ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقول يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
قال سفيان بن عيينة: وكذلك من شكا إلى الناس، وهو في شكواه راض بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعًا، ألم تسمع قول النبي ﷺ لجبريل في مرضه: «أجدني مغمومًا، وأجدني مكروبًا» (^٢)، وأقول (^٣): «بل أنا وارأساه» (^٤). ذكره ابن الجوزي.
فائدة: ينبغي للمريض أن يشتغل بنفسه، وما يعود عليه ثوابه، من قراءة، وذكر، وصلاة، واسترضاء خصم، وزوجة، وجار، وكل من بينه وبينه علقة، ويحافظ على الصلوات، واجتناب النجاسة،
_________________
(١) في الأصل: (رب)، والصواب ما أثبته.
(٢) هو جزء من حديث أخرجه الشافعي في السنن المأثورة ١/ ٣٣٥ عن علي بن الحسين مرسلًا، والطبراني في المعجم الكبير ٣/ ١٢٩ عن علي بن الحسين عن أبيه ﷺ.
(٣) كذا في الأصل. وفي زاد المسير ٥/ ٣٧٨: (وقوله).
(٤) هو جزء من حديث عائشة. أخرجه البخاري برقم (٥٣٤٢).
[ ٣٤٤ ]
ويصبر على مشقة ذلك، ويتعاهد نفسه بتقليم أظفاره، وأخذ عانته، ونحو ذلك، ويعتمد على الله فيمن يحب، ويوصي للأرجح في نظره (^١).
تتمة: ولا يجب التداوي، ولو ظن نفعه، لكن يجوز اتفاقًا (^٢)، ولا ينافي التوكل؛ لخبر أبي الدرداء، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بالمحرم» (^٣). ويحرم التداوي بالسم. وترك التداوي أفضل، نص عليه (^٤)؛ لأنه أقرب إلى التوكل. واختار القاضي، وأبو الوفاء، وابن الجوزي، وغيرهم فعله (^٥)؛ لكثرة الأحاديث الواردة في التداوي (^٦).
ويحرم تداو بمحرم، ولو بصوت ملهاة (^٧)؛ لعموم الخبر (^٨).
ينبغي للمريض أن يحسن ظنه بربه. قال بعضهم: وجوبًا (^٩)؛
_________________
(١) انظر هذه الفائدة بتمامها في كشاف القناع ٤/ ٢٤، وصدرها أيضًا في الكشاف ب (فائدة).
(٢) حكاه في كشاف القناع ٤/ ٧. وفي الهداية شرح البداية ٤/ ٩٧.
(٣) أخرجه أبو داود برقم (٣٨٧٤)، والبيهقي في السنن الكبرى برقم (٢٠١٧٣).
(٤) انظر: مسائل ابن هانئ ١/ ١٤٣.
(٥) نقله عنهم في الفروع ٣/ ٢٣٩.
(٦) منها الحديث المتقدم.
(٧) الملهاة: آلة اللهو، وجمعها: الملاهي. انظر: تاج العروس ٣٩/ ٤٩٧.
(٨) أي: خبر أبي الدرداء ﵁ المتقدم.
(٩) قال في الإنصاف ٦/ ١٠: (يحسن المريض ظنه بربه. قال القاضي: يجب ذلك. قال المجد: ينبغي أن يحسن الظن بالله تعالى، وتبعه في مجمع البحرين. والصحيح من المذهب أنه يغلب رجاءه على خوفه).
[ ٣٤٥ ]
لما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة (^١). وينبغي للمريض في مرضه أن يغلب الرجاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وفي الصحة أن يغلب الخوف؛ لحمله على العمل. ونص الإمام أن يكون خوفه ورجاؤه واحد (^٢)، فأيهما غلب صاحبه هلك. قال الشيخ تقي الدين: «هذا العدل» (^٣).
وسن أن يليه إذا اشتد عليه كرب الموت أرفق أهله به، وأعرفهم بمداراته، وأتقاهم الله تعالى، وأن يتعاهد بل حلقه بماء، أو شراب، ويندي شفتيه بقطنة؛ لأن ذلك يطفئ ما نزل به من الشدة، ويسهل عليه النطق بالشهادة.
(و) يسن (تلقينه عند موته) قول (لا إله إلا الله، مرة) لحديث: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (^٤). وسمي المحتضر ميتًا باعتبار ما هو واقع به (^٥)، واقتصر على الشهادة؛ لأن إقراره بها إقرار بالأخرى. وقال بعض العلماء: يلقن الشهادتين. وقال أبو المعالي: «يكره تلقين الورثة، ما لم يكن غيره» (^٦).
فائدة: قال العلامة العلقمي ﵀، من أئمة الشافعية (^٧)، في
_________________
(١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي». صحيح البخاري برقم (٧٠٦٦)، ومسلم برقم (٢٦٧٥).
(٢) كذا في الأصل، والصواب: (واحدًا). انظر: مسائل ابن هانئ ٢/ ١٧٨.
(٣) نقله عنه في الفروع ٣/ ٢٥٩. وفي الفتاوى الكبرى ٤/ ٤٤٣.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٩١٦ و٩١٧).
(٥) انظر: غريب الحديث للخطابي ١/ ٣٢٨.
(٦) نقله عنه في الفروع ٣/ ٢٧١، والإنصاف ٦/ ١٣.
(٧) هو: العلامة، شمس الدين، محمد بن عبد الرحمن بن علي العلقمي الشافعي ﵀، ولد سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وكان من تلاميذ
[ ٣٤٦ ]
«حاشيته على الجامع الصغير»: «أما إذا كان المحتضر كافرًا، فينبغي الجزم بتلقين الشهادتين؛ لأنه لا يصير مسلمًا إلا بهما. ولا يقول في التلقين: قل، بل يقول بحضرته؛ ليسمع التلقين، فيقولها، إلا أن يكون كافرًا، فيقول له: قل، كما قال النبي ﷺ لعمه أبي طالب (^١)، وللغلام اليهودي» (^٢). انتهى.
(ولم يزد) على المرة (إلا إن) لم يُجِب، أو (يتكلم) بعدها، فيعاد التلقين؛ ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله؛ لقوله ﷺ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^٣).
(و) يسن أن (يقرأ) عنده (الفاتحة) نص عليه (و) يقرأ أيضًا
جلال الدين السيوطي، ومن المدرسين بجامع الأزهر، له الكوكب المنير بشرح الجامع الصغير، ومختصر إتحاف المهرة، وملتقى البحرين. توفي سنة تسع وستين وتسعمائة. انظر: شذرات الذهب ٨/ ٣٣٨، الأعلام ٦/ ١٩٥.
_________________
(١) عن ابن المسيب، عن أبيه: «أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ، وعنده أبو جهل، فقال: أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله …» متفق عليه. صحيح البخاري برقم (٣٦٧١)، ومسلم برقم (٢٤).
(٢) عن أنس ﷺ قال: «أن غلامًا يهوديًا كان يضع للنبي ﷺ وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي ﷺ، فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي ﷺ: يا فلان، قل لا إله إلا الله، فنظر إلى أبيه، فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي ﷺ، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله الا الله، وأنك رسول الله، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أخرجه بي من النار» أخرجه أحمد برقم (١٢٧٩٢) واللفظ له. والبخاري برقم (١٢٩٠).
(٣) هو من حديث معاذ بن جبل ﷺ أخرجه أبو داود برقم (٣١١٦)، وأحمد برقم (٢٢٠٣٤).
[ ٣٤٧ ]
عنده (يس) للحديث (^١)، وفي «المستوعب»: ويقرأ «نَبَرَكَ» (و) يسن (توجيهه) أي: المحتضر (إلى القبلة، على جنبه الأيمن) وذلك (مع سعة المكان، وإلا) أي: وإن لم يكن المكان واسعًا فيوجهه (على ظهره) مستلقيًا على قفاه. وعن الإمام: يوجه مستلقيًا، واسعًا كان المكان، أو ضيقًا، اختاره الأكثر (^٢)، وعليه العمل (^٣). قال جماعة: يرفع رأسه قليلًا. واستحب الموفق، وغيره تطهير ثيابه قبيل موته (^٤).
(فإذا مات سن تغميض عينيه) للحديث (^٥)، ولئلا يقبح منظره (^٦). (و) يسن عند تغميضه ("قول: «بسم الله، وعلى وفاة رسول الله» ﷺ)، نص عليه. ولا يتكلم من حضره إلا بخير. ويشد لحييه، ويلين مفاصله، ويجعل على بطنه مرآة حديد، أو نحوها. ويجب من غير عذر، أن يسارع في قضاء دينه، وبراءة ذمته، ودفع الحقوق إلى أهلها، من إخراج كفارة، وحج واجب، ونذر،
_________________
(١) عن معقل بن يسار قال: قال النبي ﷺ: «اقرؤوا يس على موتاكم» أخرجه أبو داود برقم (٣١٢١)، وابن ماجه برقم (١٤٤٨).
(٢) انظر: النكت والفوائد السنية ١/ ٢٨١، المبدع ٢/ ٢١٦.
(٣) قال في الإنصاف ٦/ ١٧: (قلت: وهذا المعمول به، بل ربما شق جعله على جنبه الأيمن).
(٤) قال في الفروع ٣/ ٢٧٠: (واستحب الشيخ تطهير ثيابه قبل موته)، وقال في المبدع ٢/ ٢١٧: (ويستحب تطهير ثيابه، ذكره في المغني، والشرح)، وقال في الإنصاف ٦/ ١٧: (فائدة: استحب المصنف، والشارح تطهير ثيابه قبيل موته)، ولم أجد استحباب الموفق في كتبه.
(٥) عن أم سلمة ﵂ قالت: «دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد شق بصره، فأغمضه» رواه مسلم برقم (٩٢٠).
(٦) في الأصل: (منظر).
[ ٣٤٨ ]
من موجود، وإمضاء وصيته قبل الصلاة عليه، إن أمكن ذلك، وإلا استحب لورثته، أو غيره أن يتكفل بضمان ذلك لربه؛ لأجل براءة ذمته؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» رواه أحمد (^١). ويسن الإسراع في تجهيزه، إلا في موت الفجأة، ممن مات بغتة، أو بصعقة، أو هدم، أو خوف، أو سبع، أو تَردّ، أو غير ذلك مما يشك في موته، حتى يعلم موته يقينًا، بانخساف صدغيه (^٢)، وميل أنفه، وانفصال كفيه، وارتخاء رجليه، وغيبوبة سواد عينيه في البالغين، وهو أقواها، زاد في «الشرح» و«الرعاية»: وامتداد جلدة وجهه (^٣). ووجه تأخير تجهيزه؛ لاحتمال أن يكون عرض له مرض السكتة، ونحوها، وقد يفيق بعد ثلاثة أيام بلياليها. ويحرم فعل النعي (^٤)؛ لحديث: «إياكم والنعي؛ فإن النعي من عمل الجاهلية» رواه الترمذي، عن ابن مسعود مرفوعًا (^٥).
(ولا بأس بتقبيله، والنظر إليه) مما (^٦) يباح له نظره (ولو) كان (بعد تكفينه) نص عليه.
_________________
(١) مسند أحمد برقم (١٠٥٩٩)، والترمذي برقم (١٠٧٩).
(٢) الصدغ: ما بين العين والأذن. انظر: مختار الصحاح ص ١٥١، مادة: (صدغ)، المطلع ص ١١٤.
(٣) الشرح الكبير ٦\ ٢٣، ولم أقف عليه في الصغرى، ونقله في الإنصاف ٦\ ٢٣ عن الكبرى.
(٤) النعي: هو النداء بموته. انظر: تاج العروس ٤٠\ ١٠٩، مادة: (نعي). ولا بأس بالإعلام بموته بلا نداء. انظر: المبدع ٢\ ٢١٩، الإقناع ١\ ٣٣١، شرح المنتهى ٢\ ٧٧.
(٥) سنن الترمذي برقم (٩٨٤).
(٦) كذا في الأصل ولعل الأنسب أن يُقال: (ممن).
[ ٣٤٩ ]
تتمة: روى الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن يموت بعرق الجبين» (^١)، فعرق الجبين دليل موت العبد على الإيمان، قال الترمذي: قال عبد الله: «إن المؤمن تبقى عليه خطايا من خطاياه، فيجازى بها عند الموت، فيعرق لذلك جبينه» (^٢) حياء من الله؛ لما اقترف من مخالفته؛ لأن ما سفل منه قد مات، وإنما بقيت قوى الحياة وحركتها فيما علا، والحياء في العينين، والكافر في عمى عن هذا كله. والموحد المعذب في شغل عن هذا بالعذاب الذي قد حلَّ به. وقد أوردت غير هذا مما ورد في كتابي «حقائق العيون الباصرة» (^٣)، فراجعه إن أردت إحاطة.
وعن عبد الله بن بريدة (^٤)، [عن أبيه] (^٥)، أن رسول الله ﷺ قال: «موت المؤمن عرق الجبين» (^٦)، وعن سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ارقبوا الميت عند موته ثلاثًا: إن رشحت جبينه، وذرفت عيناه، وانتشر مَنْخِراه، فهي رحمة من الله قد
_________________
(١) مسند أحمد برقم (٢٢٩٦٤)، والترمذي برقم (٩٨٢)، وقال: «هذا حديث حسن».
(٢) نوادر الأصول ١/ ٤١٤.
(٣) نوادر الأصول ١/ ٤١٣.
(٤) هو: قاضي مرو، وعالم خراسان، أبو سهل، عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي ﵀، ولد لثلاث سنين خلون من خلافة عمر ﵁، حدث عن أبيه، وعائشة، وأبي موسى الأشعري ﵁. مات سنة خمس عشر ومائة، وعمره مائة سنة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ١٠٢، طبقات الحفاظ ص ٤٧.
(٥) ما بين المعقوفتين من مصادر التخريج.
(٦) أخرجه أحمد برقم (٢٢٩٦٤) وتقدم آنفًا تتمة تخريجه.
[ ٣٥٠ ]
نزلت به (^١).
فائدة: «عرض الأديان على العبد عند الموت ليس عامًا لكل أحد، ولا منفيًا عن كل أحد. بل من الناس من تعرض عليه الأديان، ومنهم من لا تعرض عليه، وذلك كله من فتنة المحيا. والشيطان أحرص ما يكون على إغواء بني آدم وقت الموت» (^٢).