(كتاب) هو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هذا كتاب، وهو مصدر كالكتب، والكتابة بمعنى الجمع، ومنه الكتيبة - بالمثناة من فوق - للجيش، والكتابة بالقلم بجمع الكلمات والحروف. والقصد به هنا: المكتوب، الجامع لمسائل الطهارة؛ من بيان أحكامها، وما يوجبها، وما يتطهر به، ونحو ذلك.
بداءة المصنف به اقتداءً بالأئمة؛ كالشافعي رضي الله تعالى عنه؛ لأن أكد أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة، والطهارة شرطها، والشرط مقدم على المشروط. وقد يقال: حيث إن من الأولوية البداءة بما هو آكد، فالبداءة بأحكام الشهادتين أولى؟
الجواب: أن الشهادتين مندرجتان (^١) في ضمن الطهارة معنى؛ لأنهما طهارة الباطن، فحصلت البداءة بهما ضمنًا.
وبدأوا أيضًا بربع العبادات؛ اهتمامًا بالأمور الدينية، والمعاملات على النكاح؛ لأنه سبب ضروري يتساوى فيه الكبير والصغير، وشهوة الأكل والشرب مقدم على شهوة النكاح، والنكاح على المخاصمات والجنايات؛ لأن وقوعها لا يكون إلا بعد فراغ شهوة البطن والفرج.
_________________
(١) في الأصل: «مندرجتين»، والصواب ما أثبته.
[ ٧٧ ]
(الطهارة) مصدر طَهُر، وهو فعل لازم يتعدى بالتضعيف، فيقال: طَهَّرتُ الثوب.
وهي لغةً: النظافة، والنزاهة عن الأقذار، حسية كانت كالنجاسات أو معنوية كالحسد، ونحوه (^١)؛ لأنه روي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «كان النبي ﷺ إذا دخل على مريض قال: لا بأس طهور إن شاء الله» (^٢) أي: مطهر من الذنوب.
(وهي) أي: الطهارة (رفع) أي: زوال (الحدث) هو وصف حال بالبدن، مانع لصحة الصلاة، والطواف، ومس المصحف، والقراءة، واللبث في المسجد، إن كان أكبر. وما في معنى الحدث: الحادث بغسل الميت، والوضوء والغسل المستحبين، وغسل يدي القائم من نوم الليل، وما زاد على المرة الأولى في الوضوء، ونحو ذلك؛ وهو ما يوجب وضوءًا، ويوصف بالأصغر، وما يوجب غسلًا، ويوصف بالأكبر. والحدث ليس بنجاسة.
(وزوال الخبث) أي: النجاسة الطارئة على محل طاهر، أو حكمها، بالاستجمار، أو التيمم، سواء كان بفعل؛ كغسل المتنجس، أو بنفسه؛ كزوال تغير الماء، وانقلاب الخمرة خلًا.
(وأقسام الماء ثلاثة) باعتبار ما نوعه الشرع (أحدها) (طهور) أي: مطهر (وهو) أي: الماء (الباقي على خلقته) أي: صفته التي خلق عليها حقيقة (^٣)؛ وهو الذي لا يطرأ عليه شيء،
_________________
(١) كشاف القناع ١/ ٣٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٥٣٣٢).
(٣) في الأصل: (حقية).
[ ٧٨ ]
أو حكمًا؛ وهو الذي يطرأ عليه، لكن لا يسلبه الطهورية؛ كالمتغير بطول المكث، والطحلب (^١)، ونحوه.
(وهو) أي: الماء الطهور (أربعة أنواع): أحدها: ال (ماء) الذي (يحرم) أي: لا يجوز استعماله، ولا يرفع الحدث، ويزيل الخبث، وهو ال (ماء) المغصوب، أو ثمنه (ليس) ب (مباح) وكذا المُسَبَّل، لا يرفع الحدث.
الثاني: (و) هو بقية ال (ماء) الذي (يرفع حدث الأنثى، لا) يرفع حدث (الرجل) البالغ، و) لا حدث (الخنثى، وهو ما) كان دون القلتين، الذي خلت به المرأة المكلفة ولو كافرة، حيث لم يشاهدها أحد (الطهارة كاملة عن حدث) لنهي النبي ﷺ «أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» رواه أبو داود (^٢). وهو أمر تعبدي؛ لامتثال أمر الشارع، ولكن لم يعقل معناه؛ لأنه لا يظهر وجهه، لا أنه الذي لا وجه له؛ لأن لكل حكم وجهًا. وأما الخبث، فيزيله، وأيضًا يرفع حدث المرأة، والصبي. والرجل إذا لم يجد غيره، استعمله، وتيمم.
الثالث: (و) هو (ما يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه) وأما مع الحاجة، فلا يكره (وهو ماء بئر بمقبرة) لما كرهه الإمام. قاله في «الفروع» في الأطعمة (و) يكره أيضًا استعمال (ما اشتد حره، أو) اشتد (برده) لعدم كمال الطهارة به (أو سخن الماء (بنجاسة) ما لم يتحقق وصول دخان النجاسة إلى الماء، فإنه ينجس
_________________
(١) الطحلب: خضرة تعلو الماء المزمن. انظر: لسان العرب ١/ ٥٥٦، مادة: (طحلب).
(٢) حديث برقم (٨٢)، والترمذي برقم (٦٤).
[ ٧٩ ]
به. ذكره في «شرح المقنع»؛ لأن الاستحالة لا تطهر على المذهب (أو سخن) الماء (ب) شيء (مغصوب. و) يكره أيضًا استعمال قليل ما (استعمل في طهارة لم تجب كتجديد وضوء، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، والأغسال المستحبة؛ للخلاف في سلبه الطهورية (^١)، (و) يكره أيضًا ما استعمل في غسل كافر) لأن الكافر ليس له نية (و) كذا يكره استعمال الماء الم (تغير ب) ال (ملح) ال (مائي) وأما المتغير بالملح المعدني، يصير طاهرًا غير مطهر (و) يكره أيضًا استعمال الماء المتغير (بما لا يمازجه) أي: بما لا تختلط أجزاؤه في الماء (كتغيره بالعود القماري) نسبة إلى قمار، بلدة بالهند (^٢) (و) ب (قِطَع الكافور (^٣)، و) ب (الدهن) والسمن، والزيت، ونحوه؛ لأنه لا يمازج الماء، وكراهيته؛ خروجًا من الخلاف (^٤).
_________________
(١) قال بسلبه الطهورية: الحنفية، وهو وجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد. انظر: بدائع الصنائع ١/ ٦٧ و٦٩، المجموع ١/ ٢٦١، المغني ١/ ٣٤. وقال بطهوريته: المالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة على الصحيح. انظر: بلغة السالك ١/ ٢٦، المجموع ١/ ٢٦١، تصحيح الفروع ١/ ٧٤.
(٢) قمار موضع بالهند ينسب إليه العود، هكذا تقوله العامة، والذي ذكره أهل المعرفة: (قامرون موضع في بلاد الهند). معجم البلدان للحموي (٤/ ٣٩٦).
(٣) الكافور: أخلاط تجمع من الطيب. انظر: تهذيب اللغة ١٠/ ١١٥، لسان العرب ٥/ ١٥٠، مادة: (كفر).
(٤) لعله يشير إلى ما نقله البويطي عن الشافعي ﵀ بعدم جواز الوضوء به. وروى المزني أنه يجوز الوضوء به، وهو الصحيح باتفاق الشافعية. انظر: المجموع ١/ ١٠٥.
[ ٨٠ ]
(ولا يكره) استعمال (ماء زمزم) في رفع الحدث؛ لفعله ﷺ (^١)
(إلا) أي: لكن يكره استعماله (في إزالة الخبث).
الرابع: (و) هو (ما لا يكره) استعماله (كماء البحر، والآبار، والعيون، والأنهار، والحمام)؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم دخلوا الحمام، ورخصوا فيه (^٢). قال في «المبدع»: «الرخصة تشتمل الموقودة بالطاهر والنجس» (و) لا يكره استعمال الماء المسخن بالشمس، و(لا يكره استعمال الماء المتغير بطول المكث) أي: بطول الإقامة في مقره (أو) بتغير الماء (ب) مرور (الريح) عليه (من نحو ميتة) بجانبه (أو بما) أي: بشيء (يشق صون) أي: احتراز (الماء عنه، كـ) ــال (طحلب، وورق) ال (شجر) إذا سقط بنفسه (ما لم يوضع) ذلك قصدًا، فيصير بتغيره طاهرًا.
القسم (الثاني) من أقسام الماء: ال (طاهر) غير المطهر (يجوز استعماله في) شرب، وطبخ، وعجن، ونحوه (غير رفع الحدث، وزوال الخبث) لأنه لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث (وهو) أي: الطاهر: (ما تغير كثير من لونه، أو طعمه، أو ريحه ب) مخالطة (شيء طاهر) مطبوخ فيه، أو لا؛ كباقلاء (^٣)، وحمص، وزعفران، ولبن، ونحوه. لا يسير من أحد هذه الأوصاف، فإنه لا يضر. وأما اليسير من الأوصاف الثلاث، فيضر.
_________________
(١) كما في حديث علي ﵁ في الحج، وفيه: «ثم أفاض رسول الله ﷺ، فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ» رواه عبد الله في زوائد المسند ١/ ٧٦.
(٢) كأبي هريرة وابن عمر وأبي الدرداء. انظر: مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٠٣).
(٣) وهو الفول. انظر: لسان العرب ٦٢/ ١١، مادة: (بقل).
[ ٨١ ]
(فإن زال تغير الماء منه بنفسه، عاد) أي: رجع إلى طهوريته فيرفع الحدث، ويزيل الخبث.
(ومن) الماء (الطاهر) أيضًا (ما كان قليلًا، واستعمل في رفع) ال (حدث، أو انغمست فيه) أي: في الماء القليل (كل) أي: جميع (يد المسلم) غير الكافر (المكلف) غير البالغ، والمجنون (النائم ليلًا) غير النائم نهارًا (نومًا كثيرًا ينقض الوضوء) لا يسيرًا، من قائم، أو جالس (قبل غسلها) أي: اليد (ثلاثًا) لحديث: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا» (^١) (بنية، وتسمية، وذلك) أي: المذكور من التسمية، وغسل اليد (واجب)، وأما النية فشرط فيه، وتسقط التسمية سهوًا، قال شيخنا في «شرحه على المنتهى»: «قلت: وجهلًا، وأما النية فهي شرط في غسل اليدين».
القسم (الثالث) من أقسام الماء: (نجس) النجس لغةً: ما يستقذره ذو طبع سليم. وعُرفًا: كل عين حرم تناولها لذاتها، لا لحرمتها - كصيد الحرم، وكالطيب، ونحوه للمحرم - ولا لضررها - كالسمِّيَّات للبدن، والبنج، ونحوه للعقل .. والنجاسة قسمان: قسم نجاسته عين: فلا يطهر بحال. وقسم حكمي وهو: الطارئ على محل طاهر، يطهر بتطهيره.
(يحرم استعماله) أي: استعمال الماء النجس (إلا لضرورة) كلقمة (^٢) غص بها، أو لعطش محترم (ولا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث وهو) أي: ال (ماء الذي وقعت فيه) ال (نجاسة، وهو) ال (قليل) الذي دون (١) لقلتين.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٨)، وأحمد برقم (٨١٨٢).
(٢) في الأصل: (كقمة)، والصواب ما أثبته.
[ ٨٢ ]
(و) أما لو (كان) الماء (كثيرًا) يبلغ القلتين (وتغير بها) أي: بالنجاسة (أحد أوصافه) الثلاثة؛ اللون، والطعم، والريح (فإن زال تغير) النجاسة منه بنفسه، أو بإضافة ماء (طهور) كثير (إليه) أي: إلى المتغير بالنجاسة بحسب الإمكان عرفًا، بصب الماء الكبير (^١)، وإن لم يتصل الصب (أو) زال تغيره (بالنزح منه، ويبقى بعد النزح منه كثير) يبلغ قلتين (طهر) أي: طهر به ولا يجب تطهير جوانب بئر نزحت؛ للمشقة.
(والكثير قلتان تقريبًا) لا تحديدًا، فلا يضر نقص كرطل، ورطلين. وهما تثنية قُلَّة، وهي: اسم لكل ما ارتفع وعلا. والمراد هنا: الجرة الكبيرة، وسميت قُلَّة؛ لارتفاعها وعلوها، أو لأن الرجل العظيم يقلها بيده، أي: يرفعها. والتحديد وقع بقلال هجر - قرية كانت قرب المدينة (^٢)؛ لما روى الخطابي (^٣)، عن ابن هرمز، عن النبي ﷺ مرسلًا: «إذا كان الماء قلتين بقلال هجر» (^٤).
(واليسير ما دونهما) أي: ما دون القلتين (وهما خمسمائة
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: (كثير).
(٢) انظر: معجم البلدان ٥/ ٣٩٣.
(٣) هو: الإمام المحدث، حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي، صنف شرح البخاري ومعالم السنن، وغريب الحديث. مات ببست سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. انظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠١٨، طبقات الحفاظ ص ٤٠٤.
(٤) معالم السنن ١/ ٣٥، وفيها عن ابن جريج بدل (عن ابن هرمز). ورواه الشافعي في الأم ١/ ٤، ومن طريقه البيهقي في السنن ١/ ٢٦٣، وضعفه ابن التركماني في الجوهر النقي ١/ ٢٦٣.
[ ٨٣ ]
رطل بـ) ـالرطل (العراقي (^١)، وثمانون رطل وسبعان) من رطل (ونصف سبع رطل با) لأرطال القدسية (^٢)، وما وافق ذلك من البلدان، وأربعمائة وستة وأربعون رطلًا وثلاثة أسباع رطل بالأرطال المصرية (^٣)، وما وافق ذلك من البلدان.
(ومساحتهما) أي: القلتين مما يسعهما مربعًا: (ذراع (^٤) وربع طولًا، و) ذراع وربع (عرضًا، و) ذراع وربع (عمقًا) وذلك بذراع اليد من المعتدل.
(فإذا كان الماء الطهور كثيرًا) يبلغ قلتين (ولم يتغير بالنجاسة) لأن حكم المتغير تقدم (فهو) أي: الذي لم يتغير (طهور، ولو مع بقائها) أي: النجاسة (فيه) أي: في الماء الكثير (وإن شك) أي: تردد (في كثرته) أي: كثرة الماء الذي فيه النجاسة (فهو نجس) لأن اليقين كونه دون القلتين (وإن اشتبه ما) ء طهور
_________________
(١) الرطل العراقي = ٩٠ مثقالًا، والمثقال بالغرام = ٤، ٢٥، ووزن الصاع النبوي بالغرام = ٢٠٤٠. وعلى هذا فالرطل العراقي = ٣٨٢، ٥ غرامًا. والقلتان بالغرامات = ١٩١٢٥٠، وبالكيلو = ١٩١، ٢٥. وبالأصواع = ١٩١٢٥٠ ÷ ٢٠٤٠ = ٩٣، ٧٥، وباللتر = ٣٠٧ لترًا. انظر: الشرح الممتع ١/ ٣٨، الإيضاح والتبيان ص ٨٠، وتعليق المحقق عليه. وهو يعادل ٩٠ مثقالًا. انظر: الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان ص ٥٥، وتعليق المحقق عليه.
(٢) الرطل المقدسي يزن ٨٠٠ درهم كيلًا. انظر المرجع السابق.
(٣) الرطل المصري يزن ١٤٤ درهم كيلًا. انظر المرجع السابق.
(٤) الذراع: ما بين طرف المرفق، إلى طرف الأصبع الوسطى. انظر: المحكم ٢/ ٧٧، لسان العرب ٨/ ٩٣، مادة: (ذرع). وهو يعادل: ٤٦، ٢ سم. انظر: التعليق على الإيضاح والتبيان ص ٧٧.
[ ٨٤ ]
(تجوز به الطهارة بماء) نجس، أو مغصوب (لا تجوز) به الطهارة (لم يتحر) أي: لم يجتهد (و) يعدل إلى الـ (ـتيمم بلا إراقتـ) ـــهما، وإن صلى لم يعد. وإن شك في نجاسة الساقط في الماء القليل، فهو طاهر؛ لعدم التنجيس بالشك. وإن شك في طهور وطاهر، توضأ من كل واحد منهما غرفة. وكذا حكم الاغتسال.
(ويلزم من علم بنجاسة شيء) من ماء، وغيره (إعلام من أراد أن يستعمله) ومن أصابه ماء، ولا أمارة على نجاسته، كره سؤاله عنه. نقله صالح (^١).
_________________
(١) نقله صالح بن أحمد في مسائله ص (٣٣٨)، وصالح هو: ابن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل ﵀، ولد سنة ثلاث ومائتين، ومات سنة ست وستين ومائتين بأصبهان، وله ثلاث وستون سنة. انظر: المقصد الأرشد ١/ ٤٤٤، الدر المنضد ١/ ٦١.
[ ٨٥ ]