﷽
الحمد لله الهادي، الذي فقه من أراد به خيرًا في الدين، وشرح بالهداية صدره، وجعله بأسباب الهداية دليلًا للطالب، فبه نال مسلك الراغب، وحاز من الغنائم بالعلم فخره، وأظهر له بكشاف القناع وجوه ما غمض عنه من الفضائل وأحجب الحجاب ستره، وبمعونة أولي النهى بلغه منتهى إراداته، وفي الآخرة رفع قدره، وأقنعه المقنع بالتلخيص وغاية المنتهى، فهو بالإقناع قانع، وبالعلوم من الجهل فك أسره، وأعطاه الإنصاف، فيرجح ما يراه من تحرير محرر التنقيح، ونفعه بالتوضيح ما أخفاه الإشكال جهره، وأغناه المغني بالغنية، وبالكافي نال الإفصاح، وبلغه غاية المطلب، وغاص بحره، وجاد له بالإتقان، فصار للمذهب الأحمد فقيه عمدة مبدعًا، فائقًا للأصول والفروع، لما أظهر مطلع شمس هدايته، وأشرق بدره، ومنحه البلغة والرعاية، فحاز الموجز، وبالوجيز بلغ منتهى الغاية، إذ قطف من العلوم زهره، وأنعم عليه بالتوفيق، فابتدر منتخبًا للعلوم، حاويًا جامعًا لمجمع البحرين، مستوعبًا للتحصيل أيامه ودهره.
فسبحانه من إله شرع الشرائع، وحلّل الحلال، وحرّم الحرام، وكره ما يكره، أحاط علمًا بما كان وما يكون، وبين الأحكام بأي إحكام، ونفذ في خليقته أمره، وفرض الفرائض، وأوجب الواجب، وسنّ السنن، وحدّد الحدود، وأشرق صبح الإيمان، وأفجر فجره.
[ ٤٥ ]
أحمده ﷾ حمدًا مترادفًا مستمرًا، يقبله من عبده كلما ذكره، وأشكره شكرًا متتابعًا متلازمًا متواصلًا، ينوّر به للشاكر قبره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أجرى الله بها للعبد أجره. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي بعثه بالإيمان، وعز بالفتح نصره، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأصحابه، صلاة وسلامًا دائمين بكثرة، وبعد:
فالعلم أفضل شيء يتبع، وأحسن ما به يتمتع وينتفع. وأجل العلوم شرفًا وقدرًا، وأرفعها ذكرًا وفخرًا، وأظهرها عِلْمًا وعلمًا، وأكثرها حُكْمًا وحكمًا، وأبلغها ثوابًا، وأربحها اكتسابًا، وأرجحها فضيلةً، وأنجحها وسيلةً؛ علم الفقه الشريف، وأحكام الدين المنيف، والإشراف على سر المسائل الفقهية، والوقوف على الأقوال الشرعية. فعند ذلك وجبت إعانة قاصديه، وترغيب مجتهديه ومريديه.
ولما رأيت «مختصر منتهى الإرادات» - أنزل الله تعالى على مؤلفه الرحمة والبركات - الموسوم ب «دليل الطالب لنيل المطالب» للشيخ العلامة الفريد، والعمدة الفهامة الوحيد، بحر الطالبين والمحققين، كنز العارفين والمدققين، الشيخ مرعي الحنبلي - تغمده الله المولى العلي بالرحمة والرضوان، وأسكنه فسيح الجنان، بمنه وكرمه وجوده وعِظَمِهِ وجدته مختصرًا في غاية الاختصار، كثير المعاني، جليل الاعتبار، سبك فيه المسائل سبكًا، وفتك فيه بميادين البلاغة فتكًا. لكنه يحتاج إلى شرح يحل غوامض ألفاظه، ويوضح عباراته، ويعين قصاده وحُفَّاظه.
فاستخرت الله ﷾ الذي ما خاب من استخاره، ولا ندم
[ ٤٦ ]
من التجأ إليه واستعانه واستجاره، وشمرت عن ساعد الاجتهاد بالإقدام، وانتصبت لفعل ذلك بأحسن قيام، مستعينًا بعون عناية المعين المنان، مستفيضًا من فيض فضل الفياض، مجزل الإحسان، متبعًا في ذلك سبيلًا سهلًا، وإن كنت لست لذلك أهلًا، وإنما ذلك حسب الطاقة والإمكان؛ لكوني لم أكن من فرسان هذا الميدان؛ وذلك لعجزي وتقصيري، وقلة جهدي وتبصيري، وإنما قصدت إعانة الطلاب، وإفادة ما تيسر من حل مشكلات هذا الكتاب.
سائلًا من الله الإمداد بذوارف (^١) الألطاف الخفية، والإعانة على تبيين أحكام المسائل بالإسعاف من رب البرية، وأن يعصمني من السهو والغلط والخطأ، ويمن علي من حسن البصيرة بمزيد العطاء، وأستغفر الله من خلل يصدر مني، ومن زلل يظهر عني، ومن عثرات تجلب الندم مما يطغى به القلم، ومن جهل يوجب العدم [عند] زلة القدم، راجيًا فضل، فَمَنْ رأى شيئًا من عيوب تظهر الانفضاح، سده بتكرمه، وأسبل عليه ستر الإصلاح، ودفع بالتي هي أحسن، وإلى الخير هيأه، ليكن ممن أدرأ بالحسنة السيئة.
وأستعيذ بالله من شر كل حاسد هالك، يحسد السالك لهذه المسالك، ويتغافل عما به من المحاسن والإفادة، ولا ينظر إلى قوله تعالى ويأبى الله إلا ما أراده (^٢).
والله المأمول أن يوفقني والمسلمين إلى سبيل الرشاد (^٣)، ويمن
_________________
(١) استذرف الشيء: استقطره. واستذرف الضرع: دعا إلى أن يُحلب، ويستقطر. وذوارف جمع ذارف. انظر: تاج العروس ٢٣/ ٣١٥.
(٢) (ويأبى الله إلا ما أراده) ليست آية، ولا أعلمه حديثًا قدسيًا.
(٣) في الهامش: (والمقصود بالإحسان حسن السداد).
[ ٤٧ ]
علي وعليهم بحسن السداد، وأن يكفينا شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، وحصائد ألسنتنا، وقبائح أفعالنا، بمنه وكرمه وجوده وفضله.
وسميته: «مسلك الراغب لشرح دليل الطالب» راجيًا من الله العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به بفضله، كما نفع بأصله، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.