أحمد الله الذي سلك براغبي العلم وطلابه طريقًا إلى الجنَّة، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له ذي العطاء والمنة، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، دلَّ الله به طالبي الحق إلى أقوم سُنَّة، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله، وصحبه، حملة الدين، وفقهاء الملة.
أما بعد: فإن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظُلَم، يبلغ العبد به منازل الأخيار، والدرجات العلا في الدنيا والآخرة، به توصل الأرحام، ويعرف الحلال والحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء (^١).
وإن لتحصيل العلم جادة سار عليها العلماء، قال النووي ﵀: "وأول ما يبتدئ به حفظ القرآن العزيز، فهو أهم المعلوم، وكان السلف لا يعلِّمون الحديث والفقه إلَّا لمن حفظ القرآن، وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما اشتغالًا يؤدي إلى نسيان شيء منه، أو تعريضه للنسيان.
وبعد حفظ القرآن يحفظ من كلّ فن مختصرًا، ويبدأ بالأهم، ومن أهمها: الفقه، والنحو، ثم الحديث، والأصول، ثم الباقي على ما تيسر، ثم يشتغل باستشراح محفوظاته. ويعتمد من الشيوخ في كلّ فن أكملهم" (^٢).
وليسلك أقرب الطرق الموصلة إلى ما يطلبه، فينتقي من مصنفات الفن الذي
_________________
(١) ينظر: جامع بيان العلم ١/ ٢٣٩.
(٢) المجموع ١/ ٣٨.
[ ١ / ٧ ]
يطلبه أحسنها، وأوضحها، وأكثرها فائدة، ويشتغل به حفظًا عند الإمكان، فإن تعذر حفظه لفظًا فليكرره كثيرًا؛ حتى ترسخ معانيه في قلبه، ثم تكون باقي كتب الفن كالتوضيح والتفسير لذلك الأصل الذي اعتمده. فمن حفظ الأصول، وصار له ملكة تامة في معرفتها، هانت عليه كتب الفن كلها؛ الصغار منها والكبار، ومن ضيع الأصول حرم الوصول (^١).
وإن من أنفع مختصرات فقه الحنابلة متن "دليل الطالب لنيل المطالب" للشيخ العلامة مرعي بن يوسف الكرمي ﵀؛ فقد بيّن فيه الإحكام أحسن بيان، وأوضح عبارته مع الإتقان، وأجاد في ترتيبه وتقسيمه وتنظيمه، وسار فيه على الصحيح من المذهب. فاعتنى به الأصحاب عناية فائقة، وتوالت شروحهم عليه، وأول شروحه المعلومة شرح الشيخ إبراهيم بن أبي بكر العوفي الذِّنَّابي الصالحي ﵀، في كتابه "مسلك الراغب لشرح دليل الطالب".
وقد ألفيته كتابًا مفيدًا، وشرحًا نافعًا، فوقع اختياري عليه، ليكون أطروحتي العلمية لنيل درجة العالمية (الماجستير) في الفقه، وكان نصيبي منه من أوله إلى آخر كتاب الاعتكاف.