* تتضح عقيدة المرء من كلامه، وبالنظر في كتاب الشيخ "حدائق العيون الباصرة" يتبين أن الشيخ ﵀ على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة. وهذه نقول من الكتاب المذكور، توضح عقيدته:
١ - قال ﵀ في بيان أركان الإيمان: "فالإيمان بالله تعالى: هو التصديق بوجوده ﷾، وبما هو موصوف به من صفات الكمال والعلم والقدرة، وأنه منزه عن النقائص والرذائل.
والايمان بالملائكة: هو التصديق بأنهم عباد الله، وهم مكرمون، ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٧]، و﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وأنهم السفراء بين الله وخلقه، بإذنه وأمره.
والايمان بالكتب: هو التصديق بما أنزل الله تعالى على رسله من المصحف … وأن جميع الكتب والصحف المنزلة على رسله عليهم الصلاة والسلام كلام الله ﷾ …
والإيمان بالرسل: هو التصديق بأنه مصدَّقون في جميع ما أخبروا به عن الله ﷾، وما شرعوه من الدين، وأن الله تعالى أمدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأنهم بلغوا عن الله رسالاته، وبينوا للمكلفين ما أمرهم الله تعالى ببيانه، مع وجوب احترامهم وإكرامهم، وأنهم مفضلون على سائر خلقه، وأن لا يفرق بين أحد منهم.
والإيمان باليوم الآخر: هو التصديق بيوم القيامة، وما اشتمل عليه من أحكام البرزخ، وإعادة الموتى كما كانوا، والحشر، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة، وأنها دار ثواب وجزاء، والنار، وأنها دار عقاب وجزاء.
[ ١ / ٥٥ ]
والإيمان بالقدر خيره وشره: هو التصديق بجميع ما يرد وقوعه بحسب التقدير مما قضاه من خير وشر" (^١).
٢ - وقال في بيان أفعال الله: "وأفعال الله ﷾ جميعها لا تخرج عن الحكمة والرحمة والمصلحة والعدل، فلا يفعل عبثًا ولا جورًا ولا باطلًا، بل هو المنزه عن ذلك، كما هو منزه عن سائر العيوب والنقائص" (^٢).
٣ - وقال في تقرير مذهب أهل السُّنَّة في باب القضاء والقدر، والرد على القدرية: "اعلم - هدانا الله وإياك، ووفقنا لاتباع الحق - أن مذهب أهل الحق: أن الله ﷾ قدر مقادير الخلائق، وما هو كائن قبل أن يكون في الأزلِ، وأنه سبحانه عالمُ وقوعها في أوقاتٍ مقدرةٍ، معلومةٍ عنده، تقع على حسب ما قدرها. والقدرية ومن تبعهم خالفوا في ذلك، وذهبوا إلى أنه ﷾ لا يعلمها إلَّا بعد وقوعها، فهذا باطل كذب لا أصل له؛ لما دل عليه الكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الأمة"، ثم سرد الأدلة، وقال: "حيث تقرر ما ورد من الآياتِ الكريمة، والأحاديث الشريفة العظيمة، فثبت بطلان قول القدرية، وذهاب مذهبهم، ومن وافقهم" (^٣).
٤ - وقال في خلود نعيم أهل الجَنَّة، وعذاب أهل النار: "واعلم أيضًا: أن أهل النار مع خلودهم في النار، لا ينقطع عنهم العذاب أبدًا مؤبدًا، كما أن نعيم أهل الجَنَّة لا ينقطع؛ لما دل عليه الكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الأمة، خلافًا لبعض المعتزلة والخوارج" (^٤).
٥ - وقال في رؤية الله سبحانه: "اعلم أن رؤية الله ﷿ ثابتة في الآخرة، بالكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الأمة" (^٥). وبهذا خالف الأشاعرة الذين أظهروا إثبات الرؤية، وأبطنوا إنكارها، حيث فسروا الرؤية بزيادة انكشاف، ونحو ذلك، مما لا تنازع فيه المعتزلة (^٦).
وبهذا يتبين أنَّ معوله في مسائل الاعتقاد نصوص الكتاب والسُّنَّة والإجماع، دون التفات إلى الآراء المخالفة لذلك.
_________________
(١) حدائق العيون الباصرة ٨/ ب.
(٢) حدائق العيون الباصرة ٢٤/ ب.
(٣) حدائق العيون الباصرة ٧/ أ - ٨/ أ.
(٤) حدائق العيون الباصرة ٢٩٢/ أ.
(٥) حدائق العيون الباصرة ٣٨٢/ ب.
(٦) ينظر: مجموع الفتاوى ٦/ ٤١، ١٦/ ٨٥.
[ ١ / ٥٦ ]
* ومع حرصه ﵀ على لزوم الكتاب والسُّنَّة والإجماع، والسير على مذهب أهل السُّنَّة، إلَّا أني وقفت على أقوال له خالف فيها مذهب أهل السُّنَّة. وهي:
١ - تأويله الرحمة بالإنعام؛ حيث قال في بيان معنى الرَّحمن: "المنعم الحقيقي، البالغ في الرحمة غايتها" (^١)، وهذا على تأويل الأشاعرة. والذي عليه أهل السُّنَّة: إثبات صفة الرحمة حقيقة، مع القطع بأنها ليست كرحمة المخلوق، ومن ثمراتها الإنعام. ولعله أخذ هذا عن غيره، ولم يتفطن له (^٢).
٢ - قوله: "إذا فرغ الحاج من الحج وما يتعلق به ومن طواف الوداع، سن له زيارة قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليهما" (^٣). فجعل أصل سُنتة الزيارة شدَّ الرحل لقبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه ﵄، وهي مسألة كثر ذكرها في كتب الفقهاء. والمشروع شد الرحل للمسجد النبوي، لا للقبور. وقد قال شيخ الإسلام: "إن علماء المسلمين إذا تنازعوا في مسألة على قولين، لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث، بل القول الثالث يكون مخالفًا لإجماعهم، والمسلمون تنازعوا في السفر لغير المساجد الثلاثة، على قولين؛ هل هو حرام، أو جائز غير مستحب؟ فاستحباب ذلك قول ثالث، مخالف للإجماع، وليس من علماء المسلمين من قال يستحب السفر لزيارة القبور" (^٤)، وقال: "من اعتقد السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة، فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أنَّها طاعة، كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين" (^٥). وقال: "ولهذا كان أئمة العلماء يعدون من جملة البدع المنكرة، السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، وهذا في أصح القولين غير مشروع، حتى صرح بعض من قال ذلك: إن من سافر هذا السفر لا يقصر فيه الصلاة؛ لأنه سفر معصية" (^٦).
٣ - توسله بالنبي ﷺ وبجاهه؛ حيث قال عند مسألة الزيارة: "ومنه - أي: من الأدعية -: اللَّهُمَّ إني أتيت قبر نبيك محمد ﷺ، متقربًا إليك بزيارته، متوسلًا إليك
_________________
(١) مسلك الراغب ص ١٢٥.
(٢) ينظر: مختصر الصواعق ٣/ ٨٦٠ و٨٧٩، حاشية العنقري على العروض المربع ١/ ٥ - ٦، حاشية ابن قاسم ١/ ٢٩.
(٣) مسلك الراغب ٢/ ٢٠٨.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٣٠٨.
(٥) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٢٢١.
(٦) منسك شيخ الإسلام ص ١٠٤.
[ ١ / ٥٧ ]
به" (^١)، وقال: "وأدام الله لمولانا السلطان الظفر والافتخار، وزيادة العزة والنصرة والاعتبار، بجاه سيدنا محمد سيد الأبرار ﷺ" (^٢). وقد قال شيخ الإسلام: "وأما التوسل بالنبي ﷺ، والتوجه به في كلام الصحابة، فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته. والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به، والسؤال به … فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان:
أحدها: التوسل بطاعته، فهذا فرض، لا يتم الإيمان إلَّا به.
والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته، ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته.
والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته، والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم يكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته، ولا بعد مماته، لا عند قبره، ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة، مرفوعة، وموقوفة، أو عمن ليس قوله حجة" (^٣). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "التوسل بجاه المخلوقين، كمن يقول: اللَّهُمَّ إني أسألك بجاه نبيك محمد ﷺ، ونحو ذلك، فهذا لم ينقل عن النبي ﷺ، وأكثر العلماء على النهي عنه، وحكى ابن القيم رحمه الله تعالى أنه بدعة إجماعًا" (^٤). ثم إن التوسل بجاه الأنبياء وسائر الصالحين وسيلة من وسائل الشرك القريبة، فمنعه حماية لجناب التوحيد (^٥).
٤ - قوله: "ينبغي للزائر أن يسال لأهله وإخوانه الشفاعة من النبي ﷺ عند ربه" (^٦). وقد قال الشيخ ابن باز: "لا يجوز لأحد أن يطلب من الرسول ﷺ الشفاعة؛ لأنَّها ملك الله سبحانه؛ فلا تطلب إلَّا منه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، فتقول: اللَّهُمَّ شفع في نبيك، اللَّهُمَّ شفع في ملائكتك،
_________________
(١) بغية المتتبع ص ٤٧٠، ونحوه في مسلك الراغب ٢/ ٢١٣.
(٢) تراجم الصواعق ص ٧٩، ونحوه ص ٩٢.
(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٨٤.
(٤) الدرر السنية ٢/ ١٦٢.
(٥) ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٣٥٠.
(٦) بغية المتتبع ص ٤٦٧.
[ ١ / ٥٨ ]
وعبادك المؤمنين، اللَّهُمَّ شفع في أفراطي، ونحو ذلك. وأما الأموات فلا يطلب منهم شيء، لا الشفاعة، ولا غيرها، سواء كانوا أنبياء، أو غير أنبياء" (^١).
* أما مذهبه الفقهي: فإنه حنبلي بلا ريب. ودليل ذلك ثلاثة أمور:
١ - أنه قال عن نفسه: "الحنبلي مذهبًا" (^٢).
٢ - تأليفه كتبًا في المذهب؛ وهي: "شرح منتهى الإرادات"، و"مسلك الراغب لشرح دليل الطالب"، و"بغية المتتبع". وقد تقدم الحديث عنها (^٣).
٣ - ذكره في الكتب التي أفردت لتراجم الحنابلة (^٤)، وحتى كتب التراجم العامة ذكرت أنه من الحنابلة (^٥).
* * *
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن باز ١٦/ ١٠٥.
(٢) بغية المتتبع ص ٥٠٩.
(٣) ص ٤٩.
(٤) ينظر: النعت الأكمل ص ٢٥٢، السحب الوابلة ١/ ١٧، رفع النقاب عن تراجم الأصحاب ص ٣٥٩، مختصر طبقات الحنابلة ص ١٢٦، تراجم لمتأخري الحنابلة ص ٣٤، تسهيل السابلة ٣/ ١٥٧٥.
(٥) ينظر: خلاصة الأثر ١/ ٩، الأعلام ١/ ٣٤، معجم المؤلفين ١/ ١٦.
[ ١ / ٥٩ ]