* صرَّح الشيخ مرعي ﵀ باعتقاده؛ فقال: "وبمذهب السلف أقول، وأدين الله تعالى به، وأسأله سبحانه الموت عليه، مع حسن الخاتمة، في خير وعافية" (^١).
ونصح باتباع طريقة السلف، وحذّر من طريقة الخلف؛ فقال: "ومن السلامة للمرء في دينه اقتفاء طريقة السلف، الذين أُمر أن يقتدي بهم من جاء بعدهم من الخلف؛ فمذهب السلف أسلم (^٢)، ودع ما قيل: من أن مذهب الخلف أعلم؛ فإنه من زخرف الأقاويل، وتحسين الأباطيل؛ فإن أولئك قد شاهدوا الرسول والتنزيل، وهم أدرى بما نزل به الأمين جبريل" (^٣).
وقال: "الحق هو اتباع ما كان عليه السلف؛ قولًا، وفعلًا، واعتقادًا، وما سواه فهو اتباع هوى" (^٤).
وقد ختم كتابه "أقاويل الثقات" بكلام لشيخ الإسلام في بيان اعتقاد السلف في الصفات، وفيه أنهم يعلمون معاني الصفات، ولا يفوضونها (^٥).
ومع هذا فقد اضطربت أقواله في هذا الباب؛ فتارة يذهب مذهب السلف، فيقول: "ويجد الناظر في النصوص الواردة عن الله ورسوله في ذلك نصوصًا تشير إلى حقائق هذه المعاني، ويجد الرسول تارة قد صرح بها، مخبرًا بها عن ربه، واصفًا له بها" (^٦).
وتارة يخالفهم، فيقول: "واعلم أن هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت، ويفوض معناها إلى الله، أو تؤول بما يليق بجلاله سبحانه، ولا ترد بمجرد العناد والمكابرة" (^٧).
_________________
(١) أقاويل الثقات ص ٢٠٠.
(٢) مذهب السلف أسلم، وأعلم، وأحكم، وأهدى إلى الطريق الأقوم. ينظر: درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٣٧٩.
(٣) أقاويل الثقات ص ٤٦.
(٤) أقاويل الثقات ص ١١٢.
(٥) ينظر: أقاويل الثقات ص ٢٢٥ - ٢٣٩.
(٦) أقاويل الثقات ص ٨٤.
(٧) أقاويل الثقات ص ١١٧.
[ ١ / ٢٧ ]
بل ونسب ذلك إلى السلف، وجعل آيات الصفات من المتشابه، فقال: "من المتشابهات آيات الصفات التي التأويل فيها بعيد؛ فلا تؤول، ولا تفسر. وجمهور أهل السُّنَّة، منهم السلف، وأهل الحديث، على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد إلى الله تعالى ولا تفسرها، مع تنزيهنا له عن حقيقتها" (^١).
وقال: "اعلم - أيدني الله وإياك بروح منه - أن من المتشابه صفات الله تعالى؛ فإنه يتعذر الوقوف على تحقيق معانيها، والإحاطة بها" (^٢).
وقال: "ومن المتشابه: صفة الرحمة، والغضب، والرضا، والحياء، والاستهزاء، والمكر، والعجب" (^٣).
وقال: "ومن المتشابه: الاستواء، في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤] وهو مذكور في سبع آيات من القرآن. فأما السلف فإنهم لم يتكلموا في ذلك بشيء؛ جريًا على عادتهم في المتشابه، من عدم الخوض فيه، مع تفويض علمه إلى الله تعالى، والإيمان به" (^٤).
وقال: "ومن المتشابه: المجيء، في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. فمذهب السلف في هذا وأمثاله: السكوت عن الخوض في معناه، وتفويض علمه إلى الله تعالى" (^٥).
قال شيخ الإسلام: "وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلَّا الله، أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم
_________________
(١) أقاويل الثقات ص ٦٠.
(٢) أقاويل الثقات ص ٦٧.
(٣) أقاويل الثقات ص ٧٠.
(٤) أقاويل الثقات ص ١٢٠.
(٥) أقاويل الثقات ص ١٩٧. قال د. أحمد بن عبد الرَّحمن القاضي في رسالته مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص ٢٤٢: "ومن المعايير الكاشفة لاتجاه التأويل والتفويض تفسير عبارات الإمام مالك في جوابه عمن سأل عن كيفية الاستواء؛ فيقول الشيخ مرعي ﵀ في تفسير قوله: الاستواء معلوم: "أي: وصفه تعالى بأنه على العرش استوي، معلوم بطريق القطع الثابت بالتواتر" [أقاويل الثقات ص ١٢٢"]، وإنما أراد مالك ﵀ أنه معلوم المعنى في اللغة".
[ ١ / ٢٨ ]
تأويله، كما يقول كلّ واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم، فإنهم وإن أصابوا في كثير مما يقولونه، ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم. فالكلام على هذا من وجهين:
الأول: من قال: إن هذا من المتشابه، وأنه لا يفهم معناه، فنقول: أما الدليل على [بطلان] ذلك، فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل، ولا غيره، أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إن الله ينزل كلامًا لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا: كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: تمر كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية، وردوها، وأبطلوها، التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه … (^١).
والصواب: ما عليه أئمة الهدي، وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث، ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين، أهل العلم والإيمان.
والمعاني المفهومة من الكتاب والسُّنَّة لا ترد بالشبهات، فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يعرض عنها، فيكون من باب الذين إذا ذكروا بآيات ربهم يخرون عليها صمًا وعميانًا، ولا يترك تدبر القرآن، فيكون من باب الذين لا يعلمون الكتاب إلَّا أماني … (^٢).
الوجه الثاني: أنه إذا قيل: هذه من المتشابه، أو كان فيها ما هو من المتشابه، كما نقل عن بعض الأئمة أنه سمى بعض ما استدل به الجهمية متشابهًا، فيقال: الذي في القرآن أنه لا يعلم تأويله إلَّا الله: إما المتشابه، وإما الكتاب كله كما تقدم. ونفي علم تأويله ليس نفي علم معناه … (^٣).
وأيضًا فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا في جميع نصوص القرآن؛ آيات الصفات، وغيرها، وفسروها بما يوافق دلالتها وبيانها، ورووا عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة توافق القرآن، وأئمة الصحابة في هذا أعظم من
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٩٤.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٠٥.
(٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٠٦.
[ ١ / ٢٩ ]
غيرهم … " (^١).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "آيات الصفات لا يطلق عليها اسم المتشابه بهذا المعنى من غير تفصيل؛ لأن معناها معلوم في اللغة العربية وليس متشابهًا، ولكن كيفية اتصافه جل وعلا بها ليست معلومة للخلق، وإذا فسرنا المتشابه بأنه هو ما استأثر الله بعلمه دون خلقه، كانت كيفية الاتصاف داخلة فيه، لا نفس الصفة. وإيضاحه: أن (استوى) إذا عدِّي بـ (على) معناه في لغة العرب الارتفاع والاعتدال، ولكن كيفية اتصافه جل وعلا بهذا المعنى المعروف عند العرب لا يعلمها إلَّا الله جل وعلا، كما أوضح هذا التفصيل إمام دار الهجرة مالك بن أنس - تغمده الله برحمته - بقوله: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"؛ فقوله ﵀: "الاستواء غير مجهول" يوضح أن أصل صفة الاستواء ليست من المتشابه، وقوله: "والكيف غير معقول" يبين أن كيفية الاتصاف تدخل في المتشابه بناءً على تفسيره بما استأثر الله تعالى بعلمه، كما تقدم، وهذا التفصيل لا بد منه" (^٢).
* وللشيخ مرعي ﵀ -كتاب "شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور"، استفاد فيه من كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" لشيخ الإسلام (^٣)، وقال عنه الشيخ ابن باز: "جدير بالقراءة والانتفاع" (^٤).
وقال عنه محققه: "عاش المؤلف في عصر كثرت فيه البدع، خاصة المتعلقة بالمشاهد والقبور، ولذلك ألف كتابه هذا؛ لتبيين الحق والصواب في ذلك. يعتبر كتابه
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٠٧.
(٢) مذكرة أصول الفقه ص ٩٥.
(٣) واستفادة الشيخ مرعي من كتب شيخ الإسلام وتأثره به سمة بارزة على مؤلفاته المتأخرة، بل إنه صنَّف كتابًا اسماه: "الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية"، وآخر اسماه: "الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية". وذلك بخلاف ما كتبه في أول أمره حينما كان متأثرًا ببعض أشياخه الصوفيين، ومن ذلك عقده فصلًا في (النور المحمدي) في كتابه "بهجة الناظرين" ١/ ١١٩، قال فيه: "فاعلم على ما قاله بعض علماء أهل الكشف من الصوفية: أنه لما تعلقت إرادة الحق سبحانه بإيجاد خلقه، وتقدير رزقه، برزت الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية"، وقال أيضًا: "فهو ﵇ أصل الموجودات، ونور الكائنات، وهو أصل الوجود وسيده، ومبدأ العالم ومدده، وهو ﵇ المشار إليه في قول بعض ذوي العرفان: ليس في الإمكان أبدع مما كان".
(٤) شفاء الصدور ص ٦.
[ ١ / ٣٠ ]
هذا من أجمع الكتب وأنفعها فيما يتعلق بمسائل المشاهد والقبور، حيث لم يسبق أن جمع أحد مثل جمعه هذا، مع قوة الدليل ووضوحه" (^١).
ومما قال فيه: "اعلم أن زيارة قبور المسلمين مستحبة للرجال … بشرط أن تكون الزيارة بلا سفر إليها … وأن تكون الزيارة بقصد الاعتبار، وتذكر الآخرة، أو الدعاء للموتي، والسلام عليهم، والاستغفار لهم. لا بقصد التنزه، أو حضور مولد، أو مجتمع يشبه اتخاذها عيدًا، ولا بقصد اعتقاد أفضلية الدعاء أو العبادة عندها، أو أنه أقرب للإجابة، ولا بقصد الصلاة عندها، ولا مع إيقاد المصابيح فيها، أو سترها بالحرير، خصوصًا المنسوج بالذهب؛ فإن كلّ ذلك مذموم، منهي عنه" (^٢).
وقال: "وكأني بمن يأتي فينظر في كلامي هذا، المشيد بالكتاب والسُّنَّة وأقوال الأئمة، فيتمغص منه، ويضرب صفحًا عنه؛ لكونه مخالفًا للعادات الفاسدة، والطباع الحايدة، معتمدًا على حكايات رآها، وخرفات تلقاها" (^٣).
* أما مذهبه الفقهي: فإنه حنبلي بلا ريب، ودليل ذلك ثلاثة أمور:
١ - قوله: في أول "مسبوك الذهب": "قال العبد الفقير إلى الله تعالى مرعي بن يوسف الحنبلي" (^٤).
وقوله:
لئن قلَّد الناس الأئمة إنني … لفي مذهب الحبر ابن حنبل راغب
أقلد فتواه وأعشق قوله … وللناس فيما يعشقون مذاهب (^٥)
٢ - تأليفه كتبًا ورسائل في المذهب، أشهرها: "دليل الطالب"، و"غاية المنتهى".
٣ - ذكره في الكتب التي أُفردت لتراجم الحنابلة، ووصفه بأنه من أكابر علماء الحنابلة (^٦)، وحتى كتب التراجم العامة ذكرت أنه من الحنابلة (^٧).
_________________
(١) شفاء الصدور ص ٤١١.
(٢) شفاء الصدور ص ١٥٧.
(٣) شفاء الصدور ص ٢٢٠.
(٤) مسبوك الذهب ص ٩.
(٥) ينظر: خلاصة الأثر ٤/ ٣٦١، النعت الأكمل ص ١٩٥.
(٦) ينظر: النعت الأكمل ص ١٨٩، السحب الوابلة ٣/ ١١١٨، رفع النقاب ص ٣٥٦، مختصر طبقات الحنابلة ص ١٠٨، تسهيل السابلة ٣/ ١٥٤٨.
(٧) ينظر: خلاصة الأثر ٤/ ٣٥٨، الأعلام ٧/ ٢٠٣، معجم المؤلفين ١٢/ ٢١٨.
[ ١ / ٣١ ]