الباب هو: ما يدخل منه إلى المقصود، ويتوصل منه إليه (^٢). وهو قسمان: حسي، ومعنوي؛ فالحسي: كباب الدار، والمسجد، وما يدرك بالحواس. والمعنوي: كباب (الآنية) ونحوها.
والآنية لغةً، وعرفًا: الأوعية، وهي ظرفًا (^٣) للماء، ونحوه (^٤).
(يباح اتخاذ كل إناء طاهر، و) يباح (استعماله، ولو) كان الإناء (ثمينًا) (^٥) كجوهر، وياقوت (^٦)، ونحوه؛ لأنه لا يعرفه إلا خواص الناس، فلا يؤدي إلى الخيلاء، وكسر قلوب الفقراء.
(إلا آنية الذهب، والفضة) حتى الميل (^٧)، ونحوه، فيحرم استعمالها، واتخاذها على هيئة الاستعمال، للذكر والأنثى (^٨). بخلاف الحلي، فيباح للأنثى (^٩)؛ لما روي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه (^١٠)، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا تشربوا في آيخط الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما (^١١)؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (^١٢)، وروت
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل.
(٢) ينظر: تهذيب اللغة ١٥/ ٤٣٨، مادة: (بوب)، المطلع ص ٦.
(٣) كذا في الأصل، والصواب الرفع.
(٤) ينظر: مختار الصحاح ص ١٢، مادة: (أني)، الدر النقي ١/ ٦١.
(٥) ينظر: الرعاية الصغرى ١/ ٣٤، الإنصاف ١/ ١٤٣، شرح المنتهى ١/ ٥١.
(٦) الياقوت: نوع من الجواهر، أجوده الأحمر الرماني، وهو لفظ فارسي معرب. ينظر: القاموس ص ٢٠٩، لسان العرب ٢/ ١٠٩، مادة: (يقت).
(٧) وهو ما تكحل به العين. ينظر: العين ٨/ ٣٤٥، تهذيب اللغة ١٥/ ٢٨٥، مادة: (ميل).
(٨) ينظر: الحاوي ١/ ٨٦، الإنصاف ١/ ١٤٥، معونة أولي النهى ١/ ١٨٥.
(٩) ينظر: المغني ١/ ١٠٤، المبدع ١/ ٦٧، شرح المنتهى ١/ ٥١.
(١٠) هو: أبو عبد الله، حذيفة بن اليمان بن جابر العبسي ﵁، روى عن النبي ﷺ الكثير، وهو صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين، استعمله عمر ﵁ على المدائن، فلم يزل بها حتى مات بعد مقتل عثمان ﵁ بأربعين ليلة، سنة ست وثلاثين. ينظر: أسد الغابة ١/ ٥٧٢، الإصابة ٢/ ٣٣.
(١١) الصحفة: إناء مبسوط. النهاية في غريب الحديث ٣/ ١٣.
(١٢) صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض، رقم (٥١١٠)، ٥/ ٢٠٦٩، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، رقم (٢٠٦٧)، ٣/ ١٦٣٨.
[ ١ / ١٤٥ ]
أم سلمة رضي الله تعالى عنها (^١) أن النبي ﷺ قال: "الذي يشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" (^٢). متفق عليهما. والجرجرة هي: صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف (^٣). وغير الأكل والشرب في معناهما؛ لأن ذكرهما خرج مخرج الغالب، فلا يتقيد الحكم به.
(و) إلا (المموه بهما) أي: بالذهب والفضة؛ بأن يذاب أحدهما، ويلقى فيه إناء من نحاس ونحوه، فيكتسب منه لونه (^٤)، فلا يجوز اتخاذه، ولا استعماله (^٥). ويحرم أيضًا اتخاذ واستعمال آنية من عظم آدمي، أو جلده (^٦).
(وتصح الطهارة بها) أي: بالآنية المحرمة، بأن يغترف الماء بها، ومنها بالاغتراف، وفيها إذا كان الماء قلتين في إناء يسعهما، وإليها بأن يجعل الإناء مصبًا لفضل طهارته. وكذا المُطَعَّم (^٧)، والمطلي (^٨)، والمُكْفَت (^٩)، ونحوه منهما (^١٠) (و) تصح الطهارة أيضًا (بالإناء المغصوب) (^١١).
(ويباح) اتخاذ واستعمال (إناء ضبب (^١٢) بضبة) بشرط كونها (يسيرة من
_________________
(١) هي: أم المؤمنين، أم سلمة، هند بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية ﵂، هاجرت مع زوجها أبي سلمة ﵁ إلى الحبشة ثم إلى المدينة، ويقال: إنها أول ظعينة دخلت إلى المدينة مهاجرة، ولما مات زوجها من الجراحة التي أصابته تزوجها النبي ﷺ. ماتت بالمدينة سنة إحدى وستين. ينظر: الاستيعاب ٤/ ١٩٢٠، الإصابة ٨/ ١٥٠.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب آنية الفضة، رقم (٥٣١١)، ٥/ ٢١٣٣، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، رقم (٢٠٦٥)، ٣/ ١٦٣٤.
(٣) ينظر: غريب الحديث لابن الجوزي ١/ ١٥٠.
(٤) ينظر: معونة أولي النهى ١/ ١٨٧.
(٥) ينظر: الوجيز ص ٤٩، الإنصاف ١/ ١٥٠، كشاف القناع ١/ ٩٠.
(٦) ينظر: الفروع ٤/ ١١١، الإنصاف ١/ ١٤٣ و١٧٢، شرح المنتهى ١/ ٥١.
(٧) صورة الإناء المطعم: أن يحفر في الإناء من الخشب أو غيره حفرًا، ويوضع فيها قطع من ذهب أو فضة، مقدرة على قدر تلك الحفر. ينظر: معونة أولي النهى ١/ ١٨٧.
(٨) صورة الإناء المطلي: أن يجعل الذهب والفضة كالورق، ويطلى به الإناء من حديد ونحوه. ينظر: المرجع السابق.
(٩) صورة الإناء المكفت: أن يبرد الإناء حتى يصير فيه شبه المجاري في غاية الدقة، ثم يوضع فيها شريط رقيق من ذهب أو فضة، ويدق حتى يلصق. ينظر: المرجع السابق.
(١٠) ينظر: الرعاية الصغرى ١/ ٣٤، الإنصاف ١/ ١٤٨، شرح المنتهى ١/ ٥٢.
(١١) ينظر: الحاوي ١/ ٨٦، الشرح الكبير ١/ ١٤٩، كشاف القناع ١/ ٩٢.
(١٢) أي: جعل فيه ضبة، والضبة: حديدة عريضة يضبب بها الخشب. ينظر: تهذيب اللغة ١١/ ٣٢٧، مادة: (ضب)، المطلع ص ٩. قال النووي ﵀ في المجموع ١/ ٢٥٥: "المضبب: هو ما أصابه شق ونحوه، فيوضع عليه صفيحة تضمه، وتحفظه".
[ ١ / ١٤٦ ]
فضة) لا من ذهب، فيحرم. ويشترط أيضا أن تكون الضبة (لغير زينة) بل لحاجة دعت إليها (^١)؛ لحديث أنس رضي الله تعالى عنه: "أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان الشعب (^٢) سلسلة من فضة" رواه البخاري (^٣).
(وآنية الكفار، وثياب) الكفار جميعـ (ـهم، طاهرة) ولو وليت الثياب عوراتهم، إن جهل حالها (^٤).
(ولا ينجس شيء بالشك، ما لم تعلم) أي: تتحقق (نجاسته) (^٥).
(وعظم الميتة، وقرنها، وظفرها، وحافرها، وعصبها، وجلدها، نجس (^٦). ولا يطهر) جلد الميتة (بالدباغ) (^٧) (^٨) لحديث ابن عمر، وأبيه، وعائشة رضي الله تعالى عنهم، عن النبي ﷺ أنه كتب إلى جهينة: "إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب (^٩)، ولا عصب" رواه أحمد (^١٠).
وعن الإمام: أنها تطهر بالدباغ، إذا كانت من حيوان طاهر في الحياة (^١١).
_________________
(١) قال أبو الخطاب في الهداية ص ٤٨: "غير أنه يكره أن يباشر موضع الفضة بالاستعمال". وينظر: الحاوي ١/ ٨٦، الإنصاف ١/ ١٥٠، معونة أولي النهى ١/ ١٨٨.
(٢) أي: مكان الشق. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٧٧.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما ذكر من درع النبي ﷺ، رقم (٢٩٤٢)، ٣/ ١١٣١.
(٤) ينظر: المحرر ١/ ٣٥، الإنصاف ١/ ١٥٥، شرح المنتهى ١/ ٥٤.
(٥) ينظر: الحاوي ١/ ٨٦، الشرح الكبير ١/ ١٥٥، كشاف القناع ١/ ٩٣.
(٦) ينظر: التذكرة ص ٣١، الإنصاف ١/ ١٧٧، كشاف القناع ١/ ١٠١.
(٧) الدباغ: اسم ما يدبغ به، أي: يصلح، ويليَّن به، من قرظ، ونحوه. ينظر: العين ٤/ ٣٩٥، تاج العروس ٢٢/ ٤٦٢، مادة: (دبغ).
(٨) ينظر: مختصر الخرقي ص ٨٠، الإنصاف ١/ ١٦١، شرح المنتهى ١/ ٥٦.
(٩) الإهاب: الجلد، وقيل: الجلد قبل أن يدبغ. ينظر: مقاييس اللغة ١/ ١٤٩، تاج العروس ٢/ ٤٠، مادة: (أهب). واختار الأصحاب القول الأول. ينظر: المبدع ١/ ٤٣، كشاف القناع ١/ ٩٥.
(١٠) الحديث بهذا اللفظ رواه الطبراني في الأوسط ١/ ٣٩ عن عبد الله بن عكيم ﵁، قال الحافظ في التلخيص الحبير ١/ ٤٧: "إسناده ثقات". ونحوه في مسند أحمد، من مسند عبد الله بن عكيم ﵁، ٤/ ٣٢٠، وصححه الألباني في الإرواء رقم (٣٨)، ولم أقف عليه في مسند ابن عمر، وأبيه، وعائشة ﵃.
(١١) ينظر: كتاب الروايتين والوجهين ١/ ٦٦، غاية المطلب ص ٣٧.
[ ١ / ١٤٧ ]
والأول أصح (^١). ولا يطهر جلد غير مأكول بالذبح، كلحمه (^٢).
(والشعر، والصوف، والريش، طاهر، إذا كان) ذلك (من ميتة طاهرة في الحياة، ولو غير مأكولة؛ كالهر، والفأر) (^٣) لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. وأما أصول ذلك، فنجسة؛ لأنه من أجزاء الميتة (^٤). وما أبين من حي، فكميتته (^٥).
(و) يـ (ـسن) السُّنَّة في اللغة: الطريقة (^٦). وفي الاصطلاح: ما يثاب على فعله، ولا يعاقب … (^٧) (^٨) على أقواله ﷺ، وأفعاله، وتقريراته (^٩).
(تغطية الآنية) أي: الأوعية (وإيكاء) أي: ربط فم (^١٠) (الأسقية) (^١١) جمع سقاء؛ وهو جلد السخلة (^١٢) إذا أجذع يكون للماء واللبن (^١٣)؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي الإناء، ونوكي السقاء" رواه أبو داود (^١٤). وأيضًا يسن إغلاق الباب، وإطفاء المصباح (^١٥).
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ١/ ١٦١. وبيَّن في كشاف القناع ١/ ٩٧ وجوه التصحيح.
(٢) ينظر: الوجيز ص ٤٩، الإنصاف ١/ ١٧١، معونة أولي النهى ١/ ١٩٣.
(٣) ينظر: مختصر الخرقي ص ٨٠، الإنصاف ١/ ١٨٠، معونة أولي النهى ١/ ١٩٤.
(٤) ينظر: شرح المنتهى ١/ ٥٧.
(٥) ينظر: الإنصاف ١/ ١٨٠، زاد المستقنع ص ٤٩، كشاف القناع ١/ ١٠٢.
(٦) ينظر: مقاييس اللغة ٣/ ٦١، القاموس ص ١٥٥٨، مادة: (سنن).
(٧) هنا كلام سقط في طرف اللوحة، وأقدره بـ[على تركه. وتطلق السُّنَّة] والله أعلم.
(٨) ينظر: العدة ١/ ١٦٣، الواضح ١/ ١٢٦.
(٩) ينظر: مختصر ابن اللحام ص ٧٤، مختصر التحرير ص ١٠٠.
(١٠) ينظر: العين ٥/ ٤٢٢، تهذيب اللغة ١٠/ ٢٢٥، مادة: (وكي).
(١١) ينظر: الرعاية الصغرى ١/ ٣٤، الشرح الكبير ١/ ١٦١، معونة أولي النهى ١/ ١٩٥.
(١٢) السخلة: ولد الشاة من المعز والضأن، ذكرًا كان أو أنثى. ينظر: مقاييس اللغة ٣/ ١٤٥، لسان العرب ١١/ ٣٣٢، مادة: (سخل).
(١٣) ينظر: تهذيب اللغة ٩/ ١٨٣، القاموس ص ١٦٧١، مادة: (سقي).
(١٤) في سننه بنحوه. كتاب الأشربة، باب في الأوعية، رقم (٣٦٩٣)، ٣/ ٣٣١. وهو في صحيح مسلم، في كتاب الأشربة، رقم (١٩٩٣)، ٣/ ١٥٧٨. ولفظه: "ولكن اشرب في سقائك، وأوكه". وأقرب منه ما رواه ابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء" كتاب الأشربة، باب تخمير الإناء، رقم (٣٤١١)، ٢/ ١١٢٩، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة ٤/ ٤٣.
(١٥) ينظر: الآداب الشرعية ٣/ ٤٠١، الإقناع ١/ ٣٤.
[ ١ / ١٤٨ ]