بالضم: الاغتسال، والماء يُغتسل به. وبالفتح: مصدر غَسَل. وبالكسر: ما يغسل به الرأس؛ من الخِطْمِي، وغيره (^١). وشرعًا: استعمال ماءٍ طهور مباح، في جميع بدنه، على وجه مخصوص (^٢).
والأصل في مشروعيته: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَرُوا﴾ [المائدة: ٦] وسمي الجُنُب (^٣) جنبًا؛ لنهيه أن يقرب مواضع الصلاة، أو لمجانبته الناس حتى يتطهر، أو لأن الماء جانب محله (^٤).
(وهو) أي: الحدث الذي هو سبب وجوب الغسل (سبعة) أسباب:
(أحدها: انتقال المنيِّ) (^٥) من صُلْب (^٦) الرجل، وتَرائِب (^٧) المرأة، بمجرد الإحساس (^٨)؛ لأن الماء تباعد عن محله. ويحصل به البلوغ، والفطر، ووجوب الكفارة (^٩) (فلو أحس بانتقاله، فحبسه، فلم يخرج، وجب الغسل) وكذا انتقال
_________________
(١) ينظر: الصحاح ٥/ ١٧٨١، إكمال الإعلام ٢/ ٤٦٦، مادة: (غسل). والخِطْمِي: نبات يُغسل به الرأس. ينظر: تهذيب اللغة ٧/ ١١٦، مختار الصحاح ٧٦، مادة: (خطم).
(٢) ينظر: المنتهى ١/ ٢١، الإقناع ١/ ٦٥.
(٣) الجنب: يدل على البعد، والمراد هنا: من أصابته جنابة، بجماع، أو إنزال. ينظر: مقاييس اللغة ١/ ٤٨٣، مادة: (جنب)، المطلع ص ٣١.
(٤) ينظر إضافة للمرجعين السابقين: المبدع ١/ ١٧٧.
(٥) وهو من الرجل في حال صحته: ماء غليظ، أبيض، يخرج عند اشتداد الشهوة، بتلذذ عند خروجه، ويعقب خروجه فتور، ورائحته كرائحة طلع النخل، يقرب من رائحة العجين. ومن المرأة: ماء رقيق، أصفر. ينظر: المطلع ص ٢٧، الدر النقي ١/ ١٠٣.
(٦) الصلب: الظهر. وقيل: عظامه. ينظر: لسان العرب ١/ ٥٢٧، مادة: (صلب)، المطلع ص ٢٨٧.
(٧) الترائب: موضع القِلادة من الصَّدر. وقيل: عظام الصدر. واحدتها: تريبة. ينظر. لسان العرب ١/ ٢٣٠، مختار الصحاح ص ٣٢، مادة: (ترب).
(٨) في الأصل: (الاحتساس).
(٩) ينظر: الفروع ١/ ٢٥٣، التنقيح ص ٦٠، معونة أولي النهى ١/ ٣٤٨.
[ ١ / ١٩٠ ]
حيض (^١). قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية (^٢) (^٣). فيثبت بانتقاله ما يثبت بخروجه، كما لو كانت صائمة، فانتقل قبيل الغروب، أفطرت، ولو لم يخرج.
(فلو اغتسل له، ثم خرج بلا لذة، لم يعد الغسل) بل يتوضأ إذا أراد فعلًا يوجب الوضوء. وإن خرج بلذة، أعاد الغسل (^٤).
(الثاني: خروجه) أي: المني (من مخرجه، ولو) كان (دمًا، ويشترط أن يكون) خروجه (بلذة، ما لم يكن نائمًا، ونحوه) كسكران، ومغمى عليه، فلا يشترط فيه اللذة (^٥).
ومن نام، فوجد بثوبه بللًا؛ فإن تحقق أنه مني، اغتسل منه، وإن تحقق أنه مَذْي (^٦)، غسله من غير اغتسال، وإن لم يتحقق، فينظر؛ إن لم يتقدم نومَه ملاعبة، أو نظرًا، أو تفكرًا (^٧)، اغتسل وجوبًا، وطَهَّر أيضًا ما أصابه في بدنه، أو ثوبه من بلل، فإن تقدم ذلك، لم يجب الغسل؛ لأن الظاهر أنه مذي؛ لوجود سببه، إن لم يذكر احتلامًا، وإن ذكر احتلامًا، وجب الغسل نصًّا (^٨).
وإن وجد منيًا في ثوب لا ينام فيه غيره من أهل الاحتلام، فعليه الغسل، لوجود موجبه، وإعادة ما تيقن من الصلاة، بسبب المني الذي في الثوب (^٩). قال
_________________
(١) ينظر: الهداية ص ٥٩، الإنصاف ٢/ ٨٦، كشاف القناع ١/ ٣٢٨.
(٢) هو: الإمام، شيخ الإسلام، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، ثم الدمشقي ﵀، ولد سنة إحدى وستين وستمائة بحران، وتأهل للفتوى والتدريس وهو دون العشرين، ومصنفاته كثيرة واسعة منها: "شرح العمدة"، و"السياسة الشرعية"، و"رفع الملام"، ومن مشايخه والده، ومن تلاميذه ابن القيم. توفي في قلعة دمشق سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٨٧، المقصد الأرشد ١/ ١٣٢.
(٣) ينظر: شرح العمدة ١/ ٣٥٦، الاختيارات ص ٣٠.
(٤) ينظر: المستوعب ١/ ٢٢٤، الإنصاف ٢/ ٨٨، مطالب أولى النهى ١/ ١٦١.
(٥) ينظر: الفروع ١/ ٢٥٣، الإنصاف ٢/ ٧٩، شرح المنتهى ١/ ٥٥.
(٦) المَذْي: ماء رقيق، يضرب لونه إلى البياض، يخرج من رأس الإحليل، عند الملاعبة والتقبيل. ينظر: المطلع ص ٣٧، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ص ٤٩.
(٧) كذا في الأصل، والصواب الرفع.
(٨) ينظر: مختصر ابن تميم ١/ ٣٦٢، الإنصاف ٢/ ٨٢، شرح المنتهى ١/ ٥٦.
(٩) ينظر: الحاوي ١/ ١٢٦، الإنصاف ٢/ ٨٢، كشاف القناع ١/ ٣٢٧.
[ ١ / ١٩١ ]
ابن قندس (^١): "الظاهر أنه يعيد ما تيقن أنه صلّاه بعد وجود المني، وما شك فيه لا يعيده" (^٢). قال في "الرعاية": "وإعادة الصلاة من آخر نومة نامها"، وقال أيضًا: "والأولى إعادة صلوات تلك المدة، وما يحصل به اليقين في براءة الذمة" (^٣).
تتمة: هذا كله في حق غير الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (^٤)؛ لما رواه الطبراني، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "ما احتلم نبي قط، وإنما الاحتلام من الشيطان" (^٥).
(الثالث): التقاء الختانين (^٦)؛ وهو (تغييب الحشفة) الأصلية، غير الزائدة (كلها، أو) تغييب (قدرها) أي: قدر الحشفة إذا كانت مقطوعة، سواء أنزل فيهما، أو لم ينزل. قال شيخنا رحمه الله تعالى في "حاشيته على الإقناع": "تنبيه: لو قطع ذكره، ثم أعيد بحرارة الدم، فهل يثبت له حكم المتصل في وجوب الغسل، ونقض الوضوء بلمسه، وإجزاء الحجر، وغير ذلك؟ - قال: - الظاهر نعم؛ لإطلاقهم. والله أعلم" (^٧) (بلا حائل) لانتفاء التقاء الختانين مع الحائل (في فرج) أصلي (ولو) كان (دبرًا) ولو كان الفرج الأصلي (لميت) لعموم الخبر (^٨) (أو) لـ (ــــبهيمة) حتى سمكة (أو) لـ (ــطير) ولو كان تغييب الحشفة من نائم، أو مجنون، أو صغير، أوفيهم (^٩).
_________________
(١) هو: الشيخ، تقي الدين، أبو بكر بن إبراهيم بن قندس البعلي ﵀، ولد سنة تسع وثمانمائة، له: "حاشية على الفروع"، و"حاشية على المحرر"، ومن مشايخه محمد بن إسماعيل بن بردس، ومن تلاميذه علي المرداوي. توفي سنة إحدى وستين وثمانمائة. ينظر: المقصد الأرشد ٣/ ١٥٤، الدر المنضد ٢/ ٦٥١، شذرات الذهب ٧/ ٣٠٠.
(٢) حاشية ابن قندس على الفروع ١/ ٢٥٥.
(٣) نقله عنه في كشاف القناع ١/ ٣٢٧.
(٤) ينظر: غاية السول في خصائص الرسول ﷺ ص ٢٩٠.
(٥) المعجم الكبير ١١/ ٢٢٥، قال الألباني في الضعيفة رقم (١٤٣٢): "ضعيف جدًّا".
(٦) الختانان: واحدهما ختان، والختان في الأصل: قطع جلدة حشفة الذكر، وفي المرأة: قطع بعض جلدة عالية مشرفة على محل الإيلاج. ثم عبّر بذلك عن موضع الختن. ينظر: شرح الزركشي ١/ ٢٨٠.
(٧) حواشي الإقناع ١/ ١١٨.
(٨) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل" أخرجه مسلم، في كتاب الحيض، رقم (٣٤٩)، ١/ ٢٧١.
(٩) ينظر: الحاوي ١/ ١٣٢، الإنصاف ٢/ ٩١، شرح المنتهى ١/ ٥٧.
[ ١ / ١٩٢ ]
ومعنى الوجوب في حق الصغير: أن الغسل شرط لصحة صلاته، وطوافه، وإباحة قراءته، ونحوها، لا التأثيم بتركه (^١)؛ لأنه غير مكلف (لكن لا يجب الغسل) على الصغير (إلا على) من يجامع مثله، ممن هو (ابن عشر) سنين (وبنت تسع) سنين (^٢).
(الرابع: إسلام الكافر) سواءٌ كان ذكرًا، أو أنثى (ولو) كان (مرتدًا) عن الإسلام (^٣)، ولو مميزًا. ووقت لزومه للمميز: إذا أراد فعل ما يتوقف على غسل أو وضوء؛ من صلاة، وطواف، ومس مصحف، وقرآن، ونحو ذلك، غير لبثه بمسجد، أو أسلم ومات شهيدًا (^٤).
(الخامس: خروج الحيض) (^٥) وانقطاعه شرط لصحة الغسل، كما يأتي (^٦).
(السادس: خروج دم النفاس) (^٧) وانقطاعه أيضًا شرط للصحة.
(السابع: الموت، تعبدًا) (^٨) لأمره ﷺ (^٩)؛ لأنه ليس عن حدث.