* قال المؤلف رحمه الله تعالى:
﷽
افتتح كتابه بهذا الاسم الأعظم، الموصوف بكمال المبالغة في الرحمة وما دونه (^١)؛ اقتداءً بالفرقان المنزل على رسوله المفضل ﷺ وعَظَّم وكَرَّم، وتبركًا بذكر اسم الباري ﷻ. والباء للملابسة، أو للاستعانة. وقيل: للتعدية (^٢)؛ وعملًا بالحديث الشريف، من رواية الخطيب (^٣)، من قوله ﷺ: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" (^٤)، أي: ذاهب البركة (^٥). والرحمن أبلغ من الرحيم (^٦)؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى. وقُدّم (^٧)؛ لأنه كالعلم، من حيث أنه لا يوصف به غيره تعالى؛ لأن معناه: المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها (^٨)،
_________________
(١) هذا التعبير غير لائق، فلو قيل: الموصوف بالكمال، أو بمنتهى الكمال، أو بغاية الكمال في الرحمة، لكان أولى من أن يقال: بكمال المبالغة. أما وصف الله بالكمال وما دونه، أي: ما دون الكمال، فهذا تعبير غير مستقيم.
(٢) ينظر: معاني القرآن ١/ ٥١، تفسير البحر المحيط ١/ ١٢٣، مغني اللبيب ص ١٣٩.
(٣) هو: الحافظ، أبو بكر الخطيب، أحمد بن علي بن ثابت البغدادي ﵀، ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، من مصنفاته: "تاريخ بغداد"، و"الفقيه والمتفقه"، و"تقييد العلم". توفي ببغداد سنة ثلاث وستين وأربع مائة. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٢٧٠، الوافي بالوفيات ٧/ ١٢٦.
(٤) هو من حديث أبي هريرة ﵁. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٦٩، وقال الألباني في الإرواء ١/ ٢٩: "ضعيف جدًّا".
(٥) ينظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٩٣.
(٦) ينظر: الفروق اللغوية للعسكري ص ١٦٠، تفسير ابن كثير ١/ ٢١.
(٧) أي: قُدِّم الرحمن على الرحيم.
(٨) قال العنقري في حاشيته ١/ ٥ - ٦ عند قول صاحب الروض المربع: "لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها" قال معلقًا: "هذا على تأويل الأشاعرة"، وقال: "والذي عليه أهل السُّنَّة: إثبات صفة الرحمة حقيقة، مع القطع بأنها ليست كرحمة المخلوق، ومن =
[ ١ / ١٢٥ ]
وهو (^١) لا يصدق على غيره تعالى.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ) الحمد في اللغة: الوصف [بـ]ـالجميل (^٢) الاختياري، على جهة التبجيل والتعظيم (^٣). وفي العرف: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم، من حيث أنه منعم على الحامد، أو غيره (^٤).
ابتدأ المصنف بذلك؛ تأسيًا بالكتاب العزيز، ولقوله ﷺ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع" (^٥). ومعنى ذي بال: أي: حال يهتم به (^٦). ومعنى أقطع: أي: ناقص البركة (^٧). وأل في الحمد: للجنس، أو الاستغراق، أو العهد (^٨). واللام في لله: للملك (^٩). واختير لفظ الجلالة دون بقية الأسماء؛ لأنه علم للذات، ومختص به، فيعم جميع أسمائه الحسنى، ولأنه اسم الله الأعظم عند أكثر العلماء (^١٠).
(رَبِّ) أي: المالك (الْعَالَمِينَ) جمع عالم، وهو: كل ذي روح. وقيل: كل من كان له عقل يخاطب، مثل: بني آدم، والملائكة، والجن (^١١).
(وأشهد) أي: أقر، وأعلم (أن لا إله) أي: لا معبود في الوجود بحق (إلا الله وحده) أي: المنفرد في ذاته (لا شريك له) في ذاته، ولا صفاته، ولا أفعاله. وذكر التشهد؛ لخبر أبي داود، من قوله ﷺ: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي
_________________
(١) = ثمراتها الإنعام". وذكر ابن قاسم في حاشيته ١/ ٢٩: أن صاحب الروض أخذ هذا عن غيره، ولم يتفطن له. وينظر في إبطال تأويل الأشاعرة: مختصر الصواعق ٣/ ٨٦٠ و٨٧٩.
(٢) أي: هذا المعنى.
(٣) في الأصل: (الجميل).
(٤) ينظر: العين ٣/ ١٨٨، مختار الصحاح ص ٦٤، مادة: (حمد).
(٥) ينظر: كشاف القناع ١/ ٥، لوامع الأنوار البهية ١/ ٣٧.
(٦) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٢٠٨، وضعفه الألباني في الإرواء رقم (٢).
(٧) ينظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ١٦٤.
(٨) ينظر: النهاية في غريب الحديث ٤/ ٨٢.
(٩) ينظر: تفسير الطبري ١/ ٥٩، أضواء البيان ١/ ٤٧.
(١٠) ينظر: الصاحبي ص ١٤٩، تفسير البحر المحيط ١/ ١٣٠.
(١١) ينظر: لوامع الأنوار البهية ١/ ٣٥، اسم الله الأعظم ص ١٣٠.
(١٢) ينظر: تهذيب اللغة ٢/ ٢٥٢، تاج العروس ٣٣/ ١٣٤، مادة: (علم).
[ ١ / ١٢٦ ]
كاليد الجذماء" (^١)، أي: قليلة البركة (^٢) (مَالِكِ) قال - في التفسير -[أبو] (^٣) الليث السمرقندي (^٤): "مالك الملوك، وأيضًا يعني: قاضي، وحاكم (يَوْمِ الدِّينِ) أي: يوم الحساب" (^٥).
(وأشهد أن محمدًا) سمي به ﷺ؛ لكثرة خصاله المحمودة (^٦). ونُقل عن بعض الحفاظ أنه سمي بهذا الاسم قبل النبي صلى الله عليه سبعة عشر إنسان (^٧) (عبده) وهو القائم بحقيقة العبودية (ورسوله) هو: إنسان أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه، وهو أخص من النبي (^٨).
(المُبَيِّن) أي: المظهر (لأحكام) جمع حكم، وهو في اللغة: القضاء، والحكمة (^٩). وفي الاصطلاح: خطاب الله تعالى المفيد فائدة شرعية (^١٠) (شرائع) جمع شرع، وهو ما شرعه الله تعالى من الأحكام (الدين) هو - أيضًا - ما شرعه الله تعالى من الأحكام، ويطلق على الإسلام، والملة (^١١).
(الفائز) أي: الظافر (بمنتهى) أي: بغاية (الإرادات) أي: المقاصد
_________________
(١) هو من حديث أبي هريرة ﵁. سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في الخطبة، رقم (٤٨٤١)، ٤/ ٢٦١. ورواه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح، رقم (١١٠٦)، ٣/ ٤١٤، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وصححه الألباني في الصحيحة رقم (١٦٩).
(٢) ينظر: غريب الحديث للحربي ٢/ ٤٣١.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(٤) هو: أبو الليث، نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي ﵀، المعروف بإمام الهدى، تفقه على أبي جعفر الهندواني، له "تفسير القرآن"، وكتاب "النوازل في الفقه"، و"تنبيه الغافلين". توفي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. ينظر: طبقات المفسرين للداودي ص ٩١، الفوائد البهية ص ٢٢٠.
(٥) بحر العلوم ١/ ٤٢. وقوله: "مالك الملوك" هذا نقل عن قطرب.
(٦) ينظر: القاموس ص ٣٥٥، مادة: (حمد)، تفسير القرطبي ١/ ١٣٤.
(٧) كذا في الأصل، والصواب: (إنسانًا). عدَّ السخاوي منهم أربعة عشر في القول البديع ص ٧١، وذكر أنه جمع من تسمى بذلك في جزء مفرد، فبلغوا نحو العشرين، لكن مع تكرار في بعضهم. وينظر: التحبير ١/ ٩٠.
(٨) ينظر: شرح الطحاوية ص ١٦٧، لوامع الأنوار البهية ١/ ٤٩.
(٩) ينظر: أساس البلاغة ص ١٣٩، القاموس ص ١٤١٥، مادة: (حكم).
(١٠) ينظر: التحبير ٢/ ٧٨٩، الإحكام ١/ ١٣٦، وينظر: المبدع ٦/ ٣٦٩.
(١١) ينظر: المفردات ١٧٥، جمهرة اللغة ٢/ ٦٨٨، القاموس ص ١٥٤٦، مادة: (دين).
[ ١ / ١٢٧ ]
(من ربه) أي: من مالكه، كما تقدم (^١).
(فمن تمسك) أي: استعصم (^٢) (بشريعته) أي: بأحكامه (فهو من الفائزين) أي: من الظافرين.
(صلى الله) قال الأزهري (^٣): "الصلاة من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن غيرهم التضرع والدعاء" (^٤). واختار ابن القيم رحمه الله تعالى (^٥) في "جلاء الأفهام": أن صلاة الله تعالى عليه: ثناؤه عليه، وإرادة إكرامه، برفع ذكره ومنزلته، وتقريبه. وأن صلاتنا نحن عليه: سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به (^٦). وردَّ قول من قال صلاته عليه: رحمته ومغفرته من خمسة عشر وجهًا (^٧).
وتستحب الصلاة عليه ﷺ وتتأكد كلما ذكر اسمه. وقيل (^٨): تجب (^٩). وكذا (^١٠) في ليلة الجمعة ويومها (^١١). وهي ركن في التشهد الأخير في الصلاة (^١٢)،
_________________
(١) عند قول الماتن ﵀: "رب العالمين".
(٢) الأدق أن يقال: تمسك، أي: اعتصم.
(٣) هو: أبو منصور، محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي الأزهري ﵀، ولد سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وصنف "تهذيب اللغة"، و"التقريب في التفسير"، و"تفسير ألفاظ كتاب المزني". توفي سنة سبعين وثلاثمائة. ينظر: طبقات الشافعية للسبكي ٣/ ٦٣، بغية الوعاة ١/ ١٩.
(٤) تهذيب اللغة ١٢/ ١٦٦.
(٥) هو: العلامة، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثم الدمشقي ﵀، الشهير بابن قيم الجوزية، ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة، لازم الشيخ تقي الدين، وتفنن في علوم الإسلام، فمن تصانيفه: "تهذيب سنن أبي داود"، و"زاد المعاد"، و"إعلام الموقعين". توفي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. ينظر: المقصد الأرشد ٢/ ٣٨٤، شذرات الذهب ٦/ ١٦٨.
(٦) ينظر: جلاء الأفهام ص ١٥٥.
(٧) ينظر: المرجع السابق ص ١٦٠ - ١٦٨.
(٨) قول الأصحاب: "وقيل" قد يكون رواية بالإيماء، أو وجهًا، أو تخريجًا، أو احتمالًا. ينظر: صفة الفتوى ص ١١٤. وهي من اصطلاحاتهم في نقل الخلاف المطلق في المذهب بلا ترجيح. ينظر: المدخل المفصل ١/ ١٧٧.
(٩) ينظر: المبدع ١/ ٤٦٧، فتح الملك العزيز ١/ ٨٩. والصحيح من المذهب أن الصلاة عليه ﷺ تتأكد كلما ذكر اسمه. ينظر: الإنصاف ٣/ ٥٥١. قال ابن القيم ﵀ في جلاء الأفهام ص ٣٩٦ بعد أن ساق الخلاف، وأدلته: "ولكل فرقة من هاتين الفرقتين أجوبة عن حجج الفرقة المنازعة لها، بعضها ضعيف جدًّا، وبعضها محتمل، وبعضها قوي، ويظهر ذلك من تأمل حجج الفريقين. والله ﷾ أعلم بالصواب".
(١٠) أي: تستحب الصلاة عليه ﷺ.
(١١) ينظر: المغني ٣/ ٢٣٦، المبدع ٢/ ١٧١، جلاء الأفهام ص ٤٠٤.
(١٢) ينظر: الكافي ٤/ ٣١١، المحرر ١/ ١٣٠، جلاء الأفهام ص ٣٢٧.
[ ١ / ١٢٨ ]
وخطبتي الجمعة (^١).
روى الطبراني، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: "من صلى عليَّ في كتاب، لم تزل الملائكة تستغفر له، ما دام اسمي في ذلك الكتاب" (^٢).
(وسلم عليه) من السلام؛ وهو التحية، أو السلامة من النقائص والرذائل (^٣).
نقل شيخنا قدوة المحققين، وكنز المدققين؛ الشيخ منصور البهوتي الحنبلي - تغمده برحمته - (^٤) في "حاشيته على الإقناع": "تجوز الصلاة على غير الأنبياء منفردًا على الصحيح، نص عليه (^٥). قاله في "شرح التحرير"، قال: وظاهر سياقه فيه لا يكره إفراد الصلاة عن السلام عندنا. وفي "المبدع": مكروه" (^٦).
(وعلى جميع الأنبياء) جمع نبي؛ وهو إنسان أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه (^٧) (والمرسلين) جمع مرسل، ومعناه تقدم (^٨) (وعلى آل كل) أي: آل كل
_________________
(١) ينظر: الكافي ١/ ٤٩٠، المحرر ١/ ٢٣٥، جلاء الأفهام ص ٣٦٨.
(٢) المعجم الأوسط رقم (١٨٣٥)، وهو موضوع. ينظر: الموضوعات ١/ ١٦٥، اللآلئ المصنوعة ١/ ١٨٦
(٣) ينظر: لسان العرب ١٢/ ٢٨٩، القاموس ص ١٤٤٩، مادة: (سلم).
(٤) هو: شيخ الحنابلة، أبو السعادات، منصور بن يونس بن صلاح الدين البهوتي المصري ﵀، ولد سنة ألف، شرح الإقناع، والمنتهى، والزاد، ونظم المفردات. مات سنة إحدى وخمسين وألف بالقاهرة. ينظر: النعت الأكمل ص ٢١٠، السحب الوابلة ٣/ ١١٣١.
(٥) قول الأصحاب: "نص عليه"، أي: نص عليه الإمام، وهي من الألفاظ الصريحة في نقل المذهب بالرواية عن الإمام. ينظر: الإنصاف ٣٠/ ٣٨١، المدخل لابن بدران ص ٤٠٩، المدخل المفصل ١/ ١٧٣ و٣١٥.
(٦) حواشي الإقناع ١/ ٣٥. والمذهب عدم وجوب السلام عليه ﷺ مع الصلاة. ينظر: الإنصاف ٥/ ٢٢١، غاية المنتهى ١/ ٢٤٣.
(٧) ينظر: شرح الطحاوية ص ١٦٧، لوامع الأنوار البهية ١/ ٤٩. لكن الأدلة تفيد أن النبي مرسل مأمور بالتبليغ، كقوله تعالى: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦» [الزخرف: ٦]، وعليه فقد اختار شيخ الإسلام ﵀ في النبوات ٢/ ٧١٤: أن "النبي: هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به. فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله، ليبلغه رسالة من الله إليه، فهو رسول. وأما إذا كان يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة، فهو نبي، وليس برسول".
(٨) عند قول الماتن ﵀: "ورسوله".
[ ١ / ١٢٩ ]
نبي ومرسل. والآل على الصحيح من المذهب: الأتباع على الدين (^١). وقيل: مؤمنو بني هاشم، وبني المطلب، وبني عبد مناف (^٢). وقيل: أهله (^٣).
(وصحبه أجمعين) أي: صحب كل. والصحب: اسم جمع. والصحابي هو: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا، ومات على ذلك، أو رآه بعد البعثة (^٤). وعطفه على الآل من عطف الخاص على العام. والجمع بينهما ردًا (^٥) على الشيعة؛ لكونهم يوالون الآل في ون الصحب. وقدم الآل؛ لما ورد من قوله ﷺ في حديث كعب (^٦): "نصلي عليك" (^٧)، كما يأتي الحديث في كتاب الصلاة، في أحكام التشهد الأخير (^٨).
(وبعد) كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر استحبابًا في الخطب والمكاتبات (^٩)؛ لفعله ﷺ في خطبه، وشبهها (^١٠). وهي ظرف زمان، وقد
_________________
(١) ينظر: الإنصاف ٣/ ٥٤٨.
(٢) هذا القول خاص بآل نبينا ﷺ، والماتن قال: "وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى آل كل".
(٣) ينظر: المبدع ١/ ٤٦٧، فتح الملك العزيز ١/ ٩٩.
(٤) ينظر: الإصابة ١/ ٦، فتح المغيث ٣/ ٩٣، شرح الكوكب المنير ٢/ ٤٦٥. وقول الشارح هنا: "أو رآه بعد البعثة" عطف على من اجتمع بالنبي ﷺ، فلا بد من الإيمان به ﷺ في كلا الحالين.
(٥) كذا في الأصل. والصواب الرفع.
(٦) هو: أبو محمد، كعب بن عجرة بن أمية البلوي، شهد عمرة الحديبية، ونزلت فيه قصة الفدية. مات بالمدينة سنة إحدى وخمسين، وله خمس وسبعون سنة. ينظر: أسد الغابة ٤/ ٥٠٧، الإصابة ٥/ ٥٩٩.
(٧) ونصه: قال كعب ﵁: "إن النبي ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللَّهُمَّ صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهُمَّ بارك على محمد، وعلى أل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي ﷺ، رقم (٥٩٩٦)، ٥/ ٢٣٣٨، ومسلم، كتاب الصلاة، رقم (٤٠٦)، ١/ ٣٠٥.
(٨) ص ٢٩٨. ولم يذكر الحديث، وإنما قال: لحديث كعب بن عجرة.
(٩) ينظر: فتح الملك العزيز ١/ ١١٠، شرح المنتهى ١/ ١٠.
(١٠) لكن لفظ النبي ﷺ "أما بعد". أما في الخطب: فقد أخرج البخاري - في كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء =
[ ١ / ١٣٠ ]
تستعمل ظرف مكان (^١).
(فهذا) إشارة إلى ما استحضره المؤلف في ذهنه، وأقامه مقام الموجود بالعيان (مختصر) وهو: ما قل لفظه، وكثر معناه (^٢) (في الفقه) هو في اللغة: الفهم (^٣). وفي الاصطلاح: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل، أو القوة القريبة (^٤). وقيل: هو الأحكام المذكورة نفسها (^٥).
(على المذهب) هو في الأصل مصدر، أو اسم مكان، أو زمان، بمعنى: الذهاب، أو مكانه، أو زمانه (^٦)، ثم نقل إلى ما قاله الإنسان بد [لـ]ـيل (^٧)، ومات قائلًا به، وكذا ما أجري مجرى ما قاله (^٨) (الأحمد) أي: الأرضى لله تعالى ﷻ (مذهب الإمام) أي: المقتدى به، هو أبو عبد الله (أحمد) بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان - بالياء المثناة من تحت - بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ئعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب - بكسر الهاء وإسكان النون
_________________
(١) = أما بعد - ستةَ أحاديث ذكر فيها النبيُّ ﷺ في خطبه "أما بعد" منها حديث المسور بن مخرمة ﵁ قال: "قام رسول الله ﷺ فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد" رقم (٨٨٤)، ١/ ٣١٤. وأما في الكتب: ففي المتفق عليه من حديث أبي سفيان ﵁ في كتاب النبي ﷺ إلى هرقل - فقرأد فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم". صحيح البخاري، باب كيف كان بدأ الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ رقم (٧)، ١/ ٩، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم (١٧٧٣)، ٣/ ١٣٩٦.
(٢) ينظر: همع الهوامع ٢/ ١٩٢، تاج العروس ٧/ ٤٣٦، مادة: (بعد).
(٣) ينظر: تاج العروس ١١/ ١٧٣، مادة: (خصر).
(٤) ينظر: العين ٣/ ٣٧٠، جمهرة اللغة ٢/ ٩٦٨، مادة: (فقه).
(٥) ينظر: أصول ابن مفلح ١/ ١٢، التحبير ١/ ١٦١.
(٦) ينظر: أصول ابن مفلح ١/ ١١، التحبير ١/ ١٦٣.
(٧) ينظر: القاموس ص ١١١، مادة: (ذهب)، الروض المربع ١/ ١٢٤.
(٨) في الأصل: (بديل).
(٩) ينظر: أصول ابن مفلح ٤/ ١٥٠٩، التحبير ٨/ ٣٩٦٣، وهذا تعريف المذهب اصطلاحًا. والمذهب عرفًا: المذهب الفروعي ينتقل إليه الإنسان، وطريقة فقيه يسلكها المتابع المتمذهب له. ينظر: المدخل المفصل ١/ ٣٢.
[ ١ / ١٣١ ]
وبعدها موحدة - بن أفصى - بالفاء والصاد المهملة - بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عبدنان الشيباني (^١) المروزي البغدادي. هكذا ذكره الحافظ الخطيب وغيره (^٢). ولد في بغداد (^٣) سنة أربع وستين ومائة، وتوفي ببغداد يوم الجمعة، ثاني عشر ربيع الأول، والأشهر ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وسنه (^٤) سبع وسبعون سنة، أسلم يوم موته عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس. ومناقبه كثيرة. ومصنفاته: "المسند" ثلاثون ألف حديث، و"التفسير" مائة وخمسون ألفًا، و"الناسخ والمنسوخ"، و"التاريخ"، و"المقدم والمؤخر في القرآن"، و"جوابات القرآن"، و"المناسك الكبرى، والصغرى" (^٥).
(بالغت) المبالغة: ضد التقصير، أي: ما قصرت (في إيضاحه) أي: في بيانه (رجاء) أي: مؤملًا من الله تعالى (الغفران) أي: تغطية الذنب، وستره (^٦) (وبينت) أي: أظهرت (فيه) أي: في المختصر (الأحكام) جمع حكم، وتقدم معناه (^٧) (أحسن بيان) أي: أظهر بيان.
(لم أذكر) الذكر بمعنى التلفظ، وهنا بمعنى الوضع (فيه إلا ما جزم) أي: قطع الأصحاب (بصحته) من الأقوال الصحيحة، مع ترك الضعيف، وذلك ما صححه (أهل التصحيح) للمذهب (والعرفان) قال في "الصحاح": "العارف بمعنى: عليم، وعالم" (^٨)، (وعليه الفتوى) أي: المفتى به (فيما بين) أي: عند (أهل الترجيح) قال في الصحاح: "رجح، أي: مال" (^٩)، وهو ما مال إليه
_________________
(١) هنا حاشية في الهامش: "وشيبان حي من بكر، وهما شيبانان: أحدهما: شيبان بن ثعلبة بن عكابة، والآخر: شيبان بن ذهل بن ثعلبة".
(٢) ينظر: تاريخ بغداد ٤/ ٤١٢، تاريخ دمشق ٥/ ٢٥٢.
(٣) بغداد (مدينة السلام)، بناها الخليفة العباسي المنصور، عاصمة الخلافة العباسية، وهي اليوم عاصمة العراق، وتقع على ضفتي دجلة. ينظر: معجم البلدان ١/ ٤٥٦، معجم المعالم الجغرافية ص ١٢٦.
(٤) في الأصل: (سننه).
(٥) ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٤، المقصد الأرشد ١/ ٦٤، الدر المنضد ١/ ٤٤.
(٦) العين ٤/ ٤٠٧، تهذيب اللغة ٨/ ١١٢، مادة: (غفر).
(٧) عند قول الماتن ﵀: "المُبيِّن لأحكام شرائع الدين".
(٨) الصحاح ٤/ ١٤٠٢، مادة: (عرف).
(٩) المرجع السابق ١/ ٣٦٤، مادة: (رجح).
[ ١ / ١٣٢ ]
الأصحاب في الصحة من الفتوى به (^١)، على قول واحد (والإتقان) قال في
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ﵀ في مجموع الفتاوى ٢٠/ ٢٢٧ لما سئل عن معرفة المذهب في مسائلَ الخلافُ فيها مطلق في الكافي، والمحرر، والمقنع، والرعاية، والخلاصة، والهداية، وغيرها. فقال: "طالب العلم يمكنه معرفة ذلك من كتب أخر، مثل: كتاب التعليق للقاضي، والانتصار لأبي الخطاب، وعمد الأدلة لابن عقيل، وتعليق القاضي يعقوب البرزبيني، وأبي الحسن ابن الزاغوني، وغير ذلك من الكتب الكبار، التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويذكر فيها الراجح، وقد اختصرت رؤوس هذه الكتب في كتب مختصرة، مثل: رؤوس المسائل للقاضي أبي الحسين. وقد نُقل عن الشيخ أبي البركات صاحب المحرر أنه كان يقول من يسأله عن ظاهر مذهب أحمد: أنه ما رجحه أبو الخطاب في رؤوس مسائله، ومما يعرف منه ذلك: كتاب "المغني" للشيخ أبي محمد، وكتاب "شرح الهداية" لجدنا أبي البركات". وقال المرداوي ﵀ في تصحيح الفروع ١/ ٣١: "اعلم أن مرجع معرفة الصحيح والترجيح في المذهب إلى أصحابه، وقد حرر ذلك الأئمة المتأخرون، فالاعتماد في معرفة الصحيح من المذهب على ما قالوه، ومن أعظمهم الشيخ الموفق، لا سيما في الكافي، والمجد المسدد، والشارح، والشيخ تقي الدين، والشيخ زين الدين ابن رجب، وصاحب الرعايتين، خصوصًا في الكبرى، والخلاصة، والنظم، والحاويين، والوجيز، والمنور، ومنتخب الآدمي، وتذكرة ابن عبدوس، والزركشي، وأضرابهم، فإنهم هذبوا كلام المتقدمين، ومهدوا قواعد المذهب بيقين". وقال عن كتاب الفروع لابن مفلح: إنه من أعدل كتب المذهب تصحيحًا، وأقومها ترجيحًا، قد اجتهد في تحريره، وصحح فيه المذهب، ومرجع الأصحاب في هذه الأيام إليه، وتعويلهم في التصحيح والتحرير عليه؛ لأنه اطلع على كتب كثيرة، ومسائل غزيرة، مع تحرير وتحقيق، وإمعان نظر وتدقيق. ينظر: تصحيح الفروع ١/ ٤. وقال في الإنصاف ١/ ٢٣: "واعلم أن من أعظم هذه الكتب نفعًا، وأكثرها علمًا وتحريرًا وتحقيقًا وتصحيحًا للمذهب كتاب الفروع؛ فإنه قصد بتصنيفه تصحيح المذهب، وتحريره … وكذلك الوجيز؛ فإنه بناه على الراجح من الروايات المنصوصة عنه … وكذلك التذكرة لابن عبدوس؛ فإنه بناها على الصحيح من الدليل، وكذلك ابن عبد القوي في مجمع البحرين وكذلك ناظم المفردات؛ فإنه بناها على الصحيح الأشهر … وكذلك الخلاصة لابن مُنجَّى … وكذلك الإفادات بأحكام العبادات لابن حمدان … ". وقال الحجاوي ﵀ في الإقناع ١/ ٣ عن أهل الترجيح: "منهم العلامة القاضي علاء الدين، في كتبه الإنصاف وتصحيح الفروع والتنقيح". وقال مرعي ﵀ في غاية المنتهى ١/ ٤٧: "وكان ممن سلك منهم مسلك التحقيق والتصحيح والتدقيق والترجيح، العلامة صاحب الإنصاف والتنقيح، بين بتنقيحه وإنصافه الضعيف من الصحيح، ثم نحا نحوه مقلدًا له صاحبا الإقناع والمنتهى، وزادا من المسائل ما يسر أولي النهى، فصار كتابهما من أجل كتب المذهب". وقال ابن قائد نقلًا عن بعضهم: "صريح المنتهى مقدم على صريح الإقناع، وصريح الإقناع =
[ ١ / ١٣٣ ]
"الصحاح": "إتقان الأمر: إحكامه" (^١).
(وسميته) من الوسم، وهو العلامة (^٢) (بدليل) وهو ما يستدل به (^٣) (الطالب) أي: القاصد (لنيل) أي: لإصابة (المطالب) جمع مطلب، وهو الشيء المتباعد، الذي لم ينال (^٤) إلا بطلب (^٥).
(والله أسأل) أي: أطلب من الله تعالى (أن ينفع به من اشتغل) أي: من تلبس بطلـ (ــــــبه، وأن يرحمني) أي: يجعلني في رحمته الواسعة التي وسعت كل شيء (والمسلمين، إنه أرحم الراحمين) أي: أرحم من كل راحم.
* * *
_________________
(١) = مقدم على مفهوم المنتهى، ومفهوم المنتهى مقدم على مفهوم الإقناع. وإذا اختلف قول صاحب المنتهى وقول صاحب الإقناع في حكم مسألة فالمرجح قول صاحب "الغاية"". ينظر: نيل المآرب لابن بسام ١/ ١٩. وقال السفاريني ﵀ في وصيته لأحد تلامذته من النجديين: "وعليك بما في الكتابين "الإقناع" و"المنتهى"، فإذا اختلفا فانظر ما يرجحه صاحب "الغاية"". ينظر: مقدمة ابن مانع لغاية المنتهى ١/ ٤. وعند المتأخرين: إذا اختلف الإقناع والمنتهى فالمذهب ما في المنتهى. ينظر: الشرح الممتع ١/ ١٦٠، إدراك المطالب ص ٣٠. والحاصل: أن أشهر وآخر مصحح للمذهب هو المرداوي. وقد سبقه مصححون أجلهم ابن مفلح. ثم تبع المرداوي: الحجاوي في الإقناع، والفتوحي في المنتهى، ثم جمع مرعي بين كتابيهما في غاية المنتهى.
(٢) الصحاح ٥/ ٢٠٨٦، مادة: (تقن).
(٣) هذا ما ذهب إليه بعض الكوفيين. وقيل: من السمو. ينظر: تاج العروس ٣٨/ ٣٠٥، مادة: (سمو).
(٤) ينظر: لسان العرب ١١/ ٢٤٨، مختار الصحاح ص ٨٨، مادة: (دلل).
(٥) كذا في الأصل. وصوابه: (لم ينل).
(٦) ينظر: العين ٧/ ٤٣٠، أساس البلاغة ص ٣٩٢، مادة: (طلب).
[ ١ / ١٣٤ ]