(بَابُ الْآنِيَةِ) الْبَابُ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الصِّنْفِ، وَهُوَ مَا يُدْخَلُ مِنْهُ إلَى الْمَقْصُودِ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَبْوَابٍ، وَفِي الِازْدِوَاجِ عَلَى أَبْوِبَةٍ. وَالْآنِيَةُ لُغَةً وَعُرْفًا: (الْأَوْعِيَةُ) جَمْعُ: إنَاءٍ وَوِعَاءٍ كَسِقَاءٍ وَأَسْقِيَةٍ، وَجَمْعُ آنِيَةٍ: أَوَانِي، وَالْأَوْعِيَةُ أَوَاعِي. وَأَصْلُ أَوَانِي أَآنِي بِهَمْزَتَيْنِ أُبْدِلَتْ ثَانِيَتُهُمَا وَاوًا كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِهِمَا، كَأَوَادِمَ فِي آدَمَ.
(تُبَاحُ) الْآنِيَةُ (اتِّخَاذًا وَاسْتِعْمَالًا مِنْ كُلِّ طَاهِرٍ مُبَاحٍ، لَوْ) كَانَ (ثَمِينًا كَجَوْهَرٍ) وَيَاقُوتٍ وَزُمُرُّدٍ وَبَلُّورٍ، وَغَيْرِ الثَّمِينِ كَالْخَشَبِ وَالزُّجَاجِ وَالْجُلُودِ وَالصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ، (وَلَا) يُبَاحُ اتِّخَاذًا وَلَا اسْتِعْمَالًا إنَاءٌ (مِنْ ذَهَبٍ وَ) لَا مِنْ (فِضَّةٍ)، لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي
[ ١ / ٥٥ ]
الْآخِرَةِ» وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ تَرْفَعُهُ «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَالْجَرْجَرَةُ: صَوْتُ وُقُوعِ الْمَاءِ بِانْحِدَارِهِ فِي الْجَوْفِ. وَغَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي مَعْنَاهُمَا، لِأَنَّهُمَا خَرَجَا مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ سَرَفًا وَخُيَلَاءَ، وَكَسْرَ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَتَضْيِيقَ النَّقْدَيْنِ.
(وَ) لَا يُبَاحُ اتِّخَاذُ، وَلَا اسْتِعْمَالُ إنَاءٍ (مَطْلِيٍّ) بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِأَنْ يُجْعَلَا كَالْوَرِقِ، وَيُطْلَى بِهِ الْإِنَاءُ مِنْ نَحْوِ حَدِيدٍ (وَ) إنَاءٍ (مُمَوَّهٍ) - اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ مَوَّهَ - وَهُوَ إنَاءٌ مِنْ نَحْوِ نُحَاسٍ يَلْقَى فِيهِمَا أُذِيبَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَيَكْتَسِبُ (وَلَوْ لَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا طُلِيَ بِهِ أَوْ مُوِّهَ بِهِ (شَيْءٌ) بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَ) إنَاءٍ (مُطَعَّمٍ): بِأَنْ يُحْفَرَ بِالْإِنَاءِ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ حُفَرٌ، وَيُوضَعُ فِيهَا قِطَعُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَ) إنَاءٍ (مُكَفَّتٍ بِهِمَا) أَيْ: بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: بِأَنْ يُبْرَدَ الْإِنَاءُ حَتَّى يَصِيرَ فِيهِ شِبْهُ الْمَجَارِي فِي غَايَةِ الدِّقَّةِ، وَيُوضَعُ فِيهَا شَرِيطٌ دَقِيقٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَيُدَقُّ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْصَقَ.
(وَ) لَا يُبَاحُ اتِّخَاذُ، وَلَا اسْتِعْمَالُ إنَاءٍ مِنْ (عَظْمِ آدَمِيٍّ وَجِلْدِهِ)، لِحُرْمَتِهِ (وَلَوْ) كَانَ الْمُتَّخَذُ أَوْ الْمُسْتَعْمَلُ (نَحْوَ مِيلٍ وَقِنْدِيلٍ)، كَمِجْمَرَةٍ وَمِبْخَرَةٍ، وَدَوَاةٍ وَمُشْطٍ وَسِكِّينٍ، وَكُرْسِيٍّ وَسَرِيرٍ، وَخُفَّيْنِ وَنَعْلَيْنِ (وَلَوْ لِأُنْثَى)، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَعَدَمِ الْمُخَصِّصِ. وَأَمَّا التَّحَلِّي فَأُبِيحَ لَهُنَّ لِحَاجَتِهِنَّ إلَيْهِ لِلزَّوْجِ وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ.
(وَتَصْلُحُ طَهَارَةٌ بِهَا) - أَيْ: الْآنِيَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنْ يَغْتَرِفَ الْمَاءَ بِهَا، (وَ) بِإِنَاءٍ (مَغْصُوبٍ، وَمُحَرَّمٍ ثَمَنُهُ) أَيْ: ثَمَنُهُ الْمُعَيَّنُ حَرَامٌ، وَتَصِحُّ الطَّهَارَةُ أَيْضًا (فِيهَا) بِأَنْ يَتَّخِذَ إنَاءً مُحَرَّمًا مِمَّا سَبَقَ يَسَعُ قِلَّتَيْنِ، وَيَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ دَاخِلَهُ، وَتَصِحُّ الطَّهَارَةُ (إلَيْهَا) بِأَنْ يَجْعَلَهَا مَصَبًّا لِفَضْلِ طَهَارَتِهِ فَيَقَعَ فِيهَا الْمَاءُ الْمُنْفَصِلُ عَنْ الْعُضْوِ بَعْدَ غَسْلِهِ. (وَ) تَصِحُّ الطَّهَارَةُ أَيْضًا
[ ١ / ٥٦ ]
(بِمَكَانِ غَصْبٍ) بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي غَصْبٍ أَوْ مُحَرَّمٍ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، وَالرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ فِي الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ، لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ، وَأَفْعَالٌ نَحْوُ الْوُضُوءِ مِنْ الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ لَيْسَتْ بِمُحَرَّمَةٍ، لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِلْمَاءِ لَا لِلْإِنَاءِ، وَأَيْضًا فَالنَّهْيُ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ الْإِنَاءِ الْمُحَرَّمِ يَعُودُ لِخَارِجٍ، إذْ الْإِنَاءُ لَيْسَ رُكْنًا وَلَا شَرْطًا فِيهِ بِخِلَافِ الْبُقْعَةِ وَالثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ.