(بَابُ الْحَيْضِ) لُغَةً: السَّيَلَانُ، مَصْدَرُ: حَاضَ، مَأْخُوذٌ مِنْ حَاضَ الْوَادِي: إذَا سَالَ، وَحَاضَتْ الشَّجَرَةُ: إذَا سَالَ مِنْهَا شِبْهُ الدَّمِ، وَهُوَ: الصَّمْغُ الْأَحْمَرُ، وَتَحَيَّضَتْ: قَعَدَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا عَنْ نَحْوِ صَلَاةٍ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ: الطَّمْثُ وَالْعِرَاكُ وَالضَّحِكُ وَالْإِعْصَارُ وَالْإِكْبَارُ وَالنِّفَاسُ وَالدِّرَاسُ، وَاسْتُحِيضَتْ الْمَرْأَةُ: اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا وَيُتَصَوَّرُ وُجُودُ شِبْهِ الْحَيْضِ مِنْهُ سَبْعٍ سِوَى الْمَرْأَةِ، وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
إنَّ (الْإِنَاثَ) اللَّوَاتِي حِضْنَ قَدْ جُمِعَتْ فِي بَيْتِ شِعْرٍ فَكُنْ مِمَّنْ لَهُنَّ يَعِي
(فَ) فَأْرَةٌ، نَاقَةٌ، مَعَ أَرْنَبٍ، وَزَغٌ وَحُجْرَةُ كَلْبَةٍ، خُفَّاشٌ، مَعَ ضَبُعِ
وَشَرْعًا: (دَمُ طَبِيعَةٍ وَجِبِلَّةٍ): بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا، أَيْ: سَجِيَّةٍ وَخِلْقَةٍ، جَبَلَ اللَّهُ بَنَاتَ آدَمَ عَلَيْهَا، (يَخْرُجُ مَعَ صِحَّةٍ) بِخِلَافِ الِاسْتِحَاضَةِ (مِنْ غَيْرِ سَبَبِ وِلَادَةٍ) خَرَجَ النِّفَاسُ (مِنْ قَعْرِ رَحِمٍ) - أَيْ: بَيْتِ مَنْبَتِ الْوَلَدِ وَوِعَائِهِ، (يَعْتَادُ أُنْثَى إذَا بَلَغَتْ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ)، وَلَيْسَ بِدَمِ فَسَادٍ بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ لِحِكْمَةِ غِذَاءِ الْوَلَدِ وَتَرْبِيَتِهِ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا، فَإِذَا حَمَلَتْ انْصَرَفَ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى غِذَائِهِ، وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ، فَإِذَا وَضَعَتْ قَلَبَهُ اللَّهُ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ، وَلِذَلِكَ قَلَّ مَا تَحِيضُ الْمُرْضِعُ فَإِذَا خَلَتْ مِنْهُمَا بَقِيَ الدَّمُ لَا مَصْرِفَ لَهُ، فَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَان، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَيَقِلُّ وَيَطُولُ شَهْرُهَا وَيَقْصُرُ بِحَسَبِ مَا رَكَّبَهُ اللَّهُ فِي الطِّبَاعِ، وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِبِرِّ الْأُمِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَبِبِرِّ الْأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وَالْأَصْلُ فِي الْحَيْضِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الْآيَةَ وَالسُّنَّةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْحَيْضُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: حَدِيثُ فَاطِمَةَ.
وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَحَمْنَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أُمِّ سَلَمَةَ مَكَانَ أُمِّ حَبِيبَةَ.
(وَالِاسْتِحَاضَةُ سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ) الْمُعْتَادِ (مِنْ مَرَضٍ وَفَسَادٍ مِنْ عِرْقٍ فَمُهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ يُسَمَّى: الْعَاذِلَ): بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَالْعَاذِرُ: لُغَةً فِيهِ، حَكَاهُمَا ابْنُ سِيدَهْ. يُقَالُ: اُسْتُحِيضَتْ الْمَرْأَةُ: اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ.
(وَيَأْتِي) الْكَلَامُ عَلَى (النِّفَاسِ) مُسْتَوْفًى.
(وَيَمْتَنِعُ بِحَيْضٍ اثْنَا عَشَرَ) شَيْئًا: أَحَدُهَا: (غُسْلٌ لَهُ)، فَلَا يَصِحُّ لِقِيَامِ مُوجِبِهِ، وَ(لَا) يُمْنَعُ الْغُسْلُ (لِجَنَابَةٍ وَنَحْوِ إحْرَامٍ بَلْ يُسَنُّ) الْغُسْلُ لِذَلِكَ تَخْفِيفًا لِلْحَدَثِ.
(وَ) الثَّانِي: (وُضُوءٌ)، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ انْقِطَاعَ مَا يُوجِبُهُ، وَتَقَدَّمَ.
(وَ) الثَّالِثُ: (وُجُوبُ صَلَاةٍ) إجْمَاعًا فَلَا تَقْضِيهَا إجْمَاعًا، قِيلَ لِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: فَإِنْ أَحَبَّتْ أَنْ تَقْضِيَهَا؟ قَالَ: لَا هَذَا خِلَافٌ، أَيْ: بِدْعَةٌ وَتَفْعَلُ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ إذَا طَهُرَتْ لِأَنَّهَا نُسُكٌ لَا آخَرَ لِوَقْتِهِ.
ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " بِمَعْنَاهُ.
(وَ) الرَّابِعُ: امْتِنَاعُ (فِعْلِهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - وَلَوْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ لِمُسْتَمِعَةٍ، لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِهَا.
(وَ) الْخَامِسُ: (فِعْلُ طَوَافٍ)، لِقَوْلِهِ - ﷺ - «غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَوُجُوبُهُ بَاقٍ فَتَفْعَلُهُ إذَا طَهُرَتْ إذًا لِأَنَّهُ لَا آخَرَ لِوَقْتِهِ وَيَسْقُطُ عَنْهَا وُجُوبُ طَوَافٍ وَوَدَاعٍ كَمَا يَأْتِي.
(وَ) السَّادِسُ: فِعْلُ (صَوْمٍ) إجْمَاعًا، لِقَوْلِهِ - ﷺ - «أَلَيْسَتْ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى يَا رَسُولَ
[ ١ / ٢٤٠ ]
اللَّهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلَا يَمْنَعُ الْحَيْضُ وُجُوبَ صَوْمٍ فَتَقْضِيهِ إجْمَاعًا، لِحَدِيثِ مُعَاذَةَ قَالَتْ: «سَأَلْت عَائِشَةَ فَقُلْت: مَا بَالُ الْحَائِضُ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْت: لَسْت بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ، فَقَالَتْ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَضَاؤُهُ بِالْأَمْرِ السَّابِقِ لَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
(وَ) السَّابِعُ: (مَسُّ الْمُصْحَفِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] .
(وَ) الثَّامِنُ: (قِرَاءَةُ قُرْآنٍ) مُطْلَقًا خَافَتْ نِسْيَانَهُ أَوْ لَا، لِقَوْلِهِ - ﷺ - «لَا يَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ.
(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (إذَا ظَنَّتْ نِسْيَانَهُ وَجَبَتْ) عَلَيْهَا الْقِرَاءَةُ.
وَاخْتَارَهُ فِي " الْفَائِقِ " وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
(وَ): (لُبْثٌ بِمَسْجِدٍ)، لِقَوْلِهِ - ﷺ - «لَا أُحِلَّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا لِجُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَلَوْ) كَانَ اللُّبْثُ (بِوُضُوءٍ) وَمَعَ أَمْنِ التَّلَوُّثِ فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا، وَ(لَا) يَمْنَعُ الْحَيْضُ الـ (مُرُورَ) بِالْمَسْجِدِ (مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثٍ) نَصًّا، فَإِنْ لَمْ تَأْمَنْهُ مُنِعَتْ.
(وَ) الْعَاشِرُ: (وَطْءٌ فِي فَرْجٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الْآيَةَ، وَهُوَ: مَوْضِعُ الْحَيْضِ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".
وَإِنْ أَرَادَ وَطْأَهَا فَادَّعَتْهُ قُبِلَ مِنْهَا نَصًّا إنْ أَمْكَنَ كَطُهْرِهَا، (إلَّا لِمَنْ بِهِ شَبَقٌ) - مَرَضٌ مَعْرُوفٌ - فَيُبَاحُ لَهُ الْوَطْءُ فِي الْحَيْضِ إنْ خَافَ تَشَقُّقَ أُنْثَيَيْهِ إنْ لَمْ يَطَأْ، (وَلَا تَنْدَفِعُ شَهْوَتُهُ بِدُونِ وَطْءٍ فِي فَرْجٍ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى مَهْرِ حُرَّةٍ أَوْ ثَمَنِ أَمَةٍ) وَلَا يَجِدُ غَيْرَ الْحَائِضِ.
(وَيَتَّجِهُ: أَوْ خَوْفَ عَنَتٍ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا) بِأَنْ لَمْ تَنْدَفِعْ الشَّهْوَةُ بِدُونِ
[ ١ / ٢٤١ ]
إيلَاجٍ فِي فَرْجِهَا، فَيُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ إزَالَةً لِلضَّرَرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ
(وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ: (سُنَّةُ طَلَاقٍ)، لِأَنَّهُ فِي الْحَيْضِ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ، كَمَا يَأْتِي مُوَضَّحًا فِي بَابِهِ، (مَا لَمْ تَسْأَلْهُ) - أَيْ: الْحَائِضُ - (خُلْعًا أَوْ طَلَاقًا) فَيُبَاحُ لَهُ إجَابَتُهَا، لِأَنَّ الْمَنْعَ لِتَضَرُّرِهَا بِطُولِ الْعِدَّةِ، وَمَعَ سُؤَالِهَا قَدْ أَدْخَلَتْ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا.
(وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ سُؤَالُهَا الزَّوْجَ الْخُلْعَ أَوْ الطَّلَاقَ (بِلَا عِوَضٍ، خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " - حَيْثُ قَيَّدَا سُؤَالَهَا بِالْعِوَضِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَلَعَلَّ اعْتِبَارَ الْعِوَضِ لِأَنَّهَا قَدْ تُظْهِرُ خِلَافَ مَا تُبْطِنُ، فَبَذْلُ الْعِوَضِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، (كَمَا يَأْتِي) فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مُفَصَّلًا.
(وَالْعِلَّةُ) الَّتِي ذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ: أَنَّ حُرْمَةَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ لِحَقِّهَا، فَأُبِيحَ الطَّلَاقُ بِسُؤَالِهَا مُطْلَقًا بِعِوَضٍ وَبِدُونِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّهَا أَدْخَلَتْ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا بِسُؤَالِهَا ذَلِكَ (تَقْتَضِيهِ)، أَيْ: تَقْتَضِي جَوَازَ الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ بِسُؤَالِهَا ذَلِكَ بِعِوَضٍ وَبِدُونِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[ ١ / ٢٤٢ ]
(وَ) الثَّانِي عَشَرَ (اعْتِدَادٌ بِأَشْهُرٍ)، يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَحِيضُ لَا تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ بَلْ بِالْحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ بِالْقُرُوءِ، وَلِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤] الْآيَةَ.
(إلَّا) الِاعْتِدَادُ (لِوَفَاةٍ) فَبِالْأَشْهُرِ إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَلَوْ أَنَّهَا تَحِيضُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] .
(وَيَجِبُ بِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ (خَمْسَةُ) أَشْيَاءَ: (غُسْلٌ)، لِقَوْلِهِ - ﷺ - «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) يَجِبُ بِهِ (بُلُوغٌ)، لِقَوْلِهِ - ﷺ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
فَأَوْجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَتِرَ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ حَصَلَ بِهِ.
(وَ) يَجِبُ عَلَى حَائِضٍ (اعْتِدَادٌ) بِالْحَيْضِ (إلَّا لِوَفَاةٍ)، وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.
(وَ) يَجِبُ (الْحُكْمُ بِبَرَاءَةِ رَحِمٍ فِي اعْتِدَادٍ) بِهِ، إذْ الْعِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةُ الْعِدَّةِ فِي الْأَصْلِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، (وَ) يَجِبُ الْحُكْمُ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي (اسْتِبْرَاءِ) الْإِمَاءِ، إذْ فَائِدَتُهُ ذَلِكَ (وَ) تَجِبُ (كَفَّارَةٌ بِوَطْءٍ فِيهِ) - أَيْ: فِي الْحَيْضِ - قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: قَدْ يُقَالُ الْمُوجِبُ الْوَطْءُ وَالْحَيْضُ شَرْطٌ كَمَا قَالُوا فِي الزِّنَا إنَّهُ مُوجِبٌ.
وَالْإِحْصَانُ شَرْطٌ، وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ.
(وَنِفَاسٌ مِثْلُهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (فِي كُلِّ مَا مَرَّ) مِمَّا يَمْنَعُهُ وَيُوجِبُهُ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ اُحْتُبِسَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ، (إلَّا فِي) ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ (اعْتِدَادٌ)، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْءٍ، فَلَا تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ.
(وَوُجُوبُ بُلُوغٍ، لِحُصُولِهِ بِ) إنْزَالٍ سَابِقٍ: لِ (حَمْلٍ
[ ١ / ٢٤٣ ]
وَعَدَمُ احْتِسَابٍ بِهِ فِي مُدَّةِ إيلَاءٍ)، أَيْ: الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ الَّتِي تُضْرَبُ لِلْمُولِي لِطُولِ مُدَّتِهِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ.
(وَلَا يُبَاحُ قَبْلَ غُسْلٍ أَوْ تَيَمُّمٍ بِانْقِطَاعِ دَمِ) حَيْضٍ (غَيْرِ صَوْمٍ)، لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ فِعْلَهُ كَالْجَنَابَةِ، (وَ) غَيْرِ (طَلَاقٍ)، لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ، (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ (لُبْثٌ بِمَسْجِدٍ بِوُضُوءٍ)، وَتَقَدَّمَ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ) زَوْجٌ وَسَيِّدٌ (مِنْ حَائِضٍ) زَمَنَ حَيْضٍ.
(وَيَتَّجِهُ وَ) مِنْ (نُفَسَاءَ) كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(بِدُونِ فَرْجٍ) مِمَّا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا، لِمَا " رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيْ: اعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ وَلِأَنَّ الْمَحِيضَ اسْمٌ لِمَكَانِ الْحَيْضِ، كَالْمَقِيلِ وَالْمَبِيتِ، فَيَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ " إلَّا الْجِمَاعَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَا يَحِلُّ مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ، وَالْمَنْطُوقُ رَاجِحٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ «إنَّهُ كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَتَّزِرَ فَيُبَاشِرَنِي وَأَنَا حَائِضٌ» فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَيْضًا لِلتَّحْرِيمِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحِ تَعَذُّرًا، كَتَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ.
(وَيُسَنُّ سَتْرُهُ) - أَيْ: الْفَرْجِ - (إذَنْ) أَيْ: حِينِ اسْتِمْتَاعِهِ بِمَا دُونَهُ، لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا خِرْقَةً» رَوَاهُ
[ ١ / ٢٤٤ ]
أَبُو دَاوُد.
(فَإِنْ) (أَوْلَجَ) مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ (الْحَشَفَةَ أَوْ قَدْرَهَا) مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي فَرْجِ حَائِضٍ (قَبْلَ انْقِطَاعِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ - (أَوْ حَاضَتْ) مُجَامَعَةً (فِي أَثْنَاءِ وَطْءِ مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ) وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ (وَلَوْ بِحَائِلٍ) لَفَّهُ عَلَى ذَكَرِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) سَوَاءٌ كَانَ إيلَاجُهُ بِمَنْ تُبَاحُ لَهُ أَوْ بِشُبْهَةٍ (أَوْ زِنًى)، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(فَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْمُولِجِ - (كَفَّارَةُ دِينَارٍ، زِنَتُهُ مِثْقَالٌ خَالٍ مِنْ غِشٍّ أَوْ نِصْفُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ)، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَتَخَيُّرُهُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنِصْفِهِ كَتَخْيِيرِ الْمُسَافِرِ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ.
(أَوْ قِيمَتُهُ مِنْ فِضَّةٍ لَا) مِنْ (غَيْرِهَا) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ جَامَعَ طَاهِرًا فَحَاضَتْ، فَنَزَعَ فِي الْحَالِ، لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمُولِجُ (مُكْرَهًا)، لِأَنَّ الْإِيلَاجَ لَا يَتَأَتَّى مَعَ الْإِكْرَاهِ.
(وَيَتَّجِهُ مَا لَمْ) (يُدْخِلْهُ) - أَيْ: ذَكَرَهُ - بِأُصْبُعِهِ (إذَنْ) أَيْ: حَالَ الْإِكْرَاهِ (بِلَا انْتِشَارٍ) فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ مُكْرَهٌ، وَالْمُكْرَهُ غَيْرُ آثِمٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[ ١ / ٢٤٥ ]
(أَوْ) كَانَ (نَاسِيًا) الْحَيْضَ.
(أَوْ) كَانَ (جَاهِلَ حَيْضٍ وَتَحْرِيمٍ)، لِعُمُومِ الْخَبَرِ.
وَكَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ، (وَكَذَا هِيَ)، أَيْ: وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْكَفَّارَةِ قِيَاسًا عَلَيْهِ (إنْ طَاوَعَتْهُ) عَلَى الْوَطْءِ فَإِنْ أَكْرَهَهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وَقِيَاسُهُ لَوْ كَانَتْ نَاسِيَةً أَوْ جَاهِلَةً.
(وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى وَاطِئٍ وَمَوْطُوءٍ اخْتِيَارًا، (وَلَوْ) كَانَا (قِنَّيْنِ) لِتَكْلِيفِهِمَا بِالْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ، فَتَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ بِرَقَبَتِهِمَا يُؤَدِّيَانِهَا بَعْدَ عِتْقِهِمَا، مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمَا السَّيِّدُ بِالتَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ، (فَإِنْ) أَذِنَ لَهُمَا، وَأَجْزَأَهُمَا، (وَلَا يُعَزَّرَانِ لِوُجُوبِهَا) - أَيْ: الْكَفَّارَةِ - عَلَيْهِمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَتَسْقُطُ) الْكَفَّارَةُ (بِعَجْزٍ) عَنْهَا، كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ فَكَالصَّوْمِ، فَلَوْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ ثُمَّ فِي آخَرَ وَلَمْ يُكَفِّرْ، لَزِمَتْهُ ثَانِيَةٌ، كَمَنْ أَعَادَ فِي يَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ كَفَّرَ.
(وَمَصْرِفُهَا) - أَيْ: هَذِهِ الْكَفَّارَةِ - (كَغَيْرِهَا) مِنْ بَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ، أَيْ: لِمَنْ لَهُ أَخْذُ زَكَاةٍ لِحَاجَتِهِ، (وَتُجْزِئُ لِمِسْكِينٍ) وَاحِدٍ (كَنَذْرِ مُطْلَقٍ)، أَيْ: كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَنْ يَتَصَدَّقُ
[ ١ / ٢٤٦ ]
عَلَيْهِ.
(وَوَطْءُ حَائِضٍ) فِي فَرْجِهَا (كَبِيرَةٌ،) (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) وَأَمَّا فِي " الشَّهَادَاتِ " فَإِنَّهُ عَدَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ.
(وَلَا كَفَّارَةَ بِوَطْءِ) حَائِضٍ (بَعْدَ انْقِطَاعِ) الدَّمِ (وَقَبْلَ غُسْلِهَا) مِنْهُ، لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ «وَهِيَ حَائِضٌ» وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِحَائِضٍ (أَوْ)، أَيْ: وَلَا كَفَّارَةَ (بِوَطْءِ) الْحَائِضِ (فِي دُبُرِهَا)، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.