(فَرْعٌ: وَقَعَ خُلْفٌ كَبِيرٌ) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ لَهُ) - ﷺ - (بِالرَّحْمَةِ، وَاخْتَارَ) الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ (السُّيُوطِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَازَ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ) كَقَوْلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ، وَقَوْلُهُ فِي التَّشَهُّدِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
وَ(لَا) يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ (انْفِرَادًا كَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﵀ - وَهُوَ) أَيْ: اخْتِيَارُ السُّيُوطِيّ: (حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ: انْفِرَادَ التَّرَحُّمِ عَلَيْهِ - ﷺ - (خِلَافُ الْأَدَبِ) فِي مَقَامِهِ الرَّفِيعِ (وَغَيْرُ الْمَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ) إذْ الْمَأْمُورُ بِهِ الصَّلَاةُ، لَا الدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ.
(ثُمَّ يَقُولُ نَدْبًا: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) أَيْ: الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ.
وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ: الِاخْتِبَارُ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِيمَا أَخْرَجَتْهُ الْأَخْبَارُ إلَى الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَكْرُوهِ، فَجَاءَتْ بِمَعْنَى الْكُفْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، وَبِمَعْنَى الْإِثْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]، وَبِمَعْنَى الْإِحْرَاقِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠]، وَمِنْهُ: أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَبِمَعْنَى: الْإِزَالَةِ وَالصَّرْفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] وَفِتْنَةُ الْمَحْيَا كَثِيرَةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ مَعَ الْعَامِّ. (وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ): بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ: فَعِيلٌ، بِمَعْنَى مَفْعُولٌ؛ لِأَنَّهُ
[ ١ / ٤٦٢ ]
مَمْسُوحُ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ، وَالْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ - ﵉ -: بِمَعْنَى: فَاعِلٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إذَا مَسَحَ ذَا عَاهَةٍ عُوفِيَ، (الدَّجَّالِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ. (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ) لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ.
(وَلَا بَأْسَ إنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي كِتَابٍ) نَحْوُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، (أَوْ) دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي (سُنَّةٍ) نَحْوُ: «اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (أَوْ) دَعَا بِمَا وَرَدَ (عَنْ صَحَابَةٍ) كَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا، وَذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، قَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: " اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ السُّجُودِ لِغَيْرِكَ، فَصُنْ وَجْهِي عَنْ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِكَ "، (أَوْ) دَعَا بِمَا وَرَدَ عَنْ (سَلَفٍ) صَالِحٍ، (أَوْ) دَعَا (بِأَمْرِ آخِرَةٍ) كَ: اللَّهُمَّ أَحْسِنْ خَاتِمَتِي، (وَلَوْ لَمْ يُشْبِهْ مَا وَرَدَ) مِمَّا سَبَقَ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ» . (كَدُعَاءٍ بِرِزْقٍ حَلَالٍ، وَرَحْمَةٍ، وَعِصْمَةٍ مِنْ فَوَاحِشَ) وَكُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ، وَحَوَائِجِ دُنْيَاهُ أَيْضًا: لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» . (أَوْ عَوَّذَ نَفْسَهُ بِقُرْآنٍ لِنَحْوِ حُمَّى) فَلَا بَأْسَ.
لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ قُرْآنٌ قَصَدَ بِهِ مَعْنًى يَلِيقُ بِهِ لَا يُنَافِي
[ ١ / ٤٦٣ ]
الصَّلَاةَ، فَلَمْ يُبْطِلْهَا، كَمَنْ قَصَدَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَرْضَهَا فِي الصَّلَاةِ مَعَ التَّبَرُّكِ بِهَا؛ وَلِأَنَّهُ ثَنَاءٌ بِصِيغَةٍ، فَلَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ مُفْسِدَهَا اللَّفْظُ، لَا الْقَصْدُ وَالْعَزْمُ، إذْ لَوْ تَفَكَّرَ فَتَذَكَّرَ كَلَامًا مُرَتَّبًا، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِلِسَانِهِ، (أَوْ لَدَغَتْهُ): بِمُهْمَلَةٍ فَمُعْجَمَةٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْن مُعْجَمَتَيْنِ، (عَقْرَبٌ) وَنَحْوُهَا، (فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ)، وَوَافَقَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى قَوْلِ: بِسْمِ اللَّهِ، لِوَجَعِ مَرِيضٍ عِنْدَ قِيَامٍ وَانْحِطَاطٍ. (أَوْ) دَعَا (لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ) فِي النَّفْلِ وَالْفَرْضِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لِابْنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَا أَدْعُو لِقَوْمٍ مُنْذُ سِنِينَ فِي صَلَاتِي، أَبُوكَ أَحَدُهُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي قُنُوتِهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ» .
وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ. (وَيَتَّجِهُ، أَوْ) أَيْ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ فِي الصَّلَاةِ (عَلَيْهِ)، أَيْ: عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، (حَيْثُ جَازَ) كَدُعَائِهِ - ﷺ - فِي قُنُوتِهِ عَلَى الْكُفَّارِ الْمُعَيَّنِينَ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ. (بِغَيْرِ كَافِ خِطَابٍ) نَحْوُ: عَافَاكَ اللَّهُ، وَغَفَرَ لَكَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ. (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ: بِالدُّعَاءِ بِكَافِ الْخِطَابِ، كَمَا لَوْ خَاطَبَ آدَمِيًّا بِغَيْرِ دُعَاءٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - ﷺ - لَإِبْلِيسَ: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ»؛ فَمُؤَوَّلٌ، أَوْ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَمَحَلُّ بُطْلَانِهَا بِالدُّعَاءِ
[ ١ / ٤٦٤ ]
بِكَافِ الْخِطَابِ، حَيْثُ كَانَ (فِي غَيْرِ اللَّهِ) كَ: إيَّاكَ نَعْبُدُ (وَرَسُولِهِ) - ﷺ - كَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، فَلَا تَبْطُلُ بِهِ. (وَ) تَبْطُلُ الصَّلَاةُ (بِدُعَاءٍ بِأَمْرِ دُنْيَا) وَمَلَاذِهَا (كَ) قَوْلِ مُصَلٍّ: اللَّهُمَّ (اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ وَحُلَّةً خَضْرَاءَ، أَوْ دَابَّةً هِمْلَاجَةً)، أَوْ دَارًا وَسِيعَةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ (مَا لَمْ يَشُقَّ) إمَامٌ بِالدُّعَاءِ (عَلَى مَأْمُومٍ)، أَوْ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ يَخْشَى فَوَاتَ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ بِتَطْوِيلِهِ، (أَوْ) مَا لَمْ (يَخَفْ سَهْوًا) بِإِطَالَةِ دُعَائِهِ، فَيَتْرُكُهُ، وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا. (وَكَذَا) أَيْ: الدُّعَاءُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، (دُعَاءٌ فِي رُكُوعٍ، وَسُجُودٍ)، وَاعْتِدَالٍ، وَجُلُوسٍ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ، وَقَوْلِهِ - ﷺ -: «أَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ الدُّعَاءَ» (وَقُنُوتٌ) لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ.