(فَصْلٌ)
(وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ مَنْ لَهَا عَادَةٌ جَلَسَتْهَا) - أَيْ: عَادَتَهَا - (إنْ عَلِمَتْهَا بِأَنْ تَعْرِفَ شَهْرَهَا وَوَقْتَ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا وَعَدَدَ أَيَّامِهَا وَلَوْ كَانَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا)، لِعُمُومِ «قَوْلِهِ - ﷺ - لِأُمِّ حَبِيبَةَ إذْ سَأَلَتْهُ عَنْ الدَّمِ اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى لِكَوْنِهَا لَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهَا، بِخِلَافِ نَحْوِ اللَّوْنِ إذَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ بَطَلَتْ دَلَالَتُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ مُتَّفِقَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً، و(لَا) تَجْلِسُ (مَا نَقَصَتْهُ عَادَتُهَا قَبْلُ)، أَيْ: قَبْلَ اسْتِحَاضَتِهَا، فَإِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ فَصَارَتْ أَرْبَعَةً ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ: جَلَسَتْ الْأَرْبَعَةَ فَقَطْ، (وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) النَّقْصُ (كَمَنْ عَادَتُهَا عَشْرَةُ)
[ ١ / ٢٥٥ ]
أَيَّامٍ (فَرَأَتْ خَمْسَةَ) أَيَّامٍ. (ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ: فَتَجْلِسُ الْخَمْسَةَ) حَيْثُ عَلِمَتْهَا عَادَتَهَا، (وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْهَا) - أَيْ: عَادَتَهَا - بِأَنْ جَهِلَتْ شَهْرَهَا وَوَقْتَ حَيْضِهَا وَعَدَدَ أَيَّامِهَا (عَمِلَتْ) وُجُوبًا (بِتَمْيِيزٍ صَالِحٍ لِحَيْضٍ) بِأَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا يَزِيدَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَتَقَدَّمَ. (وَلَوْ تَنَقَّلَ) التَّمْيِيزُ بِأَنْ لَمْ يَتَوَالَ (أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ، (فَإِنْ لَمْ يَكُ) لِدَمِهَا (تَمْيِيزٌ) بِأَنْ كَانَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، (أَوْ كَانَ) لَهَا تَمْيِيزٌ (وَ) لَكِنَّهُ (لَيْسَ بِصَالِحٍ) بِأَنْ نَقَصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ: (فَ) هِيَ (مُتَحَيِّرَةٌ)؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَحَيَّرَتْ فِي حَيْضِهَا بِجَهْلِ عَادَتِهَا وَعَدَمِ تَمْيِيزِهَا، (لَا تَفْتَقِرُ اسْتِحَاضَتُهَا إلَى تَكْرَارٍ)، بِخِلَافِ الْمُبْتَدَأَةِ.
وَلِلْمُتَحَيِّرَةِ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنْ تَنْسَى عَدَدَ أَيَّامِهَا دُونَ مَوْضِعِ حَيْضِهَا، وَقَدْ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (فَتَجْلِسُ نَاسِيَةً عَدَدًا فَقَطْ فِي مَوْضِعِ حَيْضِهَا مِنْ أَوَّلِهِ غَالِبَ حَيْضٍ) سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِالتَّحَرِّي (إنْ اتَّسَعَ شَهْرُهَا لَهُ)، أَيْ: لِغَالِبِ الْحَيْضِ، (كَ) أَنْ يَكُونَ شَهْرُهَا (عِشْرِينَ) فَأَكْثَرَ، فَتَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِالتَّحَرِّي، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّيَ بَقِيَّةَ الْعِشْرِينَ، ثُمَّ تَعُودُ إلَى فِعْلِ ذَلِكَ أَبَدًا. (وَإِلَّا) يَتَّسِعْ شَهْرُهَا لِغَالِبِ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، (فَ) إنَّهَا تَجْلِسُ (الْفَاضِلَ) مِنْ شَهْرِهَا (بَعْدَ أَقَلِّ طُهْرٍ) بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ، كَأَنْ يَكُونَ شَهْرُهَا (ثَمَانِيَةَ عَشَرَ) يَوْمًا، (فَ) إنَّهَا (تَجْلِسُ) الزَّائِدَ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ، وَهُوَ (خَمْسَةُ) أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا الْبَاقِي مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ بَعْدَ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ فَتَجْلِسُهَا فَقَطْ، (لِئَلَّا يَنْقُصَ طُهْرٌ عَنْ أَقَلِّهِ) فَيَخْرُجَ عَنْ كَوْنِهِ طُهْرًا.
(وَشَهْرُهَا) - أَيْ: الْمَرْأَةِ - (مَا اجْتَمَعَ لَهَا فِيهِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ صَحِيحَانِ)، أَيْ: تَامَّانِ (كَأَرْبَعَةَ عَشَرَ) يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا: يَوْمٌ بِلَيْلَتِهِ لِلْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّهُ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ بِلَيَالِيِهَا لِلطُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّهَا.
[ ١ / ٢٥٦ ]
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تَذْكُرَ عَدَدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا وَتَنْسَى مَوْضِعَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ: (وَ) تَجْلِسُ (نَاسِيَةً وَقْتَ " فَقَطْ " الْعَدَدِ بِهِ)، أَيْ: بِشَهْرِهَا مِنْ أَوَّلِ مُدَّةٍ عُلِمَ الْحَيْضُ فِيهَا وَضَاعَ مَوْضِعُهُ، كَنِصْفِ الشَّهْرِ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ لِحَيْضِهَا مُدَّةً: بِأَنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ هَلْ كَانَ حَيْضُهَا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ؟ فَإِنَّهَا تَجْلِسُ الْعَدَدَ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ حَمْلًا عَلَى الْغَالِبِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَذْكُرَ عَدَدًا وَلَا وَقْتًا لِحَيْضِهَا، وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَ) تَجْلِسُ (نَاسِيَتُهُمَا)، أَيْ: الْعَدَدِ وَالْوَقْتِ، (غَالِبَ حَيْضٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ مُدَّةٍ عُلِمَ) الْحَيْضُ (فِيهَا وَضَاعَ مَوْضِعُهُ، كَنِصْفِ الشَّهْرِ الثَّانِي) أَوْ نِصْفِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَوْ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ الشَّهْرِ، (فَإِنْ جَهِلَتْ) كَوْنَ مَوْضِعِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (فَ) إنَّهَا تَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ (مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ كَمُبْتَدَأَةٍ)، أَيْ: كَمَا تَفْعَلُ الْمُبْتَدَأَةُ ذَلِكَ، لِحَدِيثِ حَمْنَةَ، وَتَقَدَّمَ.
(وَمَتَى ذَكَرَتْ) النَّاسِيَةُ (عَادَتَهَا رَجَعَتْ إلَيْهَا) فَجَلَسَتْهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْجُلُوسِ فِيهَا كَانَ لِعَارِضِ النِّسْيَانِ، وَقَدْ زَالَ، فَرَجَعَتْ إلَى الْأَصْلِ، (وَقَضَتْ الْوَاجِبَ زَمَنَهَا) أَيْ: زَمَنَ عَادَتِهَا - (مِنْ نَحْوِ صَوْمٍ) وَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبٍ، لِتَبَيُّنِ فَسَادِهِ بِكَوْنِهِ صَادَفَ حَيْضَهَا. (وَلَا) يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ (صَلَاةٍ) تَرَكَتْهَا زَمَنَ عَادَتِهَا، (وَ) تَقْضِي الْوَاجِبَ أَيْضًا (زَمَنَ جُلُوسِهَا فِي غَيْرِهَا)، أَيْ: غَيْرِ عَادَتِهَا مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَمَنِ حَيْضٍ. فَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةً إلَى آخِرِ الْعَشْرِ الْأَوَّلِ، فَجَلَسَتْ سَبْعَةً مِنْ أَوَّلِهِ ثُمَّ ذَكَرَتْ: لَزِمَهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ الْوَاجِبِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى، وَقَضَاءُ مَا صَامَتْ مِنْ الْوَاجِبِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ.
(وَمَا تَجْلِسُهُ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا مِنْ حَيْضٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ) فَهُوَ (كَحَيْضٍ يَقِينًا) فِي أَحْكَامِهِ مِنْ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْوَطْءِ وَنَحْوِهَا.
[ ١ / ٢٥٧ ]
(وَيَتَّجِهُ: وَمَا زَادَ) عَلَى مَا تَجْلِسُهُ، وَانْتَهَتْ الزِّيَادَةُ إلَى أَكْثَرِهِ (فَ) حُكْمُهُ (كَاسْتِحَاضَةٍ يَقِينًا)، وَيَأْتِي (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " (حَيْثُ جَعَلَا مَا زَادَ) عَلَى مَا تَجْلِسُهُ، (أَيْ أَكْثَرَهُ) أَيْ: الْحَيْضَ طُهْرًا مَشْكُوكًا فِيهِ، وَحُكْمُهُ (كَطُهْرٍ مُتَيَقَّنٍ) فِي أَحْكَامِهِ، (فَيُوهِمُ) قَوْلُهُمَا (حِلَّ وَطْءٍ) فِيهِ، (وَلَيْسَ) الْحُكْمُ (كَذَلِكَ)، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": هُوَ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الطُّهْرِ يَتَعَيَّنُ إلَّا فِي جَوَازِ وَطْئِهَا، فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ انْتَهَى.
وَمَا قَالَاهُ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَالْحَيْضُ وَالطُّهْرُ مَعَ الشَّكِّ فِيهِمَا كَالْيَقِينِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيُكْرَهُ وَيَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ وَيَسْقُطُ.