(فَصْلٌ) (وَحَرُمَ عَلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ) لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، - ﷺ - يَقُولُ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ أَوْ كَلْبٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَتَعْلِيقُهُ) أَيْ: مَا فِيهِ صُورَةٌ. (وَسِتْرٌ جُدِّرَ بِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَتَصْوِيرُهُ، وَلَوْ بِسِتْرٍ، وَسَقْفٍ وَحَائِطٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (وَهُوَ) - أَيْ: تَصْوِيرُ ذِي الرُّوحِ - (كَبِيرَةٌ) لِقَوْلِهِ - ﷺ - «إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» .
و(لَا) يَحْرُمُ (افْتِرَاشُهُ، وَجَعْلُهُ) - أَيْ: الْمُصَوَّرِ - (مِخَدًّا) بَلْ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ "؛ لِأَنَّهُ - ﷺ - اتَّكَأَ عَلَى مِخَدَّةٍ فِيهَا صُورَةٌ " رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَكُرِهَ صَلَاةٌ عَلَى مُصَوَّرٍ) وَلَوْ عَلَى مَا يُدَاسُ، (وَسُجُودٌ) عَلَيْهِ (أَشَدُّ) كَرَاهَةً لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ، وَتَقَدَّمَ. (وَلَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَ) لَا (صُورَةٌ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ.
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَالْمُرَادُ بِهِ: كَلْبٌ مَنْهِيٌّ عَنْ اقْتِنَائِهِ. (وَلَا) تَدْخُلُ
[ ١ / ٣٥٣ ]
بَيْتًا فِيهِ (جَرَسٌ) لِحَدِيثِ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جَرَسٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَلَا جُنُبٌ)، لِحَدِيثِ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ، وَلَا جُنُبٌ» .
قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": إسْنَادُهُ حَسَنٌ. (بِلَا وُضُوءٍ)، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَهُ أَنْ يَنَامَ إذَا تَوَضَّأَ» .
(وَلَا تَصْحَبُ) الْمَلَائِكَةُ (رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ) أَوْ كَلْبٌ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ فِي " الْآدَابِ ": وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الطَّرِيقِ اتِّفَاقًا بِمَنْ مَعَهُ كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ، وَلَمْ يَقْصِدْ رُفْقَتَهُ، فَلَا بَأْسَ. (وَإِنْ أُزِيلَ مِنْ صُورَةِ مَا لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ كَرَأْسٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْسٌ: فَلَا بَأْسَ) بِهِ، أَيْ: فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْمَنْصُوصِ.
وَلَا بَأْسَ بِلَعِبِ الصَّغِيرَةِ بِلُعَبٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ، أَوْ مَقْطُوعٍ رَأْسُهَا، أَوْ مُصَوَّرَةٍ بِلَا رَأْسٍ وَلَا بِشِرَائِهَا نَصًّا لِلتَّمْرِينِ.
(وَجَازَ تَصْوِيرُ غَيْرِ حَيَوَانٍ كَشَجَرٍ)، وَكُلِّ مَا لَا رُوحَ فِيهِ، إلَّا الصَّلِيبَ فَيُكْرَهُ تَصْوِيرُهُ فِي لِبَاسٍ، وَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ، وَخَوَاتِيمَ وَغَيْرِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ، - ﷺ - كَانَ لَا يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا مِنْ تَصْلِيبٍ إلَّا فَضَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَيُحْتَمَلُ تَحْرِيمُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ صَالِحٍ، قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى.
(وَحَرُمَ عَلَى ذَكَرٍ، وَلَوْ كَافِرًا) - لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، (أَوْ صَبِيًّا)،؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ إلْبَاسُهُ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْبَالِغِ (أَوْ خُنْثَى) تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ، (لَا أُنْثَى)؛ لِأَنَّهَا مَحَلٌّ لِلزِّينَةِ لِأَجْلِ الزَّوْجِ، (لُبْسُ) - فَاعِلُ حَرُمَ - (مَا كُلُّهُ حَرِيرٌ أَوْ غَالِبُهُ حَرِيرٌ) (ظُهُورًا) كَالْخَالِصِ،؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مُلْحَقٌ بِالْكُلِّ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ لِحَدِيثِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، - ﷺ -: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا
[ ١ / ٣٥٤ ]
لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَوْ) كَانَ الْحَرِيرُ (بِطَانَةً) لِعُمُومِ الْخَبَرِ، (وَ) لَوْ (تِكَّةَ) سَرَاوِيلَ (وشرابة)، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ ": وَالْمُرَادُ: شِرَابَةٌ (مُفْرَدَةٌ) كَشِرَابَةِ الْبَرِيدِ، وَهُوَ رَسُولُ السُّلْطَانِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَّخِذُ لَهُ شِرَابَةً لِيُعْرَفَ بِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْمُفْرَدَةِ: الْمُخَاطَةُ فِي غَيْرِهَا، وَغَيْرُ الْمُفْرَدَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ بَقِيَّةِ السُّدَى، وَإِلَيْهَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (لَا تَبَعًا) فَإِنَّهَا كَزِرٍّ فَتُبَاحُ، وَمَا رُوِيَ " أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ بِمَا أَعْطَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - إلَى أَخٍ لَهُ مُشْرِكٍ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ بِلُبْسِهَا.
«وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ، - ﷺ -، إلَى عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُسَامَةَ - ﵃ -، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إبَاحَةُ لُبْسِهِ» . (وَ) حَرُمَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ أُنْثَى (افْتِرَاشُهُ)، أَيْ: الْحَرِيرِ لَمَا رَوَى حُذَيْفَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ، - ﷺ -، نَهَى أَنْ يُلْبَسَ الْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ، وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَ(لَا) يَحْرُمُ افْتِرَاشُهُ (تَحْتَ) حَائِلٍ (صَفِيقٍ) فَيَجُوزُ الْجُلُوسُ عَلَى الْحَائِلِ وَحَرُمَ عَلَى غَيْرِ أُنْثَى (اسْتِنَادٌ إلَيْهِ، وَتَوَسُّدُهُ، وَتَعْلِيقُهُ) أَيْ: الْحَرِيرِ، (وَسِتْرٌ جُدِّرَ بِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ) كَبَرْدٍ أَوْ حَكَّةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ قُمَّلٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ: وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ شِرَابَةُ الدَّوَاءِ، وَسِلْكُ الْمِسْبَحَةِ، كَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْمُتَعَبِّدَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ أَشْبَهَ لُبْسُهُ (غَيْرَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ) زَادَهَا اللَّهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، فَلَا يَحْرُمُ سِتْرُهَا بِالْحَرِيرِ (وِفَاقًا) .
قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَتَبِعَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَ) حَرُمَ أَيْضًا (كِتَابَةُ مَهْرٍ) فِي حَرِيرٍ فِي الْأَقْيَسِ.
قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " وَ" الْمُنْتَهَى " وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَمَنْسُوجٌ) مِنْ (مُشَاقَةِ حَرِيرٍ)، وَسَقَطِ حَرِيرٍ، وَمَا يُلْقِيهِ الصَّانِعُ مِنْ فَمِهِ مِنْ تَقْطِيعِ الطَّاقَاتِ إذَا دُقَّ وَغُزِلَ وَنُسِجَ (كَهُوَ)، أَيْ: كَحَرِيرٍ خَالِصٍ، وَإِنْ سُمِّيَ
[ ١ / ٣٥٥ ]
خَزًّا فَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُ حَرِيرٌ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يَحْرُمُ الْحَرِيرُ، وَلَوْ كَانَ مُبْتَذَلًا، بِحَيْثُ يَكُونُ الْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ أَعْلَى قِيمَةً مِنْهُ لِلنَّصِّ.
(وَ) حَرُمَ عَلَى غَيْرِ أُنْثَى بِلَا حَاجَةٍ (لُبْسُ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مُمَوَّهٍ بِهِمَا) أَوْ بِأَحَدِهِمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ، وكَالْآنِيَةِ.
وَ(لَا) يَحْرُمُ (مُسْتَحِيلٌ)، أَيْ: مُتَغَيِّرٌ (لَوْنُهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ) بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ (شَيْءٌ) لِزَوَالِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ.
وَ(لَا) يَحْرُمُ (حَرِيرٌ سَاوَى مَا نُسِجَ مَعَهُ) مِنْ قُطْنٍ، أَوْ كَتَّانٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ وَبَرٍ (ظُهُورًا)؛ بِأَنْ كَانَ ظُهُورُهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، (وَلَوْ كَانَ) الْحَرِيرُ (أَكْثَرَ وَزْنًا) فَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْحَرِيرَ لَيْسَ بِأَغْلَبَ.
وَإِذَا انْتَفَى دَلِيلُ الْحُرْمَةِ بَقِيَ أَصْلُ الْإِبَاحَةِ.
(وَلَا) يَحْرُمُ (خَزٌّ)، أَيْ: ثَوْبٌ يُسَمَّى الْخَزَّ (وَهُوَ: مَا سُدِّيَ بإبريسم)، أَيْ حَرِيرٍ (وَأُلْحِمَ بِنَحْوِ قُطْنٍ) كَوَبَرٍ (وَصُوفٍ) وَكَتَّانٍ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمِتِ مِنْ الْحَرِيرِ، أَمَّا السَّدْيُ وَالْعَلَمُ فَلَا نَرَى بِهِ بَأْسًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ: إبَاحَةُ الْخَزِّ دُونَ الْمُلْحَمِ وَغَيْرِهِ، وَيُلْبَسُ الْخَزُّ وَلَا يُلْبَسُ الْمُلْحَمُ، وَلَا الدِّيبَاجُ
انْتَهَى.
وَالْمُلْحَمُ مَا سُدِّيَ بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِهِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَا نُسِجَ بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: إحْدَاهَا: أَنْ يُسَدَّى بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ، وَيُلْحَمَ كَذَلِكَ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُسَدَّى بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَيُلْحَمَ بِهِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يُسَدَّى بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَيُلْحَمَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ.
فَهَذِهِ الثَّلَاثُ صُوَرٍ يُعْتَبَرُ فِيهَا أَغْلَبِيَّةُ الظُّهُورِ؛ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ ظُهُورَ الْحَرِيرِ حَرُمَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَأَمَّا الْخَزُّ، فَجَعَلَهُ الْأَصْحَابُ مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الظُّهُورِ فِيهَا، بَلْ أَطْلَقُوا إبَاحَةَ مَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ
[ ١ / ٣٥٦ ]
وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الظُّهُورُ فِيهَا مُعْتَبَرًا لَبَيَّنُوهُ، فَلَمَّا فَصَلُوا مَسْأَلَةَ الْخَزِّ وَأَخَّرُوهَا عَنْ قَيْدِ الظُّهُورِ، عَلِمْنَا أَنَّهُمْ غَيْرُ مُعْتَبِرِينَ هَذَا الْقَيْدَ، وَأَيْضًا: فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، مَعَ مُلَاحَظَةِ هَذَا الْقَيْدِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُفِدْنَا شَيْئًا؛ إذْ هِيَ نَسْجُ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهَا بَعْدَ مَا ذَكَرُوهُ أَوَّلًا، تَكْرَارًا بِلَا فَائِدَةٍ، إذْ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا مَعْنًى، وَلَا حُكْمًا مَعَ اعْتِنَائِهِمْ بِالِاخْتِصَارِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ حَذَفُوا مَسْأَلَةَ الْمُلْحَمِ لِمَا شَمِلَته الْعِبَارَةُ الْأُولَى، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ بِالْإِنْصَافِ، فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَا يَصْنَعُهُ أَهْلُ الشَّامِ وَغَيْرُهُمْ الْآنَ مِنْ الْبُرُودِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا بِالْقُطْنِيِّ والكرمسون وَالْأَطَالِيسِ وَنَحْوِهَا يَسُدُّونَهَا بِالْحَرِيرِ وَيُلْحِمُونَهَا بِنَحْوِ الْقُطْنِ، لَكِنْ يَكُونُ الظُّهُورُ لِلْحَرِيرِ دُونَ غَيْرِهِ مُبَاحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ
(وَلَا) يَحْرُمُ (خَالِصٌ) مِنْ حَرِيرٍ (لِمَرَضٍ أَوْ حِكَّةٍ وَلَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ) لُبْسُهُ (فِي زَوَالِهَا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ فِي سَفْرٍ مِنْ حَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ صَحَابِيٍّ، ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ. (أَوْ قُمَّلٍ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَيَا إلَى النَّبِيِّ، - ﷺ -، الْقَمْلَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي ثِيَابِ الْحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (أَوْ حَرْبٍ مُبَاحٍ، وَلَوْ فِي غَيْرِ حَالَةِ قِتَالٍ) وَكَذَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ عَلَى أَرْجَحِ الرِّوَايَتَيْنِ
[ ١ / ٣٥٧ ]
فِي الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ" الْإِفَادَاتِ " وَ" الْمُنْتَخَبِ " وَ" إدْرَاكِ الْغَايَةِ " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لُبْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْحَرْبِ.
(وَلَا) يَحْرُمُ (الْكُلُّ) وَهُوَ مَا فِيهِ صُورَةٌ، وَالْحَرِيرُ وَالْمَنْسُوجُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (لِحَاجَةٍ) بِأَنْ عَدِمَ غَيْرَهُ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إذَا احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَحَصُّنٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ أُبِيحَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْ الذَّهَبِ، (كَدِرْعٍ مُمَوَّهٍ) بِهِ (اُحْتِيجَ لِلُبْسِهِ وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ حَرِيرِ كُلِّهِ) أَوْ غَالِبِهِ (وَمُذَهَّبٍ) وَمُفَضَّضٍ مَنْسُوجٍ أَوْ مُمَوَّهٍ (وَمُصَوَّرٍ حَرُمَ بَيْعُهُ وَنَسْجُهُ وَخِيَاطَتُهُ وَتَمْلِيكُهُ وَتَمَلُّكُهُ وَأُجْرَتُهُ وَالْأَمْرُ بِهِ) لِذَلِكَ الِاسْتِعْمَالِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] " وَلِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ، فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ نَسَجَهُ أَوْ خَاطَهُ أَوْ مَلَكَهُ أَوْ تَمَلَّكَهُ لِتِجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ: فَلَا يَحْرُمُ. (وَيَتَّجِهُ بُطْلَانُ عَقْدِ) مَا بِيعَ وَنَحْوِهِ لِمَنْ لَا يُبَاحُ لَهُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وَكُرِهَ نَظَرُ مُلَابِسُ حَرِيرٍ وَآنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ إنْ رَغَّبَهُ) النَّظَرُ إلَيْهَا (فِي التَّزَيُّنِ بِهَا وَالْمَفَاخِر) ذُكِرَ فِي الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا.
(وَ) كُرِهَ (التَّنَعُّمُ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِرْفَاهِ. (وَيُبَاحُ مِنْ حَرِيرٍ كَيْسُ مُصْحَفٍ) تَعْظِيمًا لَهُ، وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ. (وَيُبَاحُ) أَيْضًا (أَزْرَارٌ وَخِيَاطَةٌ بِهِ) أَيْ: الْحَرِيرِ. (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ: (حَشْوُ جياب وَفُرُشٍ)؛ لِأَنَّهُ لَا فَخْرَ فِيهِ، وَلَا عَجَبَ، وَلَا خُيَلَاءَ، وَلَيْسَ لُبْسًا لَهُ، وَلَا افْتِرَاشًا. (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (عَلَمُ ثَوْبٍ وَهُوَ طِرَازُهُ) كَالْحَاشِيَةِ الَّتِي تُنْسَجُ مِنْ حَرِيرٍ فِي طَرَفِ الثَّوْبِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَقَدَّمَ. (وَ) يُبَاحُ مِنْ حَرِيرٍ أَيْضًا (لَبِنَةُ جَيْبٍ، وَهِيَ: الزِّيقُ) الْمِخْيَطُ بِالْعُنُقِ. (وَالْجَيْبُ: مَا يُفْتَحُ عَلَى نَحْرٍ، أَوْ طَوْقٌ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مَا قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ". وَجَيْبُ الْقَمِيصِ وَنَحْوُهُ: بِالْفَتْحِ طَوْقُهُ. وَفَسَّرَ صَاحِبُ " الْمِصْبَاحِ ": بِمَا انْفَتَحَ عَلَى النَّحْرِ. (وَ) يُبَاحُ مِنْ حَرِيرٍ أَيْضًا (رِقَاعٌ وَسَجَفٌ نَحْوُ فِرَاءٍ) وَنَحْوِهَا قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ فَمَا دُونُ. (وَلَا) يُبَاحُ (مِنْ ذَلِكَ فَوْقَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ، - ﷺ -، عَنْ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَلَوْ لَبِسَ ثِيَابًا بِكُلِّ ثَوْبٍ قَدْرٌ يَحِلُّ) مِنْ سَجَفٍ، أَوْ رِقَاعٍ وَنَحْوِهَا، (وَلَوْ جَمَعَ) مَا فِيهَا مِنْ الْحَرِيرِ (صَارَ ثَوْبًا؛ لَمْ يُكْرَهْ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ ثَوْبٍ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ غَيْرَ تَابِعٍ.
هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الجراعي فِي " الْغَايَةِ ": يُبَاح، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا.
وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَحَفِيدُهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ أَشْبَهَ الْحَرِيرَ (وَالْإِسْرَافُ فِي الْمُبَاحِ مَكْرُوهٌ) لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَالْإِسْرَافُ هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَهُوَ مِنْ الْعُدْوَانِ الْمُحَرَّمِ)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: الْكَرَاهَةُ.
[ ١ / ٣٥٩ ]