(فَصْلٌ) (وَأَقَلُّ سِنِّ حَيْضٍ)، أَيْ: سِنُّ امْرَأَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَحِيضَ: (تَمَامُ تِسْعِ سِنِينَ) تَحْدِيدًا لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ قَبْلَ هَذَا السِّنِّ، وَلِأَنَّهُ خُلِقَ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، وَهَذِهِ لَا تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، فَلَا تُوجَدُ فِيهَا حِكْمَتُهُ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ " إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ " وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَالْمُرَادُ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ، فَمَتَى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا وَبِبُلُوغِهَا.
وَإِنْ رَأَتْهُ قَبْلَ.
هَذَا السِّنِّ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا.
(وَأَكْثَرُهُ)، أَيْ: أَكْثَرُ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ النِّسَاءُ: (خَمْسُونَ سَنَةً)، هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " " وَالْمَذْهَبِ " " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " " وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ " " وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ "
[ ١ / ٢٤٧ ]
وَالْهَادِي " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالتَّرْغِيبِ " " وَنَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ " " وَالْإِفَادَاتِ " " وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ " وَهُوَ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: هُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ.
قَالَ فِي " الْبُلْغَةِ " هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ " قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ " إذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ " وَعَنْهَا أَيْضًا " لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ " رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّالَنْجِيُّ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِنَّ.
لِاسْتِوَائِهِنَّ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ)، أَيْ: سِنِّ الْحَيْضِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
(وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ)، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ: لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ الْقَاضِي فَجَعَلَ الْحَيْضَ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ، وَقَالَ - ﵊ - فِي حَقِّ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ «لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» فَجَعَلَ الْحَمْلَ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ كَالطُّهْرِ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
(فَلَا يَثْبُتُ لَهَا) - أَيْ: الْحَامِلِ - (وَلَا لِمَنْ جَاوَزَتْ خَمْسِينَ سَنَةً حُكْمُ حَائِضٍ) وَلَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ حَيْضُهَا عَنْ عَادَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تَرَاهُ فِيهَا، فَلَا تَتْرُكُ الْعِبَادَةَ (بِدَمٍ تَرَاهُ)، لِأَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ لَا حَيْضٍ، وَلَا يُمْنَعُ زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا وَطْأَهَا.
قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ ": إنْ خَافَ الْعَنَتَ، أَيْ: مِنْهُ أَوْ مِنْهَا، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ نِفَاسٌ، وَيَأْتِي.
وَتَغْتَسِلُ الْحَامِلُ إذَا رَأَتْ دَمًا عِنْدَ انْقِطَاعِهِ نَصًّا اسْتِحْبَابًا لِلِاحْتِيَاطِ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(وَأَقَلُّ حَيْضٍ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)، لِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّهُ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحَرْزِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا، وَلَمْ يُوجَدْ أَقَلُّ مِنْهُ، قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْت مَنْ
[ ١ / ٢٤٨ ]
تَحِيضُ يَوْمًا لَا تَزِيدُهُ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْدِيُّ: كَانَ فِي نِسَائِنَا مَنْ تَحِيضُ، أَيْ: بِلَيْلَتِهِ، لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ الْيَوْمِ، وَالْمُرَادُ مِقْدَارُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَيْ: أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً، (فَلَوْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (لِأَقَلَّ) مِنْ يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ، (فَ) لَيْسَ بِحَيْضٍ، بَلْ هُوَ (دَمُ فَسَادٍ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَأَكْثَرُهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهِنَّ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ " مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ " وَأَقَلُّ الْحَيْضِ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْت مَنْ تَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي سُنَنِهِ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ، قِيلَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟، قَالَ: تَمْكُثُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمُرِهَا لَا تُصَلِّي» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: لَا يَثْبُتُ هَذَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلِهَذَا قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّى أَنَّهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(وَغَالِبُهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ (سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ)، لِقَوْلِهِ - ﷺ - لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ لَمَّا سَأَلَتْهُ «تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُك وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَاهُ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا)، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: قُلْ فِيهَا، فَقَالَ شُرَيْحٌ: إنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ
[ ١ / ٢٤٩ ]
يُرْجَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ، وَإِلَّا: فَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قالون " - أَيْ: جَيِّدٌ بِالرُّومِيَّةِ - وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا، وَهُوَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ اشْتَهَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، وَوُجُودُ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ صَحِيحٌ يَقِينًا، قَالَ أَحْمَدُ: لَا نَخْتَلِفُ أَنَّ الْعِدَّةَ يَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرٍ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ.
(وَأَقَلُّهُ) - أَيْ: الطُّهْرِ - (بِزَمَنِ حَيْضٍ) - أَيْ: فِي أَثْنَائِهِ - (حُصُولُ نَقَاءٍ خَالِصٍ بِأَنْ لَا تَتَغَيَّرَ قُطْنَةٌ احْتَشَتْ بِهَا)، طَالَ زَمَنُهُ أَوْ قَصُرَ، (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا)، أَيْ: مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا وَاغْتَسَلَتْ، (زَمَنَهُ)، أَيْ: زَمَنَ طُهْرِهَا فِي أَثْنَاءِ حَيْضِهَا، لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا انْقَطَعَ وَاغْتَسَلَتْ فَقَدْ زَالَ الْأَذَى.
(وَغَالِبُهُ) - أَيْ: الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ - (بَقِيَّةُ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ) بَعْدَ مَا حَاضَتْهُ مِنْهُ إذْ الْغَالِبُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، فَمَنْ تَحِيضُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً مِنْ الشَّهْرِ، فَغَالِبُ طُهْرِهَا: أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا.
(وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) - أَيْ: الطُّهْرِ - لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُهُ شَرْعًا.
وَمِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ الشَّهْرَ وَالثَّلَاثَ وَالسِّتَّةَ فَأَكْثَرَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا.