(فَصْلٌ) (وَسُنَّ) لِمُتَخَلٍّ (إذَا فَرَغَ) مِنْ حَاجَتِهِ (مَسْحُ ذَكَرٍ) بِيَدٍ يُسْرَى (مِنْ حَلْقَةِ دُبُرٍ) بِسُكُونِ اللَّامِ - فَيَضَعُ أُصْبُعَ يَدِهِ الْيُسْرَى الْوُسْطَى تَحْتَ الذَّكَرِ، وَالْإِبْهَامَ فَوْقَهُ، وَيَمُرُّ بِهِمَا (إلَى رَأْسِهِ) - أَيْ: الذَّكَرِ - (ثَلَاثًا لِيَجْذِبَ بَقَايَا) الْبَلَلِ.
(وَ) سُنَّ أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ (نَتْرُهُ) الذَّكَرِ (ثَلَاثًا) نَصًّا، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ " اسْتَنْتَرَ مِنْ بَوْلِهِ: اجْتَذَبَهُ وَاسْتَخْرَجَ
[ ١ / ٧٢ ]
بَقِيَّتَهُ مِنْ الذَّكَرِ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ حَرِيصًا مُهْتَمًّا بِهِ انْتَهَى. لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
(وَ) سُنَّ لَهُ (مُكْثٌ قَلِيلٌ قَبْلَ اسْتِنْجَاءٍ) (لِيَنْقَطِعَ أَثَرُ بَوْلٍ) ثُمَّ يَسْتَنْجِيَ وَإِذَا اسْتَنْجَى فِي دُبُرِهِ اسْتَرْخَى قَلِيلًا، وَيُوَاصِلُ صَبَّ الْمَاءِ حَتَّى يُنَقَّى وَيَتَنَظَّفُ. (وَ) لِلْمُتَخَلِّي (تَنَحْنُحٌ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، زَادَ بَعْضُهُمْ: (وَمَشْيُ خُطُوَاتٍ)، وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ ذَلِكَ، (إنْ اُحْتِيجَ لِاسْتِبْرَاءٍ)، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَزُّهِ مِنْ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ، (وَكَرِهَهُمَا) - أَيْ: كَرِهَ التَّنَحْنُحَ وَمَشْيَ الْخُطُوَاتِ - (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: ذَلِكَ كُلُّهُ بِدْعَةٌ، وَلَا يَجِبُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
(وَ) سُنَّ (تَحُولُ خَائِفٍ تَلَوُّثًا بِاسْتِنْجَاءٍ) تَبَاعُدًا عَنْ النَّجَاسَةِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخَفْ التَّلَوُّثَ فَلَا يَتَحَوَّلُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
(وَ) سُنَّ (دَلْكُ يَدِهِ) (بِأَرْضٍ طَاهِرَةٍ) بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ " أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - فَعَلَ ذَلِكَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَ) سُنَّ (نَضْحُ فَرْجٍ)، أَيْ: مَا يُحَاذِيهِ مِنْ ثَوْبٍ (وَسَرَاوِيلَ لِمُسْتَنْجٍ) بِمَاءٍ (بَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ قَطْعًا لِلْوَسْوَاسِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إذَا تَوَضَّأَتْ فَانْضَحْ» حَدِيثٌ غَرِيبٌ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ". وَمِنْ ظَنَّ خُرُوجَ شَيْءٍ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا تَلْتَفِتْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ وَالْهَ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَلَمْ يَرَ أَحْمَدُ حَشْوَ الذَّكَرِ فِي ظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ فَصَلَّى ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَوَجَدَ بَلَلًا فَلَا بَأْسَ مَا لَمْ يَظْهَرْ خَارِجًا.
(وَ) سُنَّ (بُدَاءَةُ ذَكَرٍ) بِقُبُلٍ لِئَلَّا تَتَلَوَّثَ يَدُهُ إذَا بَدَأَ بِالدُّبُرِ، لِأَنَّ
[ ١ / ٧٣ ]
قُبُلَهُ بَارِزٌ، (وَ) بُدَاءَةُ (بِكْرٍ بِقُبُلٍ) إلْحَاقًا لَهَا بِالذَّكَرِ لِوُجُودِ عُذْرَتِهَا (وَتُخَيَّرُ ثَيِّبٌ) فِي الْبَدَاءَةَ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ.
(وَ) سُنَّ لَهُ أَيْضًا (اسْتِنْجَاءٌ بِحَجَرٍ ثُمَّ مَاءٍ)، لِقَوْلِ عَائِشَةَ لِلنِّسَاءِ «مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يُتْبِعُوا الْحِجَارَةَ الْمَاءَ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ. فِي الْإِنْقَاءِ، (وَكُرِهَ عَكْسُهُ) أَيْ: تَقْدِيمُ الْمَاءِ عَلَى الْحَجَرِ - نَصًّا لِأَنَّ الْحَجَرَ بَعْدَ الْمَاءِ يُقَذِّرُ الْمَحَلَّ. (وَيُجْزِئُ أَحَدُهُمَا) - أَيْ: الْحَجَرِ أَوْ الْمَاءِ - «لِحَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْإِدَاوَةُ بِالْكَسْرِ: الْمَطْهَرَةُ، جَمْعُهُ: أَدَاوَى كَفَتَاوَى، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ " وَحَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِط فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» وَإِنْكَارُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ كَانَ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ، وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ - ﵄ - (وَالْمَاءُ) وَحْدُهُ (أَفْضَلُ) مِنْ الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْمَحَلَّ، وَأَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] وَقَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ» .
(وَلَا بَأْسَ بِاسْتِجْمَارٍ فِي فَرْجٍ، وَاسْتِنْجَاءٍ فِي آخَرَ) إذَا أَمِنَ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ.
(وَلَا يُجْزِئُ فِي مُتَعَدٍّ) - أَيْ: مُتَجَاوِزٍ - (مَوْضِعَ عَادَةٍ) بِأَنْ انْتَشَرَ الْخَارِجُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الصَّفْحَةِ، أَيْ: أَوْ امْتَدَّ إلَى الْحَشَفَةِ امْتِدَادًا غَيْرَ مُعْتَادٍ، (يَقِينًا) لَا ظَنًّا، (إلَّا الْمَاءُ) لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ فِي الْمُعْتَادِ رُخْصَةٌ لِلْمَشَقَّةِ فِي غَسْلِهِ، لِتَكْرَارِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ تَعَدَّتْ لِنَحْوِ يَدِهِ لَتَعَيَّنَ الْمَاءُ لِمَا تَعَدَّى، وَلَا يُجْزِئُ الْحَجَرُ.
قَالَ فِي
[ ١ / ٧٤ ]
الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَمْنَعُ الْقِيَامُ الِاسْتِجْمَارَ مَا لَمْ يَتَعَدَّ الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ، كَمَا لَا يُجْزِئُ فِي الْخَارِجِ مِنْ (قُبُلَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ) إلَّا الْمَاءُ وَكَذَا الْخَارِجُ مِنْ أَحَدِهِمَا، لِأَنَّ الْأَصْلِيَّ مِنْهُمَا غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالِاسْتِجْمَارُ لَا يُجْزِئُ إلَّا فِي أَصْلِيٍّ، فَإِنْ كَانَ وَاضِحًا أَجْزَأَ الِاسْتِجْمَارُ فِي الْأَصْلِيِّ دُونَ الزَّائِدِ، وَيُجْزِئُ فِي دُبُرِهِ. (وَ) ك (مَخْرَجٍ غَيْرِ فَرْجٍ) تَنَجَّسَ بِخَارِجٍ مِنْهُ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ، وَلَوْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ، لِأَنَّهُ نَادِرٌ فَلَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْفَرْجِ، وَلَمْسُهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ حُكْمُ الْوَطْءِ أَشْبَهَ سَائِرَ الْبَدَنِ. (وَ) (تَنَجُّسِ مَخْرَجٍ بِغَيْرِ خَارِجٍ مِنْهُ)، أَوْ بَقِيَ الْخَارِجُ مُلْصَقًا بِهِ وَجَفَّ، (وَ) كَذَا لَوْ تَنَجَّسَ الْمَخْرَجُ (بِخَارِجٍ) مِنْ حُقْنَةٍ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْمَاءُ. (وَكَاسْتِجْمَارٍ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ) كَطَعَامٍ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْمَاءُ، (لَا) اسْتِجْمَارَ (بِغَيْرِ مُنْقٍ) وَإِذَا أَتْبَعَ بِالْمَنْقِيِّ قَبْلَ جَفَافِ الْخَارِجِ فَيُجْزِئُ.
(وَلَا يَجِبُ غَسِيلُ نَجَاسَةٍ بِدَاخِلِ فَرْجِ ثَيِّبٍ) نَصًّا، (فَلَا تُدْخِلُ أُصْبُعَهَا) فِي فَرْجِهَا، (بَلْ) تَغْسِلُ (مَا ظَهَرَ) مِنْهُ عِنْدَ قُعُودِهَا لِحَاجَتِهَا، لِأَنَّ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ فَرْجَيْنِ دَاخِلٌ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ مِنْهُ الْحَيْضُ، وَخَارِجٌ بِمَنْزِلَةِ الْأَلْيَتَيْنِ مِنْهُ الِاسْتِحَاضَةُ. فَالدَّاخِلُ الَّذِي لَا يَظْهَرُ عِنْدَ قُعُودِهَا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، لَا يَجِبُ غَسْلُهُ، فَلَا تُدْخِلُ يَدَهَا وَلَا أُصْبُعَهَا، بَلْ تَغْسِلُ مَا ظَهَرَ. وَالْخَارِجُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ يَجِبُ غَسْلُهُ، (وَكَذَا) لَا يَجِبُ (غَسْلُ) دَاخِلِ فَرْجِ ثَيِّبٍ (مِنْ نَحْوِ جَنَابَةٍ) كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ.
(وَ) كَذَا لَا يَجِبُ غَسْلُ نَجَاسَةٍ وَجَنَابَةٍ بِدَاخِلِ (حَشَفَةِ أَقْلَفَ غَيْرِ مَفْتُوقٍ) بِخِلَافِ الْمَفْتُوقِ، فَيَجِبُ غَسْلُهَا لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ.
(وَيُجْزِئُ اسْتِجْمَارٌ فِي بَوْلِ ثَيِّبٍ تَعَدَّى مَخْرَجَ حَيْضٍ كَبِكْرٍ) نَصًّا، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ "
[ ١ / ٧٥ ]
لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ كَثِيرًا، وَالْعُمُومَاتُ تُعَضِّدُهُ وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ " وَ" الْحَاوِي الْكَبِيرِ ".
(وَشَرْطُ اسْتِجْمَارٍ بِطَاهِرٍ) فَلَا يَصِحُّ بِنَجِسٍ " لِأَنَّ «ابْنَ مَسْعُودٍ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَجْمِرَ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ، يَعْنِي: نَجِسًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ أَشْبَهَ الْغُسْلَ. (جَامِدٍ) لَا نَدِيٍّ وَلَا رَخْوٍ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، (مُبَاحٍ)، فَلَا يَصِحُّ بِمُحَرَّمٍ كَمَغْصُوبٍ، وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِمَعْصِيَةٍ، وَلَا يُجْزِئُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الْمَاءُ (مُنَقٍّ) - اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَنْقَى - فَلَا يُجْزِئُ بِأَمْلَسَ مِنْ نَحْوِ زُجَاجٍ (غَيْرِ مَطْعُومٍ) لِإِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ، وَغَيْرِ (مُحْتَرَمٍ) كَكُتُبٍ مُبَاحَةٍ احْتِرَامًا، (وَ) غَيْرِ (مُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ) . فَإِنْ اسْتَجْمَرَ بَعْدَهُ بِمُبَاحٍ أَوْ اسْتَنْجَى بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ: لَمْ يُجْزِهِ، وَتَعَيَّنَ الْمَاءُ، وَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِغَيْرِ مُنْقٍ كَزُجَاجٍ: أَجْزَأَ الِاسْتِجْمَارُ بَعْدَهُ بِمُنَقٍّ، (كَحَجَرٍ وَخَشَبٍ وَخِرَقٍ)، لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ «فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ بِثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ، أَوْ بِثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ.
وَلِمُشَارَكَةِ غَيْرِ الْحَجَرِ الْحَجَرَ فِي الْإِزَالَةِ (وَالْإِنْقَاءُ) بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ (أَنْ يَبْقَى أَثَرٌ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ وَالْأَثَرُ نَجَسٌ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (يُعْفَى عَنْهُ فِي مَحَلِّهِ) لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ (وَ) الْإِنْقَاءُ (بِمَاءٍ عَوْدُ الْمَحَلِّ)، أَيْ: مَحَلِّ الْخَارِجِ بِأَنْ يُدَلِّكُهُ حَتَّى يَعُودَ (كَمَا كَانَ) قَبْلَ خُرُوجِ الْخَارِجِ، وَيُوَاصِلُ الصَّبَّ، وَيَسْتَرْخِي قَلِيلًا.
(وَظَنُّهُ)، أَيْ: الْإِنْقَاءِ بِنَحْوِ حَجَرٍ أَوْ مَاءٍ (كَافٍ، وَ) لَا بُدَّ مِنْ (غَسْلِهِ سَبْعًا)، كَمَا يَأْتِي فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. (وَحَرُمَ وَلَا يَصِحُّ اسْتِجْمَارٌ بِرَوْثٍ)، وَلَوْ لِمَأْكُولٍ، (وَعَظْمٍ)، وَلَوْ مِنْ مُذَكًّى، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَعَدَمَ
[ ١ / ٧٦ ]
الْإِجْزَاءِ (وَ) حَرُمَ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ اسْتِجْمَارٌ (بِرَخْوٍ) كَطِينٍ جَامِدٍ هَشٍّ، لِأَنَّهُ يَتَفَتَّتُ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْقَاءُ، وَبِطَعَامٍ، وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ بِأَنَّهُ زَادُ الْجِنِّ، فَزَادُنَا وَزَادُ دَوَابِّنَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً.
(وَ) حَرُمَ أَيْضًا (بِذِي حُرْمَةٍ كَكُتُبِ فِقْهٍ) وَحَدِيثٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الشَّرِيعَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِحُرْمَتِهَا.
(وَ) حَرُمَ أَيْضًا (بِمُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ كَذَنَبِ) الْبَهِيمَةِ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ نَحْوِ صُوفٍ، لِأَنَّهُ لَهُ حُرْمَةٌ كَالطَّعَامِ، (وَبِجِلْدِ) سَمَكٍ وَحَيَوَانٍ (مُذَكًّى) أَوْ حَشِيشٍ رَطْبٍ، (وَ) مِثْلُهُ اسْتِجْمَارٌ (بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَمُتَنَجِّسٍ)، لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا يُجْزِئُ) فِي الِاسْتِجْمَارِ (أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ، وَلَوْ) كَانَتْ الْمَسَحَاتُ الثَّلَاثُ (بِحَجَرٍ) وَاحِدٍ (ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ، تَعُمُّ كُلُّ مَسْحَةٍ الْمَحَلَّ) أَيْ: مَحَلَّ الْخَارِجِ (وَهُوَ: الْمَسْرُبَةُ وَالصَّفْحَتَانِ) . قَالَ الْقَاضِي الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ الْحَجَرَ الْأَوَّلَ مِنْ مُقَدِّمِ صَفْحَتِهِ الْيُمْنَى إلَى مُؤَخَّرِهَا، يُدِيرُهُ عَلَى الْيُسْرَى حَتَّى يَصِلَ بِهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يُمِرَّ الثَّانِي مِنْ صَفْحَتِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ يُمِرَّ الثَّالِثَ عَلَى الْمَسْرَبَةِ وَالصَّفْحَتَيْنِ. انْتَهَى. لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إذَا تَغَوَّطَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمْسَحْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهُوَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ مُسْلِمٍ «لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةٍ» لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَكْرَارُ الْمَسْحِ، لَا الْمَمْسُوحِ بِهِ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَعْقُولٌ، وَمُرَادُهُ مَعْلُومٌ، وَالْحَاصِلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ حَاصِلٌ مِنْ ثَلَاثِ شُعَبٍ، وَكَمَا لَوْ مَسَحَ ذَكَرَهُ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ مِنْ صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَا مَعْنَى لِلْجُمُودِ عَلَى اللَّفْظِ مَعَ وُجُودِ مَا يُسَاوِيهِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": لَوْ أَفْرَدَ كُلَّ جِهَةٍ بِحَجَرٍ لَمْ يُجْزِئْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) الْمَحَلُّ بِالْمَسَحَاتِ الثَّلَاثِ (زَادَ حَتَّى يُنَقَّى) لِيَحْصُلَ مَقْصُودُ الِاسْتِجْمَارِ.
[ ١ / ٧٧ ]
(وَسُنَّ قَطْعُهُ) أَيْ: مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ - (عَلَى وِتْرٍ)، لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. فَإِنْ أَنْقَى بِرَابِعَةِ زَادَ خَامِسَةً. وَهَكَذَا، وَإِنْ أَنْقَى بِوِتْرٍ كَخَامِسَةٍ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا.
(وَلَوْ) (اسْتَجْمَرَ) ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، لِكُلِّ حَجَرٍ ثَلَاثُ شُعَبٍ، اسْتَجْمَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِشُعْبَةٍ مِنْ كُلِّ حَجَرٍ أَجْزَأَهُمْ، أَوْ اسْتَجْمَرَ إنْسَانٌ (بِحَجَرٍ ثُمَّ غَسَلَهُ) وَجَفَّفَهُ سَرِيعًا، (أَوْ كَسَرَ مَا تَنَجَّسَ) مِنْهُ (ثُمَّ اسْتَجْمَرَ بِهِ) ثَانِيًا، ثُمَّ كَسَرَهُ وَاسْتَجْمَرَ بِهِ ثَالِثًا (أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
(وَيَجِبُ اسْتِنْجَاءٌ) بِمَاءٍ وَنَحْوِ كَحَجَرٍ (لِكُلِّ خَارِجٍ) مِنْ سَبِيلٍ، وَلَوْ نَادِرًا كَالدُّودِ، لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، (إلَّا الطَّاهِرَ كَرِيحٍ)، لِقَوْلِهِ - ﷺ - «مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ " قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي الرِّيحِ اسْتِنْجَاءٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ نَجِسَةً وَلَا تَصْحَبُهَا نَجَاسَةٌ. وَفِي " الْمُبْهِجِ " لِأَنَّهَا عَرَضٌ بِإِجْمَاعِ الْأُصُولِيِّينَ. وَعُورِضَ بِأَنَّ لِلرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ الدُّبُرِ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ قَائِمَةٌ بِهَا، وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِ الرَّائِحَةِ عَرَضًا، وَهُوَ لَا يَقُومُ بِعَرَضٍ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ.
(وَ) ك (مَنِيٍّ)، وَوَلَدٍ بِلَا دَمٍ، لِأَنَّهُمَا طَاهِرَانِ (أَوْ)، أَيْ: وَإِلَّا (نَجَسًا غَيْرَ مُلَوِّثٍ)، قَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " خِلَافًا لِمَا فِي الْإِقْنَاعِ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
(وَلَا يَصِحُّ وُضُوءٌ وَلَا تَيَمُّمٌ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ» وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ يُبْطِلهَا الْحَدَثُ، فَاشْتَرَطَ تَقَدُّمَ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَيْهَا كَالتَّيَمُّمِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ وَأَكْبَرَ، أَوْ نَجَاسَةٍ
[ ١ / ٧٨ ]
بِبَدَنٍ، فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، أَوْ عَلَيْهِمَا غَيْرَ خَارِجَةٍ مِنْهُمَا صَحَّ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ قَبْلَ زَوَالِهَا.
(وَيَحْرُمُ مَنْعُ مُحْتَاجٍ لِطَهَارَةِ) بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ، أَيْ: مِيضَأَةٍ مُعَدَّةٍ لِلتَّطْهِيرِ وَالْحَشِّ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَلَوْ وُقِفَتْ عَلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَدْرَسَةٍ) وَرِبَاطٍ، (وَلَوْ) كَانَتْ (فِي مِلْكِهِ)، لِأَنَّهَا بِمُوجِبِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ مَبْذُولَةٌ لِلْمُحْتَاجِ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْوَاقِفَ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّمَا يَسُوغُ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ. (وَ): (يَجِبُ مَنْعُ أَهْلِ ذِمَّةٍ) حَصَلَ (بِهِمْ تَضْيِيقٌ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ تَنْجِيسٌ (أَوْ إفْسَادُ مَاءٍ وَإِلَّا) لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ تَضْيِيقٌ وَلَا إفْسَادُ مَاءٍ، وَمِثْلُهُمْ مَنْ يَقْصِدُ مِنْ الرَّافِضَةِ الْإِفْسَادَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (فَلَا) يَجِبُ مَنْعُهُمْ (مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ) - أَيْ: أَهْلِ الذِّمَّةِ وَنَحْوِهِمْ - (مَا يُغْنِيهِمْ عَنْ مَطْهَرَةِ الْمُسْلِمِينَ)، فَيُمْنَعُونَ حِينَئِذٍ.