(فَصْلٌ) (وَسُنَّ لِمَنْ فَرَغَ مِنْ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ رَفْعُ بَصَرِهِ) إلَى السَّمَاءِ (وَقَوْلُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِحَدِيثِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ يُسْبِغُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ " «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ») " رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُد. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ " فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ " وَسَاقَ الْحَدِيثَ. (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك) .
لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَفَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ فَقَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ؛ طُبِعَ عَلَيْهَا بِطَابَعٍ، ثُمَّ رُفِعَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمْ تُكْسَرْ إلَى
[ ١ / ١٢٠ ]
يَوْمِ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ. قَالَ السَّامِرِيُّ: وَيَقْرَأُ سُورَةَ الْقَدْرِ ثَلَاثًا. وَالْحِكْمَةُ فِي خَتْمِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا بِالِاسْتِغْفَارِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ: أَنَّ الْعِبَادَ مُقَصِّرُونَ عَنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ كَمَا يَنْبَغِي عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَإِنَّمَا يُؤَدُّونَهَا عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَهُ، فَالْعَارِفُ يَعْرِفُ أَنَّ قَدْرَ الْحَقِّ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ يَسْتَحْيِي مِنْ عَمَلِهِ، وَيَسْتَغْفِرُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِيهِ، كَمَا يَسْتَغْفِرُ غَيْرُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَغَفَلَاتِهِ. قَالَ: وَالِاسْتِغْفَارُ يَرِدُ مُجَرَّدًا وَمَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ وَرَدَ مُجَرَّدًا دَخَلَ فِيهِ وِقَايَةُ شَرِّ الذَّنْبِ الْمَاضِي بِالدُّعَاءِ وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ، وَوِقَايَةُ شَرِّ الذَّنْبِ الْمُتَوَقَّعِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنْهُ، وَهَذَا الِاسْتِغْفَارُ الَّذِي يَمْنَعُ الْإِصْرَارَ وَالْعُقُوبَةَ، وَإِنْ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ اخْتَصَّ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهُ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ الْمَاضِي، بَلْ كَانَ سُؤَالًا مُجَرَّدًا، فَهُوَ دُعَاءٌ مَحْضٌ. وَإِنْ صَحِبَهُ نَدَمٌ فَهُوَ تَوْبَةٌ، وَالْعَزْمُ عَلَى الْإِقْلَاعِ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ.
(وَكُرِهَ كَلَامٌ حَالَةَ وُضُوءٍ)، قَالَهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ: " وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ. (وَالْمُرَادُ) بِالْكَرَاهَةِ هُنَا: (تَرْكُ الْأَوْلَى)، وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيِّ. (وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ): أَطْلَقَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ هُوَ الشِّيرَازِيُّ أَوْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، (يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ، وَفِي الرِّعَايَةِ " وَرَدُّهُ)، أَيْ: وَيُكْرَهُ رَدُّ الْمُتَوَضِّئِ السَّلَامَ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": مَعَ أَنَّهُ ذِكْرٌ. (وَفِي " الْفُرُوعِ " ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا يُكْرَهُ سَلَامٌ وَلَا رَدٌّ) وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ عَلَى طُهْرٍ أَكْمَلَ لِفِعْلِهِ - ﷺ - وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ سَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: أُمُّ هَانِئِ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» .
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ (قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ
[ ١ / ١٢١ ]
وَالْأَذْكَارُ الَّتِي تَقُولُهَا الْعَامَّةُ عَلَى الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ لَا أَصْلَ لَهَا عَنْهُ - ﷺ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ كُذِبَ عَلَيْهِ - ﷺ -. انْتَهَى) . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَحَذَفْت حَدِيثَ دُعَاءِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورِ فِي " الْمُحَرَّرِ " إذْ لَا أَصْلَ لَهُ، وَكَذَا قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ " وَفِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " أَيْ: لَمْ يَجِئْ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - (وَقِيلَ: بَلْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ، وَيُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ) .
قَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ طُرُقٍ فِي تَارِيخِ ابْنِ حِبَّانَ " وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً لِلْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.
(وَيُبَاحُ لِمُتَطَهِّرٍ تَنْشِيفٌ) لِحَدِيثِ سَلْمَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ ثُمَّ قَلَبَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ ". وَتَرْكُهُ لَهُ - ﷺ - فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ لَمَّا أَتَتْهُ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ أَنْ اغْتَسَلَ " لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ مَعَ أَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَرَكَ الْمِنْدِيلَ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهَا.
(وَ) يُبَاحُ لَهُ (مُعِينٌ)، لِحَدِيثِ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ أَفْرَغَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ وَضُوئِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَتَرْكُهُمَا) - أَيْ: التَّنْشِيفِ وَالْمُعَيَّنُ - (أَفْضَلُ)، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الرَّغْبَةِ فِي الْعِبَادَةِ. (وَكُرِهَ نَفْضُ مَاءٍ) يَدَيْهِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ، فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ الْمَعْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُحْتُرِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَلَا يُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءِ بِيَدَيْهِ عَنْ بَدَنِهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ. (وَقَدْ يَجِبُ مُعِينٌ) لِمُتَوَضِّئٍ (وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ فِي حَقِّ نَحْوِ أَقْطَعَ) وَزَمِنٍ وَمَرِيضٍ عَاجِزٍ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُرِيدُ)
[ ١ / ١٢٢ ]
صَلَاةٍ (إلَّا مِنْ يُيَمِّمُهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَا مَنْ يُيَمِّمُهُ، وَعَجَزَ عَنْ فِعْلِهِمَا بِنَفْسِهِ (صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِتَطْهِيرِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ (وَيَتَّجِهُ وُجُوبُ تَنْشِيفٍ لِمُتَيَمِّمٍ) عَنْ جَبِيرَةٍ بِبَعْضِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ إنْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَيَلْزَمُهُ التَّنْشِيفُ، (لِضِيقِ وَقْتِ) صَلَاةٍ اسْتِدْرَاكًا لِلْوَقْتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسُنَّ كَوْنُ مُعِينٍ عَنْ يَسَارِهِ) - أَيْ: الْمُتَوَضِّئِ - لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُ الْمَاءِ عِنْدَ الصَّبِّ، (كَإِنَاءِ وُضُوءٍ ضَيِّقِ الرَّأْسِ) فَيَجْعَلُهُ عَنْ يَسَارِهِ لِيَصُبَّ مِنْهُ بِهِ عَلَى يَمِينِهِ. (وَإِلَّا) يَكُنْ الْإِنَاءُ ضَيِّقَ الرَّأْسِ بَلْ كَانَ وَاسِعًا، فَيَجْعَلُهُ (عَنْ يَمِينِهِ) لِيَغْتَرِفَ مِنْهُ بِهَا.
(وَمَنْ) (وُضِّئَ أَوْ غُسِّلَ أَوْ يُمِّمَ) - بِبِنَاءِ الثَّلَاثِ لِلْمَفْعُولِ - (بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْمَفْعُولِ بِهِ، (مُطْلَقًا) أَيْ: لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَنَوَاهُ) (؛ صَحَّ) وُضُوءُهُ أَوْ غُسْلُهُ أَوْ تَيَمُّمُهُ، مُسْلِمًا كَانَ الْفَاعِلُ أَوْ كَافِرًا، لِوُجُودِ النِّيَّةِ وَلِوُجُودِ الْغُسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، و(لَا) يَصِحُّ وُضُوءُهُ أَوْ غُسْلُهُ أَوْ تَيَمُّمُهُ (إنْ أُكْرِهَ فَاعِلٌ) - أَيْ: مُوَضِّئٌ - أَوْ غَاسِلٌ أَوْ مُيَمِّمٌ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَمَّا لَوْ أُكْرِهَ بِحَقٍّ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَ قِنَّهُ فَيَصِحُّ. وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ صَابٌّ لِلْمَاءِ. وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي الصِّحَّةَ إذَا أُكْرِهَ الصَّابُّ، لِأَنَّ الصَّبَّ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ، فَيُشْبِهُ الِاغْتِرَافَ بِإِنَاءٍ مُحَرَّمٍ. (أَوْ) أُكْرِهَ (مَفْعُولٌ) - أَيْ: مُتَوَضِّئٌ - عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ، كَغُسْلٍ وَصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ، وَفَعَلَ ذَلِكَ الْمُكْرَهُ عَلَى فِعْلِهِ (لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ) فَلَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ، لِعَدَمِ وُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا، (لَا) إنْ فَعَلَ ذَلِكَ (لِدَاعِي الشَّرْعِ) بِأَنْ نَوَى بِهِ التَّقَرُّبَ لِلَّهِ تَعَالَى فَتَصِحُّ لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ.
[ ١ / ١٢٣ ]