(فَصْلٌ) (وَوَقْتُ وِتْرٍ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ عِشَاءٍ وَلَوْ) كَانَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ (مَعَ جَمْعِ تَقْدِيمٍ) بِأَنْ جَمَعَهَا مَعَ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتِهَا (وَ) بَيْنَ (طُلُوعِ فَجْرٍ) ثَانٍ، لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ؛ هِيَ: الْوِتْرُ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَقَوْلُهُ. - ﷺ -: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَا يَصِحُّ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.
لِعَدَمِ دُخُولِ وَقْتِهِ. (وَ) فِعْلُهُ (آخِرَ لَيْلٍ لِمَنْ يَثِقُ بِنَفْسِهِ أَنْ يَقُومَ فِيهِ أَفْضَلُ)، لِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ؛ فَلْيُوتِرْ، ثُمَّ لْيَرْقُدْ. وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ؛ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ» . وَذَلِكَ أَفْضَلُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَأَقَلُّهُ رَكْعَةً، وَلَا يُكْرَهُ) الْإِيتَارُ (بِهَا) مُفْرَدَةً (وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نَحْوِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَأَكْثَرُهُ)، أَيْ: الْوِتْرِ، (إحْدَى عَشْرَةَ: يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ عَقِبَ الشَّفْعِ بِلَا تَأْخِيرٍ) لَهَا عَنْهُ (نَدْبًا) .
نَصَّ عَلَيْهِ.
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى. فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ. - ﷺ -. يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ تَفْرُغَ الْعِشَاءُ إلَى الْفَجْرِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً. يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَإِنْ صَلَّى الْكُلَّ)، أَيْ: كُلَّ الْوِتْرِ الْإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً
[ ١ / ٥٥١ ]
(بِسَلَامٍ وَاحِدٍ)، بِأَنْ سَرَدَ عَشْرًا (وَجَلَسَ بَعْدَ عَاشِرَةٍ فَتَشَهَّدَ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، (ثُمَّ قَامَ) فَأَتَى بِرَكْعَةٍ؛ جَازَ. (أَوْ) سَرَدَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ، وَ(لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي أَخِيرَةٍ؛ جَازَ)، لَكِنَّ الصِّفَةَ الْأُولَى أَوْلَى، لِأَنَّهَا فِعْلُهُ - ﷺ -.
(وَكَذَا مَا دُونَهَا)، أَيْ: دُونَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ؛ بِأَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ أَوْ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ. (وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ، تَشَهَّدَ بَعْدَ ثَامِنَةٍ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، (ثُمَّ) قَامَ وَصَلَّى (تَاسِعَةً) وَتَشَهَّدَ (وَسَلَّمَ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) إنْ أَوْتَرَ (بِسَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ؛ سَرَدَهُنَّ، فَلَا يَجْلِسُ نَدْبًا إلَّا فِي آخِرِهِنَّ)، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُوتِرُ بِسَبْعٍ، أَوْ خَمْسٍ، لَا يَفْصِلُ بِتَسْلِيمٍ»، رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَأَدْنَى الْكَمَالِ: ثَلَاثُ) رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ اُخْتُلِفَ فِي كَرَاهَتِهَا، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ الثَّلَاثُ أَدْنَى الْكَمَالِ. (بِسَلَامَيْنِ)، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أَفْصِلُ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
(وَهُوَ)، أَيْ: جَعْلُ الثَّلَاثِ بِسَلَامَيْنِ (أَفْضَلُ) مِنْ جَعْلِهَا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ لِمَا سَبَقَ. (وَسُنَّ كَلَامٌ بَيْنَ شَفْعٍ وَوِتْرٍ) لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا. (وَتَجُوزُ) أَنْ تُصَلَّى الثَّلَاثُ رَكَعَاتٍ (بِ) سَلَامٍ (وَاحِدٍ سَرْدًا) فَلَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ. (وَتَجُوزُ كَمَغْرِبٍ) جُزِمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ. (وَقِيلَ:) إذَا جَلَسَ عَقِبَ الثَّانِيَةِ (لَا) يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ وِتْرًا، وَهُوَ وَجْهٌ لِلْأَصْحَابِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ.
[ ١ / ٥٥٢ ]
، (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ إمَامٍ رَكْعَةً) مِنْ الثَّلَاثِ، (فَإِنْ كَانَ) الْإِمَامُ (يُسَلِّمُ مِنْ ثِنْتَيْنِ؛ أَجْزَأَ) هـ مَا أَدْرَكَهُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ، (وَإِلَّا) يَكُنْ الْإِمَامُ يُسَلِّمُ مِنْ ثِنْتَيْنِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحْرَمَ بِثَلَاثٍ، وَأَدْرَكَهُ فِي الْأَخِيرَةِ؛ (قَضَى) كَصَلَاةِ الْإِمَامِ، لِحَدِيثِ: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا»، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ نَوَى) الْمَأْمُومُ رَكْعَةً (وَاحِدَةً هُنَا)، أَيْ: فِيمَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْرَمَ بِثَلَاثٍ، وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى دَخَلَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ نَاوِيًا وَاحِدَةً؛ قَضَى الْمَأْمُومُ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ تَتِمَّةَ الثَّلَاثِ. (وَ) كَذَلِكَ لَوْ نَوَى الْمَأْمُومُ (ثَلَاثًا فِي) الصُّورَةِ (الْأُولَى)، وَهِيَ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْرَمَ بِثِنْتَيْنِ وَسَلَّمَ مِنْهُمَا؛ فَيَقْضِي الْمَأْمُومُ الْبَاقِيَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ. (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِعَدَدٍ فَلَهُ زِيَادَتُهُ وَنَقْصُهُ بِالنِّيَّةِ)، أَمَّا النَّقْصُ فِي النَّفْلِ؛ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ؛ فَصَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِيمَنْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ لَيْلًا، فَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ عَمْدًا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. .
[ ١ / ٥٥٣ ]
(وَسُنَّ) لِمَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ (قِرَاءَةُ: سَبِّحْ بِأُولَى، وَ:) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، بِثَانِيَةٍ، وَ) سُورَةِ: (الصَّمَدِ، بِثَالِثَةٍ)؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
(وَيَقْنُتُ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ (بَعْدَ) رَفْعٍ مِنْ (رُكُوعٍ نَدْبًا) فِي جَمِيعِ السُّنَّةِ، لِأَنَّ مَا شُرِعَ فِي رَمَضَانَ شُرِعَ فِي غَيْرِهِ كَعَدَدِهِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْبَيْهَقِيُّ: أَنَّ أُبَيًّا كَانَ يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ حِينَ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ؛ فَفِيهِ انْقِطَاعٌ، ثُمَّ هُوَ رَأْيُ أُبَيٍّ.
وَمَحَلُّهُ (إذَا فَرَغَ مِنْ تَحْمِيدٍ وَاعْتِدَالٍ)، رُوِيَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَإِنْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَنَتَ قَبْلَ رُكُوعٍ؛ جَازَ)؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
قَالَ الْخَطِيبُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ. (وَسُنَّ رَفْعُ يَدَيْهِ لِصَدْرِهِ، يَبْسُطُهُمَا وَبُطُونُهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ، وَلَوْ) كَانَ (مَأْمُومًا)، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «إذَا دَعَوْتَ اللَّهَ، فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإِذَا
[ ١ / ٥٥٤ ]
فَرَغْت فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَيَدْعُو جَهْرًا وَلَوْ مُنْفَرِدًا) نَصًّا، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ الْمُنْفَرِدُ بِالْجَهْرِ وَعَدَمِهِ كَالْقِرَاءَةِ، وَظَاهِرِ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: أَنَّ الْجَهْرَ يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ فَقَطْ.
قَالَ فِي الْخِلَافِ، وَهُوَ أَظْهَرُ (بِسُورَتَيْ الْقُنُوتِ وَكَانَتَا)، أَيْ: سُورَتَا الْقُنُوتِ (فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ) بْنِ كَعْبٍ. (الْأُولَى) مِنْهُمَا: (اللَّهُمَّ): أَصْلُهُ: يَا اللَّهُ، حُذِفَتْ يَا مِنْ أَوَّلِهِ، وَعُوِّضَ عَنْهَا الْمِيمُ فِي آخِرِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَلَحَظُوا فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّكًا وَتَعْظِيمًا، أَوْ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِتَصْيِيرِ اللَّفْظَيْنِ لَفْظًا وَاحِدًا. (إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَهْدِيكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ)، أَيْ: نَطْلُبُ مِنْك الْمَعُونَةَ وَالْهِدَايَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. (وَنَتُوبُ إلَيْكَ) .
التَّوْبَةُ لُغَةً: الرُّجُوعُ عَنْ الذَّنْبِ، وَشَرْعًا: النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الذَّنْبِ، وَالْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحَلِّلَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَنُؤْمِنُ بِكَ) .
أَيْ: نُصَدِّقُ بِوَحْدَانِيِّتِكَ، (وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ) .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التَّوْكِيلُ: إظْهَارُ الْعَجْزِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ، وَالِاسْمُ: التُّكْلَانُ. وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ هُوَ تَرْكُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ، وَالِانْخِلَاعُ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ الِاسْتِرْسَالُ مَعَ اللَّهِ عَلَى مَا يُرِيدُ.
(وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ)، أَيْ: نَمْدَحُكَ وَنَصِفُكَ بِالْخَيْرِ.
وَالثَّنَاءُ: بِالْخَيْرِ خَاصَّةً، وَالنَّثَاءُ بِتَقْدِيمِ النُّونِ: فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، (وَنَشْكُرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ) أَصْلُ الْكُفْرِ: الْجُحُودُ وَالسَّتْرُ.
قَالَ فِي الْمَطَالِعِ وَالْمُرَادُ هُنَا: كُفْرُ النِّعْمَةِ، لِاقْتِرَانِهِ بِالشُّكْرِ. (وَ) السُّورَةُ (الثَّانِيَةُ: اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ) .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ:
[ ١ / ٥٥٥ ]
مَعْنَى الْعِبَادَةِ: الطَّاعَةُ وَالْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ، وَأَبُو الْبَقَاءِ: الْعِبَادَةُ: مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اطِّرَادٍ عُرْفِيٍّ، وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ، وَانْقِيَادِهِ لِمَوْلَاهُ.
(وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ) لَا لِغَيْرِكَ، (وَإِلَيْك نَسْعَى) يُقَالُ: سَعَى يَسْعَى سَعْيًا: إذَا عَدَا. وَقِيلَ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْجَرْي؛ عُدِّيَ بِإِلَى، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْعَمَلِ؛ فَبِاللَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] .
(وَنَحْفِدُ): بِفَتْحِ النُّونِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، يُقَالُ: حَفَدَ بِمَعْنَى: أَسْرَعَ، وَأَحْفَدَ لُغَةٌ فِيهِ، فَمَعْنَى نَحْفِدُ نُسْرِعُ، أَيْ: نُبَادِرُ بِالْعَمَلِ وَالْخِدْمَةِ. (نَرْجُوَ)، أَيْ: نُؤَمِّلُ (رَحْمَتَكَ)، أَيْ: سَعَةَ عَطَائِكَ (وَنَخْشَى): نَخَافُ، (عَذَابَكَ)، أَيْ: عُقُوبَتَكَ، (إنَّ عَذَابَكَ الْجِدُّ): بِكَسْرِ الْجِيمِ: الْحَقُّ، لَا اللَّعِبُ، (بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ): بِكَسْرِ الْحَاءِ، أَيْ: لَاحِقٌ بِهِمْ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا لُغَةً، عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُلْحِقُهُ بِهِمْ، وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ هِيَ الْأُولَى، وَهَذَا الدُّعَاءُ قَنَتَ بِهِ عُمَرُ - ﵁ - وَفِي أَوَّلِهِ: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم، وَفِي آخِرِهِ: اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِك.
وَهَاتَانِ سُورَتَانِ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَتَبَهُمَا أُبَيٌّ فِي مُصْحَفِهِ إلَى قَوْلِهِ: مُلْحِقٌ.
زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ: وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُكَ. (وَيَزِيدُ) مُصَلٍّ فِي قُنُوتِهِ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ) أَصْلُ الْهُدَى: الرَّشَادُ وَالْبَيَانُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى:
[ ١ / ٥٥٦ ]
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] فَهِيَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالْإِرْشَادُ. وَطَلَبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُهْتَدِينَ بِمَعْنَى طَلَبِ التَّثَبُّتِ عَلَيْهَا. أَوْ بِمَعْنَى الْمَزِيدِ مِنْهَا (وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ) مِنْ الْأَسْقَامِ وَالْبَلَايَا.
وَالْمُعَافَاةُ: أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنْ النَّاسِ وَيُعَافِيَهُمْ مِنْكَ (وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ) الْوَلِيُّ: ضِدُّ الْعَدُوِّ مِنْ تَلَيْتُ الشَّيْءَ: إذَا اعْتَنَيْتَ بِهِ، وَنَظَرْتَ إلَيْهِ، كَمَا يَنْظُرُ الْوَلِيُّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْظُرُ فِي أَمْرِ وَلِيِّهِ بِالْعِنَايَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ: وَلَيْتَ الشَّيْءَ: إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ، بِمَعْنَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَقْطَعُ الْوَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَصِيرَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ (وَبَارِكْ لَنَا) الْبَرَكَةُ: الزِّيَادَةُ، وَقِيلَ: هِيَ حُلُولُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ (فِيمَا أَعْطَيْتَ)، أَيْ: أَنْعَمْتَ بِهِ (وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ إنَّكَ) سُبْحَانَكَ (تَقْضِي، وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ) لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيْحُكُمْ مَا يُرِيدُ (إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكَتْ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: «عَلَّمَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي. . . إلَى وَتَعَالَيْت وَلَيْسَ فِيهِ: وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَثْبَتَهَا فِيهِ، وَتَبِعَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ.
وَالرِّوَايَةُ إفْرَادُ الضَّمِيرِ، وَجَمَعَهَا الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْمَأْمُومَ فِي الدُّعَاءِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ، نَسْتَغْفِرُكَ اللَّهُمَّ وَنَتُوبُ إلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْك إلَّا إلَيْكَ، (اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ) قَالَ الْخَطَّابِيِّ:
[ ١ / ٥٥٧ ]
فِي هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ.
وَهُمَا ضِدَّانِ وَمُتَقَابِلَانِ.
وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاةُ وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالْعُقُوبَةِ لَجَأَ إلَى مَا لَا ضِدَّ لَهُ، وَهُوَ اللَّهُ أَظْهَرَ الْعَجْزَ وَالِانْقِطَاعَ، وَفَرَغَ مِنْهُ إلَيْهِ.
فَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ؛ إذْ حَاصِلُهُ أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ اللَّهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ هُوَ ثَابِتٌ فِي الْخَبَرِ (لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ)، أَيْ: لَا نُحْصِي نِعَمَكَ، وَالثَّنَاءُ بِهَا عَلَيْكَ.
وَلَا نَبْلُغُهُ، وَلَا نُطِيقُهُ، وَلَا تَنْتَهِي غَايَتُهُ.
وَالْإِحْصَاءُ: الْعَدُّ وَالضَّبْطُ وَالْحِفْظُ. قَالَ تَعَالَى ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] . أَيْ: تُطِيقُوهُ.
(أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ): اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ تَفْصِيلِ الثَّنَاءِ.
وَرَدٌّ إلَى الْمُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى لَا نِهَايَةَ لِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ.
لَا نِهَايَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ.
رَوَى عَلِيٌّ أَنَّ النَّبِيَّ. - ﷺ -. كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ. وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيَقُولُ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ.
وَهُوَ مَعْنَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ: يَدْعُو بِمَا شَاءَ.
وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى دُعَاءِ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ.
وَاخْتَارَهُ أَحْمَدُ.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُسْتَحَبُّ بِالسُّورَتَيْنِ. وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ. (ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -)، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَلَا بَأْسَ) أَنْ يَقُولَ: وَ(عَلَى آلِهِ)، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ فِي قُنُوتِهِ بِمَا شَاءَ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ نَصًّا. (وَيُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ) عَلَى قُنُوتِ إمَامِهِ إنْ سَمِعَهُ، وَإِلَّا فَيَقْنُتُ لِنَفْسِهِ.
[ ١ / ٥٥٨ ]
(وَيُفْرِدُ مُنْفَرِدٌ)، أَيْ: مُصَلٍّ وَحْدَهُ (الضَّمِيرَ) فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَعِينُكَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي إلَى آخِرِهِ.
(وَتَحْصُلُ سُنَّةُ قُنُوتٍ بِكُلِّ دُعَاءٍ)، كَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي (وَبِآيَةٍ فِيهَا دُعَاءٌ)، كَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] الْآيَةَ. (إنْ قَصَدَهُ)، أَيْ: الدُّعَاءَ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (مَهْمَا دَعَا بِهِ؛ جَازَ) مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَلَاذِ الدُّنْيَا، (ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ هُنَا)، أَيْ: بَعْدَ قُنُوتِهِ، لَمَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «كَانَ إذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ.
وَ(كَخَارِجِ صَلَاةٍ) إذَا دَعَا، لِعُمُومِ حَدِيثِ عُمَرَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِقَوْلِهِ - ﷺ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي الْقِيَامِ، فَهُوَ كَالْقِرَاءَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
(وَكُرِهَ قُنُوتٌ فِي غَيْرِ وِتْرٍ) حَتَّى فَجْرٍ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ» وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا.
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: «قُلْتُ لِأُبَيٍّ: إنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ
[ ١ / ٥٥٩ ]
خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَخَلْفَ عَلِيٍّ هَهُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوَ خَمْسِ سِنِينَ؛ أَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ فِيهِ فِي الْفَجْرِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ - «مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ - فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ طُولَ الْقِيَامِ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى قُنُوتًا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ إذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ، لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى سَعْدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ» وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ - يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي أَوْقَاتِ النَّوَازِلِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ، فَلَمْ يُسَنَّ فِيهَا كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ (إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ)، أَيْ: شِدَّةٌ مِنْ الشَّدَائِدِ، (غَيْرِ طَاعُونٍ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْقُنُوتُ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِلْإِخْبَارِ، فَلَا يُسْأَلُ رَفْعَهُ، (فَيُسَنُّ لِإِمَامِ الْوَقْتِ خَاصَّةً) الْقُنُوتُ، هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ - ﷺ - هُوَ الَّذِي قَنَتَ، فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
(وَيَتَّجِهُ: وَيُبَاحُ) الْقُنُوتُ فِي النَّازِلَةِ (لِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْإِمَامِ، كَنُوَّابِهِ، عَلَى مَا اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ فَيَقْنُتُونَ بِمَا يُنَاسِبُ تِلْكَ النَّازِلَةَ فِي كُلِّ مَكْتُوبَةٍ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
وَعَلَيْهِ: فَيَقُولُ فِي قُنُوتِهِ: نَحْوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ،
[ ١ / ٥٦٠ ]
وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ، اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَنْزِلْ بِهِمْ بَأْسَكَ الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. (فِيمَا عَدَا الْجُمُعَةِ) مِنْ الصَّلَوَاتِ، لِرَفْعِ تِلْكَ النَّازِلَةِ، وَأَمَّا الْجُمُعَةُ؛ فَيَكْفِي الدُّعَاءُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ (وَيَجْهَرُ بِهِ)، أَيْ: الْقُنُوتِ لِلنَّازِلَةِ (فِي) صَلَاةٍ (جَهْرِيَّةٍ) كَالْقِرَاءَةِ، وَإِنْ قَنَتَ فِي النَّازِلَةِ كُلُّ إمَامِ جَمَاعَةٍ، أَوْ كُلُّ مُصَلٍّ؛ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (وَاسْتَحَبَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنْ يَدَعَ)، أَيْ: يَتْرُكَ (الْإِمَامُ) فِعْلَ (الْأَفْضَلِ عِنْدَهُ) أَيْ: فِي مَذْهَبِهِ (تَأَلُّفًا لِلْمَأْمُومِ) (كَ) مَا لَوْ أَمَّ جَمَاعَةً فِي تَرَاوِيحَ، وَكَانُوا لَا يَرَوْنَ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ كَالشَّافِعِيَّةِ، فَيَتْرُكُ (قُنُوتَ وِتْرٍ) اسْتِعْطَافًا لَهُمْ، (وَقَالَهُ)، أَيْ: قَالَ (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَّ جَمَاعَةً يَرَوْنَ الْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ قَنَتَ بِهِمْ أَوْ أَمَّ بِمَنْ يَرَى الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَيَقْنُتُ بِهِمْ كَذَلِكَ تَأْلِيفًا لَهُمْ (وَقَالَ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُطَاعًا) كَالسُّلْطَانِ وَالْأَمِيرِ (فَ) إتْيَانُهُ بِمَا هُوَ (السُّنَّةُ) عِنْدَهُ (أَوْلَى -)، سَوَاءٌ رَآهُ الْمَأْمُومُونَ أَمْ لَا.
[ ١ / ٥٦١ ]
(وَمَنْ ائْتَمَّ) وَهُوَ لَا يَرَى الْقُنُوتَ فِي فَجْرٍ (بِقَانِتٍ فِي فَجْرٍ، تَابَعَ) إمَامَهُ، لِحَدِيثِ.
«إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (وَأَمَّنَ) عَلَى دُعَاءِ إمَامِهِ (إنْ سَمِعَ) صَوْتَهُ كَمَا لَوْ قَنَتَ لِنَازِلَةٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَالصُّبْحِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ؛ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. (وَإِلَّا) يَسْمَعْ صَوْتَ إمَامِهِ (دَعَا) كَقِرَاءَةٍ. (وَسُنَّ قَوْلُهُ إذَا سَلَّمَ مِنْ وِتْرٍ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ؛ ثَلَاثًا) زَادَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، (وَيَرْفَعُ صَوْتُهُ بِثَالِثَةٍ) لِلْخَبَرِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى.