ِ وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الصَّلَوَيْنِ، وَاحِدُهُمَا: صَلًا كَعَصًا، وَهُمَا: عِرْقَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ، وَقِيلَ عَظْمَانِ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: مِنْ صَلَيْتُ الْعُودَ إذَا لَيَّنْتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَلِينُ وَيَخْشَعُ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ: بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَاوٌ، وَمِنْ صَلَّيْتُ يَاءٌ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْوَاوَ وَقَعَتْ رَابِعَةً فَقُلِبَتْ يَاءً، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ صَلَيْتُ الْمُخَفَّفَ، تَقُولُ: صَلَيْتُ اللَّحْمَ صَلْيًا إذَا شَوَيْتَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ فَارِسٍ الْمُضَعَّفَ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: صَلَيْتُ الْعَصَا تَصْلِيَةً: أَدَرْتُهُ عَلَى النَّارِ لِتُقَوِّمَهُ. وَالصَّلَاةُ لُغَةً: الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]
أَيْ: اُدْعُ لَهُمْ، وَعُدِّيَ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِنْزَالِ، أَيْ: أَنْزِلْ رَحْمَتَكَ عَلَيْهِمْ. «وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» وَقَالَ الشَّاعِرُ:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرُبْتُ مُرْتَحِلًا يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعًا
وَشَرْعًا: (أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مَعْلُومَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِتَكْبِيرٍ مُخْتَتَمَةٌ بِتَسْلِيمٍ)، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْأَقْوَالَ فِيهَا مُقَدَّرَةٌ وَالْمُقَدَّرُ كَالْمَوْجُودِ، أَوْ التَّعْرِيفُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، فَلَا يَرِدُ أَيْضًا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ.
(وَهِيَ آكَدُ فُرُوضِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ)، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ
[ ١ / ٢٧٢ ]
اللَّهِ - ﷺ - لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلِقَوْلِهِ - ﷺ - «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ) قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - الصَّلَوَاتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ خَمْسِينَ، ثُمَّ نُقِصَتْ حَتَّى جُعِلَتْ خَمْسًا، ثُمَّ نُودِيَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، وَإِنَّ لَك بِهَذِهِ الْخَمْسِ خَمْسِينَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَسُمِّيَتْ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ)، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ الشَّهَادَتَيْنِ، كَالْمُصَلِّي مِنْ خَيْلِ الْحَلَبَةِ.
(وَتَجِبُ) الصَّلَوَاتُ (الْخَمْسُ) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مُبَعَّضٍ، (مُكَلَّفٍ) - أَيْ: بَالِغٍ عَاقِلٍ - (غَيْرِ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَّا لَأُمِرَتَا بِقَضَائِهَا، (وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ) - أَيْ: الْمُسْلِمَ الْمَذْكُورَ - (شَرْعٌ)، كَمَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ حَرْبٍ وَلَمْ يَبْلُغْهُ أَحْكَامُ الصَّلَاةِ فَيَقْضِيهَا إذَا عَلِمَ كَالنَّائِمِ، (أَوْ) كَانَ (نَائِمًا) أَوْ نَاسِيًا، لِحَدِيثِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، (أَوْ) كَانَ (مُغَطًّى عَقْلُهُ بِإِغْمَاءٍ)، لِمَا رُوِيَ " أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ؟ قَالُوا: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ " وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ نَحْوُهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ غَالِبًا، وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَسْقُطْ الصَّوْمُ، فَكَذَا الصَّلَاةُ كَالنَّوْمِ، (أَوْ) كَانَ مُغَطًّى عَقْلُهُ بِتَنَاوُلِ (سُكْرٍ مُبَاحٍ) مِنْ دَوَاءٍ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ خَاصًّا بِالْمُسْكِرِ، فَيَقْضِي كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَأَوْلَى، (أَوْ) كَانَ مُغَطًّى عَقْلُهُ بِشُرْبِ (مُحَرَّمٍ)
[ ١ / ٢٧٣ ]
اخْتِيَارًا؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ فَلَا يُنَاسِبُهَا إسْقَاطُ الْوَاجِبِ، أَوْ كُرْهًا إلْحَاقًا لَهُ بِمَا تَقَدَّمَ، (فَيَقْضِي) السَّكْرَانُ الصَّلَاةَ زَمَنَ سُكْرِهِ (حَتَّى زَمَنِ جُنُونٍ) .
(وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ لَا) إنْ اسْتَعْمَلَتْ دَوَاءً وَلَوْ مُحَرَّمًا فَاسْتُطْلِقَ دَمٌ (زَمَنَ نَحْوِ حَيْضٍ) مِنْهَا؛ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ مَانِعٌ مِنْ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ قَضَائِهَا أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(طَرَأَ) - أَيْ: الْجُنُونُ عَلَى السَّكْرَانِ - (مُتَّصِلًا بِسُكْرٍ مُحَرَّمٍ) تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَقِيَاسُهُ الصَّوْمُ وَغَيْرُهُ. (وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَرْتَدَّ) زَمَنُ سُكْرِهِ (ثُمَّ يُجَنُّ)، فَإِنْ ارْتَدَّ فَجُنَّ فَأَفَاقَ فَلَا يَقْضِي، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (إذْ لَا تَجِبُ) الصَّلَاةُ (عَلَى مُرْتَدٍّ زَمَنَ رِدَّتِهِ) فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا حَالَ إسْلَامِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]
؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالُ عَلَى إسْقَاطِ الْعِبَادَةِ فِي حَقِّ الْأَصْلِيِّ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ حُكْمُهُ عَمَلًا بِالْمُقْتَضِي الشَّامِلِ لَهُمَا، وَأَمَّا مَا تَرَكَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَلَا) تَجِبُ الصَّلَاةُ (عَلَى كَافِرٍ أَصْلِيٍّ وُجُوبَ أَدَاءً)، بِمَعْنَى أَنَّا لَا نَأْمُرُهُ بِهَا فِي كُفْرِهِ، وَلَا
[ ١ / ٢٧٤ ]
بِقَضَائِهَا إذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي عَهْدِهِ - ﷺ - فَلَا يُؤْمَرُ أَحَدٌ بِقَضَائِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ، (بَلْ) تَجِبُ عَلَيْهِ (وُجُوبَ عِقَابٍ، لِمُخَاطَبَتِهِ) - أَيْ: الْكَافِرِ - (بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ) مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ عَلَى الصَّحِيحِ كَالتَّوْحِيدِ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣]
الْآيَةَ