باب الأذان والإقامة
[وهما فرض كفاية] لحديث: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم" والأ مر يقتضي الوجوب، ولأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة كالجهاد.
[في الحضر] في القرى والأمصار. قال مالك ﵀: إنما يجب النداء في مساجد الجماعة.
[على الرجال] فأما النساء فليس عليهن أذان، ولا إقامة. قاله ابن عمر وأنس وغيرهما. ولا نعلم من غيرهم خلافهم. قاله في الشرح.
[الأحرار] لا الأرقاء لاشتغالهم بخدمة ملاكهم في الجملة.
[ويسنان للمنفرد] لحديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية جبل يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله ﷿ انظروا إلى عبدي هذا يؤذن، ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غقرت لعبدي، وأدخلته الجنة" رواه النسائي.
[وفي السفر] لقوله ﷺ لمالك بن الحويرث، ولابن عم له: "إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما" متفق عليه.
[ ١ / ٦٢ ]
[ويكرهان للنساء، ولو بلا رفع صوت] لأنهما وظيفة الرجال، ففيه نوع تشبه بهم.
[ولا يصحان إلا مرتين متواليين عرفًا] لأنه شرع كذلك، فلم يجز الإخلال به. قال في الكافي: لأنه لا يعلم أنه أذان بدونهما، فإن سكت سكوتًا طويلًا، أو تكلم بكلام طويل، بطل للإخلال بالموالاة. فإن كان يسيرًا جاز. قال البخاري في صحيحه: وتكلم سليمان بن صرد في أذانه. وقال الحسن: لا بأس أن يضحك وهو يؤذن أو يقيم.
[وأن يكونا من واحد] فلا يصح أن يبني على أذان غيره، ولا على إقامته لأنه عبادة بدنية، فلم يبن فعله على فعل غيره كالصلاة. قاله في الكافي، وفي الإنصاف: لو أذن واحد بعضه، وكله آخر لم يصح بلا خلاف أعلمه.
[بنية منه] لحديث "إنما الأعمال بالنيات".
[وشرط كونه مسلمًا] فلا يعتد بأذان كافر لأنه من غير أهل العبادات.
[ذكرًا] فلا يعتد بأذان أنثى. لأنه يشرع فيه رفع الصوت، وليست من أهل ذلك. قاله في الكافي.
[عاقلًا مميزًا] فلا يصح من مجنون، وطفل. لأنهما من غير أهل العبادات.
[ناطقًا] لينطق به.
[عدلًا ولو ظاهرًا] فلا يصح أذان فاسق لأنه ﷺ:
[ ١ / ٦٣ ]
وصف المؤذنين بالأمانة والفاسق غير أمين. وأما مستور الحال فيصح أذانه. قال في الشرح: بغير خلاف علمناه.
[ولا يصحان قبل الوقت] قال في الشرح: أما غير الفجر فلا يجزئ الأذان إلا بعد دخول الوقت. بغير خلاف نعلمه. انتهى. لحديث: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكًم أحد كم".
[إلا أذان الفجر، فيصح بعد نصف الليل] لحديث: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" متفق عليه.
[ورفع الصوت ركن] ليحصل السماع المقصود بالإعلام.
[مالم يؤذن لحاضر] فبقدر ما يسمعه. وإن رفع صوته فهو أفضل.
[وسن كونه صيتًا] أي رفيع الصوت: لقوله ﷺ لعبد الله بن زيد: "ألقه على بلال فإنه أندى صوتًا منك" ولأنه أبلغ في الإعلام.
[أمينًا] لأنه مؤتمن على الأوقات، والحديث: "أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم المؤذنون" رواه البيهقي من طريق يحيى بن عبد الحميد وفيه كلام.
[عالمًا بالوقت] ليتمكن من الأذان في أوله ويؤمن خطؤه.
[متطهرًا] لحديث أبي هريرة: "لا يؤذن إلا متوضئ" رواه الترمذي، والبيهقي مرفوعًا. وروي موقوفًا، وهو أصح.
[فيهما] أي الأذان، والإقامة، لقوله ﷺ لبلال: "قم فأذن"، وكان مؤذنو رسول الله ﷺ، يؤذنون قيامًا وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أن من السنة أن يوذن
[ ١ / ٦٤ ]
قائمًا. فإن أذن قاعدًا لعذر فلا بأس. قال الحسن العبدي. رأيت أبا زيد صاحب رسول الله ﷺ يؤذن قاعدًا، وكانت رجله أصيبت في سبيل الله رواه الأثرم. ويجوز على الراحلة. قال ابن المنذر: ثبت أن ابن عمر كان يؤذن على البعير فينزل فيقيم ذكره في الشرح.
[لكن لا يكره أذان المحدث] نص عليه لأنه لا يزيد على القراءة.
[بل إقامته] للفصل بينها وبين الصلاة بالوضوء. قال مالك: يؤذن على غير وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء.
[ويسن الأذان أول الوقت] لما روي أن بلالًا كان يؤذن في أول الوقت لا يخرم، وربما أخر الإقامة شيئًا رواه ابن ماجه.
[والترسل فيه] لقوله ﷺ لبلال: "إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر" رواه أبو داود.
[وأن يكون على علو] قال في الشرح: لا نعلم خلافًا في استحبابه لأنه أبلغ في الإعلام. وروي أن بلالًا كان يؤذن على سطح امرأة من بني النجار بيتها من أطول بيت حول المسجد رواه أبو داود.
[رافعًا وجهه جاعلًا سبابتيه في أذنيه] لقول أبي جحيفة إن بلالًا وضع أصبعيه في أذنيه رواه أحمد، والترمذي وصححه، وقال: العمل عليه عند أهل العلم. وعن سعد القرظ أن رسول الله ﷺ أمر بلالًا أن يجعل أصبعيه في أذنيه وقال: "إنه أرفع لصوتك" رواه ابن ماجه.
[ ١ / ٦٥ ]
[مستقبلًا القبلة] لفعل موذنيه ﷺ. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يستقبل القبله في الأذان.
[ويلتفت يمينًا لحي على الصلاة، وشمالًا لحي على الفلاح] لقول أبي جحيفة لقد رأيت بلالًا يؤذن فجعلت أتتبع فاه ها هنا، وها هنا، يقول يمينًا وشمالًا حي على الصلاة حي على الفلاح متفق عليه.
[ولا يزيل قدميه] للخبر، وسواء كان بمنارة أو غيرها، وقال القاضي والمجد:
[ما لم يكن بمنارة] فإنه يدور.
[وأن يقول بعد حيعلة أذان الفجر: الصلاة خير من النوم مرتين ويسمى التثويب] لقول بلال: أمرني رسول الله ﷺ أن أثوب في الفجر، ونهاني أن أثوب في العشاء رواه ابن ماجه. ودخل ابن عمر مسجدًا يصلى فيه، فسمع رجلًا يثوب في أذان الظهر، فخرج وقال: أخرجتني البدعة. ويكره الأذان والإقامة. والنداء بالصلاة بعد الأذان، ونداء الأمراء. وهو قول: الصلاة يا أمير المؤمنين، ونحوه. ووصل الأذان بعده بذكر لأنه بدعة ذكره في شرح العمدة.
[ويسن أن يتولى الأذان، والإقامة واحد ما لم يشق] لقوله ﷺ: "إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم".
[ومن جمع أو قضى فوائت، ًاذن للأولى، وأقام للكل] لقول جابر: صلى النبي ﷺ الظهر والعصر بعرفة بأذان وإقامتين رواه مسلم. ولحديث ابن مسعود في قصة الخندق أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات، حتى ذهب
[ ١ / ٦٦ ]
من الليل ما شاء الله، ثم أمر بلالًا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء رواه الأ ثرم.
[وسن لمن سمع المؤذن أو المقيم أن يقول مثله. إلا في الحيعلة، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله] لحديث عمر مرفوعًا "إذا قال المؤذن: الله ًاكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول اللًه. ثم قال: حي على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، فقال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله. فقال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، دخل الجنة" رواه مسلم.
[وفي التثويب: صدقت وبررت] قال في الفروع: وقيل يجمع يعني، يقول ذلك، ويقول: الصلاة خير من النوم.
[وفي لفظ الإقامة: أقامها الله، وأدامها] لما روى أبو داود عن بعض أصحاب النبي ﷺ أن بلالًا أخذ في الإقامة، فلما أن قال قد قامت الصلاة. قال النبي ﷺ: "أقامها الله، وأدامها" وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأ ذان.
[ثم يصلي على النبي ﷺ إذا فرغ ويقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة. والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته] لحديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إذا
[ ١ / ٦٧ ]
سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة" رواه مسلم. وروى البخاري وغيره عن جابر مرفوعًا "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة، والفضيلة، وابعثه مقامًا مًحمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة".
[ثم يدعو هنا، وعند الإقامة] لحديث أنس مرفوعًا "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة" رواه أحمد والترمذي وصححه. ودعا أحمد عند الإقامة، ورفع يديه.
[ويحرم بعد الأذان الخروج من المسجد بلا عذر أو نية رجوع] قال الترمذى: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ، ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر. ثم ذكر حديث أبي هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ رواه مسلم.
تتمة في صفة الأذان. قال في الكافي: ويذهب أبو عبد الله - يعني أحمد - إلى أذان بلال الذي أريه عبد الله بن زيد. كما روي عنه أنه قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا فقلت: ياعبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى. فقال:
[ ١ / ٦٨ ]
تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد ًان محمدًا رسول الله. حي على الصلاة، حي على الصلاة. حي على الفلاح، حي على الفلاح. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. ثم قال: استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسول الله. حي على الصلاة. حي على الفلاح. قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ، فأخبرته بما رأيت فقال: "إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك" رواه أبو داود.
فهذه صفة الأذان والإقامة المستحبة، لأن بلالًا كان يوذن به حضرًا، وسفرًا مع رسول الله ﷺ إلى أن مات. انتهى.
_________________
(١) انظر كتاب "الكافي" للإمام الموفق ابن قدامة حيث إن هذا الفصل منقول من الجزء الأول صفحة ١٢٨ وقد من الله علينا بطبعه.
[ ١ / ٦٩ ]