مدخل
كتاب الطهارة
[وهي رفع الحدث] أي زوال الوصف القائم بالبدن، المانع من الصلاة ونحوها.
[وزوال الخبث] أي النجاسة، أو زوال حكمها بالاستجمار أو التيمم [وأقسام الماء ثلاثة، أحدها طهور وهو الباقي على خلقته] التي خلق عليها سواء نبع من نبع من الأرض، أو نزل من السماء، على أي لون كان.
[يرفع الحدث ويزيل الخبث] لقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وقول النبي ﷺ: "اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد" متفق عليه، وقوله في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
وهو أربعة أنواع:
١ -[ماء يحرم استعماله ولا يرفع الحدث ويزيل الخبث وهو ما ليس مباحًا] كمغصوب ونحوه، لقوله ﷺ، في خطبته يوم النحر بمنى "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" رواه مسلم من حديث جابر.
٢-[وماء يرفع حدث الأنثى لا الرجل البالغ والخنثى، وهو ما خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث] لحديث الحكم بن عمرو الغفاري
[ ١ / ٨ ]
﵁ أن رسول الله ﷺ "نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" رواه الخمسة. وقال أحمد: جماعة كرهوه. وخصصناه بالخلوة، لقول عبد الله بن سرجس: توضأ أنت ها هنا وهي ها هنا، فأما إذا خلت به، فلا تقربنه.
٣ -[وماء يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه وهو ماء بئر بمقبرة] قال في الفروع في الأطعمة: وكره أحمد ماء بئر بين القبور، وشوكها وبقلها. قال ابن عقيل: كما سمد بنجس والجلالة، انتهى.
[وماء اشتد حره أو برده] لأنه يؤذي ويمنع كمال الطهارة.
[أو سخن بنجاسة أو بمغصوب] لأنه لا يسلم غالبًا من صعود أجزاء لطيفة إليه، وفي الحديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" رواه النسائي والترمذي وصححه.
[أو استعمل في طهارة لم تجب] لتجديد وغسل جمعة.
[أو في غسل كافر] خروجًا من خلاف من قال: يسلبه الطهورية.
[أو تغير بملح مائي] كالملح البحري لأنه منعقد من الماء.
[أو بما لا يمازجه، كتغيره بالعود القماري، وقطع الكافور والدهن] على اختلاف أنواعه لأنه تغير عن مجاوره لأنه لا يمازج الماء وكراهته خروجًا من الخلاف، قال في الشرح: وفي معناه ما تغير بالقطران والزفت والشمع لأن فيه دهنية يتغير بها الماء.
[ولا يكره ماء زمزم إلا في إزالة الخبث] تعظيمًا له ولا يكره الوضوء والغسل منه، لحديث أسامة أن رسول الله ﷺ "دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ" رواه أحمد عن علي،
[ ١ / ٩ ]
وعنه يكره الغسل لقول العباس "لا أحلها لمغتسل". وخص الشيخ تقي الدين الكراهة بغسل الجنابة.
[وماء لا يكره إستعماله كماء البحر] لما تقدم.
[والآبار والعيون والأنهار] لحديث أبي سعيد قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة - وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن - فقال ﷺ: "الماء طهور لا ينجسه شئ". رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وحديث "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شئ؟..".
[والحمام] لأن الصحابة دخلوا الحمام ورخصوا فيه، ومن نقل عنه الكراهة علل بخوف مشاهدة العورة أو قصد التنعم به، ذكره في المبدع. وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن عمر أنه كان يسخن له ماء في قمقم فيغتسل به. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يغتسل بالحميم.
[ولا يكره المسخن بالشمس] وقال الشافعي: تكره الطهارة بما قصد تشميسه لحديث "لا تفعلي فإنه يورث البرص" رواه الدارقطني وقال: يرويه خالد بن إسماعيل، وهو متروك، وعمرو الأعسم، وهو منكر الحديث، ولأنه لو كره لأجل الضرر لما اختلف بقصد تشميسه وعدمه.
[والمتغير بطول المكث] وهو الآجن قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أن الوضوء بالماء الآجن جائز سوى ابن سيرين. وكذلك ما تغير في آنية الأدم والنحاس، لأن الصحابة كانوا يسافرون
[ ١ / ١٠ ]
وغالب أسقيتهم الأدم وهي تغير أوصاف الماء عادة، ولم يكونوا يتيممون معها، قاله في الشرح.
[أو بالريح من نحو ميتة] قال في الشرح: لا نعلم في ذلك خلافًا.
[أو بما يشق صون الماء عنه كطحلب، وورق شجر ما لم يوضعا] وكذلك ما تغير بممره على كبريت وقار وغيرهما، وورق شجر على السواقي والبرك، وما تلقيه الريح والسيول في الماء، من الحشيش والتبن ونحوهما، لأنه لا يمكن صون الماء عنه، قاله في الكافي.
[الثاني طاهر يجوز استعماله في غير رفع الحدث وزوال الخبث، وهو ما تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه، بشئ طاهر] غير اسمه حتى صار صبغًا، أو خلًا، أو طبخ فيه فصار مرقًا، فيسلبه الطهورية، قال في الكافي: بغير خلاف لأنه أزال عنه اسم الماء فأشبه الخل.
[فإن زال تغيره بنفسه: عاد إلى طهوريته، ومن الطاهر ما كان قليلًا واستعمل في رفع حدث] لأن النبي ﷺ "صب عليه جابر من وضوئه" رواه البخاري. وفي حديث صلح الحديبية: "وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه" ويعفى عن يسيره. وهو ظاهر حال النبي، ﷺ وأصحابه، لأنهم يتوضؤن من الأقداح.
[أو انغمست فيه كل يد المسلم المكلف، النائم ليلًا نومًا ينقض الوضوء قبل غسلها ثلاثًا بنية وتسمية وذلك واجب] لقوله ﷺ: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه، قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" رواه مسلم. ويفتقر
[ ١ / ١١ ]
للنيًة لحديث عمر "إنما الأعمال بالنيات" وللتسمية قياسًا على الوضوء قاله: أبو الخطاب.
[الثالث نجس يحرم استعماله إلا للضرورة، ولا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث، وهو ما وقعت فيه نجاسة وهو قليل] لحديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض، وما ينو به من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" رواه الخمسة وفي لفظ ابن ماجه وأحمد لم ينجسه شئ يدل على أن ما لم يبلغهما ينجس. وقول النبي ﷺ: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات" متفق عليه يدل على نجاسة من غير تغير، ولأن الماء اليسير يمكن حفظه في الأوعية، فلم يعف عنه. قاله في الكافي. وحمل حديث بئر بضاعة على الكثير جمعًا بين الكل. قاله في المنتقى.
[أو كان كثيرًا وتغير بها أحد أوصافه] قال في الكافي: بغيرخلاف. وقال في الشرح: حكاه ابن المنذر إجماعًا.
[فإن زال تغيره بنفسه أو بإضافة طهور إليه أو بنزح منه ويبقى بعده كثير طهر] أي عاد إلى طهوريته.
[والكثير قلتان [من قلال هجر] ١ تقريبًا، واليسير ما دونهما] وإنما خصت القلتان بقلال هجر، لوروده في بعض ألفاظ الحديث، ولأنها كانت مشهورة الصفة، معلومة المقدار. قال ابن جريج: رأيت قلال هجر، فرأيت القلة تسع قربتين وشيئًا، والاحتياط أن يجعل الشئ نصفًا، فكانت
_________________
(١) ١ ما بين القوسين أدخل تصحيحا على متن الشارح وليس في الأصول المخطوطة.
[ ١ / ١٢ ]
القلتان خمس قرب تقريبًا، والقربة مائة رطل بالعراقي، والرطل العراقي تسعون مثقالًا.
[وهما خمسمائة رطل بالعراقي، وثمانون رطلًا وسبعان ونصف سبع بالقدسي، ومساحتهما] [أي القلتان]
[ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا. فإذا كان الماء الطهور كثيرًا ولم يتغير بالنجاسة فهو طهور، ولو مع بقائها فيه] .
لحديث بئر بضاعة السابق، رواه أحمد وغيره.
[وإن شك في كثرته فهو نجس]
[وإن اشتبه ما تجوز به الطهارة، بما لا تجوز به الطهارة لم يتحر ويتيمم بلا إراقة] لأنه اشتبه المباح بالمحظور، فيما لا تبيحه الضرورة، فلم يجز التحري، كما لو كان النجس بولًا أو كثر عدد النجس، أو اشتبهت أخته بأجنبيات، قاله في الكافي.
[ويلزم من علم بنجاسة شئ إعلام من أراد أن يستعمله] لحديث "الدين النصيحة".
[ ١ / ١٣ ]