الأوَّل: (انْتِقَالُ مَنِيٍّ) من مكانه دون خروجه، (فَلَوْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِهِ فَحَبَسَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ وَجَبَ) عليه (الغُسْلُ)؛ لأنَّ الماء قد باعد محلَّه، فصدق عليه اسم الجنب، وهو من المفردات.
وعنه، واختاره ابن قدامةَ وفاقًا للثَّلاثة: لا يجب الغسل حتَّى يخرج؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ» [مسلم: ٣٤٣]، فعلَّق الغسل بوجود الماء.
- فرعٌ: (فَلَوِ اغْتَسَلَ لَهُ) أي: لانتقال المنيِّ (ثُمَّ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ لَمْ يُعِدْهُ) أي: لم يُعِدِ الغسلَ؛ لما روي عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه سُئِلَ عن الجنب يخرج منه الشَّيء بعد الغسل؟ قال: «يَتَوَضَّأُ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٤٨٣].
(وَ) الثَّاني: (خُرُوجُهُ) أي: المنيُّ (مِنْ مَخْرَجِهِ وَلَوْ) كان المنيُّ (دَمًا)
[ ٥٥ ]
أي: أحمر كالدَّم؛ للعمومات.
ولا يخلو خروج المنيِّ من حالين:
١ - أن يكون من نائمٍ ونحوه؛ كسكران ومغمًى عليه: فيجب الغسل بالاتِّفاق، ولو بدون لذَّةٍ؛ لحديث أمِّ سلمةَ ﵂ قالت: لما جاءت أمُّ سُلَيْمٍ تسأل النَّبيَّ ﷺ: هل على المَرْأَةِ من غُسْلٍ إذا هي احْتَلَمَتْ؟ فقال رسول الله ﷺ: «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ المَاءَ» [البخاري: ٢٨٢، ومسلم: ٣١٣]، فعلَّق النَّبيُّ ﷺ الأمر برؤية الماء.
٢ - أن يكون من يقظان: فيجب الغسل، وأشار إليه بقوله: (وَتُعْتَبَرُ لَذَّةٌ) عند خروجه (فِي غَيْرِ نَائِمٍ وَنَحْوِهِ)، كمجنونٍ ومغمًى عليه، لا إن خرج بدون شهوةٍ؛ لحديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا فَضَخْتَ المَاءَ فَاغْتَسِلْ» [أحمد: ٨٦٨، وأبو داود: ٢٠٦، والنسائي: ١٩٣]، والفضخ: هو خروجه بالغلبة، يعني: باللَّذَّة والدَّفع، فدلَّ على أنَّه إذا خرج بدون لذَّةٍ وإنَّما بسبب بردٍ أو مرضٍ لم يجب الغسل.
(وَ) الثَّالث: الجماع؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ»، وفي رواية لمسلمٍ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» [البخاري: ٢٩١، ومسلم: ٣٤٩]، والجماع الموجب للغسل هو: (تَغْيِيبُ) جميع الـ (حَشَفَةِ)؛ وهي رأس الذَّكر، فلا غسلَ إذا مسَّ الختانُ الختانَ، ولا بإيلاج بعض الحشفة، الـ
[ ٥٦ ]
(أَصْلِيَّةِ)، فلا غسلَ بتغييب حشفةٍ زائدةٍ، أو من خنثى مشكلٍ؛ لاحتمال الزِّيادة، (أَوْ) تغييب (قَدْرِهَا) أي: الحشفة من مقطوع الحشفة، (فِي فَرْجٍ أَصْليٍّ)، وإن لم يُنْزِلْ، (وَلَوْ) كان الفرج الأصليُّ (دُبُرًا)؛ لأنَّه فرجٌ.
- فرعٌ: يجب الغسل بتغييب الحشفة ولو كان الفرج (لِبَهِيمَةٍ)؛ لأنَّه إيلاجٌ في فرجٍ أصليٍّ، أشبه فرج الآدميَّة.
وقيل: لا يجب الغسل بوطء البهيمة؛ لأنَّ هذا الفرج غير منصوصٍ عليه.
- فرعٌ: يجب الغسل بتغييب الحشفة، سواءً كان الفرج لحيٍّ (أَوْ) كان الفرج لـ (مَيْتٍ مِمَّنْ يُجَامَعُ مِثْلُهُ)؛ وهو ابن عشرٍ، وبنت تسعٍ، (وَلَوْ) كان (نَائِمًا)؛ لعموم حديث: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ».
(وَ) الرَّابع: (إِسْلَامُ كَافِرٍ؛ وَلَوْ) كان (مُرْتَدًّا أَوْ لَمْ يُوجَدْ مِنْه فِي كُفْرِهِ مَا يُوجِبُهُ)، أي: الغسل، ولو كان مميِّزًا فأسلم، وهو من المفردات، واختاره ابن القيَّم؛ لما روى قيس بن عاصمٍ ﵁: «أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [أحمد: ٢٠٦١١، وأبو داود: ٣٥٥، والترمذي: ٦٠٥، والنسائي: ١٨٨]، وأمرُه للواحد أمرٌ لجميع الأمَّة.
[ ٥٧ ]
واختار شيخ الإسلام: لو اغتسل الكافر حال كفره بسببٍ يُوجِب الغسلَ، ثمَّ أسلم؛ لا يلزمه إعادته إن اعتقد وجوبه؛ بناءً على أنَّه يُثَاب على طاعته في الكفر إذا أسلم.
(وَ) الخامس: (خُرُوجُ) دم (حَيْضٍ)؛ لقوله ﷺ لفاطمةَ بنت أبي حُبَيْشٍ ﵂: «وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» [البخاري: ٣٢٠، ومسلم: ٣٣٣].
(وَ) السَّادس: (خُرُوجُ دَمِ نِفَاسٍ)؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ سمَّى الحيض: «نفاسًا»، فقال لعائشةَ لما حاضت: «لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟» [البخاري: ٣٠٥، ومسلم: ١٢١١]، ولا خلاف في وجوب الغسل عليهما، قاله في «المغني»، (فَلَا يَجِبُ) غسلٌ (بِوِلَادَةٍ عَرَتْ عَنْهُ) أي: عن الدَّم؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوص.
(وَ) السَّابع: (مَوْتٌ)، فإذا مات المسلم وجب تغسيله؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ في الَّذي وقصته ناقته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦].
- فرعٌ: يجب غسل الميت (تَعَبُّدًا)، لا عن حدثٍ؛ لأنَّه لو كان عنه لم يرتفع مع بقاء سببه، كالحائض لا تغتسل مع جريان الدَّم، ولا عن نجسٍ؛ لأنَّه لو كان عنه لم يطهر، مع بقاء سبب التَّنجيس وهو الموت.
- فرعٌ: يُغَسَّلُ الميت (غَيْرَ):
[ ٥٨ ]
١ - (شَهِيدِ مَعْرَكَةٍ): وهو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فيحرم تغسيله؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ» [البخاري: ١٣٤٧].
٢ - (وَمَقْتُولٍ ظُلْمًا): يحرم تغسيله، وهو من المفردات؛ لحديث سعيد بن زيدٍ ﵁ مرفوعًا: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [أحمدُ: ١٦٥٢، وأبو داود: ٤٧٧٢، والترمذي: ١٤٢١، والنسائي: ٤٠٩٥]، فسمَّى النبي - ﷺ - هؤلاء: «شهداء»، والشَّهيد لا يُغَسَّل.
وعنه، واختاره الموفَّق وفاقًا للثَّلاثة: يُغَسَّل المقتول ظلمًا؛ لأنَّ عمرَ وعثمانَ وعليًّا - ﵃ - قُتلوا ظلمًا وقد اتَّفق الصَّحابة - ﵃ - على تغسيلهم.