و(لَا) يضرُّ بقاء (لَوْنِ) النَّجاسة فقط، (أَوْ رِيحِ) النَّجاسة فقط، (أَوْ هُمَا) أي: اللَّون والرِّيح معًا، (عَجْزًا) أي: عند عدم القدرة على إزالته؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ خولةَ بنت يسارٍ أتت النَّبيَّ ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ إنَّه ليس لي إلَّا ثوبٌ واحدٌ، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: «إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ». فقالت: فإن لم يخرج الدَّم؟ قال: «يَكْفِيكِ غَسْلُ الدَّمِ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُه» [أحمد: ٨٧٦٧، أبو داود: ٣٦٥]، فإن بقي اللَّون أو الرِّيح أو هما معًا مع القدرة على إزالتهما؛ فإنَّه يضرُّ؛ لبقاء عين النَّجاسة.
[ ٧٨ ]
النَّوع الثَّالث: نجاسةٌ مخفَّفةٌ: وهي شيئان:
١ - (وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ غُلَامٍ) لا غائطه، ولا بول جاريةٍ وغائطها، فإنَّها من النَّجاسة المتوسِّطة، إذا كان الغلام (لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا لِشَهْوَةٍ نَضْحُهُ، وَهُوَ غَمْرُهُ بِمَاءٍ) وإن لم يقطر منه شيءٌ؛ لحديث أمِّ قيسٍ بنت محصنٍ ﵂: «أنها أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» [البخاري: ٢٢٣، ومسلم: ٢٨٧]، وقولها: «لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ» أي: بشهوةٍ واختيارٍ، لا عدم أكله بالكليَّة؛ لأنَّه يُسْقَى الأدوية والسُّكَّر حين الولادة، والتَّفريق بين الغلام والجارية؛ لحديث أبي السَّمح ﵁ مرفوعًا: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلَامِ» [أبوداود: ٣٧٦، النسائي: ٣٠٤، ابن ماجهْ: ٥٢٦].
فإن كان الغلام يأكل الطَّعام بشهوةٍ، بحيث يتتَّبع الطَّعام ويشتهيه؛ فإنَّ بوله من النَّجاسة المتوسِّطة.
٢ - قيء الغلام الَّذي لم يأكل الطَّعام لشهوةٍ، فيكفي فيه النَّضح أيضًا؛ لأنَّه أخفُّ من بوله فيكفي نضحه بطريق الأَوْلى.
[ ٧٩ ]
القسم الثَّاني: أن تكون النَّجاسة على الأرض ونحوها: وأشار إليه بقوله: (وَفِي نَحْوِ صَخْرٍ، وَأَحْوَاضٍ، وأَرْضٍ تَنَجَّسَتْ بِمَائِعٍ -وَلَوْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ- مُكَاثَرَتُها بِمَاءٍ) من غير اعتبار عددٍ، (حَتَّى يَذْهَبَ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَرِيحُهَا)؛ لحديث أنسٍ ﵁: أنَّ أعرابيًّا بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله ﷺ: «لَا تُزْرِمُوهُ»، ثمَّ دعا بدلوٍ من ماءٍ فصبَّ عليه. [البخاري: ٦٠٢٥، مسلم: ٢٨٤]، وليس فيه ذكر عددٍ معيَّنٍ، ودفعًا للحرج والمشقَّة، فإن بقي لون النَّجاسة أو ريحها لم تطهر؛ لأنَّه دليل بقائها، (مَا لَمْ يَعْجِزْ عَنْ إِذْهَابِهِمَا أَوْ إِذْهَابِ أَحَدِهِمَا)؛ فتطهر كغير الأرض، (وَلَوْ لَمْ يَزَلِ المَاءُ فِيهِمَا أَيْ: فِي) المنضوح من (بَوْلِ الغُلَامِ، وَفِي الأَرْضِ وَنَحْوِهَا، فَيَطْهُرَانِ مَعَ بَقَاءِ المَاءِ عَلَيْهِمَا)؛ لظاهر ما تقدَّم من الأدلَّة.