بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنفسِنا وسَيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، ونَشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آلِه وصَحبِه وسلَّم تَسليمًا كَثيرًا.
أمَّا بعدُ:
فهذا شرحٌ لطيفٌ، وتعليقٌ منيفٌ، على متنِ (بِدَايَةِ العَابِدِ وَكِفَايَةِ الزَّاهِدِ (١)، للعلامةِ الفقيهِ عبدِ الرَّحمن بنِ عبدِ الله بنِ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ مُصطفى الحلبيِّ البَعليِّ الدِّمشقيِّ الحنبليِّ، الَّذي ابتدأ طريقَ العلمِ في سِنٍّ مُبكرةٍ، فأفاد مِن مشايخِ عصرِه، واشتَغل بعلماءِ وقتِه، ولازَم مِن كُلِّ أهلِ فنٍّ رَمزَه، حتَّى قال عن نفسِه: (أَخذْتُ عن مَشايِخَ كثيرين يطولُ ذِكرُهُم)، فبَرَع في العلومِ، وَفَاق أقرانَه في الفهومِ، وصار ثناءُ العلماءِ عليه في كتبِهِم مَسطورًا، وفي مؤلفاتِهِم مَرقومًا، فقال ابنُ بَدرانَ: (كان فَقيهًا، مُتَفنِّنًا، أَديبًا، شاعِرًا)، ووُصِف بالعبادةِ والصَّلاحِ،، غَفَر الله له، وأسكنه أعلى مَنازِلِ بِلادِ الأفراحِ.
وكانت مُصنَّفاتُه في سائِرِ الفنونِ كثيرةً، والعلومُ التي أَوْدَعَها فيها
_________________
(١) اعتمدنا في إثبات المتن، على نسخة الشَّرح (بلوغ القاصد جل المقاصد)، وهي نسخةٌ بخط المؤلف، نسخها في شهر الله المحرم سنة (١١٧١ هـ)، وتقع في (٦٣) ورقة، مصدرها: مكتبة الأسد الوطنية برقم: ٣٣٧٩١.
[ ٥ ]
غَزِيرةً، وكان مِن أَبْرَزِها: (كَشْفُ المُخَدَّرَاتِ) الَّذي شَرَح فيه كتابَ شَيخِ مَشايِخِه ابنِ بَلْبانَ: (أَخْصَرَ المُخْتَصَرَاتِ (١)، و(بُلُوغُ القَاصِدِ جُلَّ المَقَاصِدِ) الَّذي شَرَح فيه مُختصَرَهُ هذا (بِدايَةَ العَابِدِ)، وهو شَرْحٌ صَغيرٌ لم يَذكُرْ فيه دَليلًا، ولم يَقصِدْ فيه تَطويلًا، وقد مَنَّ اللهُ عليه بالاستِقامَةِ إلى وَفاتِهِ سَنَةَ (١١٩٢ هـ)، فَرَحِمَهُ اللهُ رَحمةً واسِعةً، وأَجْزل له الثوابَ في الآخِرةِ.
ولَمَّا رَأيْنا في مُصَنَّفِه هذا حُسنَ تَصنيفٍ، وبَديعَ تأليفٍ، وصَلاحيَّتَه للمُبتَدي، ونَفْعَه للمُنتَهي، وإنارَتَه للنَّاسكِ المُقتَدي، استعَنَّا المولى في رَقْمِ شرحٍ يُبيِّنُ مُرادَه، ويَحُلُّ ألفاظَه، ويُذلِّلُ صِعابَه، على وجهٍ يَكْشِفُ النِّقابُ عن مَسائلِه، ويَمتزِجُ فيه الشَّرحُ بعِبارتِه، وتَنقسِمُ فيه المسائلُ إلى أقسامِها، وتَتنوَّعُ فيه الفُروعُ إلى أنواعِها، وتَنحصِرُ فيه المباحِثُ إلى أحوالِها، مُشتمِلًا في كُلِّ مَسألةٍ على دَليلٍ أو تعليلٍ، دون إسهابٍ أو تطويلٍ، ولم نَخرُجْ في ذلك كُلِّه عن المُعتَمَدِ عند الحنابِلةِ المتأخِّرين، وكان غَالِبُ استِمْدادِنا مما كَتَبَه عُمْدَةُ المُؤَلِّفِين، الشَّيخُ مَنصورُ بنُ يُونُسَ البُهُوتيُّ ﵀، في كتابَيْهِ: (كَشَّافِ القِنَاعِ)، و(شَرْحِ مُنْتَهَى الإرَادَاتِ).
فإن كان ثَمَّ رَوايةٌ، أو وَجهٌ، أو قَولٌ له حَظٌّ مِن النَّظَرِ ذَكَرْناه؛ إِلفاتًا للطَّالِبِ المُبتَدي لِيَرْشُدَ، وتَنْبيهًا للعالِمِ المُنْتَهِي لِئَلَّا يَنْسَى فَيَفْسُدَ= إلى أنَّ العِلمَ المحبوبَ إلى اللهِ هو العِلمُ الموصِلُ إليه، المعرِّفُ به وبأمرِه ونهيِه،
_________________
(١) لنا عليه شرح اسمه: (الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات) نهجنا فيه نهج هذا الشرح، مع زيادة بسط وتدليل.
[ ٦ ]
وطريقُ ذلِك اتِّباعُ نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، ومُطالَعَةُ فُهومِ سلفِ الأمَّةِ، وما هذه المذاهِبُ الأَربعَةُ المُتَّبَعةُ السُّنِّيَّةُ، وأقاويلُ أئِمَّتِها وعلمائِها الفِقهيَّةُ إلَّا آلةً تَنْسَبِكُ فيها الأبوابُ، وتَنتظِمُ فيها مَسائِلُ العلمِ في الكتابِ، وتُعرَفُ بها مَناطاتُ الأحكامِ، وإشاراتُ الأئمَّةِ الأعلامِ، ويُلمسُ مِن خِلالِها النظائِرُ والمُتَشابِهاتُ، وتَتَّضحُ الفوارِقُ والمُختلِفاتُ، فَيَتَمَكَّنُ النَّاظِرُ فيها مِن مَعرفِةِ مَوارِدِ الأدلَّةِ، وسَننَ استنباطِ الحُكمِ والعلَّةِ، فإذا خالَفَ قَولُ إمامٍ مِن الأئمَّةِ - بعدَ اجتهادٍ ونظرٍ - مَدلولَ الكتابِ والسُّنَّةِ، فقد وَقَع أجرُه على اللهِ، ولا يَسوغُ لنا مُتابعتُه في ذلك، بل المُتَعيِّنُ أنْ يَسيرَ الموفَّقُ مِن المُتعلِّمِين في طريقِه بِعَينيْنِ، ويَلْحَظَ في سَبيلِه بِنَظريْنِ، فَعَينٌ تَلحظُ عُلومَ الأوَّلينَ، وتَتَرحَّمُ على علمائِه السَّالِفينَ، وعَينٌ تَلحظُ مُرادَ اللهِ، وتَأْرِزُ إلى النُّصوصِ الموصلةِ إلى محبوبِ الإلهِ، فَيَعبدُ اللهَ على بَصيرةٍ، ويَسلَمُ مِن الوُقوعِ في المَزالِقِ الخَطيرَةِ، فتلِك واللهِ الطَّريقُ الوسطُ، الَّتي لا وَكْسَ فيها ولا شَطَط، أقامَنا اللهُ على السَّبيلِ المستقيمِ، وألْزَمَنا هَديَ نبيِّه القويمِ، وغَفَر لنا زَلَّاتِنا إنَّه غفورٌ رحيمٌ.
ثُمَّ إنَّ مِن علاماتِ التَّوفيقِ، سُلوكَ المُتعلِّمِ الجَادَّةَ المَألوفَةَ في التَّعلُّمِ، وإنزالَ المَطايا عندَ كلِّ مَتنٍ بِحفظِ مَسائِلِه، وتَكرارِ النَّظرِ في دَلائلِه، حتَّى يَقضِيَ فِيه نَهمَتَه، ويَقْطُفَ مِنه ثَمَرتَه، ثُمَّ يَرتقي إلى ما بعدَه ممَّا هو أعلى منه رُتبةً، وأَمتنُ منه فائِدةً، فيُكرِّرُ تلك المسائلَ مَرَّةً أُخرى بمعناها، ويَستزيدُ مَسائِلَ أُخرى حتَّى يَبلُغَ مُنتَهاها، فيَشتَدَّ عُودُ عَقلِه، ويَقوى صُلبُ فَهمِه، ويَأنَسَ مِن نفسِه قُدرةً على المُطالعةِ والمُناقشةِ.
[ ٧ ]
وإنَّ الطُّرقَ في ذلك مُتَّسعةٌ، والوسائِلَ مُتنوِّعةٌ، وممَّا يَحسُنُ في ذلك: أنْ يَبتدِئَ الطَّالبُ النَّبيهُ بدِراسةِ (بِدايَةِ العَابِدِ) على النَّمَطِ السَّابِقِ، ثُمَّ (أَخْصَرِ المُخْتَصَرَاتِ)، ثُمَّ (زَادِ المُسْتَقْنِعِ)، فإذا قَضى مِن ذلك عَرَف الطَّريقَ بإذنِ اللهِ تَعالى.
وقد سَمَّينا هذا الشَّرْحَ: (مُنْيَةَ السَّاجِدِ فِي شَرْحِ بِدَايَةِ العَابِدِ وَكِفَايَةِ الزَّاهِدِ)، مع اعتِرافِنا بالعجزِ والتَّقصيرِ، واللهُ المسؤولُ أنْ يَجعلَه مُنيةً للرَّاغِبِ، وغُنيةً للطَّالِبِ، وطُعمةً للرَّاهِبِ، إنَّه سَميعٌ مُجيبٌ.
[ ٨ ]
(بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم)
ابتدأ المصنِّف كتابه بالبسملة؛ تأسيًّا بالكتاب العظيم، واقتداءً بالنَّبيِّ الكريم.
والجار والمجرور في قوله: (بِسْمِ) متعلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ مؤخَّرٍ مناسبٍ للمقام، وتقديره هنا: باسم الله أؤلِّف، والمعنى: أؤلِّف مستعينًا بجميع أسماء الله الحسنى المتضمِّنة لصفاته العليا، متبرِّكًا بذكرها حال تأليف هذا المختصر.
و(اللهِ): عَلَمٌ على الباري جلَّ وعلا. و(الرَّحْمَنِ): اسمٌ من أسماء الله المختصَّة به، لا يُطلَق على غيره، ومعناه: المتَّصف بالرَّحمة الواسعة، و(الرَّحِيمِ): من أسماء الله أيضًا، ومعناه: ذو الرَّحمة الواصلة.
و(الحَمْدُ): هو وصف المحمود بصفات الكمال على وجه المحبَّة والتَّعظيم، سواءً كان في مقابلة نِعمةٍ أم لا، واللَّام في (الحَمْدُ) للاستغراق أو الجنس، فكلُّ أنواع المحامد أو جنسها مستحقَّةٌ ومملوكةٌ (لِله) تعالى؛ لكماله في أسمائه وصفاته وأفعاله.
[ ٩ ]
(الَّذِي فَقَّهَ) أي: فهَّم (فِي الدِّينِ) وهو ما شرعه الله تعالى من الأحكام، (مَنْ شَاءَ) أي: أراد، (مِنَ العِبَادِ، وَوَفَّقَ)، والتَّوفيق: ألَّا يَكِل اللهُ الإنسانَ إلى نفسه، (أَهْلَ طَاعَتِهِ لِلْعِبَادَةِ وَالسَّدَادِ)، أي: الصَّواب من القول والعمل.
(وَالصَّلاةُ) على نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ، وهي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، (وَالسَّلَامُ) أي: السَّلامة من النَّقائص والرَّذائل (عَلَى سَيِّدِنَا) والسَّيد: مَن ساد في قومه، (مُحَمَّدٍ) ﷺ، سُمِّيَ به لكثرة خصاله الحميدة، وشمائله المجيدة، (الهَادِي) هداية دلالةٍ وإرشادٍ، (إِلَى طَرِيقِ الرَّشَادِ) أي: الصَّواب؛ كما قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: ٥٢]، (وَعَلَى آلِهِ) وهم أتباعه على دينه؛ لأنَّ الله تعالى أطلق الآل على الأتباع في الدِّين، فقال: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٦]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّهم أهل بيته.
(وَ) على (صَحْبِهِ) جمع صاحبٍ، بمعنى الصَّحابي: وهو من اجتمع بالنَّبيِّ صلَّى لله عليه وسلَّم مؤمنًا به ومات على ذلك، (السَّادَةِ) من السِّيادة (القَادَةِ) أي: المقتدى بهم، (الأَمْجَادِ) جمع ماجدٍ، والمجد: نيل الشَّرف والكرم، فوصف
[ ١٠ ]
الصَّحابة ﵃ بثلاثة أوصافٍ يستحقُّونها وأكثرَ، وقد أثنى الله عليهم في كتابه دون قيدٍ فقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) [التوبة: ١٠٠]، (وَعَلَى تَابِعِيهِمْ) أي: تابع الصَّحب في الاعتقاد والأقوال والأفعال، وقد أثنى الله عليهم بقيدٍ فقال: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [التوبة: ١٠٠]، ولذا قال المؤلِّف: (بِإِحْسَانٍ)، فهنيئًا لمن أحسن في اتِّباع الصَّحابة الكرام يوم القرار، ومن يخالف طريقهم فقال الله تعالى في حقِّه: (ومن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ١١٥]، فاللَّهُمَّ صلِّ عليهم (صَلَاةً دَائِمَةً مُتَّصِلَةً) لا ينقطع مددها (إِلَى يَوْمِ المَعَادِ) أي: القيامة.
(أَمَّا بَعْدُ)، بالبناء على الضَّمِّ، أي: بعْدَ ما ذُكر من حَمْد الله والصَّلاة والسَّلام على رسوله، وهي كلمةٌ يُؤْتَى بها للشُّروع في المقصود، ويُسْتَحَبُّ الإتيان بها في المكاتبات؛ اقتداءً به ﷺ.
(فَقَدِ اسْتَخَرْتُ اللهَ تَعَالَى) أي: طلبت منه الخيرة في أمري، (فِي جَمْعِ مُخْتَصَرٍ) وهو ما قلَّ لفظه وكثر معناه، (مُفِيدٍ، مُقْتَصِرًا فِيهِ عَلَى) بيان أحكام (العِبَادَاتِ؛ تَرْغِيبًا لِلمُرِيدِ، وَتَقْرِيبًا لِلمُسْتَفِيدِ، فِي فِقْهِ) مذهب (الإِمَامِ) أي:
[ ١١ ]
المقتدى (المُبَجَّلِ) أي: المعظَّم (أَبِي عَبْدِالله أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ) الشَّيبانيِّ، (وَسَمَّيْتُهُ) أي: هذا الكتاب: («بِدَايَةَ العَابِدِ وَكِفَايَةَ الزَّاهِدِ»، وَمِنَ الله تَعَالَى) لا من غيره (أَرْتَجِي لَهُ) أي: لهذا الكتاب (القَبُولَ، وَالنَّفْعَ لِكُلِّ مَنِ اشْتَغَلَ بِهِ؛ مِنْ سَائِلٍ وَمَسْؤُولٍ، إِنَّهُ) ﵎ (أَكْرَمُ مَأْمُولٍ)
[ ١٢ ]