التيمم في اللغة: القصد، وفي عرف الفقهاء: استعمالُ ترابٍ مخصوصٍ، في أعضاءٍ مخصوصة، من شخص مخصوص، في وقت مخصوص.
(يصح) أي التيمم (بشروط ثمانية:
الأول: (النية).
(و) الثاني: (الإِسلام) فلا يصح من كافر.
(و) الثالث: (العقل) فلا يصح من غير عاقل.
(و) الرابع: (التمييز) فلا يصح قبله.
(و) الخامس: (الاستنجاء أو الاستجمار) المستوفيان للشروط.
(والسادس: دخول وقت الصلاة) التي يريد أن يتيمم لها، من فرضٍ، أو راتبةٍ، أو صلاة ضحًى. ويصح لفائتةٍ إذا ذكرهها وأراد فعلها، (فلا يصح التيمم لصلاةٍ قبل وقتها) وإنما جاز الوضوء قبل الوقت لكونه رافعًا للحدث، بخلاف التيمم فإنه طهارة ضرورة، فلا يجزئ (١) قبل الوقت، كطهارة المستحاضة.
(ولا) يصح التيمم (لنافلةٍ وقتَ نهي) لأنه ليس وقتًا له. ويصح
_________________
(١) في ف: فلم يُجَزْ.
[ ١ / ٨٥ ]
لركعتي طوافٍ كلَّ وقتٍ لِإباحتهما إذن.
(السابع): من شروط صحة التيمم (تعذّر استعمال الماء، إما لعدمهِ) أي الماء، إما بحبس الماء عنه، أو حبسِهِ عن الماء، أو قطعِ عدوٍّ ماءَ بلده، أو عجزٍ عن تناول الماء من بئر أو غيره ولو بفم، لفقد آلةٍ يتناول بها، كمقطوع اليدين، والصحيح الذي لا يجد ما يستقي به من حبلٍ أو دلوٍ أو غيرِهما.
ولا فرق في ذلك بين كونه مقيمًا أو مسافرًا سفرًا طويلًا أو قصيرًا.
فمن اتصف بصفة من هذه الصفاتِ جاز له أن يتيمم.
(أو لخوفِهِ) أي المتيمم (باستعمالِهِ) أي الماء (الضررَ) من بردٍ شديدٍ، أو فوتِ رفقةٍ، أو مالٍ، أو خافَ عطَشَ نفسِهِ أو غيرِه من آدميٍّ أو بهيمةٍ محترمين، أو احتياجِهِ لطبخٍ أو عجن.
فمن خاف شيئًا من ذلك أبيح له التيمم.
أو لا يجده إلا بزيادةٍ كثيرةٍ عادةً على ثمنِ مثلٍ في ذلك المكان الذي هما به.
(ويجب) على من معه ماء يستغني عن شربه (بَذْلُهُ للعطشانِ) ولو كان الماءُ نجسًا، لأنه إنقاذٌ من مهلكةٍ، كإنقاذ الغريق، وعُلِمَ منه أن الطاهرَ يجبُ بذْلُهُ بالأولى (من آدميٍّ، أو بهيمة) محترمين.
(ومن وَجَدَ ماء) وهو محدِثٌ أو جُنبٌ (لا يكفي لطهارته استعمله فيما يكفي وجوبًا، ثم تيمّم) للباقي من أعضاءِ طهارته الذي لم يجدْ له ماءً. ولا يصح تيمُّمُه قبل استعماله إذا لم يحتج إليه كما تقدم. وإنما لزمه استعماله لأنه قدر على بعض الشرط، فلزمه فعله، كبعض السترة (١). وكما لو كان بعض بدنه جريحًا وبعضُه صحيحًا، فإنه يلزمه
_________________
(١) أي فكذلك إن وجد بعض اللباس لستر العورة وجب استعماله ولو لم يستر كل العورة.
[ ١ / ٨٦ ]
غسل الصحيح. قاله في شرح المنتهى لمؤلفه.
وإن وجد ترابًا لا يكفيه للتيمم استعمله وصلى. قاله في شرح الإِقناع. قلت: ولا يزيد على ما يجزئ على ما يأتي.
وظاهره: ولا إعادة. وفي الرعاية: ثم يعيد الصلاة إن وجد ما يكفيه من ماء أو تراب، انتهى.
(وإن وصل المسافر إلى الماء وقد ضاق الوقت) عن طهارته به، (أو) لم يضق الوقت عن الطهارة به، ولكن (علم أن النَّوْبَةَ) أي نوبة استقائه منه (لا تصل إليه إلا بعد خروجِهِ) أي بعد خروج الوقت، أو علمه المسافر العادم للماء قريبًا عُرْفًا، أو دلَّه عليه ثقةٌ قريبًا عُرْفًا، وخافَ بطلبِهِ فوتَ الوقتِ، أو دخولَ وقتِ الضرورةِ، أو فوتَ غرضِهِ المباح (عَدَل إلى التيمم) لأنه غير قادرٍ على استعماله في الوقت، أشبه العادم له.
(وغيره) أي غير المسافر فيما ذكر (لا) يَعدِلُ إلى التيمم (ولو فاتَهُ الوقت) كمن خاف فوت جنازة، وعيد إذا توضأ، فلا يجوز له التيمم.
(ومن في الوقت) أي وقت الصلاة الحاضرة (أراق الماء، أو مرَّ به وأمكنه الوضوء منه، ويعلم أنه لا يجد غيرَهُ) ولم يتوضأ منه، أو باعَهُ، أو وهَبَهُ، وقد دخل الوقت، ولم يترك منه ما يتطهر به (حَرُم) عليه ذلك، ولم يصح البيع ولا الهبة، لتعلُّقِ حق الله تعالى به، كالأضحية المعينة.
(ثم إن) لم يجد غيره، و(تيمَّم وصلَّى لم يُعِدْ) لأنها صلاة بتيمم صحيح، لعدم القدرة على الماء حينئذ، أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت.
(وإن وجد محدِثٌ ببدنه أو ثوبه نجاسةٌ) لا يُعفى عنها (ماءً) مفعول وجد (لا يكفي) للحديث والنجاسة (وجب غَسْلُ ثوبِهِ) أوَّلًا، لأنه
[ ١ / ٨٧ ]
لا يصح التيمم عنه. ظاهره أنَّ شرطه أن يكون يكفي للسبعِ غَسَلاتٍ في نجاسة الثوب أو البدن. وإلاَّ فحكمه حكم عادمه. انتهى.
(ثم إنْ فَضَلَ) بعد إزالة النجاسة عن ثوبه (شيء غَسَل بدنه).
(ثم إن فضل) بعد ذلك (شيءٌ تطهَّر به. وإلا) بأن لم يفضلْ شيء (تيمَّمَ) وجوبًا.
وإن كان على بدنه نجاسة، وهو محدث، والماءُ يكفي أحَدَهما غَسَل النجاسة ثم تيممَ عن الحدث، إلا أن تكون النجاسة في محلٍّ يصحُّ تطهيره من الحدث، فيستعمله فيه عنهما.
(ويصحّ التيمم لكل حدثٍ) أما للحدث الأصغر فبالاتفاق، وأما للأكبر ففي قول أكثر العلماء.
وحكم الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما حكم الجنب.
(و) يصح التيمم (للنجاسة) إذا كانت (على البدن). قال أحمد: هو بمنزلة الجنب، يتيمم. (بعد تخفيفها) عن بدنه (ما أمكن) بمسحِ رَطْبِهِ، وحكِّ يابِسِهِ لزومًا. ولا إعادة عليه. ولا فرق بين كون النجاسةِ على موضعٍ صحيحٍ أو جريحٍ. قاله في شرح المنتهى. (فإن تيمم لها قبل تخفيفها لم يصحّ).
قال في شرح المنتهى: وعلم مما تقدم أنه لا يتيمم للنجاسة على الثوب، ولا على المكان.
الشرط (الثامن: أن يكون) التيمم (بترابٍ) فلا يجوز بالرمل والنورة والجِصِّ ونَحِيتِ الحجارة وما في معنى ذلك.
(طهورٍ) فلا يجوز التيمم بترابٍ تيُمِّمَ به، لزوال طهوريته باستعماله، وذلك هو التراب المتناثر عن الوجه واليدين بعد مسحهما به، والباقي عليهما.
[ ١ / ٨٨ ]
(مباحٍ) لا يجزئ التيمم بترابٍ مغصوبٍ.
(غيرِ محترقٍ) فلا يجوز بما دُقَّ من خزفٍ، أو آجُرٍّ، ونحوهما، لأن الطبخَ أخرجَه عن أن يقع عليه اسم التراب.
(له غبارٌ يَعْلَقُ باليد) أو غيرها. وخرج بِذلك السَّبِخَةُ وغيرها مما ليس له غبار يَعْلَقُ باليد، فإنه لا يصح التيمم به.
وشمل كلامُة ما لو ضرب على لِبَدٍ، أو بساطٍ، أو صخرةٍ، أو حيوانٍ، أو بَرْذَعَةِ حمارٍ أو شجرٍ، أو خشب، أو عِدْلِ شعيرٍ، أو نحوِهِ مما عليه غبار يعلق باليد، فإنه يصح التيمم به.
وإن خالط الترابَ ذو غبار كالجصّ والنورة، فإن كانت الغلبة للتراب جاز التيمم، وإن كانت الغلبة للمُخالِطِ لم يجز التيمُّم به، قياسًا على الماء. قاله في شرح المنتهى.