إلخ: إلى آخره.
ب: نسخة طبعة بولاق من نيل المآرب.
ص: نسخة طبعة صبيح.
ف: النسخة المخطوطة بمكتبة وزارة الأوقاف بالكويت.
الأصول: عبارة عن النسخ الثلاث إذا اتفقت.
كـ: حواشٍ على الطبعة التي أخرجتها بالكويت مطبعة مؤسسة المرزوَق مصورة عن الطبعة البولاقية.
م: لسنوات التقويم الميلادي.
هـ: لسنوات التقويم الهجري.
[ ١ / ٣٠ ]
نيل المآرب
بشرح دليل الطالب
للشيخ عبد القادر بن عمر الشيباني
المشهور بابن أبي تغلب
على مذهب الإمام المبجّل أحمد بن حنبل - ﵁ -
الجزء الأول
حققه
الدكتور محمد سليمان عبد الله الأشقر
[ ١ / ٣١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المنفرد بصفات الكمال، المنعوت بنعوت الجلال والجمال، المتحبّب إلى خلقه بالإِنعام والإِفضال، والعطاء والنوال، المحسن على ممر الأيام والليال. أحمده حمدًا لا تغيّر له ولا زوال، وأشكره شكرًا لا تحوّل له ولا انفصال.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا مِثْلَ له ولا مثال، شهادةً أدّخرها ليومٍ لا بيعٌ فيه ولا خلال.
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى أصح الأقوال وأسدّ الأفعال، اُلمحْكِمِ للأحكام، والمميِّز بين الحرام والحلال. ﷺ وعلى آله وأصحابه، خير صحب وآل، صلاةً دائمة بالغدوّ والآصال.
(أما بعدُ)، فإن الاشتغال بالعلم من أفضل القربات، وأجلّ الطاعات، وآكد العبادات، خصوصًا علم الحلال والحرام، الذي به قوام الأنام، وُيتَوصَّل به إلى العلم بالأولى والأخرى، وتحصل به السعادة في الأولى والعقبى.
ولما رأيت الكتاب الموسوم بـ "دليل الطالب لنيل المطالب" تأليف الشيخ الإِمام، والحبر البحر الهُمام، مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي
[ ١ / ٣٣ ]
تغمده الله برحمته، ورضوانه وأسكنه فسيح جنانه - في غاية الوقع، وأعظم النفع، من سائر المختصرات. لم يأت أحد بمثاله ولا نسج على منواله، غير أنه يحتاج إلى شرح يُسْفِرُ عن وجوه مخدراته النقاب، ويُبْرِزُ من خفيّ مكنونه ما وراء الحجاب، فاستخرت الله تعالى، وطلبت منه المعونة والرشاد والسداد، وسألته أن يُمِدَّني بمدده. وأسأل من وقف عليه أن يَسْتُرَ زَلَلِي، فإنَ بضاعتي مزجاة، ولست من أهل هذا الميدان. ولكن علقته لنفسي، ولمن شاء الله تعالى من بعدي.
وسميته (نيل المآرب بشرح دليل الطالب) (١) والله أسأل أن ينفع به من اشتغل به وأن يجعله خالصًا لوجْهه الكريم، مقربًا لديه في جنات النعيم. إنه رؤوف رحيم.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ابتدأ المصنف كتابه بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز، وعملًا بحديث "كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبْدَأ فيه بِبِسْمِ الله الرحمنِ الرحيم فهو أبتر" (٢) أي ناقص البركة. و"الله" عَلَمٌ على الذات الواجبِ الوجود، المستحِقّ لجميع المحامد. و"الرحمن الرحيم" وصفان لله تعالى، مشتقان من الرحمة. ومعنى "الرحمن" المفيض لجلائل النعم، و"الرحيم" المفيض لدقائقها.
(الحمد لله) أي الوصف بالجميل الاختياري على قصد التعظيم والتبجيل ثابت لله تعالى. و"الحمد" عُرْفًا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم على الحامد أو غيره. (ربِّ العالمين) أي مالك جميع
_________________
(١) في ف: "نيل المطالب " والصواب ما أثبتناه.
(٢) الحديث بلفظ "كل أمرٍ ذي بال لا يُبْدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع" رواه عبد القادر الرّهَاوي في الأربعين من رواية أبي هريرة. وضعفه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ضعيف الجامع الصغير) وبلفظ "أبتر" رواه الخطيب في الجامع (عبد الغني).
[ ١ / ٣٤ ]
الخلق، من الإِنس والجنّ والملائكة والدواب وغيرهم. وكل منها يطلق عليه "عالمٌ" يقَال: عالَم الإِنس، وعالَم الجن، إلى غير ذلك. وهو من العلامة، لأنه علامة على موجِدِه.
(وأشهد) أي أعْلَمُ (أن لا إله) أي معبود بحق في الوجود (إلا اللهُ وحده لا شريك له) في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (مالك يوم الدين) أي يوم الجزاء، وهو يوم القيامة. وخُصَّ بالذكر لأنه لا مُلْك (١) ظاهر لأحد إلا لله ﷾.
(وأشهد) أي أعلم (أن محمدًا) سمي به لكثرة خصاله الحميدة (٢) (عبدُه) قال أبو علي الدقاق: ليس شيء أشرفَ ولا أتمَّ للمؤمن من الوصف بالعبودية (٣) (ورسولهُ) إلى الخلق أجمعين. والرسول إنسان أٌوحِيَ إليه بشرع وأُمِر بتبليغه، أخصُّ (٤) من النبي (المبيِّن) الموضِّح الأحكام شرائع الدين) من حلالٍ وحرامٍ ومكروه ومباحٍ ومندوب [وواجب] (٥) (الفائزُ بمنتهى الإِرادات من ربه) من النظر إلى ربه بعينيْ رأسه الشريف (٦)، والشفاعة العظمى، وغيرهما مما لا يحصى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (فمن تمسَّك بشريعته) باتباع الأوامر، واجتناب المناهي (فهو من
_________________
(١) أي لا ملك في ذلك اليوم ظاهر .. أما في الدنيا فيدعيه أناس.
(٢) أي تفاؤلًا بأن يكون كذلك، على العادة في تسمية الأطفال.
(٣) ولهذا وصف الله تعالى نبيه - ﷺ - بالعبودية في أشرف مقاماته، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ وقال ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ وقال ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وقال الشاعر: لا تدعُني إلا بيا عَبْدَها فإنه أشرف أسمائي اهـ (كـ)
(٤) في ف: فهو أخصّ.
(٥) زيادة يقتضيها التقسيم.
(٦) على أحد قولين للعلماء. والثاني: أنه - ﷺ - رآه بقلبه. قالت عائشة ﵂: من زعم أن محمدا رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية. ويشهد لهذا قول الله تعالى لموسى ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ أي في هذه الدنيا.
[ ١ / ٣٥ ]
الفائزين) دنيا وأخرى (صلى الله وسلم عليه) الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن غيرهم التضرع والدعاء.
وقال بوجوب الصلاة عليه - ﷺ - كلما ذُكِرَ اسمُة جماعة، منهم ابن بطة من الحنابلة، وشيخنا البَلْبَانيُّ، والحُلَيْمِى من الشافعية، واللَّخْمِيّ من المالكية، والطَّحَاوِيُّ من الحنفية (١) (وعلى جميع الأنبياء والمرسلين) عدد ما كان، وعدد ما يكون، وعدد ما هو كائن في علم الله تعالى إلى يوم الدين (وعلى آل كلٍّ) من جميع الأنبياء والمرسلين (وصحبه) نقل الخطيبُ عن الإِمام أحمد، ﵀، قال: أصحاب رسول الله - ﷺ - من صَحِبَه سنةً أو شهرًا أو يومًا أو ساعةً أو رآه فهو من أصحابه" وهذا مذهب أهل الحديث، نقله عنهم البخاري وغيره (٢) (أجمعين) تأكيد للآل والصحب، لإِفادة الإِحاطة والشمول.
(وبعد) يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، أي من كلامٍ إلى كلامٍ آخر، استحبابًا في الخطب والمكاتبات. (فهذا) إشارةٌ إلى ما استحضره في ذهنه، وأقامه مقام الملفوظ المقروء الموجود بالعيان، سواء كانت الخطبة قبل التأليف أو بعده، بناء على أن مسمى الكتاب الألفاظ من حيث دلالتها على المعاني. (مختصر) أي كتابٌ مختصر اللفظ تامُّ المعنى، (في الفقه) وهو لغةً: الفهم، وعُرْفًا: معرفة الأحكام الشرعيّة الفرعية (٣)، بالفعل أو بالقوّة القريبة. والفقيه: من عَرَف جملةً غالبةً منها كذلك، (على المذهب الأحمد) أي المرضيّ، (مذهب) بفتح الميم،
_________________
(١) وأما السلام فهو بمعنى التحية، أو السلامة من الرذائل والنقائص، أو الأمان له ولأمته - ﷺ - (كـ).
(٢) يعني من رآه مؤمنًا ومات على ذلك. وقيل: لا يكون صحابيا إلا من طالت صحبته. وقيل غير ذلك. وانظر فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي ٤/ ٢٨ - ٣١
(٣) أي خلاف الأصولية، فليست معرفة القواعد الأصولية -في الاصطلاح- من الفقه.
[ ١ / ٣٦ ]
هو الطريق. يقال: ذهب مذهبًا حقًا، وذهابًا، وذُهُوبًا. وجمعه مذاهب. (الإِمام أحمد) بن محمد بن حنبل الشيباني (١)، والصديق الثاني، ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة متقلَّبه ومثواه، وجمعنا به في دار كرامته آمين. (بالغت في إيضاحه رجاء الغفران) من الله جل وعلا، (وبَيّنْتُ فيه الأحكام) جمع حكم، وهو: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير (٢)، أو الوضع (٣). (أحسنَ بيان. لم أذكر فيه) أي في هذا المختصر (إلا ما جزم بصحته أهلُ التصحيح والعرفان) من أئمة المذهب، منهم العلامة القاضي علاءُ الدين علي المَرْدَاوِيّ (٤) (وعليه الفتوى فيما بين أهل الترجيح) من أئمة المذهب (والإتقان/ وسميته بـ (دليل الطالب لنيل المطالب).
(واللهَ أسألُ) لا غيرَه (أن ينفع به) كل (من اشتغل به، و) الله أسألُ (أن يرحمني والمسلمين إنه أرحم الراحمين).
_________________
(١) وشيبان حيٌّ من بكر بن وائل (كـ)
(٢) الاقتضاء الطلب. والأحكام الاقتضائية: الايجاب والتحريم والاستحباب والكراهة. أما الحكم التخييري فهو الإباحة.
(٣) الوضع جعل الشيء علامة لشيء. والأحكام الوضعية: السببية، والشرطية، والمانعية. كسببية الزوال لوجوب صلاة الظهر، وشرطية الطهارة لصحة الصلاة، ومانعية الأمومة لصحة عقد النكاح. وبعضهم يضيف الصحة والفساد.
(٤) هو صاحب "الإِنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" و"تصحيح الفروع" وكلاهما مطبوع متداول.
[ ١ / ٣٧ ]