(وشُرِطَ) بالبناء للمفعول، في المؤذّن الذي يعتدّ بأذانه، ستة شروط:
الأول: (كونه مسلمًا) لاشتراط النية فيه، وهي لا تصحُّ من كافرٍ.
_________________
(١) رواه أيضًا أبو داود في كتاب السفر من سننه، وأحمد. وإسناده صحيح.
(٢) المراد بالتحريم تكبيرة الإحرام.
[ ١ / ١١٣ ]
الثاني: كونه (ذكرًا) قال في الفروع: ولا يعتدّ بأذان امرأةٍ اتفاقًا، وخنثى.
الثالث: كونه (عاقلًا) فلا يصح من مجنون، كسائر العبادات.
الرابع: كونه (مميزًا) فلا يشترط أن يكون المؤذن بالغًا.
الخامس: كونه (ناطقًا).
السادس: كونه (عدلًا ولو ظاهرًا) فلا يعتدّ بأذان ظاهرِ الفسقِ، لأنه - ﷺ -: "وصف المؤذنين بالأمانة" (١) والفاسق غير أمينٍ.
قال في الشرح: "فأما مستور الحال فيصح أذانه بغير خلاف علمناه".
(ولا يصحّان) أي الأذانُ والإِقامةُ (قبلَ الوقت) لأن الأذان شُرِع للِإعلام بدخول الوقت، وهو حث على الصلاة، فلم يصحّ في وقتٍ لا تصحُّ فيه الصلاة. والإِقامةُ شرعتُ للإِعلام بالقيامِ للصلاةِ، فلم تصحّ في وقت لا تصح فيه الصلاة (إلا أذانَ الفجر، فيصحُّ بعد نصف الليل) لأن وقتَ الفجر يدخلُ على الناس، وفيهم الجُنبُ والنائم، فاستُحِبَّ تقديمُ أذانِهِ حتّى يتهيأوا لها، فيدركوا فضيلة أول الوقت.
(ورفعُ الصوتِ) بالأذان (ركنٌ) ليحصل السماعُ (ما لم يؤذِّن لحاضِرٍ) فبقدْرِ ما يُسْمِعُه. قال أبو المعالي: رفعُ الصوت بحيث يسمَعُ من تقومُ به الجماعَةُ ركن.
(وسُنَّ) بالبناء للمفعول (كونًهُ) أي المؤذن (صَيِّتًا) أي رفيعَ الصوت، لأن النبي - ﷺ - اختار أبا محذورة للأذان لكونِهِ صَيِّتًا، ولأنه أبلغ في الإِعلام المقصودِ بالأذان.
وَسُنَّ أيضًا كونه (أمينًا) لأنه يؤذن على موضع عالٍ فلا يُؤْمَنُ منه النظر إلى العورات.
_________________
(١) بقوله "الإِمام ضامن، والمؤذن مؤتمن" رواه الشافعي والترمذي من حديث أبي هريرة. وهو صحيح (الإِرواء ١/ ٢٣٢)
[ ١ / ١١٤ ]
وسُنَّ أيضًا كونُهُ (عالمًا بالوقت) ليتحرّاه، فيؤذَنَ في أوله. ولأنه إذا لم يكن عالمًا بالوقت لا يُؤْمَن منه الخطأ. واشترطه أبو المعالي.
وسُنَّ أيضًا كونه (متطهرًا) من الحدثين الأكبر والأصغر.
والإِقامة آكدُ من الأذان، لأنها أقرب إلى الصلاة.
وسن أيضًا كونه (قائمًا فيهما) أي في الأذان والإِقامة، أما في الأذان فَلِمَا رَوَى أبو قتادةَ: "أن النبي - ﷺ - قالَ لبلالٍ قُمْ فأذّن" (١) وكان مؤذنو رسولِ الله - ﷺ - يؤذنونَ قيامًا. وأمَّا في الإِقامة، فلأن المقيمَ يدعو الناس إلى القيامِ إلى الصلاة، والداعي إلى شيءٍ أوْلى بالمبادرة إلى ما يدعو إليه غيرَه، ولأنها أحَدُ الأذانَيْنِ، فشُرِع لها القيام كالآخر. فيكرهان قاعدًا لِغَيْرِ مسافرٍ ومعذور.
(ولكن لا يكره أذانُ المُحْدِث) حدثًا أصغرَ كقراءَةِ القرآن. ويكره أذان جُنُبِ للخلافِ في صحته. (بل) تُكْرَهَ (إقامته) أي المحدث حدثًا أصغر، لَلفصل بينها وبين الصلاة (وُيسَنُّ الأذانُ أوَّلَ الوقتِ) ليصلي المستعجل (٢).
(و) يسن (الترسّل فيه) أي في الأذان، أي يتمهل المؤذّن، ويتأنَّى فيهِ، مِنْ قولِهِم: جاء فلانٌ على رِسْلِه، أيْ على مَهْلِهِ.
ويسن أن يَحْدُرَ الإِقامة.
(و) يسن (أن يكون) الأذان (على عُلوٍ) أي على موضعٍ عالٍ، كالمنارة، ونحوِها، لأنه أبلغ في الإِعلام.
ويسنُّ أن يكون المؤذن (رافعًا وجْهَهُ) إلى السماءِ في حال أذانِهِ.
_________________
(١) حديث "قُمْ فأذِّن" رواه البخارى ومسلم (الإِرواء ١/ ٢٤١).
(٢) (ف): "المتعجل".
[ ١ / ١١٥ ]
قال في الإِنصاف: يرفع وجهَهُ إلى السماء في الأذان كله على الصحيح من المذهب. انتهى. وقيل: عند الشهادتين. وقيل: عند كلمة الإِخلاص.
ويسن أن يكون (جاعلًا سَبَّابَتَيْهِ في) صماخ (أُذُنَيْهِ) لأمره - ﷺ - بلالًا أن يجعل إصبَعَيْهِ في أذنيه.
ويسن أن يكون (مستقبلَ القبلة)، قال في الشرح الكبير: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من السنّة أن يستقبل القبلة بالأذان كله. وذلك لأنّ مؤذني رسول الله - ﷺ - كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة. فإنْ أخلَّ باستقبال القبلة كره له ذلك وصح. انتهى.
و(يلتفت) برأسِهِ وعُنقِهِ وصدره (يمينًا لحيَّ على الصلاة، وشمالًا لحيَّ على الفلاح).
(ولا يزيل قدميه). قال في حاشية المنتهى: قوله: ولا يزيل قدميه، أي سواء كان على منارةٍ أو غيرِها، أو على الأرض. قال في الإِنصاف: وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وجزم به أكثرهم. وقال القاضي والمَجْدُ وَجَمْعٌ: (ما لم يكن بمنارةٍ) ونحوِها.
(و) يسن (أن يقول بعد حَيْعَلَةِ أذان الفجر) وفاقًا لمالكٍ والشافعيِّ، والحيعلة قولُ: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح: (الصلاةُ خيرٌ من النوم. مرتين).
(ويسمَّى) قول: الصلاة خيرٌ من النوم (التثويبَ) لأنه من ثاب -بالمثلثة - إذا رجع، لأن المؤذن دعا إلى الصلاة بالحيعلتين، ثم دعا إليها بالتثويب. وقيل: سمّي به لما فيه من الدعاء.
وظاهره أنه يقوله ولو أذّن قبل الفجر.
ويكره في غيرها، وبين الأذان والإِقامة.
[ ١ / ١١٦ ]
(ويسن أن يتولى الأذانَ والإِقامةَ واحدٌ) أي أن يتولى الإِقامة من يتولى الأذان (ما لم يشقَّ) ذلك على المؤذن، مثلَ أن يؤذن في منارة، أو مكان بعيد عن المسجد، فإنه يقيم في المسجد، لئلا تفوته بعض الصلاة. لكن لا يقيم إلا بإذن الإِمام. قال في الإِنصاف: وهو المذهب، وهو من المفردات.
(ومَنْ جمَع) بين الصلاتين (أو قضَى فوائتَ، أذَّن للأولى) من المجموعتين أو الفوائت (وأقام للكل) أي لكل صلاة.
ولا فرق في ذلك بين كون الجمع تقديمًا أو تأخيرًا.