(قَصْرُ الصلاةِ الرباعيّة) لا الثُّنائيّة والثُّلاثية، فإنه لا يجوز قصرُهما (أفضلُ) من الإِتمام. ولا يكره الإِتمام (لمن نوى سفرًا). هذه عبارةُ المنتهى، والمحرَّر، والتنقيح، وهي أوْلى من قولِ المقنع "مَنْ سَافَرَ" لأنه يَرِدُ عليها من خرج في طلب ضالَّةٍ، أو آبقٍ، حتى جاوز المسافة، فإنه ليس له القصر حيث لم ينوِ. وقال الحَجَّاويّ: ولو قال: "من ابتداءِ السفر" كما في الفروع وغيرها (١)، لكان أجود، لأنه قد يَنْوي ولا يسافر، فإن قيل: قولُهُ بعد ذلك: "إذا جاوزَ بيوتَ قريتِهِ العامِرَة" يدلُّ عليه. قيل: لا بد فيه من إضمارٍ، وهو أن يقال: القَصْرُ إذا جاوزَها مسافرًا وإلاَّ فقد يجاوزُ بيوت قريَتِهِ بعد النّية من غَيْرِ سَفَرٍ.
(مباحًا) (٢) فيدخُلُ فيه الواجبُ كالحجِّ والجهادِ وقضاءِ الدين، والمسنونُ كزيارةِ الرَّحمِ، والمباحُ كالتجارةِ ولو نزْهةً وفُرْجَةً.
(لمحلٍّ معيَّنٍ) فلا قصرَ لِهائِمٍ، وتائِهٍ، وسائحٍ، لا يقصد مكانًا معينًا (يبلغ) سفرُه ذهابًا (ستَّةَ عَشَرَ فرسخًا) تقريبًا، برًّا أو بحرًا.
_________________
(١) لو قال (وغيرِه) لكان أجود، لأن الضمير يعود على مذكر وهو كتاب الفروع.
(٢) أما غير المباح وهو سفر المعصية، أو المكروه فلا يقصر ولا يستفيد من الرخص، لأن الرخصة إعانة، فلا يعان على معصية.
[ ١ / ١٨٥ ]
(وهي) أي الستةَ عشرَ فرسخًا (يومانِ) أي مسيرةً يومَيْنِ لا رجوعَ في أَثْنائِهما (قاصِدَانِ) أي معتدلان طولًا وقصَرًا (١). (في زمنٍ معتدلِ) الحرِّ والبردِ (بسير الأثقالِ ودبيبِ الأقدامِ) وذلكَ أربعةُ بُرُدٍ.
والبريدُ أربعة فراسخ.
والفرسخ ثلاثةُ أميالٍ هاشميَّةٍ، وبأميالِ بني أميّة ميلانِ ونصفٌ.
والهاشِميُّ اثنا عشرَ ألفَ قدمِ، وهي ستةُ آلاف ذراعٍ (٢).
والذراع أربعٌ وعشرونَ إصبعًَا معترضةً معتدلةً، كل إصبعٍ ستُّ شعيراتٍ بطونُ بعضِها إلى بعضٍ عَرْضُ كل شعيرةٍ ستُّ شعراتِ برذون.
قال ابن حجر في شرح البخاري: والذراعُ الذي ذُكِرَ قد حُرِّرَ بذراعِ الحديدِ المستعملِ الآن في مصر والحجازِ في هذه الأعصارِ، فنقص عن ذراع الحديدِ بقدر الثمن.
فائدة: من مكة إلى عسفان أربعةُ بُرُدٍ. وذكر صاحب "المسالك" أن من دمشقَ إلى القطيفة أربعة وعشرين ميلًا، ومن دمشق إلى الكُسْوَة اثنيْ عشرَ ميلًا.
(إذا فارقَ) متعلقٌ بقوله: "قَصْرُ الرباعية" (بيوتَ قريتِهِ العامرةِ) سواءٌ كانت داخِلَ السورِ أو خارِجَهُ، وسواءٌ وليتْها بيوتٌ خاربة أو البرّيّة. لكن لو وليتها بيوتٌ خاربةٌ، ثم بيوت عامرةٌ فلا بدّ من مفارقة البيوت العامرةِ التي تلي الخاربة.
_________________
(١) في القاموس: ليلةٌ قاصدةٌ: هيِّنة السير. فهذا الصحيح في تفسير القصد هنا.
(٢) الذراع ٥٤ سنتمترًا، فعلى هذا يكون الميل الهاشمي (٣٢٤٠) مترا؛ والفرسخ (٩٧٢٠) مترًا؛ والبريد (٣٨٨٨٠) مترًا؛ ومسافة القَصْر (١٥٤) كيلومترًا تقريبًا. ولكنْ في القاموس: الميلِ أربعة آلاف ذراع. قلت: فتكون مسافة القصر أقلّ بالثلث، أي (١٠٣) كيلومترًا تقريبًا. وهذا أقربُ، لقوله في ما يلي: من مكة إلى عسفان أربعة بُرُدٍ، وعسفان على مرحلتين من مكة، وفي المغني: قدر ابن عباس الأربعة البرد من جدة إلى مكة. وهي لا تزيد على ثمانين كيلومترًا.
[ ١ / ١٨٦ ]
ولو بَرَزُوا لِمَكانٍ لقصدِ الاجتماعِ، ثم بعدَ اجتماعهم يُنْشِئُونَ السفر من ذلك المكان، فلهم القصر قبل مفارَقَتِهِ في ظاهر كلامهم.
(ولا يعيدُ من قَصَرَ،) بشرطِهِ، (ثم رجع قبل استكمالِ المسافةِ) لأن المعتبر نِيَّةُ المسافة لا حقيقتها.