أي مكتوب جامع لأحكام المسائل التي تتعلق بالطهارة.
وبدأ الفقهاء بالطهارة لأن آكد أركان الدين بعد الشهادتين الصلاة المشترط لها الطهارة. والشرط مقدّم على المشروط.
ثم الطهارة، معناها لغة: النزاهة والنظافة عن الأقذار.
(وهي) شرعًا (رفع الحدث)، وهو زوال الوصف الحاصل بالبدن، المانع من الصلاة والطواف ومس المصحف. وينقسم الحدث إلى أصغر وأكبر، فما أوجب الغسل يسمى أكبر، وما أوجب الوضوء يسمى أصغر. (وزوال الخَبَث) أي النجاسة الطارئة على محل طاهر.
(وأقسام الماء) باعتبار ما يتنوع إليه في الشرع (ثلاثة) لأنه إما أن يجوز به الوضوء، أوْ لا، الأوّل الطهور. والثاني: إمّا أن يجوز شربه، أوْ لا، الأوّل الطاهر، والثاني النجس.
(أحدها: طهور) أي مطهر لغيره، وغيرُه من الماء والمائعات لا يطهّر، (وهو) أي الماء الطهور في الحكم (الباقي على خلقته) التي خلق عليها، مطلقًا، فلا يُقَيد بوصف دون وصف. وهو ما نزل من السماء، أو نبع من الأرض، سواء كان عذبًا أو ملحًا، باردًا أو حارًا (يرفع) وحده
[ ١ / ٣٨ ]
(الحدث) نص عليه (١)، (ويزيل الخَبَث) الطارئ على محل طاهر قبل طروّه، لأنَّ نَجِسَ العينِ لا يَطهُر.
(وهو) أي الماء الطهور (أربعة أنواع):
أشار للأوّل بقوله: (ما) أي نوع (يحرم استعماله) مطلقًا، (ولا يرفع الحدث، ويزيل الخبث) مع حرمة استعماله (وهو ما ليس مباحًا) كمسروق ومنهوب، بخلاف ما إذا غصب إناء ووضع فيه ماء مباحًا، فإن الطهارة به صحيحة، مع حرمة استعمال الإِناء.
وأشار إلى الثاني بقوله: (وما) أي نوع من الطهور (يرفع حدث الأنثى، لا الرجل البالغ (٢) والخنثى، وهو ما خَلَتْ به المرأة المكلفة) ولو كافرة (لطهارةٍ كاملةٍ) لا بعضِها (عن حدث) لا خَبَثٍ وطهرٍ مستحبّ.
والمراد بالخلوة بأن لا يشاهدها مميّز.
ولا فرق بين الحرّ والعبد، والمرأة والرجل، والكافر والمسلم، في المشاهدة.
وظاهره أنها إذا خَلَتْ بالتراب للتيمم لا تؤثر خلوتها، وأنه يجوز للرجل إزالة الخبث بما خلت به، وأنه لا تأثير لخلوة الخنثى بالماء القليل.
ويشترط كون الماء أقل من قلتين.
وأشار للثالث بقوله: (وما) أي نوع (يكره استعماله) في حق
_________________
(١) أي نصّ عليه الإمام أحمد. وعن أبي حنيفة جواز التوضّي بالنبيذ.
(٢) "لنهي النبي - ﷺ - أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" رواه أبو داود وغيره. وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان. قال أحمد في رواية أبي طالب "أكثر أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون ذلك." وهو تعبديٌّ لا تعقل حكمته (كـ)
[ ١ / ٣٩ ]
الرجل والمرأة والخنثى، وظاهره الكراهة في أكل وشرب وطهارة وغير ذلك (مع عدم الاحتياج إليه) لأن كراهته من طريق الورع. ومع الحاجة إليه يتعين وجوبًا (١) استعماله.
(وهو ماء بئرٍ بمقبرة) بتثليث الباء، وكره أحمد شوكها.
(و) كره منه أيضًا (ما اشتدّ حره أو بَرْدُه) ووجهه ظاهر (٢).
(أو سُخِّن بنجاسة) فإنه يكره ولو بَرَد، لأنه لا يسلم غالبًا من صعود أجزاءٍ لطيفةٍ من النجاسة إليه.
(أو سخِّن بمغصوب) فإنه يكره.
(أو استعمِل في طهارة لم تجب) فإنه يكره، كتجديد وضوء، وغسلة ثانية وثالثة، أو في غسلٍ من الستةَ عشَرَ غسلًا. وتأتي إن شاء الله تعالى (٣) (أو) استعمل (في غسلِ كافرٍ) لأنه لم يرفع حدثًا، ولم يُزِلْ نَجَسًا.
وشمل الذمية التي تغتسل من الحيض والنفاس لحلِّ وطئها لزوجها المسلم، لأنه لا يسلبه الطهورية.
(أو تغير) ريحه أو طعمه أو لونه (بملحٍ مائيّ) فطهورٌ مكروه، لأن المتغيّر به منعقد من الماء، فأشبه الثلج.
واقتضى ذلك أنّ الملح المائيّ لو انعقد من ماء طاهر فحكمه كباقي الطاهرات (٤).
_________________
(١) كذا في (ب) وفي (ف): وجوب استعماله. قلت كلاهما فيه نظر. ولعل الصواب "جواز استعماله " أي من غير كراهة.
(٢) أي لأذاه ومنعه كمال الطهارة.
(٣) انظر الصفحة ٨٢ من هذا الجزء.
(٤) في (ب، ص): الطهارات، والتصويب من ف.
[ ١ / ٤٠ ]
وعلم منه أن الماء إن تغير بالملح المعدني سَلَبَهُ الطهورية.
(أو) تغير (بما لا يمازجه) من الطاهرات (١) (كتغيره بالعود القَمَارِيّ) (٢) بفتح/ القاف (وقطع الكافور والدهن) فطهورٌ مكروه.
(ولا يكره ماء زمزم إلا في إزالة الخَبَثِ) فقط، تشريفًا له. ولا يكره استعماله في الطهارة من الحدث.
وأشار للرابع بقوله: (وما) أيْ نوع (لا يكره استعماله) مطلقًا (كماء البحر والآبار (٣) والعيون والأنهار والحمام) وظاهره ولو كان وقوده نجسًا، لأن الصحابة ﵃ دخلوه ورخّصوا فيه.
(ولا يكره المسخَّن بالشمس) سواء سُخِّنَ بإناءٍ منطبعٍ (٤) أو غيره، في بلاد حارة أو باردة. وما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لعائشة -رضي الله تعالى عنها وعن أبيها- وقد سخنت ماء في الشمس: "لا تفعلي فإنه يورِثُ البَرَصَ" قال النووي: هو حديث ضعيف باتفاق المحدّثين. ومنهم من يقول: هو موضوع. وكذا حديث أنس "لا تغتسلوا بالماء الذي سُخِّنَ بالشمس فإنه يعدي من البَرَص" قال ابن المنجا. غير صحيح (٥).
(و) لا يكره (المتغير بطول المكث، أو بالريح، من نحو ميتة) كمجاورة محل القاذورات (أو بما يشق صونُ الماء عنه) مما يغيره (كطحلب) وهو خضرة تعلو على وجه الماء المزمن. ولا يكره ما تغير
_________________
(١) في (ب، ص): الطهارات، والتصويب من ف كذلك.
(٢) العود القَماريّ منسوب إلى موضع ببلاد الهند (لسان العرب).
(٣) إلاَّ آبار ديار ثمود غير بئر الناقة، فظاهر كلامهم عدم صحة التطهر منها لتحريم استعمالها (كـ وشرح المنتهى).
(٤) أي نحاس وحديد ونحوهما (عبد الغني).
(٥) ولكن روى ابن حَبَّان في "الثقات" من قول عمر ﵁ "لا تغتسلوا بالماء المشَمّس فإنه يورث البَرَص" (كنز العمّال، ط دمشق ٩/ ٥٧٢).
[ ١ / ٤١ ]
بسَمَكٍ وجراد، وبما لا نفس له سائلة كالخنفساء والعقرب والصراصير إن لم تكن من كنُفٍ ونحوها، لمشقة الاحتراز عن ذلك. (وورق شجر، ما لم يوضعا) أي الطحلب وورق الشجر. وشرط الوضع أن يكون قَصْدًا من آدميٍّ عاقلٍ، فلو كان الوضع من بهيمة أو صغير أو مجنون لا يسلب الماء الطهورية.
(الثاني) من المياه: (طاهرٌ) غير مطهِّر، (يجوز استعماله في غير رفع الحدث وزوال الخبث (١» كالأكل والشرب والطبخ وغير ذلك من العادات (وهو) أي الطاهر (ما تغير كثيرٌ من لونه أو طعمه أو ريحه) بمخالطة (شيء طاهر) من غير جنس الماء، لا يشق صون الماء عنه (٢)، سواء طُبِخَ فيه، كمرق الباقلا (٣)، أوْ لا، كما لو سقط فيه زعفران بقصد أو غيره.
ولا يسلبه التغيرُ اليسيرُ من صفَةٍ من صفاته.
وعلم من كلامه أنه لو كان التغير اليسيرُ من صفاته الثلاثة أثَّر، وكذلك من صفتين.
(فإن زال تغيره) أي الماء المتغير بالطاهر (بنفسه، عاد إلى طهوريته).
(ومن الطاهر ما كان قليلًا) أي أقل من قلتين (واستُعمِل في رفع حدث) لأنه أزالَ مانعًا من الصلاة، فأشبه ما لو أزال به نجاسة.
(أو انغمست فيه) أي في الماء القليل (كل يد المسلم المكلف
_________________
(١) ونحوهما كتجديد الوضوء وغسل الجمعة وغسل الميت (عبد الغني).
(٢) فلو تغير بما يشقّ صون الماء عنه، كالمتغيّر في ممرِّه أو مَقَرِّه بطاهر لم يسلبه الطهورية، كما لو تغيّر بالجص الذي قُصرت به البئر (عبد الغني).
(٣) الباقلاء كلمة سَوَاديَّة (نسبة إلى سوادَ العراق) وهي القول. كذا في لسان العرب.
[ ١ / ٤٢ ]
النائم ليلًا نومًا ينقض الوضوء) أو كان (قبل غسلها ثلاثًا) وكل واحدة منهن واجبة (بنية وتسمية) عند أوّل الغسل.
(وذلك) أي الغسل ثلاثًا بعد النية والتسمية (واجب) ولو باتت مكتوفة، أو في جراب ونحوه.
فتلخص من ذلك: أنّ غسل يد القائم من نوم الليل لا يسلبه الطهورية إلا إذا استوفى جميع هذه الشروط السبعة: أشار للأوّل بقوله: "كل"، وللثاني بقوله: "يد"، وللثالث بقوله: "المسلم"، وللرابع بقوله: "المكلف"، وللخامس بقوله: "النائم ليلًا"، وللسادس بقوله: "ينقض الوضوء"، وللسابع بقوله: "قبل غسلها ثلاثًا بالصفة المذكورة".
تنبيه: إذا غَمَسَ بعضَها بنيةٍ سَلَبَ الماء الطهورية.
(الثالث) من أنواع المياه: (نجس يحرم استعماله، إلا لضرورةٍ) كدفع لقمةٍ غصَّ بها، وليس عنده طهور ولا طاهر.
(ولا يرفع الحدث) وهو ما أوجب وضوءًا أو غسلًا (ولا يزيل الخَبَثَ) الطارئ.
(وهو) أي الماء النجس (ما وقعت فيه نجاسة، وهو قليل) تغيَّر أوْ لا، مضى زمن تسري فيه النجاسة أوْ لا، ولو لم يدركها الطرْف.
(أو كان كثيرًا) أكثر من قلتين، (وتغيّر بها) أي بالنجاسة الواقعة فيه (أحد أوصافه) طعمِه أو لونِه أو ريِحه، قَلَّ التغير أو كثر.
(فإن زال تغيره) أي الكثير (بنفسه، طهر، أو بإضافة طهورٍ) كثير (١) (إليه، أو بنزحٍ منه) أي الكثير (ويبقى بعده) أي بعد النزح (كثير)، أي
_________________
(١) الأصحّ لا يشترط أن يكون المضاف كثيرًا، لأنه لو زال تغير الكثير بنفسه طهر، فبالمضاف القليل أولى (عبد الغني).
[ ١ / ٤٣ ]
قلَّتان فأكثر، (طهر) أي صار طهورًا. (والكثير قلَّتان/ تقريبًا) لا تحديدًا، فيعفى عن نقصٍ يسيرٍ، كرطلٍ أو رطلين عراقية.
(واليسير ما دونهما) أي القُلَّتين.
(وهما) أي: القلتان (١) (خمسمائة رطل بالعراقي، وثمانون رطلًا وسُبُعانِ ونصف سُبُعٍ رطلٍ بالقدسيّ) وما وافقه، ومائة رطل وسبعة أرطال وسبع رطل دمشقي.
(ومساحتهما) أي: مساحة ما يسع القلتين من الماء حال كونه مربعًا (ذراعٌ وربعٌ طولًا، و) ذراع وربع (عرضًا، و) ذراع وربع (عمقًا). وحال كونه مدوّرًا ذراع طولًا، وذراعان ونصف عمقًا. والمراد بالذراع هنا ذراع اليد (٢) من الآدمي المعتدل. وهو أربع وعشرون أصبعًا معترضةً معتدلة. والأصبع ست شعيرات. والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون، بطون بعضها إلى بعض (٣).
(فإذا كان الماء الطهور كثيرًا، ولم يتغير بالنجاسة، فهو طهور).
وله استعماله (ولو مع بقائها) أي النجاسة (فيه) أي: في الماء
_________________
(١) إنما حدّوا الماء الكثير الذي لا تضره النجاسة الواقعة فيه ولم تغيّره، بقُلّتين فما زاد، لقول النبي - ﷺ - "إذا كان الماء قُلّتين لم يحمل الخَبَثَ" رواه الشافعي في القديم والحاكم عن ابن عمر (كنز العمال ٩/ ٣٩٨) والقُلّة الجَرّة، وجمعها قِلال. واختلف الفقهاء واللغويون في مقدار القلة. وروي عن الإمام أحمد أن القُلّة قربتان. وفي "لسان العرب" تقديرات أخرى. قال الأزهري في الزاهر (ط الكويت ص ٦٠): كأنَّما سُمِّيَتْ قُلَّةً لأن الرجل القويّ يُقِلُّها: أي يحملها.
(٢) ذراع اليد من المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. وهو ٥٤ سم تقريبًا.
(٣) ليس للشعرة بطن ولا ظهر. ولكن هكذا (ب، ص). أما (ف) فأسقط (بطون بعضها إلي بعض) وألحقه بعضهم بالهامش. والصواب أن هذه العبارة متعلّقة بالشعيرات لا بالشَّعَرات، فإن للشعيرة بطنًا وظهرًا. وكذلك هي في (شرح المنتهى) في باب قصر الصلاة ١/ ٢٧٥
[ ١ / ٤٤ ]
الكثير الذي لم يتغير بسقوطها فيه، ولو كان بينه وبينها قليل.
(وإن شك في كثرته) أي الماء الذي وقعت فيه نجاسة، ولم تغيره (فهو نجس
وإن اشتبه ما تجوز به الطهارهَ، بما لا تجوز به الطهارة، لم يتحرّ) (١)، ولو زاد عدد ما تجوز به الطهارة. أما للشرب والأكل فيلزمه التحرّي، كما لو اشتبه محرم بمباح، أو طهور بنجس (ويتيمَّم بلا إراقة) للماء، وَوَجَبَ عليه الكف عنهما كما لو اشتبهت عليه أخته بأجنبية. لكن إن أمْكَنَ تطهيرُ أحدهما بالآخر، بأن يكون الطهور قلتين فأكثر، وكان عنده إناء يسعهما، لزمه الخلط.
وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ منهما وضوءًا واحدًا، من هذا غَرْفة، ومن هذا غرفة، ولو مع طهور بيقين.
(ويلزم من) أي: إنسانًا (علم بنجاسة شيء) من الماء أو غيره (إعلام من أراد أن يستعمله) في طهارة أو شرب أو غيرهما. وظاهره أنه يلزمه الإِعلام سواء كانت إزالتها شرطًا للصلاة أم لا.
_________________
(١) في (ب، ص). لم يتحرّ "به الطهارة" وقد سقط ذلك من (ف) وهو الصواب.
[ ١ / ٤٥ ]