الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله إمام المؤمنين، الذي أقام الله به الدين، وأثبت به حجّته على العالمين، وأظهر به الحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. فصلى الله عليه وعلى إخوانه النبيين وعلى آله وصحبه الهداة المهديين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد، فإن الفقه الإسلامي وهو ثمرة أدلة الأحكام الشرعية الفرعية، وثمرة اجتهاد النخبة من علماء الملة، جمعه الجهابذة الأعلام في مؤلفات بين مطوّلات ومختصرات، ذكروا فيها ما علموه أو غلب على ظنهم من أحكام الله تعالى من أفعال العباد، تيسيرًا للعمل بشريعة الله، وتعليمًا للناس، وإبلاغًا لهم. واستقرّت تلك المؤلفات على أوضاع معينة. وإن كان اختلاف العصور يستدعي تغييرًا في الأساليب والتعبير، وتغييرًا في طرق التأليف، وتعديلًا في موضوعات المسائل، حتى يهمل ما لم يعد الناس بحاجة إليه، ويدخل ما هم بحاجة إليه مما استدعته التطورات الاقتصادية والسياسية وغيرها، وتيسيرًا في طرق العرض تستفيد من الأوضاع الجديدة في علوم التربية والمناهج، من كل ما يسهّل قبول أحكام الله تعالى والعمل بها. بالإِضافة إلى حاجتها إلى تنقيح جملة كثيرة من مسائل الفقه اتبع بعض الفقهاء فيها بعضًا، ولعل مبنى كثير منها حديث ضعيف، أو قياس باطل، أو مصلحة موقوتة، أو وهم عابر.
[ ١ / ٩ ]
فما أحوج الفقه الإِسلامي إذن إلى ثورة جديدة تعيده إلى قمة الحيوية والنشاط، وإن كان ذلك لا يمنع أن يكون في تراثنا الفقهي ثروة وأي ثروة، هي كنوز من المعرفة لا تعدلها الكنوز.
وإن إخراج تلك الكنوز إلى حيز النور، على وضع يليق بها، لهو من خير مما ييسّر السبيل لثورة الفقه المنشودة.
وهذا الكتاب الذي نضعه بين يديك قارئي العزيز، هو خلاصة ما استقر عليه العمل في المذهب الحنبلي، وهو المذهب الذي تميز بمزيد قربه من الكتاب والسنة، إذ إنه في أصله قام على كراهية القول بالرأي في مسائل الدين، وعلى الاعتماد على الآيات والأحاديث والآثار.
نقدمه لك، ونحن نبين لك -إن كنت من أهل العلم والنظر- أن واجبك الأخذ بدلالة الكتاب والسنة، والعود إليهما في كل ما تعتقد من أحكام الدين، وأنه ليس لك أن تأخذ بقول مما في هذا الكتاب ولا غيره ما لم يتبين لك أنه الحق بدليله. وإنما هذا الكتاب وأمثاله يبصّرك بالطريق، ويفرّع لك المسائل، ويعطيك فيها حكمًا. وعليك أن تنظر وتقارن، وتستدل وتستوضح. والله الهادي إلى أقوم طريق.
ونقدم لك بين يدي الكتاب ترجمة لصاحب المتن وصاحب الشرحِ ونقدم أيضًا بيانات عن العملين، ثم نقدم ترجمة للمحقق بقلمه، وبيانًا لنهجه في التحقيق.
[ ١ / ١٠ ]