يجبُ لكلِّ مُتَنَجِّسٍ سَبْعُ غسلاتٍ
باب إزالة النَّجَاسةِ الحُكْمِيَّة
أي: الطارئةِ على محلٍّ طاهرٍ. والمرادُ بإزالتها: تطهيرُ مواردها. وذكر أيضًا النجاساتِ وما يُعْفَى عنه منها. وخرجَ بالحُكْمِيَّة العينيَّة؛ كعظمِ ميتةٍ وجلدِها؛ فإنَّها لا تَطهرُ بحال.
(يجبُ) أي: يُشترَطُ (لِـ) تطهيرِ (كل مُتَنَجِّسِ) حتى أسفلِ خُفٍّ وحذاءٍ وذيلِ امرأةٍ (سبعُ غسلات) لعمومِ حديثِ ابن عمر: "أُمِرنا بغسلِ الأنجاسِ سبعًا" (^١) فينصرفُ إلى أمره ﷺ.
(باب إزالةِ النجاسةِ الحُكْمِيَّة، أي: الطارئةِ على محلٍّ طاهِرٍ) تفسيرٌ للنجاسةِ الحكميَّة، وحكمِ زوالها، وذكرِ ما يُعفَى عن يسيرِه منها، وما لا يُعفَى عنه، ففي الترجمةِ حذفٌ، أي: بابُ كيفيَّةِ إزالةِ النجاسةِ الحكميَّةِ، وبابُ حكمِ زوالِها، وبابُ ما يعفى … إلخ، فالمقصودُ من هذا الباب بيانُ كيفيَّةِ إزالةِ النجاسةِ، وحكم الغسالَةِ، وبيانُ حكمِ الحيوانِ النجسِ والطاهرِ، وفَضَلاتِها.
والنجاسةُ لغةً: الشيءُ المُسْتَقْذَر، ويَحرمُ التضمُّخُ بها بلا عذرٍ، واحْتُرِزَ به عن العينيَّةِ، فإنَّها لا تُطهَّر بغسلِها بحالٍ، وسيأتي معنى كلٍّ منهما شرعًا في بابِ اجتنابِها. (حتى أسفل خُفٍّ) وحتى أسفل حذاءٍ، وهو النَّعْلُ، وحتى ذيل امرأةٍ، (سبعُ غسلات) ومحلُّ ذلك إذا كانتِ النجاسةُ على غيرِ الأرضِ ونحوها، وسيأتي حكمُ تطهيرِها، أمَّا وجوبُ غَسْلِ أسفلِ
_________________
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأورده ابن قدامة في "المغني" ١/ ٧٥ ولم يعزه، وأخرج أبو داود (٢٤٧)، وأحمد (٥٨٨٤) عن ابن عمر ﵄ قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل الثوب من البول سبع مرار، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل، حتى جعلت الصلاة خمسًا، وغسل الجنابة مرة، وغسل الثوب من البول مرة. قال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" ١/ ٣٣٢: هذا حديث لا يصح.
[ ١ / ٤٦١ ]
إن أَنْقت، وإلَّا، فحتَّى تنقى بماءٍ طَهورٍ
ويعتبرُ في كَلِّ غَسْلَةٍ أنْ تستوعِبَ المحلَّ، ويُحسبُ العددُ من أوَّل غسلةٍ، وتكفي السبعُ (إنْ أَنقت) النجاسةَ وأَذْهَبَتْها (وإلَّا) تُنْقِ النجاسَةَ (فـ) يزيدُ على السبع (حتى تنقى) أي: إلى أنْ تذهبَ النَّجاسَةُ.
ولابدَّ أنْ تكونَ كلُّ غَسلةٍ من السبع فما فوقها (بماءٍ طهور) لحديثِ أسماءَ قالت:
الخُفِّ، وأسفلِ الحذاءِ، فقياسًا على الرِّجْل، وأما ذيلُ المرأةِ، فقياسًا على غسلِ بقيَّةِ الثوبِ. قال البهوتي؛ إنَّما نصَّ على هذه الثلاثة في "المنتهى" (^١)، وتبعَه الشارحُ؛ إشارةً إلى محلِّ الخلافِ فيها؛ لأنَّ من الأئمةِ من قال أنَّه يكفي في أسفلِ خُفٍّ والنعلِ الدلكُ بالأرضِ، وأنَّه يُعفَى عن ذيلِ المرأةِ؛ للحرجِ والمشقَّةِ. وأمَّا نفسُ الخُفِّ، والحذاءِ، وثوبِ المرأة، فوجوبُ تطهيرِها محلُّ وفاقٍ، فلم يحتج إلى التنبيهِ عليها. انتهى كما نصَّ عليه. (لحديث أسماءَ) بنتِ أبي بكرٍ الصديق، أمِّ عبد الله بن الزبير، من المهاجراتِ، وكانت تُسمَّى ذاتَ النطاقينِ؛ لما ذُكِر في حديثِ الهجرةِ (^٢)، أسلمت بعدَ سبعةَ عشرَ إنسانًا فيما قالهُ ابنُ إسحاق (^٣)، وهاجرت [وهي حاملٌ] (^٤) بابنِها عبد الله، وكانت عارفةً بتعبيرِ الرؤيا، حتى قيل: أخذَ ابنُ سيرينَ التعبيرَ عن ابنِ المسيِّب، وأخذَهُ ابنُ المسيّبِ عن أسماءَ، وأخذته أسماءُ عن أبيها (^٥)، وهي آخر المهاجرات وفاةً، توفيت في جمادى الأوَّل من سنة ثلاث وسبعين بمكَّة، بعد ابنها عبد الله بأيامٍ. بلغت مئةً، لم يسقطْ لها سِنُّ، ولم يُنْكَر عقلٌ، لها في البخاريِّ ستَّة عشر حديثًا ﵂ (^٦).
_________________
(١) ١/ ٣٠.
(٢) يشير إلى الحديث الطويل الذي أخرجه البخاري (٣٩٠٥)، وأحمد (٢٥٦٢٦) من حديث عائشة ﵂.
(٣) ينظر "سيرة" ابن هشام ١/ ٢٥٢ - ٢٥٤.
(٤) زيادة يقتضيها السياق. ينظر "سير أعلام النبلاء" ٢/ ٢٨٨، و"الإصابة" ١٢/ ١١٤.
(٥) ينظر "سير أعلام النبلاء" ٢/ ٢٩٣.
(٦) كذا ذكر الحافظ ابن حجر في "هدي الساري" ص ٤٧٦.
[ ١ / ٤٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جاءت امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالت: إحدانا يُصيبُ ثوبَها من دمِ الحيضَةِ، كيف تصنع (^١)؟ قال: "تحته بالماء، ثم تَنْضَحُه، ثمَّ تُصَلِّي فيه" متفقٌ عليه (^٢).
وأمَرَ بصبِّ ذَنوبٍ من ماء، فأُهرِيق على بولِ الأعرابيِّ (^٣). والذَّنوب -وِزَانُ رَسُول-: الدَّلُو العظيمةُ. قالوا: ولا تُسمَّى ذَنُوبًا حتى تكونَ مملوءةً، ويُذكر ويؤنَّث. وقوله: "فأُهرِيق" أي: صُبَّ، وفيه الجمعُ بين الهاء والهمزة، وهر قليل؛ لأنَّ الهاءَ في الأصل بدلٌ من الهمزة، لكن عند الجمعِ بينهما -كما هنا- يُلحظُ في الهاء كونُها عوضًا عن حركةِ الياء في الأصل، ولهذا لا يصيرُ الفعلُ بهذهِ الزيادةِ خماسيًّا (^٤).
وقوله: (امرأة) والمرأةُ هي أسماءُ، كما وقعَ في رواية الإمامِ الشافعي (^٥) بإسنادٍ صحيحٍ على شرطِ الشيخين، عن سفيانَ بن عيينةَ، عن هشام، [عن فاطمة]. ولا يبعدُ أنْ يبهمَ الراوي اسمَ نفسِه. ق س.
(قال: "تحتُّه بالماء … " إلخ) قال القاضي عياض: "تحتُّه": تَقْشِرُه وتحكُّه، و"تقرصُه" -بفتح التَّاء، وسكون القاف، وكسر الراء، وبضمِّ التاء وفتحِ القاف، وكسر الراءِ مشدَّدة- تقطعُه بالأصابعِ مع الماء ليتحلَّلَ، و"تنضحُه": تَغْسِلُه. انتهى (^٦). مصنِّف.
("ثم تصلِّي فيه") هذه روايةُ ابنِ عساكر (^٧).
_________________
(١) فى (م): "نصنع".
(٢) "صحيح" البخارى (٢٢٧)، و"صحيح" مسلم (٢٩١) بلفظ: "تحتُّه" ثمَّ تقرِصُه بالماء … "، وهو عند أحمد برقم (٢٦٩٣٢).
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٠)، وأحمد (٧٧٩٩) عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه البخاري أيضًا (٢١٩)، ومسلم (٢٨٤) عن أنس بن مالك ﵁.
(٤) "المصباح المنير" (ذنب)، (هرق).
(٥) في "مسنده" ١/ ٢٤ (بترتيب السندى)، وفي "الأم" ١/ ٥٨. وما سيأتي بين حاصرتين منهما.
(٦) ينظر "إكمال المعلم" ٢/ ١١٧، و"مشارق الأنوار" ١/ ١٧٨، ٢/ ١٨٠.
(٧) في "تاريخ دمشق" ١٦/ ٨٧، ٢٨/ ٤٢. وهي أيضًا رواية البخارى ومسلم كما سلف آنفًا.
[ ١ / ٤٦٣ ]
مع حَتٍّ، وقَرْصٍ لحاجةٍ، وعَصْرٍ، كلّ مرَّةٍ خارجَ الماءِ،
(مع حتٍّ وقرْصٍ) لمحلِّ النَّجاسة. والحتُّ: الحكُّ بطرفِ حجرٍ أو عود. والقرصُ -بالصَّاد المهملة-: الدَّلكُ؛ بأطرافِ الأصابعِ والأظْفَار، مع صبِّ الماء عليه (^١) (لحاجةٍ) إلى ذلك، ولَو في كلِّ مرَّةٍ، إنْ لم يتضرَّر المحلُّ فيَسقط.
(و) مع (عصرٍ) لمغسولٍ تشرَّب النَّجاسة بحسَب الإمكان؛ بحيثُ لا يُخافُ فسادُه، ويُفْعل العَصْرُ (كُلَّ مرَّةٍ) من السَّبع (خارجَ الماء) ليَحْصُلَ انفصالُ الماءِ عنه، فإنْ عَصَرَه في الماء ولو سبعًا، فغسلةٌ واحدةٌ يَبْني عليها. فإن لم يمكن عَصْرُ ما تَشَرَّبَ النَّجاسَةَ، دقَّه وقَلَّبَه،
وفي الحديث تعيينُ الماءِ لإزالةِ جميعِ النجاسات، دونَ غيرِه من المائعات إذ لا فرقَ بين الدَّمِ وغيرِه، وهذا قولُ الجمهورِ، خلافًا لأبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف، حيث قالا: يجوزُ تطهيرُ النجاسةِ بكلِّ مائعٍ طاهرٍ (^٢).
(لحاجةٍ) إلى شيء من ذلك، وهي ما إذا لصقتِ النجاسةُ بالمحلِّ، (ولو في كلِّ مرَّةٍ) ولا تخرج إلا بذلك.
(إن لم يتضرَّرِ المحلُّ) المتنجِّسُ بالحتِّ أو القرص، أمَّا إذا تضرَّرَ المحلُّ، فلا يجب؛ لأنَّ الضررَ لا يزالُ بالضرر. فإذا لَصِقَتِ النجاسةُ بها، فإنَّها تعالجُ بما هو أخفُّ من ذلك لتزولَ، على أنَّه لا يَضرُّ بقاءُ اللونِ، أو الريحِ، أو هما. انتهى. دنوشري.
(يبني عليها) أي: يتمُّ ما بقيَ من عددِ الغسلات السبعِ عليها.
(دقَّهُ) أي: دقَّ ما تشرَّبَ النجاسةَ.
(وقلَّبَه) إنْ لم يمكن عصرُه.
_________________
(١) "المصباح المنير" (حتَّ).
(٢) "بدائع الصنائع" ١/ ٤٣٧.
[ ١ / ٤٦٤ ]
فإنْ كانتْ مِنْ كلبٍ، أو خنزيرٍ، وجب تُرابٌ طَهُورٌ، أو نحوه، كأُشنانٍ
أو ثقَّلَه كلَّ غسلةٍ حتى يذهبَ أكثرُ ما فيه من الماء، ولا يَكْفي عن عَصْره تجفيفُه.
وما لا يَتَشرَّبُ، يطهرُ بمرورِ الماء عليه، وانفصالِه عنه.
(فإنْ كانت) النَّجاسةُ (من كلبٍ أو خنزيرٍ) أو متولِّدٍ منهما، أو من أحدِهما (وَجَبَ) في تطهيرها (^١) (ترابٌ طهورٌ) فلا يَكْفي ترابٌ نَجِسٌ ولا مُستعملٌ. (أو نحوه) أي: الترابِ (من أشنانٍ) (^٢) وصابونٍ ونُخَالةٍ ونحوِ ذلك مما له قَوَّة الإزالة
(أو ثقَّلَه كلَّ) مرَّةٍ، حتى يذهبَ أكثرُ ما فيهِ من الماء، ولا يكفي في العددِ تحريكُه في الماء وخَضْخَضَتُه.
(ولا يكفي عن عصرِه تجفيفه)؛ لأنَّ التجفيفَ إنَّما يُزيلُ أجزاءَ الماءِ دونَ أجزاءِ النجاسةِ.
(فإنْ كانتِ النجاسةُ من كلبٍ … إلخ) هذا تفصيلٌ لقوله: "لكلِّ متنجِّسٍ … إلخ".
(أو خنزيرٍ) لأنَّه ثبتَ ذلك في نجاسةِ الكلب، مع كثرةِ البلوى بنجاسته؛ لإباحةِ اقتنائِه، والانتفاعِ به في الجملةِ، وعدمِ ورودِ القرآنِ بتحريمه، فالخنزيرُ الذي يَنْدُرُ التنجُّس منه، ويحرمُ اقتناؤه، وورد القرآنُ بتحريمِه (^٣)، أولَى بالتراب في نجاستِه. ح ف. (ولا مستعمل) لأنَّه كالماء المستعمل، فلا يجوز استعماله. (من أُشنانٍ وصابونٍ) ويحرمُ استعمالُ شيءٍ من طعامٍ وشرابٍ، كالدقيقِ ونحوه، في إزالةِ النجاسةِ؛ لما فيه من إفسادِ الطعامِ المُحتَاج إليه بالنجس، كما يُنهَى عن ذبحِ الخيل التي يُجاهَدُ عليها، والإبلِ التي يُحَجُّ عليها، والبقرِ التي يُحرَثُ عليها، ونحو ذلك؛ لما في ذلك من الحاجة اليها. قاله الشيخ، ولا بأسَ باستعمالِ
_________________
(١) في الأصل و(م): "تطهيره".
(٢) ورد في المتن أعلاه: "كأشنان" والأُشنان: شجر من الفصيلة الرَّمراميَّة ينبت في الأرض الرملية، يستعمل هو أو رماده في غسل الثياب والأيدي. "المعجم الوسيط: (أشن).
(٣) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣].
[ ١ / ٤٦٥ ]
يَعُمُّ المحَلَّ مع الماءِ،
(يَعُمُّ) الترابُ ونحوه (المحَلَّ) المتنجِّسَ (مع الماء)؛ لحديث مسلمٍ (^١) عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا وَلَغ الكلبُ في إناءِ أَحَدِكُم، فليغسلْه سبعًا، أُولاهنَّ بالتراب".
وقولُ المصنِّف: "مع الماء" إشارةٌ إلى أنَّه لابدَّ من مزجِ التُّراب بالماءِ؛ فيوصلَه (^٢) الماءُ إلى المحلِّ المتنجِّس، فلا يكفي مائعٌ غيرُ (^٣) الماء ولا ذَرُّه، وإتباعُه الماءَ.
وجَعَلُ الترابِ في الأُولى أَوْلَى؛ لموافقةِ لفظ الخبر، وليأتيَ الماءُ بعدَه فينظِّفَه، فإنْ جعلَه في غيرها، جاز، لأنَّه رُوِيَ في حديثِ: "إحداهُنَّ بالتُّراب" (^٤).
النُّخَالَةِ (^٥) الخالصةِ في التَّدَلُّكِ، وغَسْلِ الأيدي بها، وكذا ببِطيخٍ، ودقيقِ الباقلاءِ (^٦)، وغيرِهما ممَّا له قُوَّةُ الجلاءِ لحاجةٍ.
("إذا ولغَ") يقال: وَلَغ يَلَغ، بفتح اللام فيهما، ولوغًا بضمِّ الواو: إذا شرب. وقال ابنُ العربي: ويستعملُ الولوغُ في الكلابِ والسباع، ولا يُستعمَل في الآدميِّ. أُبِّيّ (^٧). مصنِّف. (ولا ذرُّه وإتباعُه الماءَ) أي: لا يكفي ذرُّ التراب على المحلِّ المتنجِّس، وإتباعُه الماء؛ لقوله ﵊: "أولاهنَّ بالتراب" إذ الباءَ فيه للمصاحبة. (في حديث: "إحداهنَّ بالتراب") وفي حديث: "أولاهنَّ"، وفي حديثٍ: "الثامنة" (^٨). فدلَّ على أنَّ محلَّ الترابِ من الغَسَلَاتِ غيرُ متعيِّنٍ (^٩). مصنِّف.
_________________
(١) في "صحيحه" (٢٧٩): (٩١)، وهو عند أحمد (٩٥١١).
(٢) في (ح) و(ز): "ليوصله".
(٣) في (س): "عن".
(٤) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٦٩) عن أبي هريرة ﵁.
(٥) وهي قشر الحَبِّ، ولا يأكله الآدميُّ. "المصباح المنير" (نخل).
(٦) وهي الفول، إن شُددت اللام قصرت، وإنْ خففت مددت. "كشاف القناع" ١/ ١٨٤.
(٧) في "إكمال إكمال المعلم" له ٢/ ٥٧.
(٨) أخرجه مسلم (٢٨٠): (٩٣) من حديث عبد الله بن مغفل ﵁.
(٩) في الأصل: "متيقن". والتصويب من "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢٠٥. والكلام منه.
[ ١ / ٤٦٦ ]
إلَّا فيما يَضُرُّه، فيكفي مسمَّاه.
ويكفي في أرضٍ تنجَّستْ بمائعٍ غَسْلَةٌ تَذْهَبُ بالنجاسةِ،
(إلَّا فيما) أي: محلّ (يَضُرُّه) الترابُ (فيكفي مسمَّاه) أي: أقلُّ شيءٍ يُسَمَّى ترابًا؛ دفعًا للضَّرر.
(ويكفي في) تطهير (أرضٍ تنجَّست بمائعٍ) كبولٍ، أو نجاسةٍ ذاتِ جِرْمٍ أُزِيلَ عنها، ولو من كلبٍ أو خنزيرٍ (غَسْلةٌ) واحدةٌ (تَذْهبُ بالنَّجَاسة) أي: بلونِها وريحها؛
ويحسبُ العددُ في إزالتها من أوَّلِ غسلةٍ، ولو قبلَ زوالِ عينها، فلو لم تَزُلْ إلَّا في الغسلةِ الأخيرةِ، أجزأ. دنوشري.
(يضرُّه التراب) أي: بأنْ ينقصَ مالِيَّتَه باستيعابِه بالتراب، كالثيابِ الفاخرة (أي: أقلُّ شيءٍ يسمَّى ترابًا) أي: ما يقعُ عليه اسمُ التراب، وإنْ لم يستوعِب المحلَّ. ح ف. (ويكفي في أرضٍ تنجَّسَت بمائعٍ … إلخ) عبارةُ "المنتهى" ممزوجةً "بشرحه" (^١): ويُجزِئُ في صخرٍ وأجرنةٍ وأحواضٍ ونحوها، كحيطان وأرضٍ تنجَّسَت بمائعٍ، ولو من كلبٍ أو خنزير، مكاثرتُها بالماء، ولو من مطرٍ وسيلٍ، بحيثُ يغمرُها؛ لأنَّ تطهيرَ النجاسةِ لا تُعتبَرُ فيه النيَّةُ، فاستوى ما صبَّه الآدميُّ وغيرُه، ولو من غير عددٍ حتى يذهبَ لونُ نجاسةٍ وريحُها؛ لأنَّ بقاءهما أو بقاءَ أحدِهما، يدلُّ على بقاءِ النجاسةِ ما لم يعجز عن إذهابهما [فلا يضرُّ، كما] في غيرِ الأرضِ، ويضرُّ بقاء الطَّعمِ (^٢)، وتطهيرُ ما تنجَّسَ ببول الصبيِّ الذي لم يأكلِ الطعام لشهوةٍ بالنضحِ، وتطهيرُ الأرضِ المتنجِّسة بمكاثرةِ الماء عليها، ولو لم يَزُل الماءُ فيهما، أي: في الصورتين المذكورتين.
_________________
(١) "معونة أولي النهي" ١/ ٤٤٩، وما بين حاصرتين استدرك منه، وينظر "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٢) بعدها في الأصل كلمة غير واضحة، وجاءت العبارة في "الإنصاف" ١/ ٢٩٧: ويضرُّ بقاء الطعم، على الصحيح من المذهب.
[ ١ / ٤٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لحديث أنسٍ قال: جَاء أعرابيٌّ فبالَ في طائفةِ المسجد، فزجرَه النَّاس،
والدليلُ على أنَّ الأرضَ تَطْهُرُ بذلكَ، ما رَوى أنسٌ قال: جاءَ أعرابيٌّ … إلخ، ولو لم يطهر بذلكَ، لكانَ تكثيرًا للنجاسةِ بانتشارها، ولأنَّ الأرضَ مصابُّ الفضلاتِ، ومطارحُ الأقذارِ، فلم يُعتَبر فيها عددٌ؛ دفعًا للمشقَّةِ والحرجِ. والمرادُ بالمكاثرةِ: صبُّ الماءِ على النجاسةِ حتى يغمرَها، بحيث يذهبُ بلونِها وريحِها.
(أعرابيٌّ) واسمُه ذو الخويصرة التميمي، هكذا في غالب الشروح. وفي "القاموس" (^١) ما نصُّه (^٢): وذو الخويصرةِ اليمانيُّ (^٣) صحابيٌّ، وهو البائلُ في المسجدِ، والتميميُّ: حرقوصُ (^٤) بن زهيرٍ ضِئْضِئُ (^٥) الخوارج (^٦). وفي البخاري: فأتاهُ ذو الخويصرة (^٧)، وقال مَرَّةً: فأتاه عبد الله بن ذي الخويصرة (^٨). وكأنَّه وَهَم (^٩). انتهى.
ثمَّ إنَّ الأعرابيَّ ساكنُ الباديةِ، ضدُّ الحضريِّ، والعربيُّ ضدُّ العجميِّ، والأعرابيُّ منسوبٌ إلى الأعراب، وهم سكَّان البوادي؛ لأنَّ الأعرابَ جمعٌ جرى مجرى القبيلة.
(في طائفة المسجد) أي: في قطعةِ من أرضِه، والمرادُ المسجدُ النبويُّ.
_________________
(١) مادة (خصر).
(٢) بعدها في الأصل: "فأتاه".
(٣) كذا في "القاموس" و"الإصابة" ٣/ ٢١٤ وقال في "تاج العروس" (خصر): اليماميُّ، هكذا بالميم على الصواب، ويوجد في بعض نسخ المعاجم بالنون.
(٤) في الأصل: "الحرقوص".
(٥) الضِّئْضِئُ: الأصل والمعدن. "القاموس" (ضأضأ).
(٦) ينظر "فتح الباري" ١/ ٣٢٣ - ٣٢٤، و"الإصابة" ٣/ ٢١٤ - ٢١٥.
(٧) "صحيح" البخاري (٣٦١٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وأخرجه أيضًا مسلم (١٠٦٤): (١٤٨).
(٨) "صحيح" البخاري (٦٩٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري أيضًا.
(٩) قال ابن حجر في "الإصابة" ٣/ ٢١٤: ووقع في موضع آخر في البخاري: فقال عبد الله بن ذي الخويصرة. وعندي في ذكره في الصحابة وقفة. اهـ.
[ ١ / ٤٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فنهاهم النبيُّ ﷺ، فلما قَضى بولَه، أَمَر بذَنُوبٍ من ماءٍ، فأُهرِيقَ عليه (^١).
وقوله: (فنهَاهُم النبي ﷺ) عن زجره؛ للمصلحةِ الراجحةِ، وهي رفعُ أعظمِ المفسدتين (^٢)، بتركِ أيسرِهما، وهي خشية أنْ يقومَ فينجِّس محلًّا آخر، أو لأنَّه إذا قامَ انقطعَ بولُه، فيتأذَّى بالحُقْنَةِ، أو لأنَّهم أغلظوا في التغيير (^٣)، وحقُّهُمُ الرفقُ فيه. (بذَنوبٍ) الذَّنوب، بفتحِ الذال المعجمة: الدلو المُمْتلئُ ماءً. والأمرُ للوجوب، وهو على حذفِ مضافٍ، أي: مظروف ذَنوبٍ، و(مِنْ) تبعيضيَّةٌ، وهي مع مدخولها في محلِّ نصبٍ على الحال. وقوله: (فأُهريق) بزيادةِ همزةٍ مضمومَةٍ، وسكونِ الهاءِ، وضمِّها، وكذا في اليونينيَّة (^٤)، ولأبي ذرٍ (^٥): "فَهُريق" بضمِّ الهاء.
وقوله: (عليه) أي: على البول، وهذا يدلُّ على أنَّ الأرضَ المتنجِّسَةَ لا يطهِّرُها إلَّا الماء، لا الجفافُ بالريح أو الشمسِ؛ لأنَّه لو كان يكفي ذلكَ، لما حصلَ التكليفُ بطلبِ الدلِو، ولأنَّه لم يوجد المُزيل، ولهذا لا يجوزُ التيمُّم بها. وقالت الحنفيَّةُ غير زفر (^٦): إذا أصابتِ الأرضَ نجاسةٌ، فجفَّت بالشمس، وذهبَ أثرها، جازت الصلاةُ عليها (^٧) …
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢١)، ومسلم (٢٨٤)، وسلفت الإشارة إليه ص ٤٦٣.
(٢) في الأصل: "المصلحتين".
(٣) في الأصل: "التغير".
(٤) اليونينية نسخة من "صحيح البخاري"، نسبة إلى الحافظ شرف الدين، أبو الحسين، علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله اليونيني البعلبكي الحنبلي، قرأ البخاري على ابن مالك تصحيحًا، وسمع منه ابن مالك رواية، وأملى عليه فوائد مشهورة، (ت: ٧٠١ هـ). "الدرر الكامنة" ٤/ ١١٦، و"شذرات الذهب" ٦/ ٣ - ٤.
(٥) هو الحافظ المجوِّد، شيخ الحرم، أبو ذر، عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير بن محمد، المعروف ببلده بابن السمَّاك، الأنصاري الخراسانيُّ الهرويُّ المالكيّ، راوي "الصحيح" عن الثلاثة: المستملي، والحموي، والكشميهني. من مصنفاته "مستدرك" لطيف في مجلَّد على "الصحيحين"، وله كتاب "السنة" وغيرها (ت ٤٣٥ هـ). "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ٥٥٤ - ٥٦٢.
(٦) بعدها في الأصل كلمة غير واضحة.
(٧) بعدها في الأصل بياض بمقدار ثلاث كلمات.
[ ١ / ٤٦٩ ]
ولا تَطهرُ بشمسٍ، وريحٍ، ولا دَلْكٍ،
فإنْ بَقيا أو أحدُهما، لم تَطْهُر ما لم يَعْجز، فلا يَضُرُّ بقاؤُهما، بخلافِ طعم النَّجَاسة، فلا بدَّ من زواله.
وفُهِم مما تقدَّم أنَّ الأرضَ لو اختلطتْ بنجاسةٍ ذاتِ أجزاءٍ متفرِّقةٍ، كالرِّمَم (^١)، والدَّم إذا جفَّ، والرَّوث إذا اختلَط بأجزاءِ الأرض، فإنَّها لا تطهرُ بالغَسْل، بل بإزالةِ أجزاءِ المكان، بحيثُ يُتَيقَّنُ زوالُ أجزاءِ النَّجَاسة.
(ولا تَطهرُ) أرضٌ تنجَّست ولا غيرُها من المتنجِّسات (بشَمسٍ)، ولا (ريحٍ، ولا دَلْكٍ)؛ لأنَّه ﷺ أمَر بغسلِ بولِ الأعرابيّ، ولو كانَ ذلك يُطهِّر، لاكْتَفى به.
الماء؛ لأنَّ الواجب هو الإزالةُ، والماءُ مزيلٌ بطبعِه، فيُقاسُ عليه كلُّ ما كانَ مزيلًا؛ لوجود الجامع. قالوا: وإنَّما لا يجوزُ التيمُّمُ به؛ لأنَّ طهارةَ الصعيدِ ثبتتْ شرطًا بنصِّ الكتاب، فلا تتأدَّى بما ثبتَ بالحديث. انتهى (^٢). ق س.
(فإنْ بقيا) أي: اللونُ والريحُ.
(أو أحدهما) مع القدرةِ على إزالةِ ذلك.
(ما لم يعجز) قَيْدٌ في اللون والريح، فلا يطهرُ المحلُّ مع بقائِهما.
(فلا يضرُّ بقاؤُهما) أي: فيُحْكَمُ بطهارةِ المحلِّ على الصحيح من المذهب، ولو بقيَ اللون أو الريح عجزًا. محمد الخلوتي.
(بخلافِ طعم) فإنَّه يضرُّ؛ لدلالتِه على بقاءِ العينِ، وسهولةِ إزالتِه، فلا يطهرُ المحلُّ مع بقائِه.
(فإنَّها لا تطهرُ بالغَسْل) لأنَّ عينَها لا تنقلبُ.
(أمرَ بغَسْلِ بولِ الأعرابيِّ) بأنْ يُصَبَّ عليه ذَنوبٌ من ماءٍ، والأمرُ يقتضي الوجوبَ، ولأنَّه محلٌّ نَجسٌ، فلم يَطْهرُ بالجفافِ، كالثياب، والأواني.
_________________
(١) الرَّمَم: جمع رِمَّة، وهي العظام البالية. المصباح المنير (رمم).
(٢) ينظر "فتح القدير" للكمال بن الهمام ١/ ١٣٨.
[ ١ / ٤٧٠ ]
ولا استحالةٍ، إلَّا خمرةً تَنقلِبُ خلًّا بنفسها.
(ولا) تَطهرُ النَّجاسةُ أيضًا بـ (استحالةٍ) أي: انتقالٍ من صفةٍ إلى صفة، فالمتولِّد منها، كدودِ جرحٍ، وصراصرِ كُنُف (^١)، وكلب وَقَع في مَلَّاحةٍ (^٢) فصار مِلْحًا، نَجِسٌ؛ لأنَّه ﷺ نَهى عن أَكل الجلَّالة وألبانِها (^٣)؛ لأَكلِها النجاسة، ولو طَهُرت بالاستحالة؛ لم يَنْهَ عن ذلك.
(إلَّا) علقةً يُخلَق منها حيوانٌ طاهرٌ، فتطهرُ بذلك. وإلَّا (خَمرةً تَنْقَلِبُ خلًّا بنفسها) فتطهر؛ لأنَّ نجاستَها؛ لشِدَّتها المُسكِرة الحادثة لها، وقد زَالت من غير نجاسةٍ خَلَّفتها، كالماء المتغيِّر الكثير يَزولُ تغيُّره بنفسِه. وكذا لو انقلبتْ خَلًّا بنقلِها من دَنٍّ (^٤) إلى دنٍّ أو من موضعٍ إلى غيره بلا قصدِ تخليل.
وحَرُم تخليلُها ولو لِيَتيمٍ؛ لحديثٍ مسلم (^٥) عن أنس قال: سئل النبي ﷺ عن الخمر تُتَّخذُ خَلًّا؟ قال: "لا". والنبيذُ كالخمرِ فيما تقدَّم.
(كدود جرحٍ) وكالميتةِ تصيرُ بتطاولِ الأزمانِ ترابًا، فـ "المتولِّدُ" مبتدأ، خبرُه قوله: "نجسٌ".
(يُخلَقُ منها حيوانٌ طاهر) فإنَّها تصيرُ طاهرةً بعد أنْ كانت متنجِّسة، فتطهرُ باستحالتِها حيوانًا طاهرًا، سواءٌ كانَ مأكولًا، أم لا.
(فتطهرُ بذلك) أي: بالاستحالةِ.
(تنقلبُ خلًّا بنفسِها) أي: من غيرِ نقلٍ، ولا وضعِ شيءٍ فيها.
والخمرُ: هي ما أسكرَ من عصيرِ عنبٍ وغيرِه؛ لأنَّها حُرِّمَت وما بالمدينةِ عنبٌ، وما
_________________
(١) الكنف: جمع كنيف؛ وهو المرحاض، سمي كنيفًا لأنه يستر صاحبه. "المصباح المنير" (كنف).
(٢) الملَّاحة بالتثقيل: منبت الملح. "المصباح المنير" (ملح).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٧٨٥)، والترمذي (١٨٢٤)، وابن ماجه (٣١٨٩) عن ابن عمر ﵄. والجَلَّالة من الحيوان: التي تأكل العذرة. النهاية (جلل).
(٤) الدَّنُّ: أَطْولُ من الحُبِّ أو أصغر. اللسان (دنن).
(٥) برقم (١٩٨٣).
[ ١ / ٤٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنْ خُلِّلَت ولو بنقلٍ لقصدِ تخليلٍ، لم تَطْهر.
ودَنُّها مثلُها يطهرُ بطهارتها، ولو ممَّا لم يلاقِ الخَلَّ مما أصابَه الخمر في غليانه،
كانَ شرابُهم إلَّا البُسْرُ (^١) والتمرُ، سُمِّيَت بذلك؛ لتخميرِها العقلِ، أي: تغطيتِها إيَّاه، ومنه: خِمَارُ المرأةِ، وكلُّ شيءٍ غَطَّى شيئًا فقد خَمَرَه، أو لأنَّها تُرِكَتْ حتى أدْرَكَتْ واختمرَت (^٢). وحكمُها أنَّها تطهُرُ بالاستحالةِ في المنصوصِ، لا نعلمُ فيه خلاقًا؛ لأنَّ نجاستَها لشدَّتِها المُسكِرة (^٣)، وهي حادثةٌ، وقد زالتْ من غيرِ نجاسةٍ خَلَفَتْهَا، فوجبَ أن تطهرَ، كالماءِ المتغيِّر بالنجاسةِ إذا زالَ تغيُّره بنفسه. ح ف مع زيادة. (وكذا لو انقلبَتْ خلًّا بنقلِها … إلخ) عطف على قوله: "بنفسها"، بأنْ نُقِلَت من الشمس إلى الظلِّ، أو عكسه، أو من إناء … إلخ، فيما تقدم من التفصيل في الخمرة، فإن انقلبت بنفسِها خلًا، فإنَّها تطهرُ، وكذا لو انقلبَ النبيذُ خلًّا بنقلِه بلا قصدِ تخليل … إلخ.
(فإن خُلِّلَت … إلخ) هذا مفهومُ قوله: "بنفسها"، فهو محترزُ ذلك. (ولو بنقل لقصدِ (^٤) تخليلٍ، لمْ تطهُر) لأنَّ الشرعَ أكَّدَ تحريمَها، وإيجابَ إراقتِها، فوجب سَدُّ بابِ المعالجةِ في تطهيرِها كفًّا للنفوسِ عن ممارستِها؛ خوفًا من الوقوعِ في المحذور، كما تَحْرُمُ الخلوةُ بأجنبيَّةٍ، خوفًا من الزنى، وهو يستوي فيه تخليلُها بالنقلِ، والطرحِ فيها، كما لو طَرَحَ فيها السُّكَّرَ حتى حلَّت، وذهبتِ الشدَّةُ، فلم تطهر. ح ف.
(لقصدِ تخليلِـ) ـها، فلو انقلبتْ خلًّا بنقلٍ من دَنٍّ إلى آخرَ، ومن موضعٍ إلى آخرَ، من غيرِ قصدٍ لذلك، فتطهرُ.
(ودَنُّها) أي: الخمرةِ، وهو وعاؤها (مثلها) يطهرُ بطهارتِها؛ لأنَّ مِنْ لازمِ الحكمِ
_________________
(١) هو ثمرٌ من النخل معروف. "المصباح المنير" (بسر).
(٢) "القاموس المحيط" (خمر).
(٣) في الأصل: "المنكرة"، والتصويب من "المبدع" ١/ ٢٤٢.
(٤) في الأصل: "قصد".
[ ١ / ٤٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كمحتفَرٍ من أرضٍ طَهُر ماؤُه بِمَكْثٍ أو بإِضافةٍ. ويَدخُلُ في ذلك ما بُنيَ في الأرض من الصَّهاريج والبَحرات، بخلاف إناءٍ طَهُر ماؤُه، لكنْ إذا انْفَصلَ، حُسِبت غَسْلَةَ واحدةً.
وحَرُم -على غير خَلَّال- إمساكُ خمرٍ لتخلُّلٍ، بل تراقُ في الحال. فإنْ خَالفَ فصارَ خَلًّا بغير تخليلٍ، طَهُر.
بطهارتِها الحكمُ بطهارتِه، حتى ما لم يلاقِ الخلَّ ممَّا فوقه، ممَّا (^١) أصابَهُ الخمرُ في غليانِه.
(كمحتفرٍ في أرضٍ) فيه ماءٌ كثيرٌ، تغيَّر بنجاسةٍ، ثمَّ زَالَ تغيُّرُه بنفسِه، فيطهرُ هو ومحلُّه؛ تبعًا له. مصنِّف (^٢).
(أو بإضافةٍ) أي: إضافةِ ماءٍ كثير، أو بنزحٍ بقيَ بعده كثير، ويدخلُ في ذلك ما بُنَي في الأرض من الصهاريجِ والبحرات؛ لأنَّ ذلكَ يَظهرُ بمكاثرتِه بالماءِ الطهور، وهي حاصلةٌ. مصنِّف (^٣).
(بخلافِ إناءٍ طهُرَ ماؤه) بزوالِ تغيُّرِه بنفسِه، أو بإضافةٍ، أو نزحٍ؛ لأنَّ الأوانيَ وإنْ كانت كبيرةً، لا تطهرُ إلا بسبعِ غَسَلات، فإن انفصلَ عنه الماءُ، حُسِبَتْ غَسْلَةً، ثمَّ يُكمل، ولا يَطهرُ الإناءُ بدون إراقتِه. مصنِّف (^٤).
(لكنْ إذا انفصلَ … إلخ) أي: إذا انفصلَ الماءُ المنقلِبُ بنفسِه عن الإناءِ.
(وحَرُمَ على غير خلَّالٍ … إلخ) وأمَّا الخلَّالُ، فلا يُمْنَعُ من ذلك؛ لئلا يضيعَ ماله.
(لتخلُّلٍ) أي؛ لتصيرَ خلًّا بنفسِها، بيدِ غيرِ الخلَّالِ، فإنَّه يُمنَعُ من ذلك.
(فإنْ خالفَ) غيرُ الخلَّال وأمسكَها، فصارَ خلًّا ببدِه، بأنْ تخلَّل بنفسِه من غيرِ ضمّ شيءٍ إليه، ومِنْ غيرِ نقلٍ لقصدِ تخلُّل. (طهرَ) وحَلَّ، جوابُ: "إن"
_________________
(١) في الأصل: "بما". والتصويب من "الهداية" و"كشاف القناع" ١/ ١٨٧.
(٢) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢١٠.
(٣) "كشاف القناع" ١/ ١٨٧.
(٤) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢١٠.
[ ١ / ٤٧٣ ]
ولا يطهرُ دهنٌ بغَسْلٍ، ولا حُبّ تشرَّبها،
والخلُّ المباح: أنْ يُصبَّ على العِنَبِ أو العصير خلٌّ قبلَ غليانه، وقبل أنْ تمضي عليه ثلاثةُ أيامٍ بلياليهنَّ حتى لا يَغلي. قيل للإمام أحمد ﵀: فإنْ صُبَّ عليه خلٌّ فَغَلى؟ قال: يُهرَاق.
(ولا يطهرُ دهنٌ) تنجَّس (بِغَسْلٍ) لأنَّه لا يتحقَّقُ وصولُ الماءِ إلى جميعِ أجزائه، وإلَّا لم يَأمر النبي ﷺ بإراقةِ السَّمن الذي وقعتْ فيه الفأرةُ (^١).
(ولا) يطهر باطنُ (حُبٍّ (^٢) تَشرَّبَها) أي: النجاسةَ
(لأنَّه لا يتحقَّقُ وصولُ الماءِ … إلخ) ولأنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل عن السمنِ الذي وقعتْ فيه الفأرةُ، فقال: "إن كانَ مائعًا، فلا تقربوه". رواه أبو داود (^٣). (وإلَّا لم يأمر النبيُّ ﷺ … إلخ) أي: وإلَّا لو تحقَّقَ وصولُ الماءِ إلى جميعِ أجزائِه، أو كانَ يُمكنُ تطهيرُه، لم يأمُرُهُم النبي ﷺ بإراقةِ السمن … إلخ.
قال في "المبدع": وقال أبو الخطاب: يطهرُ بالغسل منها ما يتأتَّى غَسْله كزيتٍ ونحوه. وكيفيَّةُ تطهيره، أنْ يُجْعَلَ في ماءٍ كثيرٍ، ويحرَّك حتى يصيبَ جميعَ أجزائِه، ثم يترك حتى يعلو على الماءِ، فيؤخذ. وإنْ تركَه في جرَّةٍ، وصَبَّ عليه ماءً، وحَرَّكَهُ فيه، وجعل لها بُزَالًا (^٤)، يخرجُ منه الماءُ، جاز.
(ولا يَطْهرُ باطنُ حُبٍّ … إلخ) ولا يطهرُ عجينٌ تنجَّسَ؛ لأنَّه لا يمكنُ غَسْله، ولا يطهرُ لحمٌ تنجَّسَ وتشرَّبَ النجاسةَ بغسلٍ؛ لأنَّه لا يَستَأْصِل أجزاءَ النجاسةِ مما ذُكِر.
_________________
(١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٢٣٥) عن ميمونة ﵂: أن رسول الله ﷺ سُئِل عن فأرة سقطت في سمنٍ؟ فقال: "ألقوها وما حولها فاطرَحُوهُ، وكُلُوا سمنَكُم".
(٢) الحُبُّ بالضم: الخابية، فارسيٌّ معرَّب، وجمعه حبَابٌ وحِبَبَة. "المصباح المنير" (حبب).
(٣) في "سننه" (٣٨٤٢)، وهو عند وأحمد (٧٦٠١) من حديث أبى هريرة ﵁. وفي هذا الحديث مقال، ينظر "تهذيب السنن" لابن القيم ٥/ ٣٣٦ - ٣٣٧.
(٤) قال في " (القاموس" (بزل): بَزَل الخمر وغيرها: ثقب إناءها، كابْتزَلَها وَتَبزَّلَها، وذلك الموضع: بُزَال.
[ ١ / ٤٧٤ ]
أو سكِّينٌ سُقِيتْها.
ويجزئُ في بولِ غلامٍ لمْ يأكلْ طعامًا لشهوةٍ غَمْرُه بالماءِ.
(أو) أي: ولا تطهر (سكِّينٌ سُقِيتْها) أي: النَّجاسةَ، كما لو سُقيت ماءً نجسًا، أو بولًا، أو نحوه من النجاسات؛ لأنَّ الغَسلَ لا يَستأْصِلُ أجزاءَ النَّجاسة.
(ويُجزِئُ في) تطهيرِ (بولِ غلامٍ لمْ يأكلْ طعامًا لشهوةٍ غَمْرُه) أي: البولِ، أي: سَتْرُه (بالماء) وإنْ لم ينفصل الماءُ عن محلِّه. والمرادُ أنَّه يَطْهُر بغسلةٍ واحدةٍ، ولا يحتاجُ إلى مَرْسٍ (^١) ولا عصر؛ لحديث أمِّ قيس بنت مِحْصَن أنّها أتتْ بابنٍ لها صغيرٍ
"تنبيه": يجوز الاستصباحُ بدهنٍ متنجِّسٍ في غير مسجدٍ؛ لجوازِ الانتفاعِ بالنجاسة على وجهٍ لا تتعدى (^٢)، وأمَّا في المسجد فلا، لئلَّا يُفضي إلى تنجيسه. ولا يحلُّ أكلُه ولا بيعُه، ويأتي في البيع؛ لأنَّ اللهَ إذا حرَّم شيئًا حرَّمَ ثمنَه. نصَّ على ذلك في "الإقناع" و"شرحه" للمصنِّف (^٣).
(ويجزئُ في تطهيرِ بولِ غلامٍ … إلخ) قال في "الإقناع" (^٤): وبولُ الغلامِ الذي لم يَأْكُلِ الطعامَ لشهوة، نجسٌ.
قال المصنِّفُ (^٥): صرَّح به الجمهور، كبولِ الكبير -وهو مفهومُ قول الشارح: "تطهير بولِ غلام … إلخ"- لكنْ يجزئُ نضحُه، وهو غمرُه بالماءِ، وإنْ لم ينفصلِ الماءُ عن المحلِّ، ويطهر بالنضح.
(ولا يحتاج الى مَرْسٍ ولا عصرٍ) تفسيرٌ لقولِه: "وإنْ لم ينفصل الماءُ عن محلِّه".
(بنت مِحْصَن) بكسرِ الميم، وسكون الحاءِ المهملة، مع فتحِ الصاد، كما ضبطَه المصنِّف بخطِّه.
_________________
(١) المرس: الدلك، ومرست التمر مرسًا؛ دلكته في الماء حتى تتحلَّل أجزاء. "اللسان" و"المصباح المنير" (مرس).
(٢) في الأصل: "يتعدَّى".
(٣) "الإقناع" ١/ ٩٣، و"كشاف القناع" ١/ ١٨٨.
(٤) ١/ ٩٤.
(٥) "كشاف القناع" ١/ ١٨٩.
[ ١ / ٤٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم يأكلِ الطَّعامَ إلى النبيِّ ﷺ، فأجلَسَه (^١) في حِجْره، فَبَالَ على ثوبِه، فدعا بماءٍ فَنَضَحه ولم يَغْسِله. متفقٌ عليه (^٢). وقولها: لم يأكل الطعام، أي: بشهوةٍ واختيارٍ وطلبٍ؛ لا عَدَم أكْلِه بالكلِّيَّةِ؛ لأنَّه يُسقى الأدويةَ، والسُّكَّرَ، ويحنَّكُ حين الولادة. وقيْؤُه كبولِهِ، بل هو أخفُّ.
وعُلم منْه أنَّه لو أكل الطعامَ لشهوةٍ غُسِل سبعًا، وأنَّه يُغْسَل من الغائط مطلقًا، وأنَّه يغسل بولُ أُنثَى وخُنْثَى؛ لقوله ﵊: "إنَّما يُغْسَل من بولِ الأُنثى، وينضحُ من بولِ الذَّكَر" رواه أبو داود (^٣).
والحكمةُ فيه: أنَّ بولَ الغلام يخرجُ بقوَّةٍ فينشر، وأنّه يَكثرُ حملُه على الأيدي، فتعظُمُ المشقَّةُ بغَسْلِه، أو أنَّ مِزَاجَه حارٌّ، فبولُه رقيقٌ، بخلاف الجارية.
(ويُحنَّكُ حينَ الولادة) التحنيكُ: مضغُ التمرِ ثم دلكُه في فمِ الصبيِّ.
(وعُلِمَ منه أنَّه لو أكلَ الطعامَ لشهوةٍ … إلخ) هذا شروعٌ في مُختَرَزاتِ المسألة.
(سبعًا … مطلقًا) أي: سواءٌ كان يأكلُ الطعامَ لشهوةٍ، أو لا.
(وأنَّه يُغسَل بولُ أنثى وخنثى … إلخ) عطفٌ على قوله: "أنه لو أكلَ الطعامَ … إلخ".
(والحكمة … إلخ) جوابٌ عما يُقال: لماذا حكمتمْ على بولِ الغلامِ الذي لم يأكلْ طعامًا لشهوةٍ بغمرِه بالماء، دونَ الجاريةِ، مع أنَّ الخِلْقَةَ واحدةٌ؟ وهذا الجوابُ من باب: الريحانُ يشمُّ ولا يُذاق.
_________________
(١) في (ح) و(ز) والأصل: "فأجلسته".
(٢) البخاري (٢٢٣)، ومسلم (٢٨٧).
(٣) في "سننه" (٣٧٥) من حديث لُبابة بنت الحارث، وهو عند ابن ماجه (٥٢٢)، وأخرجه أيضًا أحمد (٢٦٨٧٥) مطولًا. وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وهو عند أحمد (٥٦٣)، وأبي داود (٣٧٨)، والترمذي (٦١٠) وقال: حسن صحيح. وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٢٨: إسناده صحيح … وقد روي هذا الفعل من حديث جماعة من الصحابة، وأحسنها إسنادًا حديث علي.
[ ١ / ٤٧٦ ]
وإنْ خفي موضعُ نجاسةٍ، غُسِل حتى يتيقَّنَ زوالَها.
وقال الشَّافعيُّ ﵀: لم يتبيَّن لي فرقٌ من السُّنَّة بينَهما (^١).
وذكر بعضهم أنَّ الغلامَ أصلُه من الماء والتراب، والجاريةَ من اللَّحم والدَّم، وقد أفادَه ابنُ ماجه في "سُننه" (^٢). وهو غريب.
(وإنْ خفي موضعُ نجاسةٍ) في بدنٍ، أو ثوبٍ، أو مصلًّى صغيرٍ (غُسِل) وجوبًا ما احتُمِل أنَّ النجاسةَ أصابتْهُ (حتى يتيقَّنَ زوالَها) أَي: النجاسةِ؛ فلا يكفي الظَّنُّ ليخرجَ
(وإن خفيَ موضعُ نجاسةٍ في بدنٍ أو ثوبٍ) أو بقعةٍ يمكنُ غَسْلُها، وأرادَ الصلاةَ في ذلك، غُسِلَ كلُّ محلٍّ احتُمِلَ أنَّ النجاسةَ أصابتْهُ، من البدن أو الثوب.
(حتى يتيقَّنَ زوالَها) "حتى" غائيَّةٌ، أي: فيستمرُّ الغَسْل حتَّى يتيقَّن زوالَها؛ لأنَّ النجاسةَ مُتَيَقَّنَةٌ، فلا تَزولُ إلا بيقينِ الطهارةِ؛ لأنَّه اشتبهَ الطاهرُ بالنجسِ، فوجبَ عليه اجتنابُ الجميعِ حتى يتيقَّن الطهارةَ بالغَسْلِ، كما لو خفي المذكَّى بالميت، فإنْ كانت في إحدى الكمَّين ونسيه، غَسَلَهُما، وإنْ رآها في بدنه، أو ثوبِه الذي عليه، ونسيَ موضِعَها، غسلَ كلَّ ما يدركُهُ بصرُهُ منهما. وإنْ لم يعلم جهتَهَا من البدنِ أو الثوبِ، بأنْ لم يدرِ أهيَ فيما يدركُه بصرُه منهما، أو لا، غسلَهُمَا جميعًا. فلو صلَّى مع وجودِ النجاسةِ الخفيَّةِ في بدنِه، أو الثوبِ الذي خَفِيَت فيهِ، بدونِ الغَسْل المذكورِ، لم تصحَّ صلاتُه، ولأنَّه تيقَّن المانع من الصَّلاةِ، فلم يبح له إلَّا بيقينِ زوالِه، كمن تيقَّنَ الحدثَ، وشكَّ في الطهارةِ. دنوشري. (فلا يكفي الظنُّ) قال ابنُ قندس (^٣): يُؤْخَذُ من ذلك أنَّ غَسْلَ النجاسةِ يعتبرُ له اليقينُ، ولا يكفي غلبةُ الظَنِّ في إزالتِها، بل لابدَّ من العلمِ أنَّه أزالَها الغَسلُ. ويُقَوِّي ذلكَ عبارةُ "المقنع" (^٤) وغيره،
_________________
(١) ونقله عنه البيهقيُّ في "السنن الكبرى" ٢/ ٤١٦.
(٢) ١/ ١٧٥، عقب الحديث (٥٢٥)، عن الإمام الشافعي ﵀، والكلام من زيادات أبي الحسن القطان على "سنن" ابن ماجه.
(٣) في "حاشية" على "الفروع" ١/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٤) ٢/ ٣٠٨.
[ ١ / ٤٧٧ ]
ويُعفى عن يسيرِ دمٍ،
من العُهْدة بيقينٍ. فإنْ جَهِل جهتَها من نحوِ ثوبٍ، غَسَلَه كلَّه، وإنْ عَلِمها في إحدى يَدَيْه أو كُمَّيه ونسيَه، غسلَهُما. ويصلِّي في صحراءَ ونحوِها، كحَوشٍ (^١) واسعٍ خفيَت فيه النجاسة، بلا تحرٍّ، وتقدَّم.
(ويُعْفى) في غير مائعٍ ومطعومٍ، بل في صلاةٍ وطوافٍ (عن يسيرِ دمٍ
بقوله: غَسْلُ ما يَتيَقَّنُ به إزالَتَها. فأَتى بلفظِ الإزالةِ، وتبعَه فيهِ المصنِّفُ، وهو دالٌّ على ذلكَ أقوى من لفظِ الغَسْل.
ويمكنُ أنْ يُقَال: مرادُهم هنا، أنَّه يُعتَبَرُ اليقينُ في إِتيانِ الغَسْلِ على موضعِ النجاسةِ التي قد خَفيت؛ لأنَّه لو غَسَلَ مكانًا من المشكوكِ فيه دونَ غيرِه، لم يتحقَّق أنَّ الغَسْلَ أتى على موضعِ النجاسة، فيَحتملُ أنْ يحصلَ غسلُهما بالكليَّةِ، وأمَّا إِنْ تَحقَّقَ أنَّ الغَسْلَ أتى على موضعِ النجاسةِ، فيَحتملُ أن يُقَال: يكفي غلبةُ الظنِّ في الإزالةِ، كما قيل في رفعِ الحدث، والإنقاءِ في الاستنجاء، على الخلافِ المذكور فيهما، فإن عَرفَ موضعَ النجاسةِ، وشكَّ هل أصابتْ غيرَه، لم يجب أنْ يَغسِلَ إلَّا ما تَيقَّن، جزم به في "شرح العمدة". حفيد.
(كحَوشٍ واسعٍ) مثال للنحو، فإنَّه لا يجبُ غسلُ جميعه؛ لما في ذلك من المشقَّةِ والحرج.
(بلا تحرٍّ) دفعًا للحرج والمشقَّةِ، فإنْ كان صغيرًا، كالبيتِ والحوشِ الصغير، وخفيتْ فيه النجاسةُ، وأراد الصلاةَ فيه، لزمهُ غسلُهُ كلِّه، كالثوب. مصنِّف (^٢). (ويُعفى في غيرِ مائعٍ … إلخ) أي: يُعفَى عنه في الصلاة إذا كان في الثوبِ والبدن ونحوهما؛ لما رُويَ عن عائشةَ قالت: قد يكون لإحدانا الدرع، فيه تحيض، وفيه تُصيبها الجنابةُ، ثمَّ ترى فيه قطرةً
_________________
(١) الحَوْش: شبه الحظيرة. "القاموس" (حوش).
(٢) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢١١.
[ ١ / ٤٧٨ ]
وقيحٍ، وصديدٍ بثوبٍ، أو بدنٍ من حيوانٍ طاهرٍ.
وقيحٍ) وهو الأبيضُ الخاثرُ، الذي لا يخالطُه دمٌ (^١). (وصديدٍ) وهو الدَّمُ المختلطُ بالقيح (^٢). فيُعفى عن يسيرِ (^٣) ذلك (بـ) ـنحو (ثوبٍ (^٤) أو بدنٍ) إذا كانَ (من حيوانٍ طَاهرٍ)
من دمٍ فتَقْصعه بِريقِها. وفي رواية: بلَّتهُ بريقِها، ثمَّ قصعتهُ بظفرها. رواه أبو داود (^٥). وهذا يدلُّ على العفوِ عنه؛ لأن الريقَ لا يُظهِّرُه، ويَنْجُسُ به ظُفرُها [وهو إخبارٌ عن دوام فعلٍ] (^٦)، ومثلُ هذا لا يخفى على النبيِّ ﷺ، ولا يَصْدُرُ إلَّا عن أمْرِه، ولأنَّه إجماعُ الصحابةِ على الصلاة معه، وكذلك التابعين، ومن عاصرَهم، ولأنَّ الإنسانَ غالبًا لا يمكنهُ صونُ بدنِه وثيابِه عن نجاسةِ القروحِ والجروحِ والدماميلِ، رخِّصَ في تركِ غسلِها؛ دفعًا للحرجِ والمشقَّةِ، إلَّا إذا فحشت (^٧)، وفُحشُها لا يَشقُّ التحرُّز منه، فلم يُعْفَ عنه، وإنَّما لم يعفَ عنه في المائع؛ لأنَّه يُنَجِّسُه، ولا في المطعومِ؛ لتعدِّي نجاستِه إلى أكله.
واحْتُرِزَ بالدم ونحوه، عن البولِ والغائطِ ونحوهما، فإنَّه لا يُعفَى عن يسيرِ شيءٍ من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وقولِه ﵊: "تنزَّهُوا من البول، فإنَّ عامَّة عذابِ القبر منه" (^٨)، ولأنها نجاسةُ لا يشقُّ إزالتُها، فوجبَت، كالكثير. انتهى. حفيد.
(وقيح وصديدٍ) معطوفٌ على قوله: "دم"، لأنَّهما كالدم، وأَولى، وكذا ماءُ القروحِ؛
_________________
(١) "المصباح المنبر" (قيح).
(٢) "المصباح المنير" (صدد).
(٣) في (م): "يسيره".
(٤) في (س) و"عمدة الطالب": "بثوب"، بدل: "بنحو ثوب".
(٥) في "سننه" (٣٦٤)، وهو بنحوه في "صحيح" البخاري (٣٠٨) و(٣١٢).
(٦) ما بين حاصرتين زيادة من "الشرح الكبير" ٢/ ٣١٨.
(٧) في الأصل: "فحشتا".
(٨) سيأتي تخريجه ٢/ ٧٨.
[ ١ / ٤٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الحياةِ من مصلٍّ وغيرِه، ولو دَمَ حيضٍ ونفاسٍ؛ لا من حيوانٍ نَجِسٍ كحمارٍ، أو من سبيلٍ؛ لأنَّه كالبول.
وقدرُ اليسير من ذلك: ما لا يَنْقُض الوضوءَ، أي: ما لا يَفْحُشُ في النَّفْس
لكن يُعفَى عنها عن أكثر ممَّا يُعفَى عن مثلِه من الدم؛ للاختلافِ فيها، ولهذا قال الإمام أحمد: هو أسهلُ من الدم. حفيد.
(من مُصَلٍّ وغيره) معلِّقٌ بقوله: "بثوب … إلخ"، بأنْ كانَ دمَ آدميٍّ غيرِ المصلِّي، أو دمَ حيوانٍ طاهرٍ، مأكولٍ، أو لا، كالهرِّ، وقيل: يختصُّ العفو بدمِ بدنِ نفسِ المصلِّي، وقيحِه، وصديدِه. حفيد.
(لا من حيوانٍ نجسٍ) أي: لا إنْ كان الدمُ والقيحُ والصديدُ من حيوانٍ نجسٍ، كالكلبِ، والخنزير، والبغلِ، والحمار، وسباعِ البهائم، وجوارحِ الطير، ممَّا فوقَ الهرِّ خِلْقَةً، فإنَّه لا يُعفَى عن يسيرِ شيءٍ من فضلاتِه، كعَرَقِه، وريقِه، فدمُه أَولى.
قال في "المبدع": وأمَّا ريقُ البغلِ والحمارِ، وعرقُهما، فيعفَى عن يسيرِه، إذا قيلَ بالنجاسة. وهو الصحيح؛ لأنَّه يشقُّ التحرُّزُ منه. قال في "الشرح" (^١): وهو الظاهر عن أحمد. قال الخلَّال: وعليه مذهبه. قال الامامُ أحمد: مَنْ يسلَمُ مِن هذا ممَّن يركَبُ الحُمُر؟ إلَّا أنِّي أرجو أن يكون ما جَفَّ (^٢) منه أسهل.
قلت: لأنَّ الدمَ أبلغُ في النجاسةِ من الريقِ. انتهى. دنوشري.
(أو من سبيلٍ) أي: أو كان الدمُ ونحوه خارجًا من قُبُلٍ أو دُبُرٍ؛ لأن حكمَ الخارجِ من السبيلِ حكمُ البولِ والغائطِ، فلا يُعفَى عن يسيرِه.
_________________
(١) "الشرح الكبير" ٢/ ٣٢٨.
(٢) كذا في "الأصل" و"المبدع" ١/ ٢٥٠، وفي "المغني" ٢/ ٤٨٦، و"الشرح الكبير" ٢/ ٣٢٩: "ما خفَّ".
[ ١ / ٤٨٠ ]
وعن أثرِ استجمارٍ بمحلِّه.
ولا يَنْجُسُ آدميٌّ،
ويُضمُّ متفرِّقٌ بثوبٍ لا أكثر.
(و) يُعفَى أيضًا (عن أثرِ استْجمارٍ بمحلِّه) بعد الإِنقاء واستيفاءِ العَدَدِ، بلا خلاف. وعُلِم منه أنَّه لو تَعَدَّى محلَّه، إلى الثوب أو البدن، لم يُعْفَ عنه.
(ولَا يَنْجُسُ آدميٌّ) ولو كافرًا بموتٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ولحديث: "إنَّ المؤمنَ لا يَنْجُس" (^١). ولأنَّه لو نَجس، لم يَظْهُر بالغَسْل، وأجزاؤُه وأبعاضُه كَجُمْلَته.
(ويُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ بثوبٍ) واحدٍ، بأنْ كان فيهِ بُقَعٌ من دمٍ، أو قيحٍ، أو صديدٍ، فإنْ صار بالضمِّ كثيرًا، لم تصحَّ الصلاةُ فيه، وإلا عفي عنه. مصنِّف (^٢).
(لا أكثر) أي: ولا يضمُّ متفرِّقٌ في أكثر من ثوبٍ، بل يعتبرُ كلُّ ثوبٍ على حِدَتِه.
(ويُعْفَى … عن أثرِ استجمارِ) ما دامَ (بمحلِّه بعدَ الإنقاءِ، واستيفاءِ العدد) المعتبرِ فيه، بغير خلافِ نَعْلَمُه، واقتضَى ذلكَ نجاستَه؛ لأنَّ العفوَ يُشعِر بالنجاسة، وعليهِ أكثرُ الأصحابِ؛ لأنَّ الباقيَ من عينِ النجاسةِ نجسٌ، فعلى هذا عَرَقُهُ نجسٌ، فينجس الماء اليسير بقعوده فيه، واختار ابنُ حامدٍ طهارتَه، وفُهِمَ منه أنَّه إذا تعدَّى محلَّه بعَرَقٍ، أو نحوِه، فإنَّه لا يُعفَى عنه. دنوشري.
(ولا ينجس آدميُّ، ولو كافرًا بموتٍ لـ) عموم (قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ومِنْ جُملةِ تكرمتِه الحكمُ بطهارتِه حيًّا وميتًا.
وأما قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمرادُ نجاسةُ الاعتقادِ، وأنَّا نجتنِبُهم كالنجاسة، لا نجاسة الأبدان. ح ف.
(ولأنَّه لو نَجُسَ) بالموت (لم يطهرْ بالغَسْل) كسائر الحيوانات التي تنجسُ بالموتِ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١) وهو أيضًا عند أحمد (٧٢١١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢١٦.
[ ١ / ٤٨١ ]
ولا ما لا نَفْسَ له سائلة بموتٍ.
وبولُ ما يُؤكلُ لحمُه، وروثُه،
(ولا) يَنْجُس (ما لا نَفْسَ) أي: دَمَ (له سائلة) بالنَّصب، والرفع؛ إتباعًا لمحلٍّ اسمِ "لا"، أو لـ "لا" مع اسْمِها (بموتٍ) لخبر أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَاب أحدِكُم، فليَغمِسْه كلَّه، ثمَّ ليطْرَحْه؛ فإنَّ في أحدٍ جناحيه شفاءً، وفي الآخرِ داءً" رواه البخاريّ (^١). والظاهرُ موتُه بالغَمْس، لاسيَّما إذا كانَ الطعامُ حارًّا، والذي لا نَفْس له سائلة، كالخُنفَساءِ، والعَنْكبوت، والذُّباب، والنَّحلِ، والزُّنْبُور، والنَّمل، والدودِ من طاهر، وكذا ميتةُ جرادٍ وسمكٍ وسائرٍ مالا يعيشُ إلَّا في الماء.
(وبولُ ما) أي: حيوانٍ (يُؤكلُ لَحمه) أي: يحل أكلُه، طاهرٌ (وروثُه) أي: روثُ ما يُؤكَلُ لحمُه طاهرٌ؛ لأنَّه ﷺ أمَر العُرَنِيِّينَ (^٢) أن يَلحقوا بإبلِ الصدقة فَيشْربوا مِنْ أبوالِها وأَلبْانِها (^٣). والنَّجَسُ لا يُبَاحُ شُرْبه، ولو أبيح لِلضَّرورةِ، لأمرهُم بِغَسْلِ أَثرِه إذا
وأجزاؤُه وأبعاضُه، كجملتِه. قال في "الإقناع" و"شرحه": ولا ينجسُ الآدميُّ ولا طرفُه، ولا أجزاؤُه، كلحمِه، وعظمِه وعصبِه، ولا مشيمتِه -بوزنِ فعيلة- كيس الولد، ولو كافرًا بموته (^٤). (ولا ينجُسُ ما لا نفسَ -أي: دمَ- له سائلة) أي: الذي لا دمَ له سائلةً طاهرٌ، إلَّا أنْ يكونَ متولِّدًا من نجاسةٍ، كدود الحشِّ، وصراصِرِه، فنجِسٌ حيًّا وميتًا.
قال في "المبدع": المرادُ بالنفسِ السائلة، الدمُ السائلُ؛ لأنَّ العربَ تسمِّي الدمَ نفسًا، ومنه قيل للمرأة: نفساء؛ لسيلانِ دمِها عند الولادةِ، وسمِّي الدمُ نفسا؛ لنفاستِه في البدن.
ويجوز في "سائلة" الرفعُ، والتنوينُ، والنصب، ولا يجرز بناؤه على الفتح من غير تنوين؛ لعدمِ إمكان تركيبِه مع موصوفه؛ لأنَّه مفصول بالجاز والمجرور. حفيد.
_________________
(١) برقم (٣٣٢٠)، وهو عند أحمد (٩١٦٨).
(٢) العرنيون: نسبة الى عُرينة، حيٌّ من قضاعة، وحيٌّ من بجيلة، والمراد هنا الثاني. "فتح الباري" ١/ ٣٣٧.
(٣) أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١) عن أنس بن مالك ﵁، وهو عند أحمد (١٢٠٤٢).
(٤) "الإقناع" ١/ ٩٦، و"كشاف القناع" ١/ ١٩٣.
[ ١ / ٤٨٢ ]
ومنيُّه، ومنيٌّ آدميٍّ،
أرادوا الصَّلاة. وكان ﷺ يصلِّي في مَرَابض الغَنَم (^١)، وأَمَرَ بالصلاة فيها (^٢).
(ومنيُّه) أي: مَنيُّ ما يؤُكَلُ لحمه طاهرٌ كبوله وأَوْلى.
(ومَنِيُّ آدميٍّ) طاهرٌ؛ لقولِ عائشة: كنتُ أفركُ المنيَّ من ثوبِ رسول الله ﷺ، ثمَّ يذهبُ فيصلِّي فيه. متفقٌ عليه (^٣). وقال ابنُ عباس: "امسحْهُ عنك بإذْخِرَةٍ (^٤)، أو
(وكان ﷺ يُصَلِّي في مرابضِ الغنمِ وأمر بالصلاة فيها) وهي لا تخلُو من أبعارِها، وأبوالِها، فدلَّ على أنَّهم كانوا يباشرونَها في صلاتِهم، ولأنَّه (^٥) لو كانت أبوالُها وأرواثُها نجسةً، لتنجَّسَت الحبوبُ التي تدوسُها البقرُ؛ فإنَّها لا تسلمُ من ذلكَ، فيتنجَّس بعضُها، فيختلط النجِسُ بالطاهرِ، فيصيرُ حكمُ الجميعِ حكمَ النجِس.
وكذا ما لا نفسَ له سائلة، إلَّا أنْ يكون متولِّدًا من نجاسةٍ؛ لأنَّه ﵊ أمرَ بغمسِ الذبابِ في المائعِ المفضي إلى قتلِه (^٦)، مع أنَّ بدنَه لا يَسْلَمُ من بولِه، ولأنَّه طاهرٌ حيًّا وميتًا، فدلَّ على طهارةِ رطوباتِه، وما يتولَّدُ منه، وأنَّه في معنى النبات، ولأنَّ دمَه طاهرٌ فرجيعُه أولَى، ألا تَرى إلى أنَّ دمَ غيرِه من الطاهرات نجسٌ إجماعًا، ورجيعُه مختلَفُ فيه. ح ف.
(لقولِ عائشةَ: كنتُ أفركُ … إلخ) لا يقال: إنَّ المنيَّ من الاحتلام، مع أنَّ الأنبياءَ لا يحتلمون؛ لأنَّه من الشيطان، إلا أنْ يقالَ من أثرِ الجماع، ولما رَوى ابنُ عباسٍ قال: سُئِل رسول الله ﷺ عن المنيِّ يصيبُ الثوبَ، فقال: "إنَّما هو بمنزلة البُصَاقِ والمُخَاط، وإنَّما
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٤)، ومسلم (٥٢٤): (١٠) عن أنس ﵁. وهو عند أحمد (١٢٣٣٥).
(٢) أخرج الترمذي (٣٤٨)، وابن ماجه (٧٦٨)، وأحمد (٩٨٢٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "صَلُّوا في مرابض الغنم، ولا تُصلوا في أعطان الإبل". واللفظ للترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) البخاري (٢٢٩)، ومسلم (٢٨٨)، وهو عند أحمد (٢٤٠٦٤)، لكن ورد عند البخاري بلفظ الغسل لا الفرك.
(٤) الإذخر -بكسر الهمزة والخاء-: نبات معروف ذكيُّ الريح، وإذا جفَّ أبيضَّ. "المصباح المنير" (ذخر).
(٥) في الأصل: "ولأنهم". والتصويب من "الإنصاف" ٢/ ٣٤٧.
(٦) سلف قريبًا.
[ ١ / ٤٨٣ ]
وعرقُه، وريقُه طاهرٌ.
وكذا سؤْرُ هِرٍّ، وما دونه خِلْقَةً،
خِرْقَةِ، فإنَّما هو بمنزلة المُخَاط والبُصَاق" رواه سعيد (^١)، ورواه الدارقطني مرفوعًا (^٢). وفارقَ البولَ والمذيَ بأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدميٍّ.
(وَعَرَقُهُ) أي: عرقُ ما يُؤكلُ لحمُه طاهرٌ (ورِيقُهُ طاهرٌ) كبولهِ وأَولى. (وكذا) أي: كما تقدَّم في طَهارته (سُؤْر هِرٍّ) بضمِّ السِّين (^٣) وبالهمزة: وهو فَضلةُ طعامِه وشرابه. (و) سُؤْر (ما) أي: حيوانٍ (دونَه) أي: دونَ الهِرِّ أو مِثلَه (خِلْقَةً) بالنَّصبِ على التمييز، أي: من جهة الخِلْقَة، سواءٌ كانَ طيرًا أو غيرَه.
فلو أكلَ هِرٌّ أو نحوه، أو طفلٌ نجاسةً، ثمَّ شَرِب -ولو قَبْلَ أنْ يغيبَ- من ماءٍ
يكفيكَ أنْ تمسحَه بِخرقَةٍ أو إذخِرَةٍ". رواه الدارقطنيُّ (^٤).
ولو كان نجسًا لمَا أجزأَ فركُه، كسائرِ النجاسات، فعُلِم أنَّ ما وردَ من فركِه، وغسلِه، ومسحِه بالإِذْخِر، فلاستقذارِه، لا لنجاستِه، ولأنَّه مبدأُ خَفقِ آدميٍّ، فكانَ طاهرًا، كالجنين (^٥).
وظاهره طهارتُه، ولو خرج قبل الاستجمار، وهو ظاهرُ قولِ ابن قندس في "حاشية المحرر".
_________________
(١) لم نقف عليه في المطبوع من "سنن سعيد بن منصور"، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة ١/ ٨٥، والدارقطني (٤٤٨)، والبيهقي ٢/ ٤١٨، وقال: هذا صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد روي مرفوعًا، ولا يصح رفعه.
(٢) في "سننه" (٤٤٧)، وأخرجه أيضًا الطبراني في "الكبير" (١١٣٢١)، والببهقي ٢/ ٤١٨. وقال: ورواه وكيع، عن ابن أبي ليلى موقوفًا على ابن عباس، وهو الصحيح.
(٣) بعدها في (ح) و(ز) لفظة: "المهملة".
(٤) سيأتي قريبًا الكلامُ عنه في "هداية الراغب".
(٥) في "المبدع": "كالطين".
[ ١ / ٤٨٤ ]
وسباعُ البهائمِ والطَّيرِ مما فوقَ الهرِّ،
يسيرِ، فطهور. قال ابنُ تميم (^١): فيكونُ الرِّيق مطهِّرًا لها. انتهى. فدلَّ على أنَّه لا يُعفَى عن نجاسةٍ بيدِ بهيمةٍ أو رِجْلِها. نصَّ عليه. وكذا هِرٌّ وطِفْلٌ.
(وسباعُ البهائم) مبتدأ، خبرُه مع ما عطف عليه قوله الآتي: "نَجِسٌ". (و) سباعُ (الطَّير) أي: السباعُ من النوعين (مما فوقَ الهرِّ) خلقةً، نجسٌ، وذلك كالأسدِ، والنَّمِر، والذِّئب، والفَهد، والخِنزير، والعُقَاب، والصقر.
وقيل: منيٌّ المستجمِر، يعني: طاهرٌ وغيرُه نجِسٌ (^٢).
وإذا قُلنا بطهارةِ منيّ الآدميِّ، فمنيُّ مأكولِ اللحم أَولى؛ لأنَّه أخفُّ نجاسةً من الآدميِّ؛ بدليلِ طهارةِ بولِه وروثِه، وأمَّا نجاسةُ منيِّ ما لا يؤكَل؛ فلأنَّ لبنَه نجسٌ، فكذا منيُّه، وأَولى. انتهى. ح ف.
والمذيُّ مما لا يُؤكَلُ نجسٌ، وهو ماءٌ أبيضُ رقيق لَزِجٌ، كماءِ السيْسَبان (^٣)، يخرجُ عند فتورِ الشهوةِ، والإنعاظُ وهو الانتشارُ من غيرِ إحساسٍ بخروجِه؛ قاله المجد في "شرحه"، وفي عبارةٍ له أخرى: يخرجُ بمبادئِ الشهوة. قلت: ولعلَّه يختلفُ باختلافِ أمزجةِ الناس. دنوشري.
(وسباع البهائم … إلخ) من كلِّ ما لا يؤكل، وهو أكبرُ من الهرِّ خلقةً، نجسةٌ؛ لمَا تقدَّمَ من أنَّه ﷺ سُئِل عن الماءِ وما ينوبُه من السباع، فقال: "إذا بلغَ الماءُ قلَّتينِ، لم ينجُسْ"، ولو
_________________
(١) هو تقي الدين، أحمد بن محمد الأدمي، البغدادي. صاحبا المنور في راجح المحرر"، و"المنتخب". ولم تؤرَّخ وفاته. "المنهج الأحمد" ٥/ ٧٢، و"الدر المنضد" ٢/ ٥٠٠.
(٢) قال الحجاوي في "الإقناع" ١/ ٩٦: وبول ما يؤكل لحمه وروثه … ومنيُّه طاهر، كمنيِّ الآدمي، ولو خرجَ بعد استجمار. اهـ وقال في "المبدع" ١/ ٢٥٥: لكن لو أمنى وعلى فرجه نجاسة، تنجَّس منيه، لإصابته النجاسة، ولم يُعفَ عن شيءٍ منه. اهـ. وذكر في "الإنصاف" ٢/ ٣٥٢ وجهًا، فقال: وقيل: منيُّ المستجمر نجسٌ دون غيره. وينظر أيضًا "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢.
(٣) هو شجرٌ ينبت من حبَّةٍ، يطول ولا يبقى على الشتاء. "معجم متن اللغة" (سبب).
[ ١ / ٤٨٥ ]
والحمارُ الأهلي، والبغلُ منه، وعرقُه، وريقهُ.
(والحمارُ الأهليُّ) نجسٌ (والبغلُ) المتولِّد (منه) أي: من الحمار الأهليِّ، نجسٌ، وعُلِم منه أنَّ الحمارَ الوحشيَّ والبغلَ منه، طاهران (وَعَرقُه) أي: عرقُ ما ذُكِر من سباعِ البهائم والطَّير … إلخ، نجسٌ (وريقُه) نجِسٌ؛ لتولُّدِهما من النَّجس.
كانت طاهرةً لم يحدَّه بالقلِّتين. قال في "المنتهى" و"شرحه": وما لا يُؤكَلُ من الطير والبهائم ممَّا فوق الهرِّ خِلْقَة، نجسٌ كالعُقابِ والصقرِ والحِدَأَةِ، والبُومَةِ والنَّسْرِ والرَّخَمِ (^١)، وغرابِ البين والأبقعِ، والفيل، والبغلِ والحمار، والأسدِ والنَّمِرِ والذئب والفهدِ، والكلبِ والخِنزيرِ، وابنِ آوى والدُّبِّ والقرد والسِّمْعِ (^٢) والعِسبارِ (^٣).
وأمَّا ما دونَ ذلك في الخِلْقَةِ، فهو طاهرٌ، كالنمسِ، والنَّسْناسِ، وابنِ عُرْسٍ، والقُنْفُذِ، والفأر (^٤).
فالعُقَابُ -وما عُطِفَ عليه من سباعِ البهائمِ، والبغلِ والحمارِ- وجوارح الطيرِ نجسان؛ لتولُّدهما من النجس، فإنَّه لا يُعفَى عن يسيرِ دمِهما، ولأنَّه لا يُعفَى عن شيءٍ من فضلاتِهما.
[قال في "المبدع": وأمَّا ريقُ البغلِ والحمار الأهليين، وعرقُهما فيُعفَى عن يسيرِه إذا قيل بنجاستهما، وهو الصحيح؛ لأنَّه يَشقُّ التحرُّزُ منه. قال في "الشرح" (^٥): وهو الظاهرُ عن الإمام أحمد. قال الخلَّال: وعليه مذهبه] (^٦). دنوشري.
_________________
(١) هو طائر يأكل العذرة، وهو من الخبائث، وليس من الصيد، مفرده: رخمة. "المصباح المنير" (رخم).
(٢) هو ولد الذئب من الضبع. "المصباح المنير" (سمع).
(٣) هو ولد الضبع من الذئب، أو ولد الذئب. "القاموس المحيط" (عسبر).
(٤) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢١٢.
(٥) ٢/ ٣٢٨.
(٦) هذه الفقرة كررها صاحب الحاشية هنا، وقد سلفت ص ٤٨٠، ولا معنى للإعادة.
[ ١ / ٤٨٦ ]
وكلُّ مُسْكِرٍ نَجِسٌ.
(وكلُّ مسكرٍ) خمرًا كان أو نبيذًا (نجسٌ)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿رِجْسٌ﴾ [المائدة:٩٠]. ولأنَّه يَحرُم تناولُها من غيرِ ضررٍ، أشبهَ الدم، ولقوله ﷺ: "كل مُسْكِرٍ خمرٌ، وكلُّ خمرٍ حرام" رواه مسلم (^١). ولأنَّ النبيذَ شرابٌ فيه شِدَّةٌ مُطْرِبةٌ، أشبهَ الخمرَ. قال في "شرح المنتهى" (^٢): وكذا الحشيشةُ المسكِرة.
[قال المصنف (^٣): والمرادُ بعد علاجها، كما يَدلُّ عليه كلام الغَزِّيّ (^٤) في شرحه على منظومته. انتهى. ووجهُه أنَّها قبلَ ذلكَ نباتٌ طاهرٌ، والله أعلم] (^٥).
(وكلُّ مسكرٍ، خمرًا) أي: المائعُ، كما قدَّرَهُ بعضُ مشايخنا، وصرَّح به الشافعيَّةُ (^٦)، فعلى هذا البَنْجُ ونحوه طاهرٌ، إلا أنَّ الحشيشةَ المسكرةَ نجسةٌ أيضًا، كما اختاره الشيخ تقيُّ الدين، والحكمةُ في تنجيسِ المسكرِ الإبعادُ عن تناوله، والتشديدُ فيه. حفيد.
(والميسرُ) نوعٌ من آلاتِ اللهوِ. منه.
(﴿رِجْسٌ﴾) مستقذرٌ خبيثٌ.
_________________
(١) في "صحيحه" (٢٠٠٣) (٧٣)، وأخرجه أحمد (٤٦٤٥).
(٢) ٢/ ٢١٢، وهو في "معونة أولي النهى" ١/ ٤٥٥.
(٣) فى "كشاف القناع" ١/ ١٨٧.
(٤) لعله: نجم الدين أبو المكارم محمد بن محمد بن محمد الغزي الدمشقي الشافعي، من مؤلفاته: "الحلة البهية في نظم الأجرومية"، و"المختار"، و"الهمع الهتان"، وغيرها كثير. (ت ١٠٦١ هـ) "خلاصة الأثر" ٤/ ١٨٩ - ٢٠٠، و"الأعلام" ٧/ ٦٣.
(٥) زيادة من (س) و(م).
(٦) ينظره "مغني المحتاج" ١/ ٧٧.
[ ١ / ٤٨٧ ]