باب الاستنجاء
البابُ في الأصل: ما يدخلُ منه إلى المقصودِ. وقد يُطلق على الصِّنْفِ. وهنا (^١): اسمٌ لطائفةٍ مختصةٍ من العِلْمِ، مشتملةٍ على مسائلَ وفصولٍ غالبًا،
باب الاستنجاء
وألغز فيه بعضهم فقال:
وما شيءٌ حقيقته مجازُ … وأوله وآخره سواءُ
وفيه صحةٌ وبه اعتلالُ … له الإعرابُ حقًّا والبناءُ
والجواب: أنَّه الباب، فإنَّه حقيقة في الفرجةِ التي يُجازُ منها، وأوله باء، وآخره باءٌ، وفيه حرفان صحيحان وحرف مُعَلٌّ، وهو معرب، ويُبنَى البناءَ الحسيَّ الذي يكونُ في الأجسام، وليس المرادُ به ما قابلَ الإعراب. وأصلُه: "بوب"؛ لقولهم في الجمع: أبواب، تحركت الواو، وانفتحَ ما قبلَها، فقُلِبت ألفًا، فصارَ بابًا. دنوشري.
(وقد يُطلق على الصنْف) إطلاقًا لغويًا، فيقال: أبواب مُبوبة، أي: أصناف مصنفة. وهو لغةً: فُرجَةٌ في ساترٍ، يُتوصَّل بها من داخلٍ إلى خارج، وعكسه.
وفي الاصطلاح: اسمْ للألفاظِ المخصوصةِ من حيث دلالتها على المعاني المخصوصة، فبابُ الشيءِ ما يُتوصَّل منه إليه، كبابِ الدار، فبابُ الاستنجاء ما يتوصل منه إلى الوقوفِ على مسائله.
(وهنا) أي: في الاصطلاح. (على مسائلَ وفصولٍ غالبًا) راجعٌ للفصول، ومن غير الغالبِ لا تُذكَرُ الفصولُ في الأبواب.
_________________
(١) في (ح): "وهو هنا".
[ ١ / ١٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما تقدَّمت الإشارة إليه.
والاستنجاءُ: من نجوتُ الشجرةَ وأنجَيتُها: إذا قطعتَها، كأنَّه (^١) يقطع الأذى عنه (^٢).
(كما تقدمت الإشارةُ إليه) في قوله: "وهو كالكتاب والباب عرفًا" (^٣).
(والاستنجاءُ) والاستطابةُ والاستجمارُ عبارة عن إزالةِ الخارجِ من السبيلين عن مخرج، فالاستطابةُ والاستنجاءُ يكونان تارة بالماء، وتارة بالأحجار.
والاستجمارُ مختص بالأحجار، فبينَ الاستنجاءِ والاستجمارِ عموم وخصوص مُطلَق، فكلُّ استنجاء استجمار، ولا عكس. مأخوذٌ من الجمار، وهي الحصى الصغار، قال في "القاموس": واستطَاب: استَنْجَى، كأطاب (^٤). سُمِّي استطابة؛ لأنَّ نفسَهُ تطيبُ بإزالةِ الخبث. مصنف (^٥). (إذا قطعتَها) بفتح التاء، بخلافِ ما لو أتيت بـ: "أي" بدل "إذا"، فإنَّه كان يتعيَّن ضم التاء، وإلى هذه التفرقة أشار بعضهم بقوله:
إذا كَنَيتَ بأي فعلًا تُفسره … فضُم تاءَك فيه ضم معترِفِ
وإن تكن بإذا يومًا تُفسِّره … ففتحةُ التاءِ أمرٌ غيرُ مختلفِ (^٦)
ووجههُ: أن التاءَ مع "أي" تاءُ المتكلِّم، ومع "إذا" تاءُ المخاطَب، توضيحُ ذلك: أنَّه إذا فسرتَ الفعلَ بـ "أي"، ضممتَ؛ لأنَّ ما قبلَ "أي" عين ما بعدَها، كما في قول الفقهاء:
_________________
(١) بعدها في الأصل: "لم".
(٢) "المطلع" ص ١١.
(٣) في أول فصل الآنية.
(٤) "القاموس" (طيب).
(٥) "كشاف القناع" ١/ ٥٨.
(٦) أوردها ابن هشام في "مغني اللبيب" ص ١٠٧، ولم ينسبها.
[ ١ / ١٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعُرفًا: إزالةُ خارج من سبيل بماءٍ أو حجر ونحوِه.
نجوتُ الشجرةَ، أي: قطعتُها، وإذا فسرتَهُ بـ "إذا" فتحتَه؛ لأنَّ "إذا" لما يَستقبِلُ من الزمان، فيكونُ مخاطِبًا لغيره. محمَّد الخلوتي بإيضاح.
(إزالة خارجٍ من سبيلٍ) معتادٍ، فإنْ قيل: التعريفُ غيرُ مانع؛ لدخولِ غيرِ أفرادِ المحدود فيه، إذْ لو زالَ الخارجُ من سبيل عن نحو بدن، لم يُعَدّ ذلك استنجاءً، مع أن الحدّ يُدْخِله؛ لتعلق "من سبيل" بـ "إزالة"؟ أجيب بزيادة الحدّ من سبيل، أي: عنه، على أن قولَه "من سبيل" يتنازَعُه كل من "إزالة" و"خارج" فأُعمِل الثَّاني، وأُهمل الأوَّل، فـ "من" مستعملة في حقيقتِها ومجازِها، أي: إزالةُ خارج من سبيل عنه.
والسبيل: الطريقُ، يذكَّر ويؤنَّث. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦].
والمراد هنا: طريقُ الخارجِ، وهو القُبُل والدبُر. محمَّد الخلوتي بإيضاحٍ وزيادة.
(بماءٍ أو حجرٍ) لمنع الخُلُو، فتَجوزُ الجمع يؤخذ منه أن الاستجمارَ بالحجر ونحوه يُسَمَّى استنجاء أيضًا، وهو كذلك، وصرح به في "المطلع" (^١).
وقوله: (ونحوه) من كل طاهر قالع مباحٍ مُنْقٍ، كخشب وخزفٍ، ولا يجزئُ بطعام، ولا عظم، ولا مُتَصَلبٍ بحيوانٍ، كما سيأتي التنبيهُ عليه. وإزالةُ الخارج عن المخرج يسمى أيضًا استجمارًا، وهو استفعال من الجمار، وهي الحجارةُ الصِّغار؛ لأنَّ المستنجي يستعملُها في إزالةِ الخارج من السبيلين.
وعبَّر بعضُهم بالاستطابةِ وآدابِ التخلي، كصاحب "الإقناع" (^٢)، يقال: استطابَ وأطابَ: إذا استنجى. قالهُ أهلُ اللُّغة. دنوشري مع زيادة.
_________________
(١) ص ١١.
(٢) ١/ ٢٣.
[ ١ / ١٨١ ]
يُستحب عندَ دخولِ خلاءٍ
وأولُ من استنجى بالماء إبراهيمُ ﵇.
(يُستحب) لمريدِ قضاءِ حاجةٍ (عند) أي: قبلَ (دخولِ) نحو (خَلاءٍ) بالمدِّ، وهو المكانُ المُعد لقضاءِ الحاجةِ (^١)
(يستحب لمريدِ قضاء حاجة … إلخ) ولما كان المقتضي للاستنجاء قضاء الحاجة، بدأ بذِكرِ آدابها، وهي كثيرة، ذكر منها المؤلفُ فوق العشرين، منها ما يُستحبُّ فعله، وما يُكرَه، وما يحرم فعله. لا يقال: المصنِّفُ صرّح بالاستحباب، وصاحب "المنتهى" عبَّر بقوله: يسن لداخل خلاءٍ … إلخ (^٢). فهل هناك فرق بين السُّنة والاستحباب، فيتبع "المنتهى" في التعبير، إلَّا أن يقال: صرَّح صاحب "المنتهى" في "تحرير الأصول": المندوب يسمى سنة ومُستحَبًا (^٣). فكل منهما يثاب فاعلُه، ولا يعاقب تاركه. هذا هو السر في تعبير المصنف بـ "يستحب"، وتعبير "المنتهى" بـ "يُسَن"، فهو تفنن. وفُرِّق بين المستحب والمباح بأن الأوَّل سنَّة كإغاثةِ الملهوف، وإطعامِ الجائع، فيثابُ على ذلك، وأمَّا المباح فكأكلِ الإنسانِ وشُرِبه، فلا يُثابُ عليه.
(نحو خلاء بالمدِّ)، وهو المكانُ الذي لا شيءَ فيه، والمراد هنا: (المكانُ المعد لقضاء الحاجة). قال الجوهري: سُمِّي بذلك؛ لأنَّه يتخلى فيه، أي: ينفردُ لقضاءِ حاجتِه. ونحو الخلاء: كالصحراء، والحمام، فإن الشَّيخ العلقمي (^٤) نصَّ في "حاشية الجامع
_________________
(١) "الصحاح": (خلي)، و"المطلع" ص ١١.
(٢) "منتهى الإرادات" ١/ ١٠.
(٣) "شرح الكوكب المنير" ١/ ٤٠٣.
(٤) هو محمَّد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي بكر العلقمي الشَّافعي، كان أحد المدرسين بجامع الأزهر، وله حاشية حافلة على "الجامع الصغير" للحافظ السيوطي، وكتاب سماه "ملتقى البحرين"، تأخرت وفاته عن إحدى وستين وتسع مئة، وقيل (ت: ٩٦٣، وقيل ت: ٩٦٩ هـ). "الكواكب السائرة" ٢/ ٤١، و"شذرات الذَّهب" ١٠/ ٤٩٠، و"الأعلام" ٦/ ١٩٥ - ١٩٦.
[ ١ / ١٨٢ ]
قول: بسمِ الله،
(قولُ) بالرفعِ نائبُ فاعل "يستحبُّ": (بسمِ اللهِ) لحديثِ عليٍّ يرفعُه: "سَتْرُ ما بينَ الجنِّ وعَوراتِ بَني آدمَ إِذا دَخلَ الكَنِيفَ أن يقولَ: بِسمِ اللهِ" رواه ابن ماجه
الصغير" نقلًا عن "إحياء" الغزالي (^١)، أَنَّه ينبغي أن يُقَال هذا الذكْرُ عندَ دخولِ الحمَّام. وكان الشَّيخ عبد الرحمن البهوتي الحنبلي شيخُ الشيخِ منصورٍ المؤلفِ يفعلُه، وسيأتي كلامُ الشارحِ في باب السواك عندَ قول المصنِّف: "وشأنه كله" (^٢)، غير ما استثني كدخولِ الخلاءِ والحمامِ، وهذا يشيرُ إلى إلحاقِ الحمام بالخلاء. محمَّد الخلوتي.
(بسم الله) أي: يَحسُن عندَ دخولِ الخلاء، أو عند إرادةِ قضاءِ الحاجة بالصحراء. دنوشري. (سترُ ما بين … إلخ) يعني: أن اسمَ الله كالسترِ، أو سببٌ له؛ لأنَّها إذا ذكرت، ذهبت العلة، (لحديثِ علي … إلخ) ومعناه: أتحصَّنُ ببسم الله من الشَّيطان الرجيم، ويقالُ في ابتداء كُل فعل؛ تبركًا بها، وقُدمت هنا على الاستعاذةِ، لأنَّ التعوذَ هناك للقراءة، والبسملةُ من القرآن، فيقدمُ التعوذ عليها، وابتدأ بها هنا للتبركِ، بخلاف القراءة، وشرطُه أن لا يقصِد بالبسملة القرآنَ عد دخولِ الخلاء، فإنْ قصدَه [حرم]. قاله بعضهم. قاله في "المبدع" (^٣).
قال محمَّد الخلوتي: لعلهُ أشارَ بقوله: قاله بعضهم، إلى التبرُّؤ منه، ووجهُ التبرؤ واضحٌ؛ لأنَّه محمولٌ على إرادةِ الدخول كما هو صريحُ روايةِ البُخاريّ (^٤)، فلا وجهَ للتحريم، واستعمال الفعل في إرادتِه مستفيضٌ، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، فتدبر.
(إذا دخل الكنيف) أي: إذا أراد دخولَ الكنيف.
_________________
(١) ١/ ١٣١.
(٢) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٨٤.
(٣) ١/ ٧٨، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) بلفظ: إذا أراد أن يدخل. وهي في "صحيحه" في كتاب الوضوء، باب: ما يقول عند الخلاء، إثر الحديث (١٤٢) معلقًا، ووصله في "الأدب المفرد" (٦٩٢).
[ ١ / ١٨٣ ]
أعوذُ باللهِ مِنَ الخُبْثِ والخبائِثِ، وعندَ خروجهِ:
والترمذي (^١)، وقال: ليس إسناده بالقوي.
ثم يقول: (أَعوذُ باللهِ) أي: ألجأ إليه (مِنَ الخُبث) بإسكان الباء، أي: الشر (والخَبائثِ) أي: الشياطين. وهذا قولُ القاضي عياضٍ (^٢)، وذكر أنَّه أكثرُ رواياتِ الشيوخِ؛ فكأنّه استعاذَ مِن الشَّر وأهلِه. وقال الخطابي (^٣): الخُبُثُ، بضمّ الباءِ: جَمع خبيثٍ. والخَبائثُ: جمع خَبِيثَة؛ فكأنَه استعاذَ مِن ذُكرانِ الشياطينِ وإناثِهم؛ وذلك لحديثِ أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا دخلَ الخلاءَ قال: "أعوذُ باللهِ مِنَ الخُبثِ والخبائِثِ" (^٤).
(و) يستحبُّ (عند خُروجِه) أي: بعد خروجِ قاضي الحاجةِ مِن نحوِ خلاءٍ أن
(من الخُبثِ بإسكان الباء) اسمُ مصدرٍ بمعنى الشر، والاستعاذةُ منهم في البناء المعد لقضاءِ الحاجة؛ لأنَّه مأواهم، وفي الفضاء؛ لأنَّه يصير مأواهم بخروج الخارج.
(بضمّ الباء) أي: والخاء، جمعُ خبيث، وهو كل مُؤذٍ من الجن والإنس والشياطين.
(أن النَّبي ﷺ … إلخ) فيه أنَّه ﷺ محفوظ من الإنس والجن والشياطين، فكيف أن يستعيذ من ذلك؛ لأن الشيطانَ لا يوسوس له، إلَّا أن يقال: أَنَّه كان يأتي بذلك للتعميم، وإظهارًا للعبودية.
_________________
(١) ابن ماجه (٢٩٧)، والترمذي (٦٠٦).
(٢) هو: أبو الفضل، عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي، ولد سنة ست وسبعين وأربع مئة، له مؤلفات كثيرة، منها: "الشفا في شرف المصطفى" و"مشارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار". (ت ٥٤٤ هـ). "وفيات الأعيان" لابن خلكان ٣/ ٤٨٣ - ٤٨٥، و"الديباج المذهب" ٢/ ٤٦ - ٥١. وكلامه في "مشارق الأنوار" ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٣) "معالم السنن" ١/ ١٦، وقد غلط من يقول بإسكان الباء.
(٤) أخرجه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥)، واللفظ له.
[ ١ / ١٨٤ ]
الحمدُ للهِ الذي أذْهبَ عني الأذَى وعافاني.
وتقديمُ يُسرْى رجليه دخولًا،
يقولَ: (الحمدُ للهِ الذي أَذهبَ عني الأذَى وعافاني)؛ لقول أنسٍ: كان رسولُ اللهِ-ﷺ إذا خَرج مِن الخلاءِ قال: "الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عني الأذى وعافاني" رواه ابن ماجه (^١)، مِن رواية إسماعيل بن مسلم، وقد ضعفه الأكثرُ.
(و) يستحب لداخلِ نحوِ خَلاء: (تقديمُ يُسْرَى رِجْلَيْه دخولًا)؛ أي: في حالةِ دخولِه نحوَ الخلال فقوله: "دخولًا" منصوبٌ على الحالِ، على تأويل داخلًا، كما في: جاء زيدٌ ركضًا، أي: راكضًا (^٢).
(الحمد لله الذي أذهب عني … إلخ) والسر في هذا الدعاء أنَّه لما خَلَص من النجو والبول المثقِلَينِ للبَدَن، سألَ الخلاصَ مما يُثقِل القلب -وهو الذنبُ- بالغفران؛ لتكملَ له الراحةُ الحسيةُ والمعنويةُ بغفرانِ الذنوب وسَتْرها، وروي عن سيِّدنا نوح ﵊ أَنَّه كان يقول إذا خرج من الخلاء: الحمدُ لله الذي أذاقني لذَّته، وأذهبَ عني مشقته، وأبقى في جسمي قوته (^٣). دنوشري.
(وتقديم يسرى رجلَيه دخولًا) أي: حالةَ دخوله الخلاء، ومثلُه حمام، ومغتسل، ونحوهما؛ لأنَّ اليسرى للأذى، واليمنى لما سواه؛ لأنَّها أحق بالتقديمِ إلى الأماكن الطيِّبةِ، ولما رَوى الحكيمُ التِّرمذيُّ (^٤) عن أبي هريرة أَنَّه قال: من بدأ برجلِه اليمنى قبلَ يسارِه إذا دخل الخلاءَ، ابتلي بالفقر. دنوشري.
(علي تأويل داخلًا) الذي أحوجَه للتأويل، أن الحالَ لا تكونُ إلَّا مشتقة، و"ركضًا"
_________________
(١) في "سننه" (٣٠١). وقال البوصيري في "الزوائد": متفق على ضعفه، والحديث بهذا اللفظ غير ثابت.
(٢) ينظر "مغني اللبيب" لابن هشام ص ٧٢٩.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢.
(٤) في الأصل: "الحاكم والترمذي" وما أثبتناه موافق لما سيأتي قريبًا في "هداية الراغب". والخبر في كتابه "علل العبودية" كما صرَّح بذلك المغربي في "مواهب الجليل" ١/ ٢٧٩.
[ ١ / ١٨٥ ]
واعتمادهُ عليها جالِسًا، واليُمْنى خروجًا،
(و) يستحب (اعتمادُه) أي: قاضي الحاجةِ، أي: اتكاؤه (عليها) أي: على يُسرى رِجليه، حالَ كونهِ (جالسًا) لقضاءِ حاجتهِ، وينصِب اليُمنى، فيضع أصابِعَها على الأرضِ وَيرفع (^١) قَدَمَها؛ لحديث سُراقةَ بنِ مالكٍ قال: أمَرنا رسولُ الله ﷺ أن نتكِئَ على اليُسرى، وأن نَنْصِبَ اليُمنى. رواه الطّبرانيُّ والبيهقي (^٢)؛ ولأنه أسهلُ لخروجِ الخارجِ.
(و) يستحبُّ لقاضي الحاجةِ تقديمُ رِجله (اليمنى خروجًا) أي: خارجًا مِن نحوِ خلاء؛ لما روَى الحكيمُ الترمذي (^٣) عن أبي هريرةَ: مَن بَدَأ برجْله اليُمنى قَبلَ يَساره إذا دخلَ الخلال ابتُلِيَ بالفقر. ولأن اليُسرى للأَذى، واليُمنى لما سواه.
مصدر جامد، هذه طريقه، وهي التي مَشى عليها الشارحُ؛ لترجُّحِها عنده، والثانية طريقةُ ابنِ مالك بأن الحالَ تكونُ مشتقةً غالبًا (^٤)، فـ "ركضًا" حال على هذا من غير تأويلِ بمشتق.
(ولأنه أسهل) هذه هي الحكمةُ في ذلك، قال بعض الصّحابة رضي الله تعالى عنهم: جزى اللهُ سيِّدنا ونبينا محمدًا ﷺ عنا خيرًا، علمنا كيف نبول، وكيف نتغوط. دنوشري. (لما) شَرُفَ ولو نسبة، وليس هذا خاصًّا بالبنيانِ، بل يُقَدم يُسراهُ إلى مكانِ جلوسه في الصحراء، ويقدِّمُ يمناه عندَ منصرفه. دنوشري.
_________________
(١) في (ز): "ويدفع"، وفي (ح): "ويرفعها".
(٢) الطبراني في "الكبير" (٦٦٠٥)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ٩٦. وضعفه النووي في "المجموع" ٢/ ٩٨.
(٣) هو: أبو عبد الله، محمَّد بن علي بن الحسن الحكيم الترمذي، عالم بالحديث وأصول الدين، من مصنفاته: "نوادر الأصول في أحاديث الرسول"، و"الرياضة وأدب النفس". (كان حيًّا سنه ٣١٨ هـ). "طبقات الشافعية" للسبكي ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦، و"معجم المؤلفين" ٣/ ٥٠٢. والحديث سلف قريبًا.
(٤) قال ابن مالك في "ألفيته" -مع "شرح ابن عقيل"- ١/ ٦٢٦: وكونه مُنتَقِلًا مُشتقا … يغلِبُ لكن ليس مُستحقًّا
[ ١ / ١٨٦ ]
عَكْسُ مسجدٍ ونحوهِ.
وبُعْدُه في فضاءٍ،
ومثلُ خلاءٍ: حمام ومغتسَلٌ ونحوُهما مِن أماكنِ الأذى.
وذلك (عكسُ مسجدٍ ونحوه) كمنزلٍ، فيقدِّم فيهما يُمناه دخولًا، ويُسراه خروجًا. ومثلُه (^١): لُبسُ ثوبٍ ونعلٍ، فيُدخل يُمنى يدَيه قَبل اليُسرى (^٢) في اللبس، ويُمنى رِجليه قَبل اليُسرى في الانتعالِ، ويَعكس في الخلع.
(و) يُستحب لمريدِ قضاءِ الحاجةِ (بُعْدُه) بضمّ الباء: أي إبعادُه (^٣) [عن العيونِ إذا كان] (^٤) (في فَضاءٍ) كصحراءَ؛ لحديث جابر: أنَّ النبي ﷺ كان
(عكس مسجدٍ) أي: عكسُ دخولِ الخلاء دخولُ مسجدٍ، فإنَّه يسن له أن يُقَدِّم اليمنى في دخولِ المسجد والمنزل، وكل مكانٍ شريفٍ، ولبسِ قميصٍ ونحوه، كسراويلَ، ويؤخرها خروجًا. وكذا انتعال، أي: لُبس نعل ونحوهِ، كخف؛ لما رَوى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا انتعلَ أحدكم فليبدَأ باليمنى، وإذا خَلَع فليبدَأ باليسرى". رواه الطّبرانيّ في "معجمه" (^٥). فلو خرجَ من المسجدِ، قدّم اليسرى على النعل من غير أن ينتعِل، ثمّ اليمنى كذلك، ثمّ انتعل بتقديمِ اليمنى على اليسرى؛ ليحصلَ الجمعُ بين الخروجِ من المسجد، والانتعال.
(ويعكسُ في الخلع) أي: أنَّه يسن له إذا أرادَ خلعَ نعلَيه، أو خُفيه، أن مقدم خَلعَ نعلِه اليسرى، ويؤخر اليمنى.
(وبُعْدُه في فضاء) أي: يُسن لمريدِ قضاءِ الحاجةِ بفضاءٍ -كصحراءَ ونحوها- بعد عن
_________________
(١) في (ح): "ومثل".
(٢) في (ح): "يسراه".
(٣) في (م): "ابتعاده".
(٤) ليست في (س) و(ز).
(٥) "الأوسط" (٧٣). وأخرجه أيضًا بنحوه مسلم (٢٠٩٧): (٦٧)، وأحمد (٧١٧٩).
[ ١ / ١٨٧ ]
واسْتِتارُه،
إذا أراد البَراز [، انطلق حتَّى لا يَراه أحدٌ. رواه أبو داود (^١). والبَراز] (^٢) -بفتح الباء، والكسرُ قليلٌ-: الفضاءُ الواسعُ الخالي مِن الشجر (^٣). وهو [في الحديث] (^٤)؛ كناية عن التغَوُّط.
(و) يُستحب (استتارُه) عن ناظرٍ؛ لخبر أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَن أتى الغائطَ، فليَستتر، فإن لم يَجد إلَّا أن يجمعَ كثيبًا مِن رملٍ، فليَستتر به، فإن الشيطانَ يَلعبُ بمقاعدِ بني آدمَ، مَن فَعل، فقد أحسنَ، ومَن لا، فلا حَرج" رواه أبو داود (^٥).
النَّاس، وعن مجلسِهم، مع أمن، وصرح السامري (^٦) بالاستحباب، ولأنَّه خرجَ منه رائحة كريهة، فتتضرر الجماعةُ، أو يخرج منه، فيستحي من النَّاس. دنوشري.
(رواه أبو داود) يصحُّ برفع "داود" على أحدِ الأوجُهِ في إعراب المُتَضايفَين، على أن الإعراب على الجزء الأوَّل، والثَّاني ملازم لحالة واحدةٍ، وهو المشهور كعبد الله، والوجه الثالث: مبني في الأحوالِ الثلاثة، فهو مبني على الفتح في محل رفع، مبني على الفتح في محل نصب، مبني على الفتح في محلِّ جر.
(والكسرُ قليل) مبتدأ وخبر.
(وهو … كناية عن التغوط) من باب إطلاقِ اسمِ المحل على الحال. ق س. فهو مجاز مرسل علاقتُه الحالية والمحلية. (واستتارُه عن) أعينِ النَّاس وعن (ناظرٍ) إليه، بما أمكَنه من
_________________
(١) في "سننه" (٢)، وأخرجه. أيضًا. ابن ماجه (٣٣٥) بنحوه. قال النووي في "المجموع" ٢/ ٨٥: رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد فيه ضعف يسير، وسكت عليه أبو داود، فهو حسن عنده.
(٢) ليست في (ح).
(٣) "المصباح المنير": (برز).
(٤) ليست في (س).
(٥) في "سننه" (٣٥)، وفيه: "فليستدبره" بدل: "فليستتر به" وأخرجه. أيضًا. ابن ماجه (٣٣٧)، وأحمد (٨٨٣٨). وحسنه النووي في "المجموع" ٢/ ٨٥، وابن حجر في "فتح الباري" ١/ ٢٥٧.
(٦) هو نصير الدين، أبو عبد الله، محمَّد بن عبد الله بن الحسين، الفقيه، الفرضي، من مصنفاته: "المستوعب" في الفقه، و"الفروق"، و"البستان" في الفرائض. (ت: ٦١٦ هـ) ببغداد. "ذيل طبقات الحنابلة" ٢/ ١٢١ - ١٢٢.
[ ١ / ١٨٨ ]
وطلبُ مَكَانٍ رِخْوٍ لبولِه،
(و) يُستحب لمريدِ قضاءِ الحاجةِ (طلبُ مَكان رِخْوٍ) بتثليثِ الراء والكسرُ أشهرُ: أي: لينٍ هش (^١). و"طلبُ": مضاف مرفوعٌ، و"مكانٍ": مضاف إليه. و"رخوٍ" - بالجرِّ-: صفةٌ لـ "مكان" (لبَوله)؛ لخبر أبي موسى قال: كنتُ مع النبي ﷺ ذاتَ يومٍ، فأراد أن يَبولَ، فأتَى دَمِثًا في أصل جِدارٍ فبال، ثم قال: "إذا بالَ أحدكم، فليَرْتَد لِبَوله" رواه أحمد وأبو داود (^٢). والمكانُ الدَّمِث -بفتحِ الدالِ المهملةِ (^٣)، وكسرِ الميمِ-: اللينُ السهلُ (^٤). ومعنى: "فليرتد لبوله": ليطلب له مكانًا لينًا؛ ليأمنَ
حائشِ (^٥) نخل، أو كثيبِ رملٍ، أو بقية جدارٍ؛ لما رَوى عبد الله بن جعفر قال: كانَ أحبَّ ما استتر به رسولُ الله ﷺ لحاجتِه، هدفٌ أو حائشُ نخلٍ. رواه مسلم (^٦). دنوشري.
(فأتى دمثًا) قال في "القاموس": دمث المكان وغيره، كفَرِحَ: سَهُلَ ولان (^٧). وقال العلقمي: بكسر الميم وفتحها: أي مكان، والأشهرُ: هو ما لان وسهل، وقد تُسهل الميم بالسكون. والجدار لم يكن ملكًا لأحد بل كان عاريًا وليس هو ملكه؛ لأنَّ البول يضر بالجدار؟ متوخيًا (^٨)، ولا يجوز إضرار المسلم، فهو تعد على ملكه من غير إذن منه (^٩). اعتقدنا طهارةَ فضلاتِه ﷺ، ويجوزُ أن يكونَ قعودُه متباعدًا عن أساسِ الجدار، أو يكونَ
_________________
(١) "القاموس" و"المصباح": (رخو).
(٢) أحمد (١٩٥٣٧) و(١٩٥٦٨) و(١٩٧١٤)، وأبو داود (٣).
(٣) ليست في (س).
(٤) "النهاية في غريب الحديث" (دمث).
(٥) في الأصل: "جائش" والتصويب من "صحيح مسلم" ولفظ الحديث سيورده قريبًا.
(٦) في "صحيحه" (٣٤٢)، وجاء في آخر الحديث: قال ابن أسماء -وهو أحد رواة الحديث-: يعني حائط النخل. اهـ هذا معنى حائش النخل، وأمَّا الهدف: فهو ما ارتفع من الأرض. "شرح صحيح مسلم" للنووي ٤/ ٣٤. والحديث أخرجه أيضًا الإمام أحمد في "مسنده" (١٧٤٥) مطولًا.
(٧) "القاموس" (دمث).
(٨) بعدها في الأصل طمس بمقدار أربع كلمات.
(٩) بعدها في الأصل طمس بمقدار كلمتين.
[ ١ / ١٨٩ ]
ومَسْحُ ذَكَرِه بيُسْرى يَدَيْه إذا فرغَ، مِنْ دُبُرهِ إلى رأسِه
مِن رَشاش البولِ. زاد في "التبصرة": وَيقصِد مكانًا علوًا. انتهى، أي: لينحدرَ عنه البولُ.
فإن لم يَجد رِخْوًا أَلصق ذَكَره بصُلْب -بضمّ الصادِ المهملة (^١) -: أي: شديدٍ، بمعنى وضَع رأسَ ذَكَره على الأرضِ برفْقٍ.
(و) يُستحبُّ لقاضي الحاجة (مسح ذكره بيسرى يديه إذا فرغ) أي: انقطعَ بولُه،
عَلِم رِضا صاحبه، أو يكون البولُ رشاشًا خفيًا لا يضرّ لقلتِه. قال: وقد استُدِل به على جواز الانتفاع بملك الغير بما لا يُفسِده، كالاستظلال، والاستناد، والاستضاءة من سراج، وهو كلامٌ حسن لابُد منه.
[(أَلصق ذكره) بأن يجعلَه قريبًا من المكان، لا أنَّه يُلصق ذَكَره بحيث لا يمكنه البول (بمعنى وضع رأس … إلخ) تفسير لقوله: "ألصقَ ذَكَره إلخ". (من حَلقة دُبُره) بسكون اللام على المشهور، وحكي فتحُها في لغةٍ رديئة، وكذلك حَلقة الحديد، وحَلقة العِلْم، بالإسكان على المشهور. حفيد] (^٢).
(ويستحب لقاضي الحاجه مَسْحُ ذكره) أي: ويسنُّ للمتخلِّي إذا فرغ من قضاء حاجته، مسحُ ذَكَرِه بيده اليسرى من أصله وهو الدرز (^٣) الذي تحتَ الأنثَيين؛ لما روي عن عائشة قالت: كانت يدُ رسولُ الله ﷺ اليُمنى لطَهورِه وطعامِه، ويدُه اليسرى لخلائِه، وما كان من أذى. رواه الشيخان (^٤).
_________________
(١) ليست في (س).
(٢) جاءت هذه العبارة في الأصل قبل قوله الآتي: "ويكره دخوله بما فيه ذكر الله" ووضعت هنا، لتوافق عبارة "الهداية". وكذا عمل في المواضع التي وقع فيها تقديم أو تأخير.
(٣) في الأصل: "الدرن". والمثبت من "المستوعب" ١/ ١١٩، و"المطلع" ص ١٣، و"المبدع" ١/ ٨٧.
(٤) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢٦٢٨٣)، وأبو داود (٣٣). وصحّحه النووي في "الخلاصة" ١/ ١٦٨ من رواية أبي داود. وأخرجه البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨): (٦٧) من حديث مسروق عن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعُّله، وترجُّله، وطُهُوره، وفي شأنه كله. اهـ وهذا لفظ البخاري.
[ ١ / ١٩٠ ]
ثلاثًا، ونَتْرُه كذلك.
وَيبتدئُ المسح (^١) (مِن) حَلْقة (دُبُرِه إلى رأسه) أي: رأسِ الذَّكَر، [فيضع أصبعه الوسطى تحتَ الذَّكَر، والإبهامَ فوقه، ثم يُمِرُّهما إلى رأسِ الذكَر.
يفعلُ ذلك (ثلاثًا) أي: ثلاثَ مرَّات؛ لئلا يَبقى شيءٌ مِن البَلَل في ذلك المحل] (^٢).
(و) يُستحب (نَتْرُه) بالمثنَّاة الفوقية (^٣)، أي: نَتْر ذَكَره (كذلك) أي: [ثلاثَ مرات] (^٤). قال في "القاموس" (^٥): استَنْتَر مِن بولِه: اجْتَذَبَه، واستخرجَ بقيته مِن الذَّكَر عند الاستنجاءِ، حريصًا عليه مهتمًا به. انتهى.
ويكونُ ابتداءُ المسحِ (من حَلْقةِ دُبُره) فيضعُ أصبعَه الوسطى تحتَ ذَكرِه، ويضعُ إبهامَه فوقَه من مجامع العروق، ويمرهما (إلى رأسه)، أي: رأسِ ذَكره، (بفعلُ ذلك ثلاثًا، أي: ثلاثَ مرات؛ لئلا يبقى شيء من البللِ في ذلك المحل) ثم يخرجَ بعد الاستنجاء أو الاستجمارِ، فينجِّسَه. فإذا فعلَ ما ذُكِر، فقد استبرأ المحل.
(فيضع … إلخ) هذه كيفية مَسْحِ ذَكَره بيسراه … إلخ.
ويسن أيضًا بعد ذلك (نَتْرُه) ثلاثًا، أي: جَذْبُ الذكَر بعُنفٍ من غير مبالغةٍ. والأصلُ في ذلك ما رَوى عيسى بن يزداد (^٦)، عن أبيه مرفوعًا: أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا بال أحدُكم، فَليَنْتُر ذَكره ثلاثًا" رواه أحمد وأبو داود (^٧)، فالنترُ يستخرج ما لولاه لبقي، ويخشى خروجه بعدَ الاستنجاء؛ وذلك ليحصلَ الاستبراءُ.
_________________
(١) ليست في (س).
(٢) جاءت العبارة في (س) هكذا: "ثلاثًا؛ لئلا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل فيضع اصبعه الوسطى تحت الذكر، والإبهام فوقه، ثم يمدهما إلى رأس الذكر".
(٣) ليست في (س).
(٤) في (س): "ثلاثًا".
(٥) مادة: (نتر).
(٦) في الأصل: "زياد". والمثبت من مصادر التخريج.
(٧) "مسند" الإمام أحمد (١٩٠٥٣)، و"المراسيل" لأبي داود (٤)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٢٦). قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ٩٧: رواه أبو داود في "المراسيل" عن عيسى بن ازداد عن أبيه، وازداد - ويقال: يزداد - لا تصحَّ له صحبة … إلى آخره.
[ ١ / ١٩١ ]
وتحولُهُ ليستنجِيَ، إنْ خَشِيَ تلوثًا.
ويُكرَه دخولُه بما فيه ذِكْرُ الله
وإذا استنجى في دُبُرِه، استرخى قليلًا، ويُواصِل صب الماءِ حتَّى ينقى ويتنظَّف.
(و) يستحبُّ (تحوُّلُهُ) أي: انتقالُه عن محل قضاءِ الحاجةِ إلى موضعٍ آخرَ (ليَستَنْجي) (^١) فيه (إن خَشِيَ) أي: خاف (تلوُّثًا) أي: تنجُّسًا (^٢) باستنجائِه بمحل قضاءِ الحاجة.
(ويُكره دخولُه) أي: نحوِ الخلاءِ (بما فيه ذِكرُ اللهِ) تعالى، غيرَ مصحفٍ، فيَحرُم.
قال المصنف (^٣): قلتُ: وبعضُ المصحفِ، كالمصحفِ
وينبغي له أن يتنحنحَ ويمشي خطواتٍ إن احتاجَ إلى ذلك، قيل: أكثرها سبعونَ خطوةً. قال الموفق وغيره: ويستحبُّ أن يَمكُث قليلًا قبل الاستنجاء حتَّى ينقطعَ أثَرُ بولِه (^٤). دنوشري مع زيادة.
(أي: تنجسًا باستنجائه) تفسير لقوله: "إن خشي تلوثًا".
(ويكره دخوله بما فيه ذِكر الله) ولمَّا فرغَ المصنِّف رحمه الله تعالى من ذِكر ما يُسنُّ في حقِّ المتخلِّي، شَرَعَ يتكلَّم على ما يُكره في حقِّه، فقال: "ويكره" والمكروهُ: ضد المندوب، وهو ما مُدِح تاركه، ولم يُذمَّ فاعلُه، ولا ثوابَ في فِعله. قال في "المنتهى" (^٥): وكره للمتخلِّي أن يصحبَ ما فيه اسمُ اللهِ تعالى. كالخاتم ونحوه، من كل ما فيه اسمُ الله تعالى، بل يُنجِّيه عن نفسه ولا يصحبه حين إرادةِ قضاء الحاجة، ولأنَّ الخلاءَ موضعُ القاذورات، فشُرعَ تعظيمُ اسمِ الله تعالى وتنزيهُه عنه.
_________________
(١) في (ح) و(ز): "يستنجي".
(٢) في (ح): "تلوثًا".
(٣) "كشاف القناع" ١/ ٥٩.
(٤) "المغني" ١/ ٢١٢.
(٥) ١/ ١١.
[ ١ / ١٩٢ ]
بلا حاجةٍ،
[انتهى؛ لأنَّ حكمه في حرمة مسِّ المحدِث له، كما سيأتي، فيحرُم أن يصحبَه معه عند قضاءِ الحاجة، ولو ملفوفًا بحائلٍ إذا كان ذلك (بلا حاجةٍ)] (^١)؛ لحديث أنس: (كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا دخل الخلاءَ نزَع خاتمَه" رواه الخمسةُ إلَّا أحمدَ، وصحَّحه الترمذي (^٢). وقد صحَّ أنَّ نقش خاتمِه: "محمدٌ رسولُ الله" (^٣).
ومحلُّ الكراهة إذا صحبَه (بلا حاجةٍ) أي: بلا ضرورةٍ تدعو إلى ذلك، بأن خاف ضياعَه، ولم يجد من يحفظُه له، فإنْ دخل الخلاءَ بالخاتم لذلك، فإنَّه يجعل فضَّه بباطن كفِّ يدٍ يُمنى، استحبابًا، ولا يُكره له حينئذٍ أن يَدخلُ به الخلاءَ، للضرورة الداعيةِ إلى ذلك.
(أنَّ نَقشَ خاتمِه … إلخ) أي: "محمَّد" سطر، و"رسول" سطر، و"الله" سطر (^٤)، وظاهره أنَّه على هذا التَّرتيب، لكن لم تكن كتابته على السياق العادي، فإنَّ ضرورةَ الاحتياج إلى أن يختمَ به تقتضي أن تكونَ الأحرف المتقدِّمةُ مقلوبة ليخرج الختم مستويًا. ابن حجر في "فتحه" على البخاري (^٥)، وقال أيضًا: وأمَّا قول بعض الأشياخ أنَّ كتابتَه كانت من أسفل إلى فوق، يعني أن الجلالةَ في أعلى الأسطر الثلاثة، و"محمَّد" في أسفلها، فلم أرَ التصريحَ به في شيء من الأحاديث، بل روايةُ الإسماعيلي يخالفُ ظاهرُها ذلك، فإنَّه قال فيها: "محمَّد" سطر، والثَّاني: "رسول" والثالث: (الله).
_________________
(١) في (س): "أي: فيحرم بلا حاجة إلى ذلك".
(٢) أبو داود (١٩)، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي في "المجتبى" ٨/ ١٧٨، وابن ماجه (٣٠٣)، وجاء في بعض نسخ الترمذي: حديث حسن غريب، وفي بعضها: حسن صحيح غريب. وينظر "أحكام الخواتم" لابن رجب ص ١٧١.
(٣) أخرجه البخاري (٦٥)، ومسلم (٢٠٩٢) من حديث أنس ﵁، وأخرجه أيضًا البخاري (٥٨٦٥)، ومسلم (٢٠٩١) (٥٥) من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) رواه بهذا اللفظ البخاري (٥٨٧٨) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٥) "فتح الباري" ١٠/ ٣٢٩.
[ ١ / ١٩٣ ]
ورَفْعُ ثوبِه قَبْلَ دُنُوِّه مِنْ أرضٍ،
فإن احتاجَ [إلى حملِ ما فيه ذكرُ الله تعالى] (^١) بأن لم يَجد مَن يحفظُه، وخَاف ضياعَه، فلا بأس. قال في "المبدع": حيث أخفاه، انتهى. ويؤيِّدهُ قولُهم: وَيجعل فَصَّ خاتمِ عليه اسمُ اللهِ -احتاج (^٢) إلى الدخولِ به- في باطنِ كفِّه اليُمنى؛ أي: لئلَّا يلاقي النجاسةَ أو يقابلَها. قال في "المبدع": ويتوجَّه أنَّ اسمَ الرَّسولِ كذلك، وأنَّه لا يَختصُّ بالبنيانِ [، انتهى. ويُستثنى مِن ذلك] (^١) نحوُ دراهمَ وحِرْزٍ فيها (^٣) [ذِكرُ اللهِ] (^١)، فلا بأسَ به؛ للمشقَّة (^٣).
(و) يُكره (رَفْعُ ثوبِه) إن بالَ قاعدًا (قبلَ دُنُوِّه) أي: قُربِه (مِن أرضٍ) بلا حاجةٍ،
(فإن احتاجَ … إلخ) محترزُ قوله: "بلا حاجة" فلا بأس، أي: بحمله.
(قال في "المبدع" … إلخ) قيدٌ في جواز حَمله لحاجة.
(ويؤيِّده) أي: يؤيِّد قول "المبدع".
(نحو دراهم وحِرزٍ) كدنانير عليها اسمُ الله تعالى، فإنَّه لا يُكره له أن يصحبَ الدراهمَ والدنانيرَ والحِرزَ التي عليها اسمُ الله تعالى مطلقًا؛ لمشقَّة التحرُّز عن ذلك؛ لأنَّه قلَّ من يُؤتَمن عليها، خصوصًا في زماننا هذا، قال الإمام أحمد في الرجلِ يدخلُ الخلاءَ ومعه الدراهمُ: أرجو أن لا يكونَ له بأسٌ (^٤).
(ويُكرَه رفعُ ثوبِه … إلخ) لما في ذلك من كشف العورةِ قبل وقتِ الحاجة، ولما روى أبو داود عن رجل لم يُسَمِّه -وقد سمَّاه بعضُ الرواة: القاسمَ بنَ محمَّد- عن ابنِ عمرَ أنَّ
_________________
(١) ليست في (س).
(٢) في (س): "واحتاج".
(٣) ليست في (س).
(٤) "مسائل الإمام أحمد" برواية ابن هانئ ١/ ٥.
[ ١ / ١٩٤ ]
وكلامٌ فيه،
[بأن لم يَخَف أن يَسبِقَه البولُ] (^١)، فيَرفع ثوبَه شيئًا فشيئًا، فإذا قام أسبله عليه قبل انتصابِه. قال في "المبدع": ولعلَّه يجب إن كان ثَمَّ مَن يَنظرُه، أي: لا نحو زوجةٍ.
ولا بأسَ ببولهِ قائمًا ولو بلا حاجة، إن أمن تلويثًا وناظرًا.
(و) يُكره لداخلِ نحوِ خلاءٍ (كلامٌ فيه) مطلقًا،
النبي ﷺ كان إذا أرادَ قضاءَ الحاجةِ لا يَرفَعُ ثوبَه حتَّى يدنوَ من الأرضِ (^٢). ولأنَّ ذلك أسترُ له، ومحلُّ الكراهة إذا لم يَخشَ تلوُّثًا. دنوشري.
(ولعلَّه يجب إن كان … إلخ) أي: يجب عليه أن يَسبِلَ ثوبَه قبل انتصابِه إنْ كان (ثَمَّ من ينظُره) وعليه كان للمصنِّف أن يقول: وكلام فيه بلا حاجة.
(ولا بأس ببوله قائمًا … إلخ) لما رُوي أنَّ النبي ﷺ أتى سُباطة قوم، فبالَ قائمًا (^٣).
وقيل: كانت العرب تستشفي لوجع الصُّلب بالبول قائمًا، فلعلَّه ﷺ فَعَلَه لذلك، أو للتشريع، إشارة للجواز. دنوشري.
(ويكره لداخل نحو خلاءٍ كلامٌ فيه … إلخ) سواءٌ كان ذلك واجبًا، أو مُستحبًّا، أو مباحًا، فالواجب كردِّ السَّلام وتشميت العاطس، والمستحبُّ كإجابة المؤذِّن، فإنْ سمعَ
_________________
(١) ليست في (س).
(٢) "سنن" أبي داود (١٤)، والبيهقي ١/ ٩٦ وهو الذي سمَّى الرجل الراوي عن ابن عمر. وأخرجه أيضًا أبو داود (١٤)، والترمذي (١٤) لكن من طريق الأعمش، عن أنس ﵁. وقال: وكلا الحديثين مرسل، ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس ولا من أحدٍ من أصحاب النبي ﷺ. قال النووي في "المجموع" ٢/ ٩١: حديث ابن عمر ضعيف، رواه أبو داود والترمذي وضعفاه.
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٦)، ومسلم (٢٧٣) من حديث حذيفة ﵁. والسباطة والكناسة: الموضع الذي يرمى فيه التراب والأوساخ، وما يكنس من المنازل. "النهاية في غريب الحديث والأثر" (سبط).
[ ١ / ١٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: سواء كان ذلك الكلام مباحًا خارجَه أو مندوبًا، كذِكر اللهِ تعالى ولو سلامًا أو رَدّه؛ لما روَى (^١) ابنُ عمرَ قال: مرَّ بالنبي ﷺ رجل، فسلَّم عليه وهو يبول، فلم يردَّ عليه. رواه مسلم، وأبو داود (^٢) وقال: يُروى أنَّ النبيَّ ﷺ تَيمَّم (^٣)، ثم ردَّ على الرجلِ السلامَ.
موذِّنًا، أجابه بقلبه دون لسانه، والمباح كسؤاله عن شيء، وكقوله لغلامته أو أمته: اقضي الحاجةَ الفلانيَّةَ. وإنَّما كان ذلك مكروهًا؛ لما قيل: إنَّ المَلَكَين الموكَّلَين ينعزلان عند دخولِ الخلاء (^٤)، فإذا تكلم أحوجهما إلى العَودِ، فيلعنانه.
لعلّه يصفونه بالبعد عن العمل بالسُّنَّة على حدِّ قوله ﵊: "من غَشَّنا، ليس منا" (^٥) أي: ليس على سُنَّتنا وطريقتنا، فالمراد باللَّعن مطلقًا الطردُ والإبعادُ، وليس المراد به الطردَ من رحمة الله تعالى، وهذا هو الذي ينبغي أن يُحملَ عليه هذا، وإلَّا فغالبُ النَّاس كفَّار -والعياذُ بالله تعالى من موجبِ الطردِ من رحمةِ العزيزِ الغفارِ- بدليل تجنُّب الشارح ونحوِه هذه العبارة الموجبة لذلك (^٦).
(أي: سواءٌ كان) ذلك الكلام (مباحًا … إلخ) هذا تفسيرٌ للإطلاق، كان عليه أن يقول كغيره: أو واجبًا كردِّ سلام. إلَّا أنَّه أعطى الحكم بالمثال، فقال: (أو ردّه) عطفًا على "ذِكر الله" أي: كذِكر الله، ولو سلامًا، أو كرَدِّه. (تيمَّم) أي: بعد قضاءِ الحاجةِ [ثم] ردَّ ﵇.
_________________
(١) بعدها في (ح): "عن".
(٢) مسلم (٣٧٠) (١١٥)، وأبو داود (١٦).
(٣) في الأصل و(س) و(ز): "تمم" وكذا وردت في "فتح مولي المواهب"، والمثبت من (ح) ومصادر التخريج. وما أضيف بين حاصرتين في، الفتح، زيادة يقتضيها السياق.
(٤) أخرج الترمذي (٢٨٠٠) عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلَّا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم". وقال: هذا حديث غريب.
(٥) أخرجه مسلم (١٠١)، وأحمد (٩٣٩٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) من قوله: "لعله يصفونه بالبعد … " إلى هنا، ورد في النسخة الخطية بعد قوله الآتي: "تيمَّم أي بعد قضاء الحاجة ثم رد ﵇" ونقل إلى هنا لضرورة السياق.
[ ١ / ١٩٦ ]
وبوله في نحوِ شَقٍّ،
لكن يجب على داخلِ نحوِ الخلاءِ تحذيرُ معصومٍ عن هَلَكة كأعمى وغافلٍ، يحذرهما عن نحوِ بئرٍ أو حيَّةٍ؛ لأنَّ مراعاةَ حفظِ المعصومِ أهمُّ.
فإن عطَس، أو سَمِع أذانًا، حَمِد الله، وأجاب بقلبِه، ثم يَقضي الأذانَ بلسانِه إذا فرَغ.
وتَحرُم القراءةُ وهو متوجِّهٌ على حاجتِه.
(و) يُكره (بولُه في نحو شَقٍّ) بفتح الشينِ المعجمةِ، ونحوه سَرَبٌ -بفتحِ السينِ والراءِ المهملتين-: وهو ما يتَّخذه الدَّبيب والهوامُّ بيتًا في الأرضِ؛ لما روَى قتادةُ،
(لكن يجبُ على داخلِ نحو خلاء) هذا استدراك على الإطلاق، وهل إذا تكلم في هذه الحالة يَلعنانه (^١) المكان أو لا؟ لم أرَ فيه نصًّا، لعل هذا مستثنًى، وأنَّ اللعنَ مختصٌّ بما ذكر. (وأجابَ بقلبه) متعلِّق بالفعلين قبلَه، ولم يُحرِّك لسانه، وذكر ح ف: له أن يَذكر اللهَ فيه بقلبه، ويُكره السلامُ عليه وهو فيه.
(ويُكرَه بولُه في نحو شَقٍّ، بفتح الشين) واحدُ الشُّقوق، وهو ما انشقَّ من الأرض. وقوله: (وسَرَب، بفتح السِّين والراء) وهو عبارة عن الثُّقب، (وهو ما يتَّخذه الدَّبيبُ … إلخ) وقد رُويَ أن سعدَ بنَ عبادة بال بجُحْر بالشام، ثم استلقى ميتًا، فسُمع من بئر بالمدينة قائل يقول:
نحن قَتَلْنا سَيِّدَ الخَز … رَجِ سعدَ بنَ عُبادَه
ورَمَينَاه بِسَهمَيـ … ـن فَلَمْ نُخطِ فُؤادَه
_________________
(١) في الأصل: "يلعنا به المكان"، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[ ١ / ١٩٧ ]
ومَسُّ فَرْجِه بيمينِه،
عن عبدِ اللهِ بنِ سَرْجِس (^١) قال: نهى رسولُ الله ﷺ أن يُبال في الجُحْر. قالوا لقتادةَ: ما يُكره مِن البول في الجُحْر؟ قال: يقال (^٢): إنَّها مساكنُ الجِنِّ. رواه أحمد وأبو داود (^٣). ومثلُ السَّرَب ما يُشبهه، ولو فَمَ بَالوعةٍ.
(و) يُكره (مَسُّ فَرْجه بيمِينِه) في حالِ البولِ وغيرهِ؛ لخبر أبي قتادةَ يَرفعه: "لا يُمسِكَنَّ أحُدكُم ذَكَرَه بيمينِه وهو يَبولُ، ولا يَتمَّسح مِن الخلاءِ بيمينِه".
فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليومَ الذي مات فيه (^٤).
ولأنَّه يُخشَى أن يَخرج منه دابَّةٌ تؤذيه، أو [تردُّه عليه فتنجِّسه] (^٥)، والمرادُ بهذا النَّهي المذكور في الحديث الكراهةُ، كما ذكره في "الفروع" (^٦)، وكذا يكره البولُ على نارٍ؛ لأنَّه يُورِث السَّقَم. ومثله البولُ على قَرَع (^٧): وهو الموضع المتجرِّد من النبْتِ، بين بقايا منه. دنوشري بإيضاح.
(في الجُحر) الجُحر، بضمّ الجيم وسكون الحاء: الثُّقب المستدير النازلُ في الأرض. (لخبر أبي قتادة يرفعه: "لا يمسكنَّ أحدُكم ذَكَره … " إلخ) هذا دليلٌ على كراهية مَسكِ الفَرجِ
_________________
(١) هو: عبد الله بن سرجس المزني الصحابي، من حلفاء بني مخزوم، مات في دولة عبد الملك بن مروان، سنة نيِّف وثمانين بالبصرة. "طبقات ابن سعد" ٧/ ٥٨، "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
(٢) ليست في (م).
(٣) أحمد (٢٠٧٧٥)، وأبو داود (٢٩)، وأخرجه أيضًا. النسائي في "المجتبى" ١/ ٣٣ - ٣٤. وصحَّحه النووي في "المجموع" ٢/ ٩٤.
(٤) أخرجه عبد الرَّزاق في "مصنفه" (٦٧٧٨)، وابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٦١٧ و٧/ ٣٩٠ - ٣١٩، والطبراني في "الكبير" (٥٣٥٩) و(٥٣٦٠)، والحاكم في "المستدرك" ٣/ ٢٥٣. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١/ ٢٠٦: رواه الطّبرانيّ في "الكبير" وابن سيرين لم يدرك سعد ابن عبادة. وقال أيضًا: وقتادة لم يدرك سعدًا أيضًا.
(٥) مكانها في الأصل كلمة غير واضحة، وبعدها لفظة: "فيه"، والمثبت من "المبدع" ١/ ٨٣.
(٦) ١/ ١٣١.
(٧) في الأصل: "قزع".
[ ١ / ١٩٨ ]
واستنجاؤُه بها بلا عُذْرٍ،
متَفَّق عليه (^١). وغيرُ حالِ البولِ مثلُه و(^٢) أولى؛ لأنَّ وقتَ البولِ مظنَّةُ الحاجةِ، فغيرُه أولى.
وكذا يُكره مسُّ فرجٍ أبيح له مسُّه بيمينِه، كزوجتِه وأمَتهِ، ومَن دونَ سبعٍ، تشريفًا لليمنى (^٣).
(و) يُكره أيضًا (استنجاؤه بها) أي: بيمينِه (بلا عُذرٍ) كما لو قُطعت يُسراه أو شُلَّت، أو جُرحَت.
باليمين، وظاهرُه اختصاصُ النَّهي بحالة البول، ولكن أُلحق به الاستنجاءُ؛ لأنَّه متَّصِل به، وربّما خرجَ منه شيءٌ وهو يستنجِي، فحكمُه كحكمِه في النَّهي، وأمَّا دليلُ كراهيةِ الاستجمار باليمين؛ فلما رَوى سلمانُ قال: "نهانا رسولُ الله ﷺ عن كذا، وأن نستنجيَ باليمين" رواه مسلم (^٤). فإنْ فعل، أجزأه مع الكراهة؛ لأنَّ الاستجمارَ حصل بالحَجَر لا باليد، فلم يقع النَّهيُ على ما يستنجى به؛ لكون النَّهي نهيَ تأديبٍ لا تحريم، وقيل: يَحرم، ويصحُّ. ومحلُّ الكراهة إذا فعل ذلك بلا حاجةٍ، أمَّا مع الحاجة، فلا كراهة، كصغر حَجَرٍ تعذَّر وَضعه بين عقبيه، وهما مؤخَّر القدمَين، أو تعذَّر وضعُ الحَجَر الصَّغير بين إصبعَيه، أي: إبهامي قدمَيه، فيأخذ الحَجَر بيمينه، ويمسح ذَكَره بشماله، فلا كراهةَ حينئذٍ على الصَّحيح من المذهب. وقيل: يُمسِكُ ذَكَره بيمينه، ويأخذُ الحَجَر بيساره، ويمسحُه به، وحاصلُه: أَنَّه إن كان الاستجمار من الغائط، أخذ الحَجَر بيساره، فمسح به، وإن كان من بول، أمسك ذَكره
_________________
(١) البخاري (١٥٣)، وسلم (٢٦٧) واللفظ له.
(٢) في (س): "أو".
(٣) في (م): "لليمين".
(٤) برقم (٢٦٢)، وهو عند أحمد (٢٣٧٠٣) و(٢٣٧١٩).
[ ١ / ١٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن عَجز عن الاستنجاء بيدَيه وأمكنه برِجله أو غيرِها، فَعَل (^١)، وإلَّا فإن أمكنه بنحوِ زوجةٍ، لزمه، وإلَّا تمسَّح بأرضٍ أو خشبةٍ ما أمكن. فإن عَجز، صلَّى على حسَب حالِه، وإن قَدَر على شيءٍ مِن ذلك بعدُ، لم يُعِد، ذكره ابن عبد الهادي (^٢) في "مُغنيه" (^٣) بمعناه.
قال المصنِّف (^٤): قلتُ: بل متى قَدَر عليه ولو بأجرةٍ يَقدِر عليها، لزمه، ولو ممَّن لا يجوزُ له نظرُه؛ لأنَّه محل حاجتِه. انتهى. [وهو معنى كلامِ "الإقناع"] (^٥)، حيثُ كانت الأجرةُ التي يَقدر عليها مِن غيرِ إضرارٍ، لكن لم يَذكر في "الإقناع" جوازَ النظر] (^٦).
بشماله، ومسحه على الحَجَر إن كان كبيرًا، فإن كان صغيرًا، أمسكه بين عقبَيه أو إبهامَي قدمَيه، ومسح عليه إن أمكنه، وإلا أمسك الحَجَر بيمينه، ومسح بيساره الذكر عليه، وبكل حالٍ تكون اليُسرى هي المتحرِّكة؛ لأنَّ الاستجمار إنَّما يحصل بالتحركة، فإن كان أقطعَ اليسرى، أو كانت شلَّاء، أو بها مرض، استجمرَ بيمينه؛ للحاجة. قال في "التلخيص": بيمينه أولى من يسارِ غيره. دنوشري مع زيادة.
_________________
(١) ليست في (ح).
(٢) هو: جمال الدين، أبو المحاسن، يوسف بن الحسن بن أحمد بن حسن بن عبد الهادي، المعروف بـ "ابن المبرد" له "جمع الجوامع" و"تحفة الوصول إلى علم الأصول" و"مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام"، وغيرها. (ت ٩٠٩ هـ). "الضوء اللامع" ١٠/ ٣٠٨، "المذهب الحنبلي" ٢/ ٤٦٤.
(٣) وهو: "مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام" كما مر آنفًا في ترجمته.
(٤) "كشاف القناع" ١/ ٦١.
(٥) ١/ ٤٦.
(٦) ليست في (س).
[ ١ / ٢٠٠ ]
واستقبالُ شمسٍ أو قمرٍ.
وحَرُمَ لُبْثُهُ فوقَ حاجتِه، وبولُه وتغوُّطُه بطريقٍ،
(و) يُكره حالَ قضاءِ الحاجةِ (استقبال شمسٍ أو قمرٍ) بلا حائلِ؛ لما فيهما مِن نُورِ اللهِ تعالى، وقد رُويَ أنَّ معهما ملائكة، وأنَّ أسماءَ اللهِ تعالى مكتوبة عليهما (^١).
[(وحَرُم) على قاضي الحاجة] (^٢) (لُبثُه) في نحوِ خلاءٍ زمنًا (فوقَ حاجته) أي: زائدًا عليها، ولو في ظلمةِ؛ لأنَّه كشفُ عورةٍ بلا حاجةٍ، ومضرٌّ عند الأطباءِ، حتَّى قيل: إنَّه يُدمي الكَبِدَ، ويورث الباسورَ.
(و) حَرُم (بولُه وتغوُّطُه بطريقٍ) مسلوك (^٣)؛ لحديث أبي هريرة: أنَّ النبي ﷺ قال:
(ويكره حالَ قضاءِ الحاجة استقبالُ شمسٍ … إلخ) احترامًا وصونًا لهما عن مقابلتهما بالخارج من السبيلَين؛ لأنَّ أسماءَ اللهِ تعالى مكتوبةٌ عليهما، ولأنهما آيتان عظيمتانِ من آياتِ الله تعالى؛ لما فيهما من نورِ الله تعالى، وبهما يَستضيءُ الكونُ، ولما روي أن معهما ملائكة من ملائكةِ الرحمن، وأنهما يلعنانه حين استقبالهما بالخارج. دنوشري.
(وحرم على قاضي الحاجة لبثه … إلخ) قال ح ف: بأن يمكُثَ على البول أو الغائط بعد فراغِهما، وبعد الاستنجاء. قال البهوتي: وفعله: لَبِثَ، من باب تَعِبَ، ومصدره: اللَّبَث، بفتحتين، وقد تسكن الباء؛ تخفيفًا، واللُّبث، بضمّ اللام وسكون الباء: اسم مصدر. "مصباح" (^٤). وحَرُم عليه أيضًا تغوطه بماء مطلقًا، سواء كان كثيرًا أو قليلًا، جاريًا أو راكِدًا، ولو لم يتنجَّس بذلك؛ لأنَّ النَّفْسَ تعافُه، واستثني من ذلك ماءُ البحر، وما أعِد لذلك كالجاري في المطاهر. دنوشرى مع زيادة. (بطريقٍ مسلوكٍ) أي: تَسلُك فيه الناس؛ لما
_________________
(١) أورد الأخبار ابن القيِّم في "مفتاح دار السعادة" ٢/ ٢٠٦، وابن مفلح في "المبدع" ١/ ٨٥، ومنصور البهوتي في "كشاف القناع" ١/ ٦١، وقال ابن القيم: لم ينقل عن النبي ﷺ في ذلك [أي استقبال الشَّمس والقمر] كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل، وليس لهذه المسألة أصل في الشرع ا. هـ. وينظر "التلخيص الحبير" ١/ ١٠٣، و"نيل الأوطار" ١/ ٩٧.
(٢) ليست في (س).
(٣) بعدها في (س): "أي: فيه".
(٤) مادة (لبث).
[ ١ / ٢٠١ ]
أو ظلٍّ نافعٍ، أو مورِدِ ماءٍ،
"اتَّقوا اللَّاعِنين". قالوا: وما اللَّاعنانِ؟ قال: "الذي يتخلَّى في طريقِ الناس أو ظلهم". رواه مسلم (^١).
(أو) أي: وحَرُم بولُه وتغوُّطُه بـ (ظلٍّ نافعٍ) لما تقدَّم، وإضافةُ الظِّلِّ في الحديثِ إليهم؛ دليل على إرادةِ المنتفَع به.
ومثله مُتَشَمَّسٌ (^٢) زمنَ الشتاء، ومتحدثٌ لا بنحوِ غِيبَةٍ، وإلا فيفرقهم بما يستطيع.
(أو) أي: وحَرُم بولُه وتغوطُه بـ (مَوْرِدِ ماءٍ) أي: محلِّ ورودِ النَّاسِ للماءِ؛ لحديث معاذٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال:
في ذلك من تأذيهم وتلوثهم بالنجاسة عند سلوكهم فيه، ومرورهم به. وعلم من قوله: "مسلوك" أن الطريقَ المجهولَ الذي لا يُسلَك فيه، لا يَحرُم البولُ ولا التغوط فيه؛ لانتفاءٍ العلّة حينئذٍ. ويحرم أيضًا بوله وتغوطه على قبور المسلمين وبينهما، وتأتي في الجنائز.
(اتقوا اللاعنين) أي: اجتنبوا. ("أو ظلهم") عطف على "في طريق الناس" أي: الذي يتخلى في طريق النَّاس، والذي يتخلى في ظلِّهم.
(أو … ظل نافع) أي: ينفعُ النَّاسَ، ويقيهم من الحرِّ، وقد وردَ في الحديث الشريف:
"شدَّةُ الحر من فَيحِ جهنم" (^٣). وإنَّما حَرُم ذلك؛ لئلَّا يُفسِد على النَّاس مجالسَهم، ويتضررون بذلك، فيلعنونَه، لما تقدَّم من قوله ﷺ: "اتقوا اللاعنين … " إلخ. وإضافةُ الظلِّ في الحديث إليهم في قوله: "أو ظلهم".
(أو بموردِ ماءٍ) وهو محل الورودِ إليه لتستقي النَّاس منه؛ لما في ذلك من إيقاعِهم في التضمخ بالنجاسة، المأمور بالاحتراز عنها، فكان حرامًا. دنوشري.
_________________
(١) في "صحيحه" برقم (٢٦٩)، وأخرجه أيضًا أبو داود (٢٥) واللفظ له، ولفظه عند مسلم: "اتقوا اللعانين". قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ … الحديث.
(٢) في (ح) و(ز) و(س): "مشمس".
(٣) أخرجه البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦١٥)، وأحمد (٧٢٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وتحتَ شجرٍ عليه ثمرٌ.
"اتَّقُوا الملاعِنَ الثَّلاثَ: البَرازَ في المواردِ، وقارعةِ الطَّريق، والظل". رواه أبو داود وابنُ ماجه (^١).
(و) حَرُم بولُه وتغوطُه (تحت شجرٍ) أي: جنسه إن كان الشجرُ (عليه ثمرٌ) يقصَد، ولو غيرَ مأكول كالقُطن؛ لأنَّه يُفسِده، فإن لم يكن عليه ثمرٌ،
(" الملاعن الثلاث") سُميت بذلك؛ لجلبِها اللعنَ؛ لأنَّها أماكنُ راحةِ النَّاس، فإذا وجدوا ذلك فيها، قالوا: لعنَ اللهُ مَن فَعَلَه. أو: بمعنى الملعوناتِ؛ لأنَّ الحالاتِ ملعونات؛ أي: صاحبها، كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أي: مرضية. مصنف. إنْ قيل: المؤمنُ لا تجوزُ عليه اللعنةُ، فما باله قال ذلك؟ إلَّا أن يُقال هذا من قبيل العامِّ الذي أريد به الخصوصُ من أهل الكتاب ونحوِهم، الذين يقصدونَ إفسادَ عبادةِ النَّاس، كالتغوط بالطاهر، وأمَّا في حق المؤمن، فمن بابِ التخويفِ؛ لأجل اجتنابِ ذلك، والحمدُ لله على ذلك، ولهذا نظائرُ لأولي الأبصار. وأجاز الشارحُ في ما يأتي بأن اللعنةَ على الشيءِ تدلَّ على تحريمه؛ لأنَّ فاعل المباح لا تجوزُ لعنتُه.
(وتحت شجرٍ … عليه ثمرٌ) مقصود للأَكل أو غيره؛ وذلك لما فيه من إفساد ما قصده النَّاسُ لمصلحتِهم، وصَونًا لها عن التلوث بالنجاسة فتعانه النفوس، وإنْ كانت تطهرُ بالغسل، فحرُم عليه ذلك. واحترز بقوله: "عليه (^٢) ثمر" عما إذا لم يكن عليها ثمر، فإنَّه لا يحرُم حينئذ حيث لم يكن لها ظلٌّ نافع. دنوشري. (أي: جنسِه) أشارَ بهذا التفسير إلى أن الإضافةَ للجنس؛ لأنَّها تأتي له اللام.
(يقصَد) خرج بذلك الثمرُ الذي لم يقصَد، يُؤيِّد ذلك قولُه: (فإن لم يكن عليه ثمرٌ) أي:
_________________
(١) أبو داود (٢٦)، وابن ماجه (٣٢٨). قال النووي في "المجموع" ٢/ ٩٤: رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي بإسناد جيد.
(٢) في الأصل: "عليها".
[ ١ / ٢٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جاز إن لم يكن له ظِلٌّ نافعٌ؛ لأنَّ أثرَه يَزولُ بمجِيءِ المطرِ قبل مجِيء الثمرِ.
وأجاب بعضُهم عن بولِه ﵊ تحت الأشجارِ والنخلِ: بأنَّ الأرضَ تبلع (^١) فَضلته (^٢). قلتُ: بل علَّةُ المنعِ مفقودة مِن أصلها؛ لطهارةِ فضَلاته ﷺ (^٣).
وحرُم حالَ بولٍ وغائطٍ استقبالُ قبلةِ واستدبارُها
لم يُقصَد. (لأنَّ أَثره يزول) تعليل لقوله: "جاز" البول والتغوُّط "إن لم … إلخ". (لأنَّ أثَر) ذلك (يزولُ بمجيء المطر … إلخ).
يَرِدُ على ذلك (بولُه ﵊ تحت الأشجارِ) فلو كان ذلك غيرَ جائزٍ، لمَا
فَعَلَه المعصومُ؟ أجاب: (بأنَّ الأرضَ … إلخ) فحصل الفرقُ بيننا وبينه ﵊.
(استقبال قبلة) لا بيت مقدس. ولا كراهةَ في استقباله؛ لأنَّه ليس بقبلة؛ لأنَّه قد نُسخَ حكمُها.
(و) يحرم (استدبارها) ببولٍ أو غائطٍ؛ للنهي عن ذلك، لما روى أبو أيوب أن النبي ﷺ
قال: "إذا أتيتم الغائطَ، فلا تستقبلوا القِبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا". رواه
_________________
(١) في (م): "تبتلع".
(٢) أخرج أبو نعيم في "دلائل النبوة" ٢/ ٥٧١ - ٥٧٢ عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله، تأتي الخلاء فلا نرى شيئًا من الأذى، قال: "يا عائشة أما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء، فلا يُرى منه شيء". واللفظ لأبي نعيم. وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" ٦/ ٧٠، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" ١/ ١٨٧ - ١٨٨ عن عائشة بنحوه. قال البيهقي عقبه: فهذا من موضوعات الحسين بن علوان لا ينبغي ذكره، ففي الأحاديث الصحيحة والمشهورة في معجزاته كفاية عن كذب ابن علوان. ا. هـ وقال ابن الجوزي: هذا لا يصح. وينظر: "إمتاع الأسماع" للمقريزي ٥/ ٣٠٢ - ٣٠٤، و"الخصائص الكبرى" للسيوطي ١/ ١٧٦.
(٣) ينظر: "الشفا" للقاضي عياض ١/ ١٥٥، و"التراتيب الإدارية" للكتاني ١/ ١٠٨.
[ ١ / ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في فضاءٍ، ويكفي انحرافُه (^١)، وحائلٌ ولو كمُؤخِرَة رَحلٍ، وإرخاءُ ذيله، واستتارٌ بدابَّة.
الشيخان البخاري ومسلم (^٢)؛ لأنَّ جهةَ القِبلة أشرف الجهاتِ، ولأن الاستدبارَ ضدُّ الاستقبالِ، والشيء يُحمَل على ضدِّه، كما يُحمل على نظيره.
وقولُه: (في فضاء) متعلِّق بـ "يحرم"، وهو المكانُ المتَّسِعُ الخالي من الأبنية.
(ويكفي) في دَفعِ حرمةِ استقبال القِبلة بالبول أو الغائط (إنحرافه) عنها يسيرًا، إذا كان بعيدًا؛ لقوله ﷺ: "ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا". وأمَّا القريبُ إلى القِبلة، فيجبُ انحرافُه عنها، كما هو ظاهرُ كلام صاحب "المحرَّر" (^٣).
(و) يكفي أيضًا في دَفْعِ الحرمة (حائل) أي: ساترٌ يَحولُ بينه وبين القِبلة، (ولو كمُؤخِرَة رَحْل) فيكفي في الأشهر الاستتارُ (^٤) بدابَّة وجدارٍ وجبل، (وإرخاءُ ذيله) ولا يُعتَبر قُربُه منها، كما لو كان في بيتٍ، ويتوجَّه: كسترة صلاة، كما قاله في "الفروع" (^٥)، وقال الشِّيشينيُّ: يُندَب أن لا يكونَ بينه وبينَ الحائلِ أكثرُ من ثلاثة أذرعٍ.
"كمُؤخِرة رحلٍ" -غايةٌ لـ "حائل"- بضمِّ الميم وسكون الهمزة، ومنهم من يثقِّل الخاء: وهي الخشبةُ التي يستندُ إليها الراكبُ. "كشاف القناع" (^٦). كما تقدَّم في المستحبَّات من قوله: "ويستحبُّ لقاضي الحاجة مَسحُ ذَكره بيُسرى يدَيه إذا فرغ … " إلخ.
_________________
(١) بعدها في (ح): "عن القبلة ولو يسيرًا يمنة أو يسرة لفوات الاستقبال والاستدبار بذلك".
(٢) "صحيح" البخاري (٣٩٤)، و"صحيح" مسلم (٢٦٤)، وهو عند أحمد (٢٣٥٧٩).
(٣) قال ابن مفلح في "الفروع" ١/ ١٢٧: وظاهر كلام صاحب "المحرر" وحفيده: لا يكفي. وينظر "الاختيارات الفقهية" ص ١٥.
(٤) في الأصل: "الاستدبار".
(٥) ١/ ١٢٧.
(٦) ١/ ٦٤ - ٦٥.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ويَستجمِرُ، ثمَّ يَستنجِي،
(و) إذا انقطع بولُه، ومسحَ ذَكَره، كما تقدَّم، فإنَّه (يَستجمِرُ) ندبًا بنحوِ حجرٍ (ثم يَستنجي) بالماء بعده مرتبًا (^١)؛ لقول عائشةَ للنساء: مُرْنَ أزواجَكنَّ أن يُتْبِعوا الحجارةَ الماءَ؛ فإنِّي أستحييهم، وإنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَفعلُه. رواه أحمد والنسائي والترمذي وصحَّحه (^٢). ولأنَّه أبلغُ في الإنقاءِ.
فإن عكس، [بأن استنجى، ثم استجمر] (^٣)، كُره.
وإن استجمرَ في فرجٍ، واستنجى في آخرَ، فلا بأسَ.
(ويستجمر، ثم يستنجي) أي: يُسَنُّ للمستنجي أن يستعمل في استنجائه الأحجارَ أوَّلًا، ثم يُتبِعها بالماء، على الترتيب المذكور في رواية عائشة، فالأمر هنا لمطلق الجمع (^٤)، إلَّا أن الجمعَ بينهما مندوبٌ؛ لأنَّه أمرٌ ضمنيٌّ لا صريح، واستفيدَ التَّرتيب من لفظ: "أن يُتْبِعوا" الوارد في الحديث، ولأنَّ الجَمعَ بينهما (أَبلغُ في الإنقاء) وأنظفُ للمحلِّ؛ لأنَّ الحجرَ يُزيل الأثرَ، فإذا جَمعَ بينهما، فقد أزال العينَ والأثرَ. دنوشري.
(فإن عكسَ) كُرِه (بأن استنجَى، ثُمَّ استجمرَ) بأنْ بدأ بالماء أوَّلًا، ثم أتبعه بالأحجار، فهو تصوير للعكس (كُرِه) له فِعْلُ ذلك؛ لما فيه من العَبَث وعدم الفائدة؛ لأنَّ المستنجيَ أزال العينَ والأثَرَ بالماء، فلم يَبقَ للحجر فائدةٌ، فكان مكروهًا. وقيل: إنَّه فِعْلُ الرافضة. دنوشري بإيضاح.
_________________
(١) زيادة كما (س).
(٢) أحمد (٢٤٦٢٣)، والنسائي في "المجتبى" ١/ ٤٢ - ٤٣، وفي "الكبرى" (٤٦)، والترمذي (١٩) بنحوه. وينظر: "التلخيص الحبير" ١/ ١١٢.
(٣) ليست في (س) وفي (ح): "ثم استجمره".
(٤) بعدها في الأصل طمس بمقدار كلمتين.
[ ١ / ٢٠٦ ]
ويُجزئ أحدهما،
ولا يُحزِئ استجمارٌ في قُبُلَي خُنثى مُشكِل، ومخرجِ غيرِ فرجٍ.
(ويُجزئ) المتخليَ (أحدُهما) أي: الاستجمارُ أو الاستنجاء، فيكفي استجمارٌ ولو مع قدرةٍ على ماءٍ؛ لحديث جابرٍ مرفوعًا: "إذا ذهبَ أحدُكم إلى الغائطِ، فليستطب بثلاثةِ أحجارٍ؛ فإنها تُجزئ عنه". رواه أحمد وأبو داود (^١).
(ولا يُجزئُ استجمارٌ في قُبُلَي خنثى مُشكِل) لأنَّ الأصليُّ منهما غيرُ معلوم، والاستجمار لا يُجزئ إلَّا في الأصليِّ، فإن كان واضحًا، أجزأ الاستجمارُ في الأصليِّ دون الزائدِ، ويجزئ في دبرِه. مصنِّف (^٢).
(ومخرجٍ غير فرجٍ) عطف على "قُبُلَي" أي: تنجَّس بخارجٍ منه أو بغيره، فلا يكفي فيه إلَّا الماء ولو استدَّ (^٣) المعتادُ؛ لأنَّه نادر فلا يثبت له أحكامُ الفَرج، ولمسُه لا ينقِض الوضوء ولا يتعلَّق بالإيلاجِ فيه حُكمُ الوَطءِ، أشبه سائرِ البَدَن. مصنف.
(ويجزئُ أحدُهما) أي: يجزئُ من أراد الاستنجاءَ الاقتصارُ على أحدِهما، أي: على الماء فقط، أو على الأحجارِ فقط، في قولِ أكثرِ أهل العلم. أما إجزاءُ الاقتصار على الماء؛ فلما رَوى أنسٌ قال: "كان النبي ﷺ إذا خَرجَ لحاجتِه أَحملُ أنا وغلام نحوي إدواة من ماءٍ، فيستنجي به". متَّفقٌ عليه، ولفظه لمسلم (^٤). لكنْ إذا أرادَ المستنجي الاقتصارَ على الماء، يُكثِر صب الماء حينئذ، ويسترخي قليلًا، وَيدلِك المخرَج حتَّى تذهبَ النعومةُ وتأتيَ الخشونةُ. وأمَّا الاقتصار على الأحجار؛ فلقوله ﵊ في حديث جابر: "إذا ذهب أحدُكم إلى الغائط … " إلخ وإنَّما جاز الاقتصار على الحجر فقط، فلأنه يُزيل العينَ ولو
_________________
(١) لم نقف عليه من حديث جابر عند أحمد وأبي داود، وإنَّما هو من حديث عائشة ﵂ عند أبي داود (٤٠)، وورد عند أحمد (١٥٢٩٦) من حديث جابر ﵁ بلفظ: "إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا".
(٢) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٧٣.
(٣) في "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٧٣ - والكلام منه-: انسدَّ.
(٤) "صحيح" البخاري (١٥٢)، و"صحيح" مسلم (٢٧١).
[ ١ / ٢٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والماء أفضلُ مِن الحجَر، وجَمعُهما أفضلُ مِن الماءِ
بَقِيَ الأثرُ؛ لأنَّه يُعفَى عنه ما دام بمحله، وإنكارِ سعدِ بنِ أبي وقَّاص وابنِ الزبير الاستنجاءَ بالماء، وقال سعيد بن المسيب: هل يفعلُ ذلك إلَّا النساءُ (^١).
(والماء أفضل … إلخ) أي: إذا أرادَ المستنجي الاقتصارَ على الماءِ أو على الحَجَر، فاقتصارُه على الماء أفضلُ من اقتصارِه على الحَجَر؛ لأنَّ الماءَ يُزيل العينَ والأثرَ، فكان أفضلَ، ولأن الذين يستنجون بالماء مَدَحهم اللهُ ﷾ بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] قال أبو هريرة: "نزلت هذه الآية في أهلِ مسجد قُباء لأنهم كانوا يستنجُون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية". رواه أبو داود (^٢).
والاقتصارُ على الحَجَر جائزٌ بالإجماع، بغيرِ خلافِ بين أهلِ العلم، فتلخص من هذا أن الماءَ أفضلُ. قال في "المنتهى" (^٣): كجمعهما، أي: كما أن جمعَهما أفضلُ من الاقتصارِ على أحدِهما. فأصلُ هذه العبارة لصاحب "التنقيح"، وتبعَه عليها صاحب "المنتهى" -رحمه الله تعالى- ونسب صاحبُ "الإقناع" "التنقيح"، إلى السَّهو (^٤)، والحال أنه لا سهوَ؛ لأن صاحبَ "التنقيح" شبَّه فضيلةَ الاقتصارِ على الماء وحده بفضيلةِ جمعِهما بجامع أن الماءَ يُزيل العينَ والأثَر، والماء والحَجَر يزيلان العينَ والأثَر كذلك، فحصلت المشابهة بينهما من هذه الحيثية، والمشبه لا يُعطى حكمَ المشبه به من كل وجهٍ، بل إذا شابَههُ ولو في بعضِ الوجوه، صحّ تشبيهه به، فعبارتُه في غايةِ الاستقامة، لا سهوَ فيها ولا ملامةَ. دنوشري.
(وجمعهما أفضل من الماء) فقط، والحجرِ فقط، وهذه هي معنى عبارة "المنتهى".
_________________
(١) أخرج ابن المنذر في "الأوسط" ١/ ٣٤٦ عن ابن الزُّبير أنَّه قال: لعن الله غاسل استه. وأورد بعده قول سعيد بن المسيب.
(٢) في "سننه" (٤٤)، وأخرجه أيضًا الترمذي (٣١٠٠)، وابن ماجه (٣٥٧). قال الترمذي: غريب من هذا الوجه. اهـ وضعفه أيضًا ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ١١٢.
(٣) ١/ ١١.
(٤) "الإقناع" ١/ ٢٧.
[ ١ / ٢٠٨ ]
إلَّا إذا جاوزَ الخارجُ المعتادَ، فيجبُ الماءُ.
(إلَّا إذا جاوزَ) أي: تعدى (الخارجُ) بالرَّفع، الموضعَ (المعتادَ) بالنصب، كأنْ ينتشرَ الخارجُ على شيء مِن الصفحة، أو يمتد إلى الحشفةِ امتدادًا غيرَ معتادِ، (فيجب الماء) للمتعدي فقط؛ لأنَّ الاستجمارَ في المعتادِ رخصة؛ لمشقَّة غسلِه، لتكرر نجاستِه، فما لا يتكرر، لا يُجزِئ فيه إلَّا الماءُ، ويُجزِئ استجمارٌ في محل العادةِ، كما لو لم يكن غيره.
(إلَّا إذا جاوزَ الخارجُ المعتادَ … إلخ) مستثنى من قوله: "ويجزئُ أحدُهما" أي: ولا يجزئُ في خارجِ من سبيل تعدى يقينًا موضع العادة كأن ينتشرَ الخارجُ إلى الصفحتين، (أو يمتد إلى الحشفة … إلخ) وفي "شرح العمدة": إلى النصف من الألية والحشفة فأكثر، فإن كان أقل من ذلك، عُفي عنه وأجزأ الحَجَر. وظاهر "المحرر" (^١) أنَّه إذا تعدى الخارجُ عن مخرجه مطلقًا، فلا يجزئه إلَّا الماءُ الطهور للمتعدَّي فقط؛ لأن الأصلَ وجوبُ إزالة النجاسةِ بالماء الطهور، وإنَّما رُخص في الاستجمار؛ لتكرار النجاسة على المحل المعتاد، فإذا جاوزته، خرجت عن حدّ الرخصة، فوجب غسلها كسائر البدن، في الغسل للمتعدى. نصٌّ عليه. وبه قطع ابنُ تميم (^٢)، ويجزئ الاستجمار في نفس المخرج، [وقيل:] (^٣) فله الاستجمار في الصفحتَين والحَشَفة، وبه قطع الشيرازيُّ (^٤). وإذا استعملَ المستنجي الماءَ في المخرج أو في غيرِه، اشتُرط له العددُ المعتبرُ في إزالة النجاسة، مع خشونةِ المحل كما كان، ونصُّ الإمامِ أنَّه لا يستجمر في غيرِ المخرجِ المعتادِ، ولا يُجزئ فيه إلَّا الماءُ. دنوشري مع زيادة.
(الموضع) يشيرُ بهذا إلى أن قولَه: (المعتاد) صفة لموصوف محذوف.
_________________
(١) ١/ ١٠.
(٢) هو أبو عبد الله، محمَّد بن تميم الحراني الفقيه، صاحب "المختصر" في الفقه، وصل فيه إلى أثناء الزكاة. توفي قريبًا من سنة خمس وسبعين وست مئة. "ذيل طبقات الحنابلة" ٢/ ٢٩٠.
(٣) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. وينظر "الفروع" ١/ ١٣٧، و"المبدع" ١/ ٩٠.
(٤) هو أبو الفرج، عبد الواحد بن محمَّد الشيرازي، المعروف بالمقدسي، له تصنيف في الفقه والوعظ والأصول. (ت ٤٨٦ هـ). "طبقات الحنابلة" ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩، و"سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٥١ - ٥٣.
[ ١ / ٢٠٩ ]
ولا يصح استجمارٌ إلَّا بطاهرٍ، مباحٍ، مُنْقٍ،
(ولا يصح استجمار إلَّا بطاهرٍ) جامدٍ (مباح مُنقٍ) كحجرٍ، وخشبٍ، وخِرقٍ (^١)؛ لأن النبي ﷺ سُئل عن الاستطابةِ فقال: "بثلاثةِ أحجارٍ ليس فيها رَجِيعٌ" (^٢)، فلولا أنَّه
(ولا يصح استجمارٌ إلا بطاهرٍ) فلا يصح الاستجمار بنَجِسٍ كرَوثٍ ورمةٍ؛ لأنَّ ابنَ مسعود أتى النبي ﷺ بحَجَرين ورَوثة للاستجمار، فأخَذَ الحَجَريَن، وألقى الروثةَ وقال: "إنَّها ركسٌ" رواه البخاري (^٣).
والركس: النَّجَس. فرده ﷺ، وعلله بأنه رِكسٌ، ولم يَرضَهُ للاستنجاء، فوجبَ المصيرُ إليه، ولأنَّه إذا استجمرَ بالنجاسة، فلا يزدادُ المحل إلَّا نجاسةً، وكذلك إذا استجمرَ بنجِسٍ، ثم بطاهرٍ بعدَه، أو استنجى بمائعٍ كخلٍّ وماء بَقْلٍ وورد، فلا يجزئهُ بعد ذلك إلَّا الماءُ الطهورُ. دنوشري وإيضاح.
فلا يصح بمحرم، كمغصوب، ومسروقٍ، وموقوفٍ، وفضةٍ؛ لأنه رخصةٌ، فلا تستباحُ بمعصيةٍ. ولو استجمرَ في الحائط الوقْف، لم يصحَّ استجمارُه، وحَرُم ذلك، ولا يجزئهُ إلا الماءُ. نقل ذلك عن والدِ صاحبِ "المنتهى"، قاله ولده، حتَّى ولو كان المستجمِر مستأجرًا للوقف، أو مستأجرًا لحائط ملك، قاله الشَّيخُ عبدُ الرحمن البهوتي.
(مُنْقٍ) أي: قالعٍ لعينِ النجاسةِ، مزيلٍ لجِرمها، ولو بقي أثَرُها في المحل، فلا يُجزئُ الاستجمارُ بغير مُنق، كالشيء الصقِيل من زجاج وقَصَبٍ ونحوِهما؛ لأنَّه إذا لم يُنقِ، لم يَحصل منه المقصود من الاستجمار، فلا يجزئه، وإنَّما يُجزئه الاستجمارُ بالمباح المنقي، كخشبٍ وحجَرٍ وخِرَقٍ، فإن استجمرَ بغير مُنْقٍ، أجزأ الاستجمارُ بعده بمُنْق.
"فرع": لو استجمرَ ثلاثةُ أنفسٍ بثلاثة أحجار، لكل حَجَر ثلاثُ شُعَبٍ، استجمر كل واحدٍ بشعبةٍ من كل حجر، أجزأهم؛ لحصولِ المعنى والإنقاء.
_________________
(١) في (م): "وخزف".
(٢) رواه أبو داود (٤١)، وابن ماجه (٣١٥)، وأحمد (٢١٨٥٦) من حديث خزيمة بن ثابت، وينظر: حديث سلمان الآتي ص ٢١٤.
(٣) برقم (١٥٦).
[ ١ / ٢١٠ ]
غيرِ عَظْمٍ، وروثٍ
أرَاد الحجرَ وما في معناه، لم يستثنِ الرجيعَ، ولمشاركةِ غيرِ الحجرِ للحجرِ في الإزالةِ.
وفُهم منه أنَّه لا يصح استجمارٌ بنجسٍ ولا بغيرِ جامدٍ، كرِخْوٍ ونَدِيٍّ؛ لأنَّه لا يحصل به المقصودُ، [ولا بما لا يُنْقِي] (^١) كالأملسِ مِن نحوِ زجاجٍ ولا بمغصوبٍ.
(غيرِ عظمٍ ورَوْثٍ) فلا يُجزِئ استجمارٌ بهما؛ لقوله ﵊: "لا تَستنجوا (^٢) بالرَّوثِ ولا بالعظامِ؛ فإنَّه زادُ إخوانِكم الجِنِّ". رواه مسلم (^٣).
فإن لم يُنْقِ، زادَ حتَّى يُنقِيَ، وحدُّ الإنقاءِ بالأحجار ونحوها هو أن يبقى على المخرَج أثَر لا يُزيلُه إلَّا الماءُ. وقال بعضهم: حد الإنقاء بالحَجَر: خروجُ الحَجَر الأخيرِ لا أثَرَ به إلَّا يسيرًا، فلو بقيَ ما يزولُ بالخِرَق لا بالحَجَر، أزيلَ على ظاهر الأوَّل (^٤) لا الثَّاني، والمذهبُ الأوَّل. وهذا الأثَرُ نَجِسٌ يُعفى عن يسيرِه ما دام بمحله.
وحدّ الإنقاء في الاستنجاء بماء خشونةُ المحل بالغسل وعودُه خَشِنًا كما كان قبلَ خروج الخارج. ولا يُشترَطُ الترابُ مع الماءِ، ولا يشترطُ أيضًا عَودُ المحل إلى الخشونة، بل ظَنُّهَ كافٍ في الإجزاء، فإذا أتى بالعددِ المعتبرَ في الاستجمار، اكتفى في زوال النجاسة بغلبة الظَّنِّ، وقال في "النهاية": لا بُدَّ من العِلم في ذلك. دنوشري مع زيادة (^٥).
(ولمشاركة غير الحجر) علةٌ لمعلول مقدر في نظم الكلام، تقديره: ولم يَستثنِ غير الحجرِ؛ لمشاركة غير الحجرِ الحجرَ، بل سكتَ عن استثناء ما في معناه؛ لإرادته ذلك، والرجيع: الروث.
(غير عظمٍ ورَوثٍ) أي: يَحرم، ولم يصحَّ الاستجمارُ برَوثٍ وعظمٍ، فلا يُجزئُ الاستجمارُ بهما؛ للنَّهي عن ذلك، لما روى ابنُ مسعود أن النبي ﷺ قال: "لا تَستَنجوا
_________________
(١) ليست في (س).
(٢) في (س): "لا تستجمروا".
(٣) في "صحيحه" (٤٥٠) (١٥٠) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٤) في الأصل: "القول". والمثبت من "المبدع" ١/ ٩٤.
(٥) بعدها في الأصل طمس بمقدار سطر تقريبًا.
[ ١ / ٢١١ ]
وطعامٍ.
(و) غيرِ (طعامٍ) ولو لبهيمةِ، فلا يُجزِئ استجمارٌ به؛ لأنَّه ﵊ علل المنعَ مِن الروثِ والعظامِ؛ بأنَّه زادُ الجِن، فزادُنا وزادُ بهائِمنا أولى (^١).
وغيرِ ما لهُ حرمةٌ، ككُتب عِلم، وما فيه ذِكرُ اللهِ تعالى.
وغيرِ متَّصلٍ بحيوانٍ، كيده، وجِلْده، وصوفِه؛ لحرمةِ الحيوانِ.
وغيرِ جِلد سمكٍ وحيوانٍ مُذَكى.
بالروْثِ". وروى أبو داود (^٢) أَنَّه قال لرويفع بنِ ثابتٍ: "أخْبِرِ النَّاسَ أنَّه من استنجى برجيعٍ أو عظمٍ، فإن محمدًا بَرِيءٌ منه". وهذا عامٌّ في الطاهر منهما وغيره، والنهيُ يقتضي الفسادَ وعدمَ الإجزاء. دنوشري.
(وزادُ بهائمنا أَولى) في الحُرمة وعدمِ الإجزاءِ. (وغير ماله حرمة ككتب) حديث وفقه، وكتب مباحةٍ، فيَحرُم ولا يُجزئُ. قلت: رُبَّما يُخشى عليه الكفْرُ والارتدادُ، والعياذُ بالله تعالى. وكذلك يَحرمُ الاستجمارُ بما يَحرم استعمالُه كقِطَعِ ذَهَبٍ وفضَّة. دنوشري.
(وغير متَّصلٍ بحيوان) كذَنَبِ البهيمة ويدِها ورجلِها، ويد مُستجمر؛ لأنَّ لذلك حرمة، فهو كالطعام. ولا يجوز أيضًا الاستجمارُ بحيوانِ كعصفور ونحوِه، ولو كان حيا.
وبالجملة فيُشَترط في المستجمَر به شرطان (^٣):
أحدهما: أن يكون جامدًا؛ لأنَّ المائعَ إنْ كان ماء، فهو استنجاءٌ، وإن كان غيرَه، امتزج بالخارج، فيزداد نجاسة.
_________________
(١) بعدها في (ح): "أي: في الحرمة وعدم الإجزاء".
(٢) في "سننه" (٣٦)، وأخرجه أيضًا النسائي في "المجتبى" ٨/ ١٣٥، وأحمد في "المسند" (١٧٠٠٠)، والبزار في "البحر الزخار" (٢٣١٧). قال البزار: وهذا الحديث قد روى نحوَ كلامه غيرُ واحد، وأما هذا اللفظ فلا يُحفظ عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد غير رويفع … إلخ.
(٣) ذكر صاحب الحاشية خمسة شروط لا اثنين.
[ ١ / ٢١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثانيها: أن يكونَ طاهرًا؛ للحديث المتقدِّم.
ثالثها: أن يكون مُنْقيًا، فلا يجوزُ الاستجمارُ بالزجاج ولا الحَجَر الأملسِ الصقيلِ، كالبلور، إذ المقصودُ الإنقاء، ولا يحصلُ بذلك.
رابعها: أن لا يكونَ محترمًا، فلا يجوزُ بطعام، ولو لبهيمة، وكذا طعامُ الجن، وكتبُ الفقه والحديث وغيرها، [لما فيه من هتك الشريعة] (^١). وأن لا يكونَ حيوانًا، ولا متَّصلًا بحيوان.
خامسها: أن لا يكون مُحرمًا ذاتًا أو وصفًا، كمغصوب، ومسروق، وموقوف، وقِطَعِ ذهبٍ أو فضةٍ. وقيل: يجوز بالمغصوب، وهو مخرج من روايةِ صحّة الصَّلاة في بُقعةِ غصْب، ورُد بأن الاستجمارَ رخصةٌ، والرخَصُ لا تُستباح بالمعاصي، واختار الشَّيخ تقي الدين الإجزاءَ في ذلك، وبما نُهي عنه، قال: لأنَّه لم يُنْهَ عنه لكونه لا يُنْقي، بل لإفسادِه (^٢). ومن مذهبه أن النجاسةَ تُزال بالمائعات (^٣)، وهي من باب التروك التي لا تَحتاج إلى نية. ويُرَدُّ عليه بالحديث السابق. وحيثُ قيل بعدمِ الإجزاءِ، فإنه يتعيَّن الماءُ في الشرط الأوَّل، وكذا في الثَّاني، على ما قطع به المجدُ و"الكافي" (^٤)، وفي الثالث: يعدلُ إلى طاهر مُنق، وفي الرابع والخامس: يُجزئه الحَجَر؛ جَعلا لوجودِ آلةِ النَّهي كعدمها؟ أو يعدِلُ إلى الماء؛ لعدمِ فائدةِ الحَجَر إذن لنقاءِ المحل؟ فيه وجهان، أرجحُهما أنّه يصحُّ الاستجمارُ بعدَه بمُنْق، قال في "الإقناع" (^٥): وإن استجمرَ بغيرِ مُنْقٍ، أجزأ الاستجمارُ بعدَه بمُنْقٍ. دنوشري.
_________________
(١) مكانها طمس، واستدركت من "المبدع" ١/ ٩٣.
(٢) "الاختيارات الفقهية" ص ١٧.
(٣) "فتاوى شيخ الإسلام" ٢١/ ٥٠٧ - ٥٠٨.
(٤) ١/ ١١٧.
(٥) ١/ ٢٩.
[ ١ / ٢١٣ ]
ويشْتَرَطُ ثلاثُ مَسَحاتٍ مُنْقِيةٍ تعمُّ كلُّ مسحةٍ المحلَّ،
(ويشترط) لصحة استجمارٍ (ثلاثُ مَسَحات) فلا يُجزِئ أقل منها؛ لقوله ﵊: "فليَذهبْ معه بثلاثةِ أحجارٍ". رواه أبو داود (^١). ولقولِ سلمان: "نهانا رسولُ الله ﷺ أنْ نَستنجِيَ بأقلَّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ". رواه مسلم (^٢).
(مُنْقِيَة) أي: مُزيلةٍ لعينِ الخارجِ حتَّى لا يَبقى إلا أثَر لا يُزيله إلَّا الماء، فهذا هو الإنقاءُ بنحوِ الأحجارِ، وأمَّا الإنقاءُ بالماء، فَعَوْدُ خشونةِ المحل كما كان، وظنه كافٍ.
ويكون الاستجمارُ إما بحجرٍ ذي شُعبٍ، أو بثلاثةِ أحجارِ (تَعُم كل مَسحةٍ) مِن الثلاث وجوبًا، جميعَ (المحل) أي: الدُّبُرِ والصفْحَتَينِ
(ويشترَط لصحَّة استجمارٍ … إلخ) أي: فلا يُجزئ في الاستجمارِ أقل من ثلاثِ مسحَاتٍ، بفتح السِّين، جمع مَسْحَة، بالسكون.
(منقِية) إمّا بحَجَرٍ كبيرٍ ذي ثلاثِ شُعَبٍ، أو بثلاثةِ أحجار.
(هذا هو الإنقاءُ بنحو الأحجار) أي: حدّ الاستنجاءِ بنحو الأحجار. وقوله: (وأما الإنقاء بالماء) أي: الاستنجاء بالماء حتَّى يَنْقَى، ويصحُّ بضمِّ الياء وكسر القاف، فالضمير على الأوَّل راجعٌ للمحلِّ، فهو بالرفع فاعل، وعلى الثَّاني راجعٌ على المستجمِر، فالمحل مفعوله كما تقدَّم. عن "المطلع" (^٣).
(تَعم كلُّ مسحةٍ المحلَّ) أي: محل الخارج (وجوبًا) وهو المَسرَبةُ والصفحتان؛ وذلك لحديث سلمان … إلخ، وفي معنى الثلاثة ثلاثةُ أطرافِ حَجَرٍ، بخلافِ رمي الجمار؛ لأنَّ المقصودَ ثَم عددُ الرمي، وهنا عدد المسحات، فإذا حصلَ الإنقاءُ بثلاثةِ أحجار، فهي
_________________
(١) في "سننه" برقم (٤٠).
(٢) في "صحيحه" برقم (٢٦٢).
(٣) ص ١٣.
[ ١ / ٢١٤ ]
فإن لمْ تُنق، زادَ.
ويستحب قطعُه على وِتْرٍ، ويجبُ لكلِّ خارجٍ
(فإن لم تنق) المسحاتُ الثلاثُ (زاد) وجوبًا حتَّى يُنْقي المحل.
(ويستحبُّ قطعُه) أي: الاستجمارُ (على وِترٍ) إن زاد على الثلاث. فلو أنقَى برابعة، زاد خامسةً، أو أنقى بسادسة، زاد سابعةً، وهكذا؛ لقوله ﵇: "مَن استجمرَ فليُوتِر". متَّفقٌ عليه (^١).
(ويجب) استنجاءٌ أو استجمارٌ (لكل خارجٍ) مِن سبيلٍ، معتادًا كان الخارج
مجزئة بغير خلاف، وأمَّا الحجرُ الكبيرُ الذي له ثلاث شعب، فيجوزُ الاقتصارُ عليه في ظاهرِ المذهب، اختاره الخرقيُّ وجُل المشايخ، وعنه: لا بُدَّ من ثلاثةِ أحجارٍ، اختارها أبو بكر والشيرازي؛ لأنَّه ﵊ نصِّ عليها، وعلقَ الإجزاءَ بها، ولأنه إذا استجمرَ به تنجَّسَ، فلم يجزْ، كالصغير، والأوَّلُ أصح؛ لما رَوى جابر أن النبي ﷺ قال: "إذا تغوّط أحدُكم فليتمسَّح ثلاثَ مرَّاتٍ". رواه أحمد (^٢). وهذا يبيِّن أن المقصودَ تكرارُ التمسُّح، لا تكرارُ الممسوح به، ولأنَّه يحصُلُ بالشعبِ الثلاثِ ما يحصلُ بالأحجار، فلا معنى للفرق. كما لو مَسحَ ذكرَه على صخرة عظيمة في ثلاثة مواضع منها. قال ابن عقيل: ولو مسحَ بالأرض أو بالحائط في ثلاث مواضع، فهو كالحجر الكبير.
وفُهِم من قوله: "تعم كل مسحة المحل" أَنَّه إذا أفرد كل جهة من المخرج بحجر، أَنَّه لا يجزئ.
(فإنْ لم تنقِ) الثلاثُ مسحات (زاد) حتَّى تنقي؛ لأنَّ المقصودَ من الاستجمارِ إزالةُ عينِ النجاسة بالأحجار ونحوها. دنوشري مع زيادة.
(ويجبُ استنجاء أو استجمارٌ لكلِّ خارج من سبيلٍ) أو ثقبٍ فيما إذا استد المخرج، وانفتحَ غيرُه، ولو أسفل المعدة؛ لقول عائشة ﵂: مُرنَ أزواجكنَّ أن يُتبِعوا
_________________
(١) البخاري (١٦١)، ومسلم (٢٣٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في "مسنده" (١٤٦٠٨) من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير. وأخرجه أحمد أيضًا (١٤١٢٨) من طربق ابن جريج عن أبي الزبير بلفظ: "إذا استجمر أحدكم فليوتر".
[ ١ / ٢١٥ ]
غيرِ ريحٍ،
كالبول، أو لا كالمذي؛ لقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] لأنَّه يَعم كل مكان ومحل مِن ثوبٍ وبدنٍ، ولقوله ﵊: "إذا ذَهبَ أحدُكم إلى الغائطِ، فليَذهب بثلاثةِ أحجارٍ، فإنَّها تُجزِئ عنه". رواه أبو داود (^١)، والأمرُ للوجوبِ، وقال: "إنّها تُجزِئ" ولفظُ الإجزاءِ ظاهرٌ فيما يجب.
(غيرِ ريحٍ) لقوله ﵊: "مَنِ استنجَى مِن ريحٍ، فليس منَّا". رواه الطبراني في "معجمه الصَّغير" (^٢). قال الإمامُ أحمدُ ﵀: ليس في الريحِ استنجاء في كتاب الله ولا في سُنة رسولِه. وهي طاهرة، فلا تنجَّس ماءً يسيرًا لاقَته.
الحجارةَ الماءَ، فإن رسولَ الله ﷺ يفعلُه. رواه الإمام أحمد (^٣) واحتج به، والأمر هنا للوجوب، وكلامُه شاملٌ للمعتَاد، كالبولِ والغائط، والنادر، كالدود والحصى، والطاهرِ والنجس، وهو ظاهرُ كلام الأصحاب، وظاهر "المحرر" أنه لا بجبُ في طاهر (^٤)، كما سيأتي التنبيهُ عليه، كمني، ودواءٍ تحملَت به، إن قيل بطهارة فرجها. وقد استثنى المؤلفُ -رحمه اللهُ تعالى- من عمومِ هذا الوجوب ثلاثَ مسائل، لا يجبُ فيها استنجاءٌ ولا استجمارٌ، ذكرَ الأولى بقوله: (غير ريحٍ) باتفاق المذاهبِ الأربعة؛ وذلك (لقوله ﵊: "من استنجى إلخ") قال الإمامُ أحمد: ليس في الريحِ استنجاءٌ في كتابِ الله ولا سنة رسولِ الله ﵊، ولأنَّ الاستنجاءَ والاستجمارَ إنَّما يجبُ لإزالةِ النجاسة.
(والرجز) أي: النجس (فاهجر) والهجرُ يحصل بالاستنجاءِ أو الاستجمار.
(وهي طاهرة فلا تُنجِّس ماءً يسيرًا) بملاقاتها على الصَّحيحِ من المذهب.
_________________
(١) في "سننه" (٤١) من حديث عائشة ﵂، وتقدم.
(٢) لم نجده في "المعجم الصغير" للطبراني، وقد أخرجه ابن عدي في "الكامل" ٤/ ١٣٥٢، ومن طريقه السهمي في "تاريخ جرجان" ص ٣١٤، وابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" ٥٣/ ٤٩ عن جابر ﵁. وفي إسناده: شرقي بن قطامي، قال عنه ابن عدي: وليس لشرقي هذا من الحديث إلَّا قدر عشرة أو نحوه، وفي بعض ما رواه مناكير. اهـ.
(٣) سلف قريبًا.
(٤) عبارة "المحرر" ١/ ١٠: وهو واجبٌ لكل نجاسةٍ تخرج من سبيل.
[ ١ / ٢١٦ ]
وطاهرٍ، وما لا يُلَوثُ.
(و) غيرِ خارجٍ (^١) (طاهرٍ) كَمِنيٍّ وولد بلا دمٍ.
(و) غيرِ (ما) أي: خارج (^١) (لا يُلَوِّث) أي: لا يَنفصِل منه أثرٌ في المحل يزيله
قال في "المبهج": لأنَّها عَرَض باتفاقِ الأصوليين.
قال بعض الشارحين: وفيه نظر، لأنَّ من المعلوم أن للريح الخارجةِ من الدبرِ رائحة منتنَة قائمة بها، ولا شكَّ في كونِ الرائحة عَرَضًا، فلو كانت الريحُ أيضًا عَرَضًا، للزمَ قيامُ العَرَضِ بالعَرَض، وهو غيرُ جائزٍ عند المتكلمين.
وفي "النهاية": نجسةٌ، فتُنَجس ماءً يسيرًا.
قال في "المقنع" (^٢): وفيه بُعد.
قلت: ولا بُعدَ إن ثبتَ أَنَّه بخارُ نجاسَة، نهايتُه أَنَّه معفوٌّ عنه، حيثُ لم يظهر له صفة، كما قال في يسير سلسِ البول، ودخانِ نجاسة، وغبارها، وبخارها، ما لم يظهر له صفة، حتَّى ذَكرَ أبو الخطَّاب أنَّها غيرُ ناقضةٍ للوضوءِ بنفسها، بل بما يتبعُها من النجاسةِ. وأقول أيضًا: لم يَقُمِ العَرَضُ بالعَرَض في هذه المسألة؛ لأنَّ الريحَ لمَّا جاورت النجاسةَ، جذبت بخارَها، واستتبعتهُ، وأوصلتهُ إلى الخارج، فالريحُ جاذبة لبخار ما جاورَها.
المسألةُ الثَّانية: ما أشار إليها بقوله: (وغير … طاهرٍ) أي: لا يجبُ الاستنجاءُ ولا الاستجمارُ من الخارجِ إذا كان طاهرًا، كالمني والحصى والولد العاريين عن الدم أو البللِ، لكن يُشترَطُ في المني أن يكون باقيًا على طهارته، بأن خرجَ بعد الاستنجاء، والاستنجاءُ إنَّما شُرع لإزالةِ النجاسة، ولا نجاسة هنا.
المسألةُ الثالثة: ما أشارَ إليها بقوله: (وما لا يلوث) وهو صفة لموصوف محذوف، تقديرُه: الروثُ الملَوث، أي: لا يجبُ الاستنجاءُ بخروج الروثِ اليابس غيرِ المُلَوث
_________________
(١) ليست في (س).
(٢) لعله أراد: في "شرح المقنع". أي: "المبدع" والكلام فيه ١/ ٩٦.
[ ١ / ٢١٧ ]
ولا يصحُّ وضوء، ولا تيمم قَبْلَه.
الحجر (^١)، كالبعر الناشف، [فلا يجب الاستنجاءُ من ذلك] (^٢).
(ولا يصح وضوء) مَن لزمه استنجاء قَبله (ولا) يصحُّ (تَيمُّمٌ) عن (^٣) حدث أو نجاسة، ممَّن لزمه استنجاءٌ (قَبلَه) أي: قَبلّ الاستنجاءِ (^٤) أو الاستجمار؛ وذلك لقوله ﵊ في حديث المِقْداد المتَّفق عليه (^٥): "يَغسِلُ ذَكره، ثم يَتوضأ" فأتى بـ "ثُمَّ" المفيدَة للترتيبِ (٢).
للمخرَج، بأنْ خرجَ جافًا؛ لأنَّه لا أثرَ له بالمحل، فلا يجبُ له استنجاء. كما نصٌّ عليه في "التنقيح". وقال في "المغني" (^٦) و"الشَّرح" (^٧): القياسُ أَنَّه لا يجب في يابسٍ لا يُنَجِّسُ المحل. وذكر ابنُ تميم ذلك وجهًا. دنوشري مع زيادة.
(ولا يصحُّ وضوء .. ولا تيمم .. قبلَه، أي: قبلَ الاستنجاء أو الاستجمار) فهو شرطٌ للوضوء، والمشروطُ لا يصحُّ بدون شرطه، ولأنَّه رتب الوضوءَ في حديثِ المقداد بعد الغَسل، ولأنَّها طهارةٌ يُبطِلُها الحدثُ، فاشتُرِطَ لها تقديمُ الاستنجاء أو الاستجمار، ولأنَّه إذا بقيَ بعضُ الخارجِ على المخرج من غير إزالة، فكأنَ الخارجَ مستصحب للخروج، فلا تصح الطهارةُ مع قيامِ المانع، فعلى هذا لا يَستبيحُ شيئًا من العبادات بدون ما ذُكر، فعلى هذا إذا كانت على غير السبيلين، فكما لو كانت عليهما. ذكره القاضي وابن عقيل؛ لأنَّ
_________________
(١) ليست في (ح).
(٢) ليست في (س).
(٣) في (ح): "من".
(٤) بعدها في (س): "يعني".
(٥) البخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣).
(٦) ١/ ٢٠٦.
(٧) ١/ ٢٣٢، إلَّا أنَّه ورد فيه: "من ناشف"، بدل: "في يابس".
[ ١ / ٢١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نجاسةَ الفرج سببٌ في وجوبِ التيمم، فجازَ أنْ يكونَ بقاؤها مانعًا، هذا بالنسبة إلى التيمُّم، وأمَّا بالنسبةِ إلى الوضوء، إذا كانت النجاسة على غير السبيلين غيرَ خارجةٍ منهما، فإنَّه يصحُّ الوضوءُ قبلَ إزالتها على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطعَ به أكثرهم؛ لأنَّ الحدثَ يرتفعُ قبلَ زوالِ حكم الخَبَث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وسُنَّ للمستنجي بماء أنْ يعتمدَ في الغَسْل على إصبعه الوسطى، ويسترخي قليلًا، ولا يتعرَّضَ للباطن، فإذا غلبَ على ظنِّه زوالُ الخارج، كفى، وسُنَّ للمستنجي أيضًا أن يدلكَ يده اليسرى بتراب لإزالة الرائحة الكريهة، ولا يضر شمُّ رائحة يده، فإنْ كانَ ثَمَّ رائحة، أزالَها استحبابًا.
"فرع": يحرمُ منعُ المحتاجِ إلى الطهارة، أي: المطهِّرة الموقوفة، حتى ولو كان الوقفُ على جهةٍ معيَّنةٍ، كمدرسةٍ، ورباطٍ، ولو في ملكه؛ لبذلها للمحتاجِ شرعًا وعرفًا، ولو صرَّح الواقفُ بالمنع، كما ذكره في "المبدع" (^١).
"فرعٌ آخر": قال الشيخ تقيُّ الدين: تُمنَع أهلُ الذمَّة من دخولِ مطهرةِ المسلمين وجوبًا، إنْ حصلَ بهم ضررٌ من تضييقٍ، أو تنجيسٍ، أو إفسادِ ماءٍ ونحوه، ومع عدمِهِ، ولهم ما يستغنونَ به لا مزاحمة لهم. والله أعلم.
_________________
(١) ١/ ٩٧.
[ ١ / ٢١٩ ]