(باب) بالتنوين، أي: هذا باب يُذْكر فيه شيءٌ من أحكام التيمم.
(التيمُّمُ) لغةً: القصد.
(باب. بالتنوين) خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، تقديرُه: هذا بابٌ. ويصح عكسُه.
لما فرغَ المؤلفُ من الكلام على الطَّهارة الواجبةِ بطريق الأصالةِ، عقبه بذِكر ما يجبُ على سبيل البدلِ، وهو التيمُّم. وإنما قدّم المسحَ على الخف، فذكره تلوَ صفةِ الوضوء، مع كونه بدلًا عن غَسل الرجلين؛ لاختصاصه بالوضوء بخلاف التيممِ، فإنه يكونُ بدلًا عن الوضوءِ والغُسل.
(التيممُ لغةً: القصدُ) قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي: اقصِدوا. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أي: قاصدين. قال الشاعر (^١):
وما أدري إذا يممتُ أرضًا (^٢) … مريدَ (^٣) الخيرِ أيُّهما يليني
أألخيرُ الذي أنا أبتغيه … أم الشر الذي هو يبتغيني
وهو ثابت بالكتاب والسنة. أما الكتابُ، فقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وأمّا السنة، فقولُه ﷺ: "الصعيد الطيب طهورُ المسلمِ وإنْ لم يجد الماءَ عشرَ سنين، فإذا وجدتَ الماءَ، فأمسَّه جِلدَك". أخرجه أبو داودَ والنسائي (^٤)، ولما
_________________
(١) هو المثقب العبدي، والبيتان في "ديوانه" ص ٢١٢ - ٢١٣.
(٢) في "الديوان": "وجهًا".
(٣) في "الديوان": "أريد".
(٤) "سنن" أبي داود (٣٣٢)، و"سنن" النسائي ١/ ١٧١. وهو عند أحمد (٢١٣٧١)، وسيأتي ص ٤٣١.
[ ١ / ٤٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وشرعًا: مسحُ وجهٍ ويدين بترابٍ طَهُور على وجهٍ مخصوصٍ (^١). وهو ثابتٌ بالإجماع (^٢)، وسندُه قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الآية [النساء: ٤٣]. وحديثُ عمَّار (^٣) وغيره.
روى عِمرانُ بن حُصَين رضي اللهُ تعالى عنه قال: كنا مع رسولِ اللهِ ﷺ في سَفَر، فصلَّى بالناس، فإذا هو برجل معتزلٍ، فقال: "ما منعك أنْ تصلَّي". فقال: أصابتني جَنابة ولا ماءَ. قال: "عليكَ بالصعيد، فإنَّه يكفيك". متفق عليه (^٤). وفُرض في السنة السادسةِ من الهجرةِ. حفيد.
(وشرعًا: مسحُ وجهٍ إلخ) عبارةُ "المنتهى" (^٥): استعمالُ ترابٍ مخصوص لوجه ويدين. قال شارحُه: لأجل رفعِ حكمِ ما يمنعُ الصلاةَ، مِن حديث، ونجاسةٍ على بدن. والمرادُ بالتُّراب المخصوصِ أن يكونَ ترابًا طَهورًا، مباحًا، غيرَ محترق، له غبار يعلَقُ باليدِ. وكان على المؤلف -رحمه اللهُ تعالى- أن يقول: بنيَّة مخصوصة، مِن شخص مخصوصٍ، وهو مَن عَدِمَ الماء، أو مَن يتضرَّرُ باستعماله. ولكَ أن تقولَ: تعريفُ التيمم: مسحُ الوجهِ واليدين بشيءٍ من الصعيد. كما ذكره في "المبدِع". دنوشري. عُلم مِن ذلك أن الشرحَ "على وجهِ مخصوص" متعلقٌ بقوله: "مسحُ وجهٍ" وذلك الوجهُ هو صفتُه الآتي ذِكرُها، فاندفعَ بذلك ما يقال: كان على الشارح أنْ يزيدَ في التعريف: بنية مخصوصة مِن شخصٍ مخصوصِ. فيكونُ التعريفُ جامعًا مانعًا لا غبارَ عليه ليدل على (^٦) … فعله عند عدمه، وقال في "الإقناع" (^٧):
_________________
(١) "المطلع" ص ٣٢.
(٢) "الإجماع" لابن المنذر ص ٢١ بنحوه.
(٣) وفيه أنه ﷺ بعثه في حاجة فأجنب فتمرَّغ في الصعيد، فقال له ﷺ: "إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا" … الخبر. أخرجه مطولًا البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨)، وهو عند أحمد (١٨٣٢٨)، وسيأتي ص ٤٥٠.
(٤) "صحيح" البخاري (٣٤٤)، و"صحيح" مسلم (٦٨٢). وهو عند أحمد (١٩٨٩٨).
(٥) ١/ ٢٥.
(٦) بعدها في الأصل طمس بمقدار سطرين.
(٧) ١/ ٧٧.
[ ١ / ٤٢٦ ]
بل عن طهارةِ ماءٍ عندَ عَجْزٍ عنه شرعًا،
وهو من خصائصِ هذه الأمَّة، لم يجعلْه الله تعالى طَهورًا لغيرها؛ توسعة عليها وإحسانًا إليها (^١).
وهو (بدلٌ عن طهارة ماءٍ) لأنّه لا يجوزُ عند وجودِ الماء، وتمكنِه من استعماله، بل (عند عجْزٍ عنه) أي: عن الماء (شرعًا)
ويجوزُ لكل ما يُفعل بالماءِ، من صلاةٍ، وطوافٍ، وسجودِ تلاوة، وشكر، وقراءةِ قرآنٍ، ومسَّ مصحفٍ -قال بعضُهم: إن احتاجَه- ووطءِ حائضٍ انقطعُ دمُها، ولُبثٍ بمسجدٍ- قال الدنوشري: قلتُ: لأجل الغُسلِ فيه، كما هو مصرَّح به في هذه الصورةِ- ونجاسةٍ على بدن بعد تخفيفِها إنْ أمكن.
(عند عجز عنه شرعًا) لاحِسًّا؛ لصِحة التيممِ في بعض الصورِ مع وجود الماءِ. والظرفُ متعلّق بقوله: "بدلٌ عن طهارةِ ماءٍ" قال في "المنتهى" (^٢): سوى نجاسة على غير بدنٍ، ولُبث بمسجدٍ لحاجة. ولم يذكرها المصنَّف هنا؛ لذِكرها في باب الوضوء قال شارحُه: الاستثناءُ منقطع من محلِّ النجاسةِ التي يتيممُ لها؛ لأن البدنَ لبس من جنس الثوبِ والبُقعةِ. ويصح أن يكونَ متصلًا بالنظر الى قوله: "لكلِّ ما يُفعل به عند عجز عنه شرعًا". وغيرُ البدنِ، كالثوب والبقعةِ، فلا يصح التيمَّمُ لها إذا كانت على غير البدنِ. فإنْ قلتَ: لأي شيء إذا كانت النجاسةُ على البدن يصح التيمم لها، وإذا كانت على غيرِه لا يصح، فما الفرقُ بينهما؟ قلتُ: لأن النجاسةَ التي على البدنِ تُشبهُ الحدثَ القائمَ بالبدن، وقد عُهد التيممُ عنه، بخلافِ ما إذا كانت على غيرِه، وأيضًا يمكنُ التعري عن الثوبِ ويصلي عُريانًا للضرورة، يومئ استحبابًا فيها، وإن صلَّى قائمًا أو جالسًا وركعَ وسجدَ بالأرض، جازَ، ولا يمكن التعري عن البدنِ. وقولُه: "ولبثٍ بمسجدٍ لحاجة" أي: [وسوى لُبثِ جنب وحائضٍ] (^٣)
_________________
(١) بعدها في (م): "منه".
(٢) ١/ ٢٥.
(٣) في الأصل: "ولبث جنب وسوى حائض"، وينظر "حاشية النجدي" ١/ ٩٢.
[ ١ / ٤٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: من جهة الشرعِ، وإن لم يعجزْ عنه حسًّا كما سيأتي، وهذا شأنُ البدل.
ونفساءَ انقطع دمُها، واحتاجوا إلى اللبث بمسجدٍ لحاجةٍ، أي: لحاجة اللُّبث فيه لغير الغُسل. وهو معطوفٌ على المستثنَى. أعني قولَه: " نجاسة على غير بدنٍ" والتقدير: وسوى لُبث بمسجدٍ في إحدى الصورتين. وهي ما إذا تعذَّر الغُسلُ واحتيج إلى اللُّبث فيه فإنه يجوز (^١) … الحاجة الضرورية الداعية الى ذلك وهي خوف اللصوص أو أعوان الظلمة بخروجه من المسجد بعد الغسل، فاغتفر لمن ذكر ذلك بغير تيمم. وهو مستثنى من قوله: "لكل ما يُفعل به" فهو مستثنى متصل من الحكم الثابتِ للمبدَل منه، وهو الوجوبُ أو عدمُه؛ لأنه لمَّا ذكر أن التيممَ بدلٌ عن طهارة الماءِ لكل ما يُفعل به عند العجزِ عنه، فُهم منه أن التيممَ يجبُ حيث تجبُ الطهارةُ بالماء، ويستحب حيث تستحب، فتناول وجوبَ التيمم في الحالة المذكورةِ، فأخرجه بهذا الاستثناءِ من الحيثية المذكورةِ، لا من حيث عدمُ الصحَّةِ كما في النجاسةِ على غير البدنِ. والمتقضي لهذا الحملِ أن الخلافَ بين الأصحابِ في وجوب التيممِ في الحالة المذكورةِ لا في صحّته، فاختار الموفق في "المغني" (^٢) وجوبَه، وخالفه غيرُه. وممَّن نصِّ على جوازِه المجدُ. قلت: وهذا الخلافُ لفظيُّ، لا يترتَّب عليه كبيرُ فائدةٍ؛ لأنه يلزمُ من الوجوبِ الجوازُ، وقد يُستعمل الجوازُ مكانَ الصحَّةِ، وقد تُستعمل الصحةُ في محلّ الجوازِ. واللهُ تعالى أعلمُ. دنوشري.
(أي: من جهة الشرع) أشار الشارحُ بهذا التفسيرِ إلى أن "شرعًا" منصوب على التمييز، كـ: طابَ محمد نفسًا. (وهذا شأنُ البدلِ) بأن التيممَ لا يجب إلا عند عدمِ الماءِ، ولا يجوزُ مع وجودِ الماءِ إلا لعذرٍ، فاسمُ الإشارةِ راجعٌ لذلك، فشرطُ إباحةِ التيممِ عدمُ وِجدانِ الماءِ.
(ويجوزُ حَضَرًا، وسفرًا، ولو غيرَ مباح، أو قصيرًا؛ لأنه عزيمةٌ) أي: لأن التيممَ عزيمةٌ.
_________________
(١) بعدها في الأصل طمس بمقدار ثلاث كلمات.
(٢) ١/ ٢٠١.
[ ١ / ٤٢٨ ]
فإذا دخلَ وقتُ فرضٍ، أو أبِيحَ نفلٌ،
ويجوز حضرًا، وسفرًا ولو غيرَ مباحٍ، أو قصيرًا؛ لأنَّه عزيمة.
إذا علمتَ ذلك (فـ) إنَّه يجوز التيممُ بشرطين: أحدُهما: دخولُ وقتِ ما يتيممُ له، وإلى هذا أشار بقوله: (إذا دخل وقتُ) صلاةِ (فرضٍ) أو نفلٍ مقيدٍ بوقتٍ (أو أُبِيحَ نفل) مُطلَقٌ بخروج وقتِ النَّهْي، فلا يصحُّ تيمم لفرضٍ، أو نفلٍ معين، كسُنَّةٍ راتبةٍ قبل وقتهما، نصًّا، ولا لنفلٍ في وقت نُهِيَ عنه، بخلاف ركعتي طوافٍ، فيصح فعلُهما كلَّ
وتقدَّم الكلامُ على معناها في بابِ مسحِ الخفين. فيجوزُ في سفر المعصيةِ، كالمسحِ على الجبيرةِ. ولا يجوزُ تركُه، بخلاف الرخص، كالمسحِ على الخفِّ، والفِطرِ في السَّفر، والقصرِ فيه، فإنه يجوز له غَسلُ الرجلين، والصومُ، والإتمامُ في السفر؛ لأنه رجوع إلى الأصل، بخلاف التيمم؛ لأن الماءَ مفقودٌ حسًّا أو شرعًا، فتعذَّر الرجوعُ فيه إلى الأصلِ، فلا يُتركُ.
(فإنَّه يجوز التيمم بشرطين إلخ) الفاءُ في جوابِ شرط مقدَّر، أشارَ إليه الشارحُ بقوله: "إذا علمتَ ذلك". فلا يصح التيمم إذا فُقد واحدٌ منهما. وزادَ في "المنتهى" (^١) ثالثًا: وهو الترابُ، ولم يجعله المصنفُ شرطًا، انظر لماذا، تبَعًا لصاحبِ "الإقناع" (^٢)؟!
(فلا يصح تيمم لفرض إلخ) مفرع على قوله: "إذا دخل وقتُ صلاةِ فرضٍ"، "ولو" كانت الصلاةُ "منذورةً بمعين" (^٣) أي: بزمن معيَّن، كما لو نذرَ على نفسِه لله تعالى أنْ يصلِّيَ ركعتين في وقتِ الظهر، أو وقتِ العصر مِن يومِ كذا، أو بعدَ طلوعِ الشمسِ بعشرِ دَرَج، فلا يصحُّ التيممُ لهذه الصلاةِ المنذورةِ قبل دخولِ الوقتِ الذي عيَّن إيقاعَها فيه، أي: لصاحبة الوقتِ التي ستحضرُ أو سوت تحضرُ. وأطلق عليها حاضرةً (^٤)؛ لكونها قريبةً. دنوشري. (ولا لنفلٍ في وقت نهي عنه) لأنه ليس بوقت لها، ولا يصحُّ فعلُها فيه شرعًا، ولو جهلًا، حتى ما
_________________
(١) ١/ ٢٨.
(٢) ١/ ٧٧ - ٧٨.
(٣) ما يبن علامتي تنصيص من كلام صاحب "المنتهى" ١/ ٢٨.
(٤) أي: صاحب "المنتهى" ١/ ٢٦.
[ ١ / ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقت؛ لإباحتهما إذن. ويصحُ لفائتةٍ إذا ذكرها وأراد فعلَها، ولكسوف عند وجوده، ولاستسقاءٍ إذا اجتمعوا، ولجنازةٍ إذا تمَّ تغسيلُ ميتٍ، أو يُمِّمَ لعُذرٍ، ولعيدٍ إذا دخلَ وقتُه، ولمنذورةٍ بمعين إذا دخل، لا قبلَ ذلك في الكل، ولمنذورةٍ مطلقةٍ كل وقت.
له سببٌ، كسجودِ تلاوةٍ، وسنَّة راتبةٍ، وصلاةِ كسوفٍ، وتحية مسجدٍ في غير حالِ خُطبةِ الجُمُعة، وفيها تفعل إذا دخلَ والإمامُ يخطبُ ولو كان وقتَ قيامِ الشمسِ، بلا كراهة.
(ويصح لفائتةٍ إذا ذَكرها وأَراد فعلَها) أي: ولا يصح تيمم أيضًا لفائتةٍ من الصّلوات المفروضةِ إلا بشرطين، نبَّه على الأول منهما بقوله: "إذا ذكرها"، وعلى الثاني بقوله: "وأراد فعلَها" فلو تذكرها ولم يُرِد فعلَها، لا يصح له التيممُ بمجرّد التذكر، بل لابدّ لصحّة التيممِ من العزمِ على فِعلها عند التذكر، كما هو الواجبُ شرعًا. ولو قال الشارحُ رحمه الله تعالى: إلا إذا أراد فعلَها. لأغنَى عن قوله: "ذكرها" لأنه يلزمُ من إرادة الفعلِ التذكرُ، ولكان أقصرَ. (ولكسوفٍ عند وجودِه) عطفٌ على قوله: "لفائتة" فلا يصحُّ التيممُ لصلاةِ كسوفٍ قبل وجودِه، ويستمرُّ وقتُه إلى التجلِّي، ولا يُعتمدُ قولُ المقوِّمين في أنّه سيوجدُ في وقتِ كذا. (ولاستسقاءٍ إذا اجتمعوا) عطف على قوله: "لفائتة" فلا يصح التيممُ لصلاة استسقاءٍ ما لم يجتمع الناسُ للصَّلاة لها. (ولجنازة إلخ) عطفٌ على "لفائتة" فلا يصح التيممُ لصلاة جنازة إلا إذا غُسِّلَ الميتُ أو يُمِّمَ لعذر وفُرغَ من طهره. ويُلغز ويُقال: شخصٌ لا يصح تيمُّمه حتى ييمِّمَ غيرَه؟! (ولعبدٍ إذا دخل وقتُه) أي: وقت صلاةِ عيدِ الفطرِ والأضحى (لا قبل ذلك في الكل) أي: لا يصحُّ التيممُ فيما ذُكر إلا بعد دخولِ الوقتِ. وإنما لم يصح التيممُ في المسائل المتقدِّمةِ قبل دخولِ الوقتِ؛ لأنّه طهارةُ ضرورة، فلم تَجُزْ قبل الوقتِ، كطهارة المستحاضَة، وهو مبيح لا رافع، بخلاف الوضوءِ؛ ولأنَّ ما قبل الوقتِ مستغن عن التيمم فيه، فأشبة ما لو تيمَّم عند عدمِ العذرِ. دنوشري. (ولمندورةٍ مطلَقةٍ) عطفٌ على قوله: "لفائتة" أي: ويصح التيممُ لمنذورةٍ مطلَقةٍ، كأنْ نذر أربعَ رَكَعاتٍ، لأن المعاطيفَ إذا تكررت بالواو، تكون على الأول.
[ ١ / ٤٣٠ ]
وعَدِمَ الماءَ، أو زاد على ثمنهِ كثيرًا،
الشرط الثاني: عجزُه عن استعمال الماء حسًّا، كأنْ عدمَ الماء، أو شرعًا، كأنِ احتاجَ إلى الماء في نحوِ شُربٍ، وإلى هذا أشار بقوله: (وعدم الماء) حضرًا، أو سفرًا، بحبسٍ لمتيمِّم عن الماء أو عكسه، أو غيرِ الحبس، كقَطع عدوٍّ ماءَ بلده؛ لعمومِ حديث أبي ذرٍّ أن النبي ﷺ قال: "الصَعِيدُ الطيبُ طَهُورُ المسلم وإنْ لم يَجِدِ الماءَ عشرَ سنين، فإذا وَجَدَهُ، فلْيُمِسه بَشَرَته؛ فإن ذلك خير" رواه أحمد (^١).
(أو زاد) الماءُ (على ثمنِه) أي: ثمنِ مِثْلِه قدرًا (كثيرًا) عُرفًا، فيصحُّ التيمُّم.
(وعدم الماء) بابُه: علم. فِعل وفاعلٌ. فتعذَّر استعمالُه (بحَبسٍ) لمتيمِّم، بأن حُبس المتيممُ عن الخروجِ في طلب الماء، (أو عكسُه) بأن حُبس الماءُ عن المتيمِّم بوضعه في مكانٍ لا يصلُ إليه (كقطعِ عدوٍّ ماءَ بلدِه) مصدرٌ مضاف لفاعله، و"ماءَ بلدِه" مفعولُه (أو زادَ الماءُ على ثمنه إلخ) أي: أو عدم بذله إلَّا بزيادةٍ كثيرة عادةً على ثمنِ مثلِه في مكانه. فقولُه: "أو زاد الماءُ إلخ" معطوفٌ وهو (^٢) مقدّرٌ مِن لفظه وحذفِ أداةِ الاستثناءِ وحرفِ (^٣) الجر. والمعنى: إذا دخل وقتُ فرضٍ وعدم الماء أو عدم بذله إلا بزيادة إلخ؛ لأن عليه في رفع الزيادةِ الكثيرةِ ضررًا كثيرًا؛ فلم يلزمه أن يتحمله، كضرر النفس. قال في "المبدع": أو ثمنٍ يعجزُ عن أدائه؛ لأن العجزَ عن الثمن يُبيح الانتقالَ إلى البَدَل، دليلُه العجزُ عن ثمنِ الرقبةِ في الكفارة. وفُهم من قوله: "زيادة كثيرة" أن الزيادةَ اليسيرة تُتحمَّل، ولا تكونُ مبيحةً للتيمم.
"فرع": قال في "المبدع": إذا بذل ماءٌ بثمنٍ في الذِّمَّة يَقدر على أدائه في بلده، لم يلزمه في الأصح، واختاره أبو الحسنِ الآمدي؛ لأن عليه ضررًا في بقاءِ الدَّين في ذِمته، وربَّما
_________________
(١) في "مسنده" (٢١٣٧١)، وسلف تمام تخريجه ص ٤٢٥.
(٢) في الأصل: "على"، ولعل المثبت هو الصواب.
(٣) في الأصل: "وحروف"، والمثبت هو الأقرب للمعنى.
[ ١ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعُلم منه أنَّه يلزمُه شراءُ ماءٍ بثمنِ مِثْلِه، أو زائد يسيرًا عرفًا؛ لأنه قادر على استعمالِه إذن من غيرِ ضررِ. فإن عجز عن ثمنِ الماء، أو احتاجَه لنحوِ نفقةٍ، تيمَّم، وكذا يلزمُه شراءُ حبلِ ودَلْوٍ.
تلف مالُه قبل أدائه، وقال القاضي: يَلزمه كالكفارة في شراءِ الرَّقبة إذا كان مالهُ غائبًا وأمكنه شراؤها بِنيته، وأجيب: بأن الفرضَ متعلق بالوقتِ، بخلاف المكفِّرِ، وظاهرُه أنّه إذا لم يكن له في بلدِه ما يوفيه، لم يلزمه شراؤه، وصرَّح به في "المغني" (^١) وغيرِه؛ لأن عليه ضررًا.
(قدرًا كثيرًا) قدّر الشارحُ "قدرًا"، إشارة إلى أنَّ "كثيرًا" صفة لموصوفٍ محذوفٍ.
(فإن عجَزَ عن ثمن الماء … إلخ) مفرَّع على قوله: "أو زاد الماءُ على ثمنه كثيرًا". (حبل ودَلْوٍ) أي: ومثلُ ما في الحكم المذكورِ حبلٌ ودلوٌ. يعني: يلزم شراءُ ماء بثمنِ مثلِ الماءِ، وشراءُ حبل بثمنِ مثلِ الحبلِ، وشراءُ دلو بثمن مثلِ الدَّلو، احتيجَ إليهما لاستقاء الماء، أو بزائدٍ عن ثمن المثلِ شيئًا يسيرًا إذا كان معه ما يشتري به فاضلٌ عن حاجته، من نفقةِ نفسِه، وعيالِه، وقضاءِ دينه، ونفقةِ حَيَوان محترمٍ، فحينئذٍ يلزمُه شراؤه؛ لأنّه قادر على استعماله من غيرِ ضررٍ، ولأنه يلزمه شراءُ ستر عورته للصلاة، فكذا هنا. فإذا كثرت الزيادةُ على ثمن المثلِ، فلا يلزمُه الشراءُ؛ لانها تجعل الموجودَ حسًّا كالمعدومِ شرعًا، ولأن ضررَ الزيادةِ اليسيرةِ مغتَفَر على الأصح. وقد اغتُفر الضررُ اليسيرُ في بدنه، مِن صُداع وبردٍ، فهنا أولى. وعنه: لا يلزمُه شراؤه مع زيادة مطلقًا؛ لأنّ عليه ضررًا بالزيادة، كما لو خاف لصًّا يأخذ من مالِه. والمذهبُ الأول. فلا يلزمُه الشراءُ بما يحتاجُ إليه، ولا بثمنٍ في ذمَّته ولو وجده يباعُ نسيئة وقَدَرَ عليه في بلده، على الصَّحيح من المذهبِ. قاله في "الإنصاف" (^٢). ومتى عدم واشترى، كان ذلك أفضلَ، ولم
_________________
(١) ١/ ٣١٨.
(٢) ٢/ ١٨٤.
[ ١ / ٤٣٢ ]
أو خافَ باستعمالهِ ضررَ بدنِه، أو رفيقهِ،
(أو خاف باستعماله) أي: الماءِ (ضررَ بدنِه) بعطشٍ ولو متوقَّعًا، أو بجرحٍ، أو مرضٍ يخشى زيادتَه، أو تطاولَه، أو بقاءَ أثرِ شَين، تيمَّم؛ لعمومِ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣].
(أو) خاف باستعماله ضررَ (رفيقه) المحترَم بعطشه، تيمَّم؛ لأن حرمتَه تُقدَّم على الصّلاة، بدليل ما لو رأى غَرِيقًا عند ضِيقِ وقتِها، فيتركُها ويُنقِذه، فتقديمُها على الطهارة بالماء أولى، ولا فرقَ بين رفيقِه المزاملِ، أو واحدٍ من أهل الرَّكب. ويلزمُه بذلُ ماءٍ لعطشِ رفيقِه، لا لطهارته بحال.
يُعد إسرافًا؛ لأنه بذلَ مالَه في تكميل عبادتِه، بخلاف العطشانِ لو توضأ ولم يشربْ، فإنه يكونُ عاصيًا؛ لأنه ألقى نفسَه إلى التهلُكة. قاله المجدُ في "شرحِه". ويلزمه أيضًا استعارةُ الحبلِ والدَّلوِ، بأنْ يطلبَهما ممن هما معه على وجه العاريةِ. ويلزمُه قَبولُهما عارية إذا بُذلا له على وجه العاريةِ. ويلزمُه قَبولُ ماء قرضًا وهبةً. ويلزمُه قبولُ ثمنِه فرضًا، بشرط أن يكونَ له قدرة على الوفاءِ؛ لأن المِنة في ذلك يسيرة في العادةِ، فلا يضر احتمالهُما. وإن استغنَى صاحبُ الماءِ عنه ولم يبذله ليتوضَّأ به، لم يكن له أخذُه قهرًا؛ لأن له بَدَلًا. دنوشري مع زيادة.
(أو خافَ باستعماله ضررَ بدنِه) يعني أن الإنسانَ إذا خاف الضررَ من استعمال الماءِ في بدنه، إمّا بسبب عطشِ نفسِه، أو بسبب جُرحٍ في بدنه، أو بسبب مرض يخشَى باستعمال الماءِ زيادته في بدنه، أو يخافُ باستعمال الماءِ في بدنه تطاولَ المرضِ، بأن يتأخرَ حصولُ شفائه فورًا بسبب استعمال الماءِ؛ لعموم قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦] ولأنه يجوز له التيممُ إذا خاف فواتَ شيء من مالِه، أو ضررًا في نفسِه، من لصٍ، أو سَبُع، أو لم يجد الماءَ إلَّا بزيادة كثيرة على ثمن مثلِه، فَلَأنْ يجوزُ هاهنا أولى. فإنْ لم يخف، لَزِمه استعمالُ الماءِ كالصحيح (أو خافَ باستعماله ضررَ رفيقِه المحترمِ بعطشه) أو رفيقٍ مزاملٍ له، أو من أهل الركب لأنَّه يُخِلُّ بالمرافقة، دَفعُه إلى عطشانَ يخشى تلفه واجب، صرّح به في "المغني" (^١) وغيرِه. (فتقديمُها على الطهارة بالماء أَولى) تفريع على الدليل، يعني: حيث
_________________
(١) ١/ ٣٤٤.
[ ١ / ٤٣٣ ]
أو بهيمةٍ مُحترمة، تيمَّمَ.
ومَنْ وجدَ ماءً يكفي بعضَ طُهْرِهِ، استعمَلَه، ثمَّ تيمَّمَ.
[وخرج بقولنا: "المحترم] (^١) زانٍ محصَنٌ، ومرتدٌ، وحربيٌّ، فلا يلزم بذلُه له ولو خِيْفَ تلفُه.
(أو) خاف باستعماله ضررَ (بهيمةٍ محترمةٍ) له أو لغيره، بخلافِ نحوِ عَقُور (^٢)، وخنزيرٍ. وقوله: (تيمَّمَ) جوابُ قوله: "فإذا دخل وقتُ فرضٍ" وما عُطِفَ عليه. يعني: أنَّه إذا وجِدَ الشرطان المذكوران، وجب التيمَّمُ لما يجبُ له الوضوءُ أو الغُسل، وسُنَّ لما يُسَنُ له ذلك.
(ومن وجد ماءً) طَهورًا (يكفي بعضَ طهره) في وضوءٍ، أو غُسْل (استعمَلَه) وجوبًا (ثم تيمَّم) للباقي؛ لقوله ﷺ: "إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتُوا منه ما استطعتم" رواه
إنَّ حرمة الآدمي المحترمِ تُقدَّم على الطَّهارة بالماء بطريقِ الأولى.
(أو خافَ باستعماله ضررَ بهيمة محترمة) حتى كلب الصيدِ، سواء كانت المحترَمةُ له أو لرفيقه المحترمِ. (تيمَّم. جواب قوله: "فإذا دخل .. " إلخ). قال في "المنتهى" (^٣): ولا إعادة في الكل. قال شارحُه: أي: في كل ما تقدّم من الصُّوَر؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج من عُهدته؛ ولأنه وجبَ عليه طهارة ناب عنها التيمم، فلم تجب الإعادةُ.
(ومَن وجدَ ماء طهورًا يكفي بعضَ طهرِه إلخ) أي: وإن وجدَ مَن يريد الطهارةَ -حتى المحدثُ حدثًا أصغرَ فقط- ماءً قليلًا، أو ترابًا لا يكفي لطهارته، استعمله وجوبًا، ثم تيمّمَ للباقي؛ لأنَّه قَدَرَ على بعض الشرطِ، فلَزِمه، كالسترة، وكما لو كان بعضُ بدنِه صحيحًا وبعضُه جريحًا، فإنه يلزمه غَسلُ الصحيحِ، ويمسحُ أو يتيمَّم عن الجريح. ولا يصحَّ تيمُّمُه قبل استعمالِ الماءِ؛ لتحقق العدمِ الذي هو شرطُ التيممِ. فلو وجدَ الجُنُبُ ما يكفي أعضاءَ
_________________
(١) في الأصل و(س): "وخرج بالمحترم".
(٢) العقور: مبالغة في عاقر، كل سبع يعقرُ، أي: يجرح، ويقتل، ويفترس. "المطلع" ص ٢٧٧.
(٣) ١/ ٢٦.
[ ١ / ٤٣٤ ]
والجريحُ يغْسِلُ الصحيحَ، ويتيمَّمُ لِمَا يضره الماءُ
البخاريّ (^١). ولا يصحُّ أن يتيمَّمَ قبلَ استعمال الماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فاعتبر استعماله أوَّلًا؛ ليتحقق عدم الماء وليتميَّز ما تيمَّم له.
ويقدِّم محدِث على بدنه نجاسة غَسْلَها، ثم يتيمَّم، إلا أن تكونَ في محل يمكن تطهيرُه من الحَدَث، فيستعملُه فيه (^٢) عنهما، وتُقدَّم على نجاسةِ بدنٍ نجاسةُ ثوبٍ أو بقعةٍ.
(والجريحُ) في بعض بدنِه (يغسلُ الصحيحَ) من بدنه (ويتمَّمُ لما يضرُّه الماء) من
الحدثِ، غسلها بنية الحدثَين جميعًا، وتيمَّم للباقي، فيحصلُ له كمالُ الطهارةِ الصغرى وبعض الكبرى، كما فعل عمرُ ﵁. ذكره في "المبدع".
"تتمة": لو كان على بدنِه نجاسةٌ وهو محدِثٌ، والماءُ يكفي أحدَهما فقط، غسل النجاسةَ وتيمم للحدث، نصًّا. قاله الأصحابُ. قلت: إلا أن تكونَ النجاسةُ بمحلٍّ يكفي فيه الاستجمارُ؛ لقيام الأحجارِ مَقامَ الماء فيجمعُ بين الطهارتين. فإن قلتَ: الحدثُ يجزئُ عنه التيممُ، وكذلك النجاسةُ النبي على البدنِ، فما وجهُ تقديمِ غَسلِ النجاسة، وأمر بالتباعدِ عنها، والنجاسة جِرمٌ، أو صفة، والحدثُ معنى، والجرمُ أغلظُ من المعنى، فكان مقدَّمًا عليه في التَّطهير. دنوشري مع زيادة.
(إلا أن تكونَ … إلخ) اسمُ "تكون" مستترٌ، تقديرُه: إلا أن تكونَ النجاسةُ في أعضاء الوضوءِ، فإنه يستعمل الماءَ عن الحدثِ وغسلِ النجَس. وقوله: "ويقدِّم" أي: المحدِثُ يقدِّم غَسلَ نجاسةِ الثوبِ والبقعةِ على غَسل النجاسةِ التي على البدن؛ لأن النجاسةَ التي على الثوب والبقعةِ لا يجوزُ التيممُ عنها، بخلاف التي على البدنِ.
_________________
(١) في "صحيحه" (٧٢٨٨)، وهو -أيضًا- عند مسلم (١٣٣٧)، وأحمد (٧٥٠١) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) في (م): "فيها".
[ ١ / ٤٣٥ ]
مرتبًا متواليًا في حَدَثٍ أصغرَ.
بدنه، حالَ كلون ما ذُكرَ (مرتبًا متواليًا) وجوبًا إن كان (في حدثٍ أصغرَ) فيتيمَّم لجرحِ بعضِ أعضاءِ وضوئه عند غسله لو كان صحيحًا؛ لأنَّ البَدَلَ يُعطى حكمَ مُبدَلِه.
فإذا كان الجُرحُ في الوجه قَدِ استوعبَه، لَزِمَه التيمم أوَّلًا، ثم يتم الوضوءَ. وإن كان في بعضِ الوجه، خُير بين غسلِ الصحيحِ منه ثَم يتيمَّم، وبين التيمم ثمّ يغسل الصحيح. وإن كان
(ويتيمم لما يضرّه الماءُ) مفهومُه: إذا لم يتضرر بمسحه بالماء وجبَ، وأجزأ المسحُ عن الغَسل، ويغسلُ الباقي؛ لأن المكلفَ عَجَزَ عن غسل البعضِ وقَدَرَ على مسحه، وهو بعضُ الغَسل، فوجب الإتيانُ بما قدرَ عليه؛ لأنَّ الطهارة شرط للصلاة، فالعجزُ عن بعضها لا يوجبُ سقوطَ جميعها، كالسترة، وكمنَ عجز عن الركوعِ وقدرَ على الإِيماء. وعنه: أن فرضَه التيمُّم. اختاره الخِرَقي. ومحل الخلافِ ما لم يكن الجُرحُ نجسًا، فإنْ كان نَجِسًا، فقال في "التلخيص": يتيمّم ولا يمسحُ. ثم إنْ كانت النجاسةُ معفوًّا عنها، ألغيت نيتها، واكتفي بنية الحدث، وإلا نوي الحدثُ والنجاسةُ إن شُرطت فيها. فإن قيل: المذهبُ: لا تشترط النيةُ لإِزالة النجاسةِ؛ لأنها من قبيل التروكِ التي لا تحتاجُ إلى نية، كالاستنجاء والاستجمارِ. قلت: تجب النيةُ هنا؛ لأنَّ التيممَ طهارةٌ حكميَّة، بخلاف غَسلِ النجاسةِ، وهو الصحيح. وهل يُكتفى بتيمُّم واحدٍ؟ فيه وجهان. قاله في "المبدع".
(لأن البدل يُعطى حكمَ مُبدَلِه) من الترتيبِ والموالاةِ (فإذا كان الجرحُ في الوجهِ .. إلخ) هذا تفصيل لقوله: "والجريحُ في بعض بدنِه .. إلخ" فإن كان الجرحُ في جميع الوجهِ، بحيث لا يُمكِنه غَسلُ شيء منه، تيمَّم أولًا ثم أتمَّ الوضوء، وإن كان في بعض الوجهِ، فإنه يخير بين غَسل الصحيحِ منه، ثم يتيمَّم للجريح، وبين التيمم أولًا، ثم يغسلُ صحيحَ وجهِه ويتم الوضوءَ؛ لأن العضوَ الواحدَ لا يجب له ترتيبٌ. وإنْ كان الجرحُ في وجهِه ويديه ورِجليه، احتاجَ في كل عضوٍ إلى تيمُّم في محلِّ غَسله؛ ليحصلَ الترتببُ المفروضُ. فلو غسل صحيحَ وجهِه ثم تيمَّم له وليدَيه تيمُّمًا واحدًا، لم يُجزئه؛ لأنَّه يؤدِّي الى سقوط الفرضِ عن جزءٍ من
[ ١ / ٤٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجرحُ (^١) في عضوٍ غيرِ الوجه، لزمه غسلُ ما قبله، ثمّ كان الحكمُ فيه كما ذكرنا في الوجه. وإن كان في وجهِه، ويدَيه، ورجلَيه، احتاج في كل عضوٍ إلى تيمُّم في محلِّ غسله؛ ليحصلَ الترتببُ. فلو غسل صحيحَ وجهِه، ثمّ تيمَّم لجريحِه وجريحِ يدَيه تيمُّمًا واحدًا، لم يجزئه. ويبطلُ وضوءُه هذا وتيممُه بخروجِ الوقت؛ لاعتبار الموالاة.
الوجهِ واليدين في حالة واحدةٍ، فيفوت الترتيبُ. وهذا بخلافِ التيمم عن جُملةِ الطهارةِ، حيث يسقطُ الترتيبُ فيه؛ لأن الحكمَ له دونَها، وإن كان التيمُّم عن بعضها، نابَ [عن] (^٢) ذلك البعضِ، فيُعتبر له ما يعتبر فيما ينوبُ عنه من الترتيبِ. دنوشري.
(فلو غسل صحيحَ وجهِه .. إلخ) مفرع على قوله: "وإنْ كان في وجهِه ويديه ورِجليه … إلخ". (لاعتبار الموالاة) اللامُ موجِبةٌ تعليليةٌ. أي: يبطل وضوءُه هذا وتيمُّمِه بخروج الوقتِ؛ لأن الترتيبَ والموالاةَ فرضان في الحدث الأصغرِ. قال في متن "المنتهى" (^٣): ويلزم مَن جُرحُه ببعض أعضاءِ وضوئه -إذا توضَّأ- ترتيب [، فيتيمَّم له عند] غَسله لو كان صحيحًا، وموالاةٌ، فيعيد غَسلَ الصحيحِ عند كل تيمُّم. قال شارحه (^٤): حيث فاتت الموالاةُ، أو خرج الوقتُ؛ لأنَّ التيممَ يُشترط له دخولُ الوقت ويبطل بخروجه، فلو كان الجرحُ في رِجله، فتيمَّم له عند غسلِها، ثم بعد زمنٍ تفوت فيه الموالاةُ، خرج الوقتُ، بطل تيمُّمُه، وبطلت طهارتُه بالماءِ أيضًا؛ لفواتِ الموالاةِ، وخروجِ الوقت، فيعيد غَسلَ الصحيحِ، ثم يتيمَّم عَقِبَه. وعُلم منه أنّه لو خرج الوقتُ فورًا قبل مُضي زمن لا تفوتُ فيه الموالاةُ، أنّه يعيدُ التيممَ فقط؛ لخروج الوقت، ولم تبطل طهارةُ الماءِ. وحاصل هذه المسألةِ: أنه إذا فاتت الموالاةُ قبل أن يتيمَّم، بطلت الطهارةُ من أصلها مطلقًا، سواء خرج الوقتُ أو لم يخرج الوقتُ؛ لفوات شرطِها. وإذا خرج الوقتُ بعد التيمَّمِ ولم تفتِ الموالاةُ، بطلَ تيمُّمه فقط
_________________
(١) بعدها في (م): "يسيرًا".
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من "الشرح الكبير" ٢/ ١٩١، و"المعونة" ١/ ٤٢٤.
(٣) ١/ ٢٧، وما بين حاصرتين زيادة منه.
(٤) "معونة أولي النهي" ١/ ٤٢٤، و"شرح منتهى الإرادات" للبهوتي ١/ ١٨٤.
[ ١ / ٤٣٧ ]
ويجب طلب ماءٍ
وعلم من قوله: "في حدث أصغر" أنَّه لا ترتيبَ ولا موالاةَ في حدث أَكْبَرُ، بل إن شاء غَسَل الصحيحَ، ثم تيمَّم لما بقي، وإن شاء عكس. ولا تبطل طهارتُه بالماء إذن بخروج الوقت، بل يبطل التيمُّمُ فقط؛ لعدم اعتبار الموالاة في الغُسل، بخلاف الوضوء.
(ويجب) بدخولِ وقتِ كلِّ صلاة (طلبُ ماءٍ) على من عَدِمه وظن وجودَه، أو شك ولم يتحقق عدمه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]،
بخروج الوقتِ، ولا يعيد غَسلَ الصحيحِ؛ لعدم فواتِ الموالاةِ المفروضةِ في الوضوء، ثم يعيدُ التيممَ فقط بعد دخولِ الوقتِ. وهذا بخلاف ما تقدّم في المسح على الخفين من أنّه إذا ظهر بعض القدمِ إلى ساق الخف ونحوِه، يستأنف الطهارةَ ولو لم تفتِ الموالاة. والفرق بينهما: أن ثبوتَه مشروطٌ فيه، وإذا انتفَى الشرط انتفى المشروط، والمسحُ على الخفين يرفع الحدثَ، والحدثُ لا يتبعَّض، فإذا خلعه، عادَ الحدث. وأمّا التيمم، فإنه خاص بالجُرح الذي يتيمم عنه، ولا تعلقَ له بغيره، ولا دخلَ له في رفع الحدثِ؛ لأنَّه مبيح لا رافع، فإذا بطلَ بخروج الوقتِ وقبل فواتِ الموالاةِ، أُعيد فقط. وهذا مبنيٌّ على صحة تفريق النيةِ على أعضاءِ الطَّهارة. وهو الصحيح المشهور. وعلم مما تقدّم أن التيمُّم عن جرحٍ لو كان في غُسل جنابةٍ، لم تبطل طهارته بالما، بفوات الموالاةِ، ولا بخروج الوقتِ؛ لعدم اشتراطِها فيه.
(ولا تبطلُ طهارتُه بالماءِ إذن) أي: حينَ إذا تيمَّم من الحدثِ الأكبرِ الجريحُ.
(ويجبُ بدخول وقتِ كل صلاة طلبُ ماءٍ) الباءُ سببيةٌ؛ لأنه لا أثرَ لطلبه قبلَ ذلك، ولا يعتد بطلبه قبلَ دخولِ وقتِ الصّلاة، بل يُشترط في وجوب الطلبِ دخولُ الوقتِ؛ لأنه سببٌ للصلاة يختص بها، فلزمه الاجتهادُ في طلبه عند الإعوازِ، وكالقِبلةِ، وكالشَّفيع إنما يطلب بالشفعة بعد البيعِ. ويلزمه طلبه لوقتِ كل صلاةٍ، ولا يشترط أنْ يتيممَ عقبَه، بل يجوز بعدَه من غيرِ تجديدِ طلبٍ.
[ ١ / ٤٣٨ ]
في رَحْلِه، وقُربه، ومن رفيقه، وبدلالة
ولا يقال: لم يجدْ. إلا لمن طلب الماءَ.
إذا علمت هذا، فيلزمُه طلبُ الماء (في رَحْلِه) أي: ما يسكنُه، وما يستصحبه من الأثاث، فيفتِّش من رَحْلِه ما يمكنُ أن يكون فيه.
(و) يطلب الماءَ أيضًا في (قرْبه) أي: ما قَرُبَ منه عرفًا، فيسعى في جهاتِه الأربعِ، إلى ما جرت عادةُ القوافلِ بالسعي إليه.
(و) يجبُ طلبُه (من رفيقه) بأن يسألَه عن موارده، وعما معه، ليبيعَه، أو يبذلَه له، وإن كان سائرًا، طلبه أمامه فقط.
(و) يجبُ طلبُه (بدلالة) ثقةٍ عليه، فإن دله عليه ثقةٌ، أو عَلِمه، لزمه قصدُه، فإن
(ولا يُقال: لم يجدْ. إلَّا لمَن طلب) فيطلبُ (الماءَ في رَحله) وهو ما يُرحل به، من إِداوة، وكوز، وغيرِهما. وفي مَسكنه وما يستصحبُه من أثاث، بأن يفتِّشَ فيه حيث أمكن أن يكونَ فيه ويسعَى في جهاتِه الأربعِ. (أي: ما قرُبَ منه عرفًا) أو عادةً، أي: ما قربَ من رَحله عرفًا أو عادةً؛ لأن ذلك هو الموضعُ الذي يُطلب فيه الماءُ عادةً، بأنْ ينظرَ وراءه، وأمامَه، وعن يمينِه، وعن شمالِه، فإنْ رأى خُضرةً، أو شيئًا يدل على الماءِ، قصده واستبرأه، وإنْ رأى رَبوة، أو شيئًا قائمًا، أتاه فطلبه عندَه. وقيل: قدرَ ميلٍ، أو فرسخٍ، في ظاهر كلامِهم. وقيل: ما تتردَّد القوافلُ إليه للرعي والاحتطاب. ورجَّحه جماعةٌ. وقيل: مد نظرِه، بشرط الأمنِ على نفسه، وأهلِه، ومالِه، إلى حدّ يلحقه غوثُ الرِّفاق مع ما هم عليه من التشاغل بفعلهم، وعدمِ فَوتِ رُفقته، كما سيأتي التنبيهُ على ذلك قريبًا. وفُهم ما تقدم أنه لو تيمم قبلَ طلبِ الماءِ، لم يصح تيممُه. دنوشري.
(ويجب طلبُه من رفيقه) لأن التيمُّم بَدَل، فلم يَجُز العدولُ إليه إلا بعد تحقق فقدِ المبدَلِ (فإن دله عليه ثقة، أو علِمه، لَزِمه قصدُه) قريبًا منه عُرفًا، ولم يخف بقصده إيَّاه فوتَ وقت ولو كان الوقتُ الذي يخاف فوته للاختيار، بأن يظن أنه [إذا] (^١) اشتغل بطلبِ الماء فاته
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٤٣٩ ]
بلا ضررٍ قبله، فإنْ نَسِيَ قدرتَه عليه
تيمَّم قبل ذلك، لم يصح، ولا أثرَ لطلبه قبل الوقت. ومحلُّ وجوب طلبه: إذا كان (بلا ضرر) عليه في ذلك. فلو خاف فوتَ رفقته، أو خاف على نفسه، أو مالِه في طلبه خوفًا محقَّقًا، لا جُبنًا: وهو الخوفُ بلا سبب. والمحقَّقُ: كما لو كان ببنَه وبينَ الماء نحو سبُع، أو حريقٍ، أو لص، أو خاف غريمًا يلازمُه ويعجز عن أدائه، أو خافت امرأة، أو أمردُ فسَّاقًا، لم يجبِ الطلبُ إذن، بل يحرُم الطلبُ عليهما مع خوفِ المحذور.
(قبله) أي: التيمم. والظرف متعلِّق بـ "طلب" أو بـ "يجب"، يعني: أنَّه يجب ما ذُكر من الطَّلب قبل التيمُّم.
(فإنْ نسي قُدرتَه عليه) أي: على الماء، أو جَهلَه بموضعٍ يمكنه استعمالُه
وقتُ الاختيارِ، ولا يدركُ الصلاةَ بالوضوءِ إلا في وقت الضرورةِ، أو لم يخفْ بطلب الماءِ فوتَ رفقةٍ، أو فوتَ عدوٍّ، أو فوتَ مالٍ، أو لم يخف على نفسِه إنْ قصدَ الماءَ لِصًّا، أو سَبُعًا، أو عدوًّا، أو نحوَ ذلك، ولو كان المخوفُ منه فسَّاقًا يفسُقون بطالب الماءِ، بشرط أن يكونَ الخائفُ غيرَ جبانٍ، وهو الذي يخافُ بلا سببٍ يُخاف من مِثْله، كالذي يخاف بالليل بغير وجودِ شيءٍ، فلا التفاتَ لخوفه، ولا يُباح له التيممُ في هذه الحالةِ، أو لم يخف على ماله -إذا قصدَ الماءَ وترك دابتَه، أو أهلَه، أو مالَه -شرودًا، أو سرقة، أو غيرَهما، أو أنْ يأتيَ إلى أهله لصٌّ، أو سبعٌ، فإذا انتفى جميعُ ما تقدم ذِكره، لزمه قصدُه، أي: قصدُ الماء ولم يصح تيممُه في هذه الحالةِ؛ لأنه قادرٌ على استعمال شرطِ العبادةِ بقطع مسافة قريبةٍ، فلَزِمه كغيره من الشروط، ما لم يخف فوتَ الوقتِ. دنوشري مع زيادة.
(لم يجب الطلبُ إذن) أي: حين خافَ شيئًا مما ذُكر، لم يلزمه قصدُه، وتيمم وصلَّى، ولا إعادةَ عليه؛ لأنَّه ليس بقادرٍ على استعمال الماءِ، لخوف الضررِ، أشبهَ المريضَ. دنوشري. (فإن نسي قدرتَه عليه … إلخ) أو ثمنه، أو جَهِلَه، أو ثمنه بموضع يمكن استعمالُه، كأن يجدَه في رَحله الذي في يده، أو ببئرٍ بقُربه، أو أعلامُها ظاهرةٌ، أو مع عبدِه، ولم يَعلم به السَّيد، ونسي العبدُ أنْ يُعْلمه، أو أدرجَ أحدٌ الماءَ في رَحله ولم يُعلمه به، وتيمَّم وصلَّى،
[ ١ / ٤٤٠ ]
وتيمَّمَ، أعاد.
ويتيمَّمُ لكلِّ حدَثٍ،
(وتيمم، أعاد) لتقصيره، كمصلٍّ عريانًا، ناسيًا أو جاهلا للسترة (^١)، وذلك كأنْ يجد الماء بعد التيمُّم في رَحلِه وهو في يده، أو في بئرٍ بقُربه، أعلامُها ظاهرةٌ، يتمكنُ مِن تناوله منها، فلا يصح تيمُّمُه، ولا صلاتُه إذن. فأمَّا إن ضلَّ عن رَحلِه، وبه الماء، وقد طلبه، أو كانتْ أعلامُ البِئرِ خفيَّةً، ولم يكن يعرفُها، أو يعرفُها وضلَّ عنها، أو رأى دونَ الماء سوادًا بليلٍ ظنه عدوًّا، فتبيَّن عدمُه بعد أن تيمَّم وصلَّى، فإنه لا إعادةَ عليه في ذلك.
(ويتيمم لكل حَدَثٍ) أكبرَ أو أصغرَ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦]، والملامسة: الجماع. ولقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦].
فإنه لا يجزئه له على المذهبِ المنصوصِ، ويعيدُ في جميعِ هذه الصورِ؛ لأنه تيمَّم مع قدرته على الماءِ، ولأن النِّسيانَ لا يُخرجه عن كونِه واجدًا، وشرطُ إِباحةِ التيممِ عدمُ الوِجدانِ الحِسِّيِّ أو الشرعيِّ، ولأنها طهارة تجب مع الذِّكر، فلم تسقظ بالنِّسيان، كما لو نسي الحدثَ وصلى محدِثًا، ثم تذكَّر، كمصلٍّ عريانًا ومكفّرٍ، يصومُ ناسيا للسترة والرَّقَبةِ، فإنه لا تصحُّ صلاتُه، ولا يجزئه الصومُ، ولا يعتدُّ بما فعله. "المنتهى" مع "شرحه" (^٢).
(فأما إن ضل عن رَحله … إلخ) هذا مفهومُ قوله: "كأنْ يجد الماءَ في رَحله" وقوله: "أعلامُها ظاهرة".
(ويتيمَّم) بالبناءِ للمفعول، أي: يُشرع التيممُ لكل حدثٍ، أي: لجميع الأحداثِ. أمَّا للحدث الأصغرِ، فبالإِجماع، وسندُه قولُه تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ وأما للأكبر، ففي قول أكثر العلماء منهم الأئمةُ الأربعةُ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾
_________________
(١) بعدها في (ح): "فلا تصحُّ صلاته".
(٢) ١/ ١٨٨ - ١٨٩.
[ ١ / ٤٤١ ]
ولنجاسةٍ ببدنٍ تضره إزالتُها، ولو حضرًا، أو عَدِمَ ما يزيلُها بعد تخفيفِها ما أمْكَنَ ولا إعادةَ.
(و) يتيمم (لكلِّ نجاسةٍ) لا يُعفى عنها (ببدن) فقط (تضرهُ إزالتُها) أي: النجاسة، أو يضره الماءُ الذي يزيلُها به. (ولو) كان الضررُ من بَرْدِ (حضرًا) لعدمِ ما يسخن به الماء (أو عدم) مَن ببدنه نجاسة (ما يزيلها) به؛ وذلك لعموم حديث أبي ذرٍّ كما تقدم (^١).
وعُلم من كلامه: أنه لا يتيمَّم لنجاسةِ ثوبه، ولا بقعته؛ لأنَّ البدنَ له مدخلٌ في التيممِ للحَدَث، فدخل فيه التيمُّم للنجس، بخلاف الثوبِ، والبقعةِ. ولا يتيمم لنجاسةٍ معفو عنها، وإنما يتيمم لنجاسةِ البدن (بعد تخفيفِها) أي: النجاسة عن بدنه (ما أمكن) أي: حسب إمكانِه، بمسحِ رَطبة، وحَكِّ يابسة، وجوبا، فلا يصحُّ التيمُّم لها قبل ذلك، وحيثُ تيمَّم للنجاسة كما تقدَّم، وصلَّى، فإنَّه (لا إعادةَ) عليه، سواءٌ كانتْ بمحلٍّ صحيحٍ، أو جريحٍ
والملامسةُ: الجِماع. وكان ابنُ مسعود ﵁ ومَن وافقه لا يرى التيمُّمَ للجُنُب. وحكمُ الحائضِ والنفساءِ إذا انقطع دمُها حكمُ الجنبِ. دنوشري.
(ويُتيمم لكلِّ نجاسةٍ … ببدن) أي: ببدنِ المتيمم؛ لأنَّها طهارةٌ في البدن ترادُ للصَّلاة، أشبهت الحدثَ إذا عَجَزَ عن غسلها؛ لعدم ماءٍ، أو خوفِ ضررٍ في بدنه، ولو من بردٍ، حضرًا أو سفرًا، لكن بعد تخفيفِها ما أمكنَ، بمسح رَطبِها وحكٍّ يابِسها (وجوبًا) أي: على وجهِ الوجوبِ واللزومِ. (فإنَّه لا إعادةَ عليه) لأنه ﷺ لم يأمر عَمرَو بنَ العاصِ بالإعادة (^٢)، ولو وجبت لأمَره؛ لأن تأخيرَ البيانِ عن وقت الحاجةِ ممتنعٌ. دنوشري.
_________________
(١) ص ٤٢٥.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٤)، وأحمد (١٧٨١٢). قال الحافظ في "الفتح" ١/ ٤٥٤: إسناده قويٌّ.
[ ١ / ٤٤٢ ]
فإنْ عَدِمَ الماءَ والترابَ، صلى الفرضَ فقط على حسبِ حالهِ، ولا يزيدُ على ما يجزئُ،
(فإن عدِمَ) مريدُ الصَّلاةِ وهو مُحدِثٌ، أو ببدنهِ نجاسةٌ (الماء والتُّرابَ) كمن حُبِس بمحل لا ماءَ فيه ولا تُراب، أو وجدهما ولم يمكنه استعمالُهما لمانع، كمن به قروحٌ لا يستطيعُ معها مسَّ البَشَرَة بوضوءٍ ولا تيمُّم، وكمريضٍ عجز عن استعمالهما، وعمن يطهِّره بأحدهما (صلى الفرضَ فقط على حسبِ حالِه) أي: على قَدرِ حاله، أي: على الصفة التي هو عليها وجوبًا؛ لقوله ﵊: "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم" (^١) ولأنَّ العجزَ عن الشَّرْط لا يوجبُ تركَ المشروط، كما لو عجز عن السترة والاستقبال.
(ولا يزيدُ) عادمُ الماءِ والتُّرابِ (على ما يجزئُ) في الصلاة من قراءةٍ وغيرها، فلا يستفتح، ولا يتعوَّذُ، ولا يُبَسْمِلُ، ولا يقولُ: آمين، ولا يقرأ زائدًا على الفاتحة،
(بوَضوءٍ) بفتح الواو: الماء (ولا تيممٍ) أي ترابٍ (صلَّى الفرضَ) أي: فرضًا (فقط) لا النوافلَ مطلقًا، ولا يستبيحُ فرضًا آخَرَ على هذه الصفةِ، إلا إذا عجزَ عن استعمالِ أحدِهما، فيخاطبُ بالطَّهارة عند إرادةِ فِعْل كلِّ فرضٍ، ولا يكتفي بالتعذُّر السابقِ على حسَب حالِه من غير طهارةٍ بماءٍ ولا تراب، على الصَّحيح من المذهبِ. دنوشري. (أي: على الصفةِ التي هو عليها) وهو من المفردات ولو كان على بدنه نجاسة.
(ولا يزيد عادمُ الماء والتراب على ما بجزئُ) أي: على ما يجزئ من صلاة وغيرها (^٢) … عدم جواز صلاته. وأما تقيد صاحبِ "المنتهى" في "شرحِه" (^٣) بالجنب، فغيرُ ظاهرٍ. ح ف. (فلا يستفتحُ … إلخ) تفريع على قوله: "ولا يزيدُ … إلخ" أي: وعلى هذا لا يزيدُ في القراءة وغيرِها على ما يجزىُ في الصلاة من الواجباتِ والأركانِ، فلا يقرأ زائدًا على الفاتحةِ، ولا يأتي بالسنة، ولا يسبِّح، زائدا على
_________________
(١) سلف ص ٣٠٥.
(٢) بعدها في الأصل طمس بمقدار كلمتين.
(٣) "المعونة" ١/ ٤٣٠.
[ ١ / ٤٤٣ ]
ولم يعد.
ولا يسبِّح، ولا يسأل المغفرة أكثرَ من مرة، ولا يزيد على ما يجزئ في طُمأنينةِ ركوعٍ، وسجودٍ، وجلوسٍ بين السجدتين، ولا على ما يجزئ في تشهد.
وإذا فرغ من قراءةِ الفاتحة، ركع في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد، نهض، أو سلَّم في الحال؛ لأنها صلاةُ ضرورة، فتقيَّدت بالواجب؛ إذ لا ضرورةَ للزائد. وفي "تصحيح المحرَّر" لابن نصر الله الكِناني (^١): فإن زاد على مجزئٍ من رُكنٍ أو واجبٍ، أعاد. انتهى. ولا يقرأ خارجَ الصَّلاة إن كان جنبًا ونحوَه.
(ولم يُعِدْ) مصلٍّ على حسبِ حالِهِ عندَ عدمِ الماءِ والتراب؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج من عُهدَتِه
المرة الواحدةِ، ولا يزيدُ على ما يجزئُ في طُمأنينته، وركوعه، وسجودِه، وجلوس بين السجدتين، فإذا فرغَ من قراءة الفاتحةِ، ركع في الحال، وإذا فرغ من التشهد الأول، نهضَ في الحال، وإذا فرغ من التشهُّد الأخيرِ، سلَّم في الحال.
ولا يقرأُ من القرآنِ في غير الصلاة إلا بقَدر آيةٍ فأقل. ولا يؤم مَن صلَّى على حسَب حالِه شخصا متطهّرًا بأحدهما؛ لكون المتطهّر بالماءِ أو الترابِ ارتفع حدثه، أو استباحَ الصلاةَ بالتراب أو الماء بخلاف مَن صلَّى على حسَب حالِه، فإنه ليس متطهَّرًا بالكلّية، فلا يكونُ إمامًا لهما، ولا لأحدِهما؛ لأنَّ ما ليس بطاهرٍ لا يؤم طاهرًا. دنوشرى مع زيادة.
(ولم يُعِدْ) هذا المصلي (على حسَب حالِه) على إحدى روايتَين، أصحهما: لا يعيد (لأنه أتَى بما أُمر به، فخرجَ من عُهدته) فلا يؤمرُ بإعادته؛ ولأنَّه أحدُ شروطِ الصلاةِ، فسقط عنه
_________________
(١) هو عز الدين، أبو البركات، أحمد بن نصر الله الكناني، العسقلانيّ الأصل، أكثر من الجمع والتأليف، والانتقاد، والتصنيف، حتى إنه قل فنّ إلا وصنَّف فيه، إمّا نظمًا أو نثرًا، ومنها: "شرح مخصر الطوفي" في أصول الفقه، و"مختصر المحرر" في الفقه، و"طبقات الحنابلة" عشرون مجلدًا. (ت: ٨٧٦ هـ). "السحب الوابلة" ١/ ٨٥ - ٩٣.
[ ١ / ٤٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتبطلُ صلاتُه بنحو حَدَثٍ فيها، فيستأنفُها على حسب حاله، لا بخروجِ الوقتِ فيها. ولا يؤم عادمُ الماء والتراب متطهّرًا بأحدهما، وله أن يؤم مثلَه. ولو صُلي على ميتٍ على حسبِ حالهِ لعدمِ الماءِ والترابِ، ثم وجِدَ أحدُهما، بطلتْ، ووجب أن يُغَسَّل أو يُيمَّم، ثم يصلَّى عليه. ويجوز نبشُه لأحدهما مع أمن تفسُّخه.
بالعجز، كسائر شروطِها. وعلى هذه الروايةِ مشى في "المنتهَى" (^١) و"الإقناع" (^٢). والثانية: بلى. واختاره الأكثرُ؛ لأنه عذرٌ نادرٌ لا يشقُّ، فلم تسقط به الإعادةُ. "شرح المنتهَى".
(وتبطل صلاتهُ) أي: صلاةُ مَن صلَّى على حسَب حالِه (بنحو حدثٍ) كطروء نجاسةٍ لا يُعفَى عنها على بدنه أو ثوبِه (فيها) أي: في صلاته التي صلاها على حسَب حالِه؛ لأن حدوث المنافي للصلاة فيها يقتضي بطلانَها. قال في "المنتهَى" و"شرحِه": وإنْ وجد مَن عدمَ الماءَ ثلجًا وتعذر تذويبُه بشيءٍ، جاز المسحُ على أعضائه، لزومًا؛ لأنه ماءٌ جامد تعذَّر استعمالُه في الطهارةِ الاستعمالَ المعتادَ، وهو الغَسلُ؛ لعدم ما يُذيبه، فوجبَ أن يستعملَ الاستعمالَ المقدورَ عليه، وهو مسحُ الأعضاءِ به الواجبِ غسلُها، وصلى بهذا المسحِ، ولم يُعِد صلاتَه إن جرى، أي: إنْ سال الثلجُ بمسٍّ؛ لأنه حينئذ يصيرُ غَسلًا، فلا إعادةَ عليه، وفُهم منه أنه إذا لم يَجرِ بالمسِّ، أعاد. ومثلُه: لو صلَّى بلا تيمُّم مع وجود طينٍ يابسٍ عنده؛ لعدم ما يدقه به ليكونَ له غبارٌ.
(ولا يؤم عادمُ الماء … إلخ) لعدم صحَّةِ اقتداءِ المتطهّرِ بالمحدِث العالمِ بحدثه. وعُلم منه أنه يؤمُّ مثلَه. "كشَّاف القناع" (^٣).
(ويجوز نبشُه لأحدهما) أي: للغُسل أو التيمُّمِ (مع أمن تفسُّخِه) لأنه مصلحةٌ بلا مفسدةٍ. فإنْ خيفَ تفسُّخُه، لم يُنبش. "كشاف القناع" (^٤).
_________________
(١) ١/ ٢٨.
(٢) ١/ ٨٢.
(٣) ١/ ١٧١.
(٤) ١/ ١٧٢.
[ ١ / ٤٤٥ ]
ولا يصح تيمُّمٌ إلا بتُرابٍ طَهورٍ، مباحٍ،
(ولا يصح تيمُّم إلا بترابٍ طَهور) لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وما لا غبارَ عليه، لا يمسحُ بشيءٍ منه.
وقال ابن عباس: الصعيدُ: ترابُ الحَرْثِ. والطيِّبُ: الطاهر (^١). يؤكده قولُه ﷺ: "وجُعل لي الترابُ طهورا" رواه الشافعي وأحمدُ من حديث عليٍّ، وهو حديث حسن (^٢). فلا يصح التيممُ برملٍ، ونُورة (^٣)، وجصٍّ، ونحتِ حجارةٍ ونحوِه. ولا بترابٍ زالت طهوريَّتُه، كالمتناثر من المتيمم؛ لأنه كالماء المستعمل في طهارة واجبة.
وإن تيمم جماعة من موضعٍ واحدٍ، صحَّ، كما لو توضؤوا من حوضٍ يغترفون منه.
(مباحٍ) فلا يصحُّ بمغصوبٍ، كالوضوء به. قال في "الفروع": (^٤)
(لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ .. إلخ) سند لكون من شروطِ صحةِ التيمم الترابُ؛ لأنه كالماءِ المستعمَل. أي: لأنه مثلُ الماءِ المستعمل؛ لأن وجهَ ذلك أنَّه ترابٌ مستعملٌ في طهارة إباحةِ الصلاة، أشبهَ الماءَ المستعملَ في الطهارة.
(وما لا غبارَ عليه … إلخ) أخذه من قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا﴾ فهو مشعِر بالتراب الذي له غبار. (وقال ابنُ عباسٍ … إلخ) هذا تفسيرٌ للآية. (الطيِّب: الطاهرُ) يعني: الطَّهور. ح ف. (يؤكده) أي: يؤكِّد قولَ ابنِ عباسٍ: "وجُعل لي الترابُ طَهورا" فخصّ ترابَها بحكم الطهارةِ، وذلك يقتضي نفيَ الحكمِ عما عداه. "كشَّاف القناع" (^٥). هذا (فلا يصحُّ التيمم برمل .. إلخ) محترزُ المتنِ، على اللفِّ والنشرِ المرتَّب.
(كالوضوء به) أي: لا يجوز التيممُ بتراب مغصوبٍ، كما لا يجوز الوضوءُ بالماء المغصوبِ. وقال بعضُهم: يُكره إخراجُ جِص المسجدِ وترابِه، للتبرُّك وغيره، والتبركُ لا
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٨١٤)، وابن أبي شيبة ١/ ١٦١، والبيهقي ١/ ٢١٤ بلفظ: أطيبُ الصعيد أرضُ الحرث. وبلفظ: الصعيد الحرث، حرث الأرض.
(٢) "مسند" أحمد (٧٦٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٤٣٤، والبيهقي ١/ ٢١٣ - ٢١٤. ولم نقف عليه عند الشافعي.
(٣) النورة: حجر الكلس. "المعجم الوسيط" (نور).
(٤) ١/ ٢٩٦.
(٥) ١/ ١٧١.
[ ١ / ٤٤٦ ]
له غبارٌ، لمْ يغيّره طاهرٌ غيرُه،
وظاهرُه ولو بترابِ مسجد، ولعله غيرُ مراد؛ فإنَّه لا يُكْرَه بترابِ زمزم مع أنَّه مسجد. ولابُدَّ أن يكون غيرَ محترق، فلا يصح بما دُقَّ من نحو خَزَفٍ؛ لأنَّ الطّبْخَ أخرجه عن أن يقعَ عليه اسمُ التراب.
(له غبارٌ) يعلَق باليد أو غيرِها، لا بسَبْخَة (^١) ونحوِها، مما ليس له غبار، ولا بطينٍ رطبٍ، لكن إن أمكن تجفيفُه والتيمُّمُ به قبلَ خروج الوقت، جاز، لا بعده.
(لم يغيره) أي: الترابَ الطهورَ (طاهر غيرُه) كجص، ونُورة، ودقيق بُرٍّ، ونحوِه، مما له غُبار، فإن خالطه شيء مما ذُكر، وكانت الغلبةُ لغير التراب، لم يصح التيممُ
يمنع صحَّةَ التيممِ. وقال بعضُهم: لو تيمَّم بتراب غيرِه، جازَ في ظاهر كلامِهم؛ للإذن فيه عادة وعرفًا، كالصلاة في أرضه، كما ذَكَره في "المبدع".
(وظاهرُه) أي: ظاهرُ كلامِ الأصحاب. منه. (ولعلَّه غيرُ مرادٍ) وهو كذلك. قال في "الإقناع" (^٢): ولا يُكره التيمُّم بترابِ زمزمَ مَع أنه مسجدٌ. (فلا يصح بما دُق من نحوِ خزف) هذا مثال للمَنفيِّ، وهو الاحتراقُ، فلا يجوز التيممُ بالمحترِقِ، كالذي يُدق من خزف ونحوِه؛ لأن الاحتراقَ أخرجه عن أنْ يقعَ عليه اسمُ الترابِ. (له غبار يعلَقُ باليد … إلخ) فيجوزُ التيممُ بكل ترابٍ على أي لونٍ كان، بشرطِ أن يكونَ له غبار يعلقُ باليد، ومن ثَم لو ضربَ بيده على تراب، أو لِبد، أو شجرةٍ، أو شعرٍ له غبارٌ يَعلَق باليد، أو بِساطٍ .. إلخ، من كل مالَه غبارٌ طَهورٌ يعلقُ باليد، فإنه يصح التيممُ به. وكذا لو سحقَ الطينَ وتيمم به، ولو كان مأكولا، كالطّين الأرمنيّ، إلا أن يكونَ بعد الطبخِ، فلا يُجزئه، على المشهور؛ لأنَّ الطبخَ أخرجه من أنْ يقعَ عليه اسمُ الترابِ. وفُهم من قولِه أنَّه لا يصحُّ من (مَقْبرة تكرر نبشُها) لأنه نجس، وإلا، جاز؛ لأن الأصلَ طهارتُه، والأصلُ لا يزولُ بالشك. وكذلك السبخةُ ونحوها مما ليس له غبار يعلقُ باليد، فإنَّه لا يصح التيممُ به. دنوشري. (طاهرٌ غيرُه) بالتخفيف، أي: غيرُ التُّراب، كجِصٍّ، بكسر الجيمِ وفتحِها، معروف -ويسمَّى في زمننا: الجبص- قال أبو
_________________
(١) السبخة: أرض ذات نزّ وملح. "القاموس" (سبخ).
(٢) ١/ ٨٣.
[ ١ / ٤٤٧ ]
ولو على لِبْدٍ ونحوهِ.
به، كماءٍ خالطه طاهرٌ غَلَبَ على بعضِ أوصافه. فإن كان المخالط لا غبارَ له، لم يمنعِ التيمُّمَ بالتراب، كبُرّ وشعير، وإن خالطته نجاسة، لم يَجُزِ التيممُ به وإن كثر. ذكره ابنُ عقيل.
ولا يجوز التيمُّمُ بترابِ مقبرة تكرَّرَ نبشُها (^١)، وإلا، أو شُكَّ فيه، جاز.
ويصح التيمُّمُ بما لَه غبارٌ (ولو على لِبْدٍ ونحوِه) كثوبٍ، وبساطٍ، وحصيرٍ، وحائطٍ وصخرةٍ، وحيوان، وبَرذَعَةِ (^٢) حمار، وشجرٍ، وخشبٍ، وعِدل (^٣) شعيرٍ، ونحوه، مما عليه غبارٌ طهورٌ، حتى مع وجودِ تراب. وأعجب الإمامَ أحمدَ ﵀
منصور اللغوي (^٤): ليس بعربي صحيحٍ. "مُطلِع" (^٥).
(فإنْ خالطه شيءٌ مما ذكر) من الجص وما عُطف عليه، فإن كانت الغلبةُ للتُّراب، جازَ التيممُ به، وإن كانت الغلبةُ للمُخالط، لم يجز التيمم، قياسًا على الماءِ.
(ف) ـأمَّا (إنْ كان المخالط لا غبارَ له) يعلقُ باليد (لم يمنع التيمُّم) لأن الإمامَ أحمدَ ﵁ قد نص على جواز التيممِ من الشَّعير؛ وذلك لأنه لا يحصلُ على اليدِ منه ما يحولُ بين غبارِ التراب وبينها، بخلاف ما إذا خالطه جصٌّ أو نُورةٌ وغلبتْ أجزاؤه عليه، فإنَّه لا يصحُّ التيمُّمُ به. "شرح المنتهَى" (^٦).
_________________
(١) بعدها في (ح): "لأنه نجس".
(٢) هو ما يوضع على الحمار أو البغل ليُركب عليه، كالسرج للفرس. "المعجم الوسيط" (البردعة).
(٣) العدل: نصف الحمل يكون على أحد جنبي البعبر. "المعجم الوسيط" (عدل).
(٤) هو الجواليقي، موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن بن الجواليقي، إمامُ الخليفة المقتفي. له: "المعرَّب" و"شرح أدب الكاتب" وغير ذلك. ولد سنة ٤٦٦، وتوفي سنة ٥٤٠ هـ. "السير" ٢٠/ ٨٩. والكلام من كتابه "المعرب" ص ١٤٣.
(٥) ص ٣٤.
(٦) "المعونة" ١/ ٤٣٢ دون قوله: بخلاف ما إذا خالطه … إلى آخره.
[ ١ / ٤٤٨ ]
فصل
وفروضُه: مسحُ وجهِه، ويدَيْه إلى كوعيه.
حملُ التَّراب للتيمُّم. وقال الشيخ تقي الدين ﵀: لا يحمله (^١). وظهَّره في "الفروع" (^٢)، وصوَّبه في "الإنصاف" (^٣)؛ إذ لم يُنقَلْ عن أحدٍ من الصحابة ﵃ مع كثرةِ أسفارهم.
فصل
(وفروضُه) أي: التيمّمِ لحدثٍ أو نجاسةٍ قسمان: مشترَكٌ ومختصٌّ:
فالمشتركُ ثلاثة لابد منها في كل تيمُّم:
أحدها: (مسحُ وجهه)؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] سوى ما تحت شعرٍ ولو خفيفًا، وداخلَ فمٍ وأنفٍ، ويكره.
(و) الثاني: مسحُ (يدَيه إلى كوعيه)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ وإذا عُلق حكم
بمطلَق اليدَين، لم يدخل الذراع، كقطع السارق، ومس الفرج. وحديثِ عمار قال: بعثني النبي ﷺ في حاجةٍ فأجْنَبتُ، فلم أجدِ الماءَ، فتمرَّغتُ في الصعيد كما تتمرَّغُ
(فصل: … ويُكره) أي: يكرهُ إدخالُ الترابِ في الفمِ والأنفِ. قال في "الانصاف" (^٤): مرادُه بقوله: مسحُ جميع وجهِه، سوَى المضمضةِ والاستنشاقِ قطعًا، بل يكره. انتهى.
(والثاني: مسحُ يديه إلى كوعَيه) أي: لا المِرفقَين. وهو من المفرَدات. والكوعُ: ما يلي إِبهامَ اليدِ من العَظم. والبُوعُ: ما يلي إِبهامَ الرَّجل، كما نظَمَه بعضُهم بقوله:
_________________
(١) "الاختيارات الفقهية" ص ٣٦.
(٢) ١/ ٢٩٧.
(٣) ٢/ ٢١٨.
(٤) ٢/ ٢٢٣.
[ ١ / ٤٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدابةُ، ثم أتيتُ النبيَّ ﷺ فذكرتُ ذلك له فقال: "إنَّما كان يكفيكَ أنْ تقول (^١) بيديك هكذا" ثمَّ ضربَ بيديه الأرضَ ضربةً واحدةً، ثم مسح الشِّمال على اليمين، وظاهرَ كفيه ووجهَه. متفقٌ عليه (^٢).
ولو أمَر المحل على ترابٍ أو صَمدَهُ -أي: نصبَهُ- لريحٍ، فعمَّه ومسحَه به، صحَّ؛ لا إن سَفَتهُ (^٣)، فمسحه به (^٤). وإنْ تيمَّمَ ببعض يده، أو بحائلٍ، أو يمَّمه غيرُه، فَكَوضوء.
وعظمٌ يلي الإبهامَ كوعٌ وما يلي … لخنصَره (^٥) الكرسوعُ والرُّسغ في الوسط
وعظمٌ يلي إبهامَ رِجل ملقَّب … ببوعٍ فخذ بالعلمِ واحذر من الغَلَط
دنوشري.
(ولو أَمرّ المحلَّ … إلخ) أي: محلَّ التيمُّمِ، وهو الوجهُ واليدانِ، والمسحُ منه، وقد وجِد، فإنْ لم يمسح به فيهما، لم يصح تيمُّمه؛ لِتَركه المسحَ المأمورَ به. (أي: نَصَبه) أي: نصب المحل الذي يجبُ مسحُه في التيمم (لريحٍ، فعمَّه) الترابُ بعد التصميدِ (ومسحَهَ به، صح) التيمُّم في الصُّورتين إنْ نواه -كما لو صمدَ أعضاءَ الوضوءِ بعد نيَّته للمطر حتى جرى الماءُ على أعضائه (لا إنْ سفته) الرّيحُ من غير نيّةٍ (فمَسَحه به) أي: بالتُّراب، فإنَّه لا يصحُّ التيممُ، لأن اللهَ ﷾ أمَرَ بقصد الصَّعيدِ، ولم يوجَد القصدُ. فإنْ لم ينوِ حتى حصل في المحل، ثم مسحَ وجهَه بغير ما عليه، صحَّ، وإلا فلا. دنوشري. (وإن تيمَّم) المتيمّمُ (أو بحائلٍ) أي: أو تيمَّم بحائل، كخِرقةٍ أو نحوِها (فكوضوءٍ) فإنه يصح حيث نواه
_________________
(١) العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام واللسان، فنقول: قال بيده. أي: أخذ، وقال برجله. أي: مشى "النهاية" (قول).
(٢) البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨)، وسلف ص ٤٢٦.
(٣) سفت الريحُ الترات: أذرته، فهو سفي كصفيّ. "مختار الصحاح" (سفى).
(٤) أي: قبل النية، "كشاف القناع" ١/ ١٧٤.
(٥) في الأصل: "الخنصر"، والمثبت من "مغني المحتاج" ١/ ١٨١.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وتعيينُ نيَّةِ استباحةِ ما يتيمَّمُ له، مِنْ حَدَثٍ، أو نَجَسٍ.
(و) الثالث: (تعيينُ نيَّة استباحةِ ما) أي: شيءٍ (يتيمَّمُ له) كصلاةٍ أو طوافٍ، فرضًا أو نفلًا أو غيرهما. (مِن) متعلقٌ بقوله: "يتيمَّم"، أو بـ "استباحة" أي: مِن أجل (حدثٍ) أصغرَ أو أكبرَ، (أو نَجَسٍ) أي: نجاسةٍ ببدنٍ، ويكفيه لها تيمُّمٌ واحد، ولو تعدَّدت مواضعُها.
وصفةُ التعيين: أن ينويَ (^١) استباحةَ صلاة الظهر مثلًا من الجنابة، إن كان جُنُبًا، أو من الحدَثِ (^٢) إن كان مُحدِثًا، أو من النجاسة إن كان نجسًا، وما أشبهَ ذلك. وإنما اعتُبِر (^٣) التعيينُ؛ تقوية لضعفه، فإنْ نَوى حدثا وأطلق، لم يجزئه عن الحَدَثين. أو نَوى رفعَ حدثٍ، لم يصحَّ تيمُّمه؛ لأنه مبيحٌ لا رافع؛ لأنه طهارةُ ضرورة.
المتيمم؛ لأن اللهَ تعالى أمر بالمسحِ ولم يعيِّن آلتَه، والنيَّةُ من المتيمم دون الميمِّمِ؛ لأنه هو الذي يتعلق به الحكمُ من الصحة وعدمِها. دنوشري. قال محمد الخلوتي: هذه المسألةُ تقدمت صريحًا في قوله (^٤): "ومَن وضئ، أو غسل، أو يمم، بإذنه، ونواه، صح، لا إن أكرِه فاعلٌ" فذِكرها هنا مجرَّدُ تتميمٍ، فتدبَّر، فلا تكرار.
(وتعيين نية استباحه ما يتيمَّم له) تَبعَ في عدّ ذلك في فروض التيمُّم "المنتهى" (^٥) دونَ "الإِقناع" (^٦) حيث عدَّ الفروضَ أربعةً، بإسقاط النيةِ؛ لأنها شرطٌ في كل العباداتِ. (أَصغرَ) وهو ما أوجبَ وضوءًا (أو أكبرَ) كحيضٍ ونفاسٍ. فينوي استباحةَ الفرضِ من الحدثِ الأكبرِ، أو الأصغرِ، أو منهما إن كانا، أو ينوي استباحةَ ما شَرطُه الطهارةُ، كالصلاة والطوافِ
_________________
(١) بعدها في (ز) و(س): "بتيممه".
(٢) بعدها في (ح) و(ز): "الأصغر".
(٣) في (ح) و(ز): "اعتبرنا"، وفي (س): "اعتبروا".
(٤) أي: في قول صاحب "المنتهى" ١/ ١٧، وكلام الخلوتي في "حاشية النجدى" ١/ ١٠٤.
(٥) ١/ ٢٨.
(٦) ١/ ٨٣.
[ ١ / ٤٥١ ]
كذا ترتيبٌ، وموالاةٌ في حَدَثٍ أصغرَ.
وإنْ نوى حدثًا، أو نَجَسًا، لم يُجزِئه عن الآخر، وإنْ نواهُما، كفى.
وأما المختصُّ فشيئان أشار إليهما بقوله: (وكذا ترتيبٌ) بأن يَمسحَ وجهَه قبل يديه. (وموالاةٌ) بأنْ لا يُؤَخِّر مسحَ يديه [عن وجهه] (^١)، بحيثُ لو كان وجهُه مغسولًا لجف في زمنٍ معتدل، أو قدرُه من غيره، فهذان لا يَجبان في كل تيممٍ بل (في حدثٍ أصغر) خاصَّةً، فلا يَجبان في حدثٍ أكبر، أو نجاسةٍ ببدن؛ لأنَّ التيمُّم مبنيٌّ على طهارةِ الماء، وهما فرضان في الوضوء دونَ ما سواه.
(وإنْ نَوى) محدِثٌ ببدنه نجاسةٌ (حَدَثًا) فقط، لم يجزئه عن النجاسة (أو) نوى (نجسًا) أي: نجاسة ببدنه فقط (لم يُجزئه) التيمم (عن الآخر) أي: الحدث، بل يجزئه عما نواه فقط. وكذا لو نَوى حدثًا أصغرَ أو أكبرَ، لم يجزئه عن الآخر (وانْ نَواهُما) أي: الحدثَ والنجاسةَ، أو نَوى الأصغرَ والأكبرَ والنجاسةَ بتيممٍ واحدٍ (كفى) أي: أجزأه ذلك.
ومس المصحفِ، أجزأه عن ذلك؛ لأنها طهارةُ ضرورة، فلم تَرفع الحدثَ، كطهارةِ المستحاضةِ، فلم يكن بدٌّ من التعيين؛ تقوية لضَعفه. دنوشري.
(وموالاة في حدثٍ أَصغرَ) في المسألتين؛ لأنهما فرضانِ في المبدَل، فكذا في البَدَل؛ لأن التيمم بدل عن الطهارة بالماءِ، والترتيبُ والموالاةُ فرضان في طهارةِ الحدثِ الأصغر، فكذا في التيمم له. "شرح المنتهَى" (^٢). (وهما) أي: الترتيبُ والموالاةُ. (في الوضوءِ) فكذا في التيمُّم القائمِ مَقامَه. مصنف (^٣). (وإن نوى حَدَثًا … إلخ) هذا مفرع على تعيين النيةِ على طريقة شيخِ الإسلامِ بأن الواو عنه. (كفى) التيمم الواحدُ عن الجميعِ، بناءً على تداخلُ الطهارتين في الغُسل. (أو) للتفريع. وقال ابنُ عقيلِ في الحدثِ والنجاسة: الأشبهُ عندي: لا
_________________
(١) ليست في الأصل و(س) و(م).
(٢) "المعونة" ١/ ٤٣٦.
(٣) "كشاف القناع" ١/ ١٧٥.
[ ١ / ٤٥٢ ]
وإنْ نَوى نفلًا، أو أطْلقَ، لم يُصلِّ به فرضًا، وإنْ نواهُ، صلَّى كلَّ وقتِه.
قلت: والظاهرُ هنا اعتبارُ الترتيب والموالاة.
وإنْ تَنوعت أسبابُ أَحَدِ الحدثين، فَنَوى أحدَها، أجزأ عن الجميع، لكن لو نَوى الاستباحةَ من أحدها، على أنْ لا يَستبيحَ من غيره، لم يُجزِئه، على قياس ما تقدَّم في الوضوء، وأولَى؛ لضعفه.
(وإنْ نوى) بتيمُّمه (نفلًا) أي: استباحةَ نفل الصَّلاة، لم يصلِّ به فرضًا (أو أَطلق) النية للصلاة، بأنْ نوى استباحةَ الصَّلاة، ولم ينوِ فرضًا، ولا نفلًا (لم يصلِّ به فرضًا) لأنه لم ينوه فلم يحصلْ له، بل يصلي به نفلًا في الصورتين. أما في الأولى؛ فلنيتِه (^١) النفلَ، وأمَّا في الثانية؛ فلأنه أقل ما يُحمَلُ عليه الإطلاق. وطواف كصلاةٍ فيما تقدم.
(وإنْ نواه) أي: الفرضَ بتيممه (صلى كلَّ وقتِه) فروضًا ونوافل، فمن تيمَّم لظهرٍ مثلًا، صلَّى ما دامَ الوقتُ ما شاءَ من الفرضِ والنفلِ. أمَّا الفرضُ؛ فلنيته، وأما النفلُ؛ فلأنَّه أخف، ونيةُ الفرضِ تَتضمَّنُه. فمن نَوَى شيئًا استباحَه
يتداخلان، كالكفارات والحدود إذا كانت من جِنسَين. قال في "الشَّرح": والأصحُّ الأوَّل. مصنف على "الاقناع".
(وإن تنوعت أسبابُ أَحدِ الحدثين) بأنْ بالَ وتغوَّط وخرجَ منه ريحٌ، ونوى واحدًا منهما، أجزأ تيمُّمه عن الجميع؛ لأن حكمَها شيءٌ واحد، وهو إمَّا إيجادُ الوضوء أو الغُسلِ، كطهارة الماءِ. مصنّف (^٢) مع زيادة. (لكن لو نَوى … إلخ) استدراكٌ على قولِه: "أجزأ عن الجميعِ".
(وطوافٌ كصلاة فيما تقدم) بأن لم يعيّن فرضَهما ولا نفلَهما وتيمَّم، لم يفعل إلا نفلَهما؛ لأنه لم ينوِ الفرضَ، فلم يحصلْ له، وفارقَ طهارةَ الماءِ؛ لأنها ترفعُ الحدثَ، فيباحُ له جميعُ ما يمنعه. مصنف (^٣). (فمَن نوى شيئًا، استباحه .. إلخ) تفريعٌ على قولِه: "وإنْ
_________________
(١) في (ح) و(ز): "فلنية".
(٢) "كشاف القناع" ١/ ١٧٦.
(٣) "شرح المنتهى" ١/ ١٩٥.
[ ١ / ٤٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومثلَه ودونَه، لا ما فوقَه، فأعلاه: فرضُ عينٍ، فنذرٌ، فكفايةٌ، فنافلةٌ، ففرضُ طوافٍ، فنفلُه، فمسُّ مصحفٍ، فقراءةٌ، فلُبثٌ.
نواه … إلخ" فمَن نوى بتيمُّمِه شيئًا، أي: فِعلَ شيءٍ من العباداتِ التي تُشترط لها الطهارةُ، كالصلاة، استباحه. أي: استباحَ ذلك الشيءَ المنوي فِعلُه، واستباحَ ما كان مِثلَه؛ لأنها طهارة صحيحة أباحت فرضًا، فأباحت ما كان مثلَه، كطهارةِ الماءِ. وعنه: لا يَجمع بين فرضَين. والأصح: أنه يَتنفل قبل الفرضِ ثم يصليه وما شاءَ، فروضا ونوافلَ، إلى آخرِ وقتِها. فمتى نوى بتيممه فرضًا معيَّنًا، أو مُطلقًا، كظهر، أو عصرٍ، استباح فِعلَه وفعلَ مثله كقضاءِ فرائضَ إلى آخر الوقتِ. واستباحَ ما كان دونَه أي: دونَ فرضِ العينِ، كصلاةٍ منذورةٍ، وراتبةٍ، وطوافٍ، ومسّ مصحفٍ، إلى آخر الوقتِ أيضًا. لا أعلاه.
(ومِثْلَه) لأنه تيمم صحيح أباح فرضًا، فأباحَ فرضَين في الوقتِ، كطهارة الماءِ؛ لأن كل تيمُّم أباحَ شيئًا، أباح ما هو من نوعِه. حفيد. (ودونَه) كمنذورة، وفائتةٍ؛ لأنه منويٌّ ضمنًا، ولأنه إذا جاز فعلُه، فمن باب أولى فعلُ ما دونَه. وله فعلُه قبلَه وبعدَه. ولا يستبيحُ ما هو أعلى منه؛ لأنه غيرُ منوي صريحًا، ولا ضِمنًا. حفيد. (فأعلاه) أي: أعلى ما يُستباح بالتيمم (فرضُ عينٍ) كواحدةٍ من الصلوات الخمسِ (فنذرٌ) أي: فيلي فرضَ عينٍ في الفضيلةِ نذرٌ. أي: ما نذر لله أن يصليَه؛ لأن النذرَ دون ما وجبَ شرعًا. (فكفايةٌ) أي: ففرضُ كفايةٍ، كجنازةٍ وعيدٍ. (فنافلةٌ) كتحية مسجدٍ، كراتبةٍ، فجميعُ النوافلِ في درجةٍ واحدةٍ، مطلقًا، سواء كانت راتبة أو غيرَ راتبةٍ. فالفاءُ في قوله: "فكفاية … إلخ" للترتيب. فدرجةُ كل واحدٍ تحتَ ما بعده. دنوشري بإيضاحٍ. "فنافلةٌ" لكن لا يصحُّ نفل معين -كسُنة راتبةٍ- بنية نفلٍ مُظلق، كما في "الرعاية". (فنَفْلُه) قال الجد الشِّهاب: مقتضاه: أن الطواف الفرضَ أعلى من نافلة الصَّلاةِ، وإلا فلا فائدةَ في التقييد بنفلٍ (^١). ومقتضى ما في "الفروع" (^٢): أن فرضَه ونفلَه دون النافلةِ،
_________________
(١) هذا مقتضى ما في "المنتهى" ١/ ٢٩ حيث قال: "فنافلة، فطواف نفل .. " ومثله في "الروض المربع" ١/ ٩٣ وحاشية العنقري عليه، ونصه فيها: قال في "حاشية المنتهى": لم يبيّن محل طواف الفرض، فظاهر كلامه في "المبدع" [١/ ٢٢٥] يقتضي أن يكون بعد نافلة الصلاة. اهـ.
(٢) ١/ ٣٠٢.
[ ١ / ٤٥٤ ]
ويَبطلُ تيمُّمُه بخروجِ وقتٍ،
قال المصنف (^١): وسكوتُهم عن الوطءِ يُعلَم منه أنَّه دونَ الكل.
(ويبطلُ تيمُّمه) مطلقًا (بخروجِ وقتٍ) أو دخوله ولو لغير صلاةٍ، ما لم يكن في صلاةِ جمعة، أو ينوي -وهو في وقتِ الأولى- الجمعَ في وقتِ ثانية، ثم تيمم للمجموعة أو لفائتةٍ، فلا يَبطُل بخروج وقت الأولى.
قال: ويُباح الطوافُ بنية النافلةِ في الأشهر، كمسِّ مصحفٍ، قال شيخُنا: ولو كان الطوافُ فرضًا، وقال أبو المعالي: لا. اهـ. وقال في حاشية "التنقيح": واختار أبو المعالي أنه لا يُباح الطراف بنيتها، وهو الصحيح؛ لأن النافلةَ دون الفرضِ. حفيد.
(بخروج وقتٍ) كما لو تيمَّم وقتَ الصبحِ، بطلَ بطلوع الشمس (أو دخوله) كما لو تيمَّم بعد الشروق، بطل بالزوال؛ لأن التيمم طهارةُ ضرورة، فتقيدت بالوقت، كطهارة المستحاضةِ، ولو كان في الصلاة، ما عدا الجُمُعة، وكما لو تيمَّم لطوافٍ، ومس مصحفٍ، وصلاةِ جنازةٍ، وصلاةِ نافلةٍ، ونحوِها، كتيممه لسجودِ شكرٍ، ونجاسةٍ على بدنِه، فإن التيمُّم في جميع هذه الصورِ يبطلُ بخروج الوقتِ الذي تيمم فيه؛ لأن طهارتَه انتهت بانتهاءِ وقتِها، فبطَلَت، كما لو انقضت مدةُ المسحِ وهو في الصلاة.
"فائدة": لو تيمم لجِنازة، ثم جيءَ بأخرى، فإن كان بينهما وقت يُمكنه التيمم، لم يصل عليها حتى يتيممَ لها، وإلا صلى. كما ذَكَره في "المبدع". دنوشري مع زيادة.
(ما لم يكن في صلاة جمعةٍ) مستثنى من قوله: "ويبطل تيمُّمه … إلخ" يعني أنه لو خرج الوقتُ وهو في صلاةٍ، بطلتْ ما لم يكن في صلاةِ جمعة، فإنها لا تبطلُ بخروج وقتِها وهو فيها؛ لأنها لا تُقضى ولا تُعاد ثانيًا. (أَو ينوي) أي: أو ما لم ينوِ الجمعَ في وقتِ ثانيةٍ، بأن تيمم مَن يُباح له الجمعُ في وقتِ الظهر لصلاتها مجموعةً مع العصرِ جمعَ تأخيرٍ. (أو لفائتةٍ) أي: تيمَّم لفائتةٍ في وقت الأولى "إقناع" (^٢) (فلا يبطلُ بخروج وقتِ الأولى) أي: فلا يبطلُ تيممه
_________________
(١) في "كشاف القناع" ١/ ١٧٦.
(٢) ١/ ٨٥.
[ ١ / ٤٥٥ ]
ومُبْطِلٍ ما تيمم له، ووجودِ ماءٍ، ولو في صلاةٍ، لا بعدَها.
(و) يَبطُل تيممه أيضًا بشيءٍ (مُبطلٍ ما تيمّم له) من الطهارتين، فيبطُل تيممه عن وضوء بما يُبطِله من نومٍ ونحوه، وعن غسلٍ بما يَنقضُه، كخروجِ مني بلذةٍ. ولو تيمم لحدثٍ وجنابةٍ تيمُّمًا واحدًا، ثم خرجَ منه ريح مثلا، بَطَل تيممه للحدث، وبقي تيممه للجنابة بحاله.
(و) يظل تيممه أيضًا بـ (ـوجودِ ماءٍ) مقدورٍ على استعماله بلا ضررٍ على ما مرَّ. ولو اندَفقَ الماء أو كان قليلا، فيستعملُه، ثم يتيممُ لِمَا بَقيَ.
(ولو) كان وجودُه (^١) الماءَ (في صلاةٍ) أو طوافٍ، فيَبطُلان، فيتوضأ أو يَغتَسل، ويَبتدئُ الصلاةَ، أو الطوافَ، و(لا) إعادةَ على واجدِ الماء (بعدها) أي: الصلاةِ، أي: بعدَ انقضاءِ الصلاة، وكذا الطواف، لكن يُستحب لواجدِ الماءِ في الوقت استعمالُه، وإعادةُ الصلاة كما بحثه المصنف (^٢). ومحله في نحو ظهرٍ كعِشاء لا صبحٍ وعصرٍ؛ لأن ذلك وقت نهيٍ.
بخروج وقتِ الفريضةِ الأولى التي هي الظهرُ؛ لأن وقتَيهما قد صارا وقتًا واحدًا بنية الجمعِ. قال محمد الخلوتي: وهذا بخلاف جمعِ التقديم، فإن تيمُّمه بخروج وقتِ الأولى يبطل؛ لأنا لو أبطلنا تيمُّمَه في المسألةِ الأولى بخروج وقتِ الأولى، كان فيه تحجيرٌ عليه، بخلاف الثانيةِ، فإنه قد فعلَ ما يُتيمَّم لأجله.
(فيبطل تيمُّمه عن وضوءٍ .. إلخ) مفرَّع على قوله: "ويبطل تيمُّمه .. إلخ" فيبطل التيمُّم عن حدث أصغرَ بنواقض الوضوءِ، وهو ما خرجَ من السبيلين، أو لمس امرأة لشهوة، ونحوهما، وعن حدثٍ أكبرَ بمُوجِباته السابقةِ، من خروجِ المنيِّ دَفقًا بلذة، ونحوِ ذلك. (ولو تيمَّم لحدثٍ … إلخ) ويبطل تيمُّمه أيضًا بوجود ماء مقدورٍ على استعمالِه بلا ضرر، على ما مرَّ في موضعِه. قال في "الفروع" (^٣): وإن قدَرَ عليه في تيمُّمه، بطل، وكذا بعدَه قبل الصلاةِ،
_________________
(١) فى (م): "وجود".
(٢) في "كشاف القناع" ١/ ١٧٧.
(٣) ١/ ٣١١.
[ ١ / ٤٥٦ ]
والتيمُّمُ آخرَ الوقتِ لراجي الماءِ أولى.
ويَبطُل التيمُّم أيضًا بزوال مبيحٍ، كبُرءِ مرضٍ، أو جرحٍ تيمَّمَ له.
(والتيمُّمُ آخرَ الوقتِ) المختارِ بحيثُ يدركُ الصلاة كلها قبلَ خروجِه (لراجي) وجودِ (الماء أَولَى) لأنَّ الطهارةَ بالماء فريضةٌ، والصلاةَ في أول الوقتِ فضيلة، وانتظارُ الفريضة أولى، وكذا لو استوى عندَه احتمالُ وجودِ الماءِ وعدمِه، وأما العالِمُ وجودَه، فمن باب أولى.
والأصلُ في ذلك قولُ عليٍّ في الجُنُب: يتلومُ ما بينَه وبينَ آخر الوقت، فإن وَجَد الماءَ (^١)، وإلا تيمَّم (^٢). ومعنى "يتلَوَّم": يمكثُ ويَنْتظر (^٣).
فإنْ تيمم وصلَّى، أجزَأه، ولو وَجد الماء بعدُ. وعُلِم ممَّا تقدَّم أنَّ التقديمَ لِمُتحقِّق
وذَكَره بعضُهم إجماعًا. وشَمِل ذلك ما لو كان الماءُ قليلًا لا تكفي طهارتَه، فيستعملُه ويتيمَّم للباقي. اهـ دنوشري.
(بزوالِ مبيحٍ) للتيمم، كما لو تيمَّم لمرض، فعُوفي، أو لبردٍ، فزال، أو لجبيرةٍ وَضَعها على غير طهارةٍ وتضرر بقَلْعها، فتيمم، ثم برئَ ما تحتَها؛ لأن التيمم طهارةُ ضرورة، فيزولُ بزوالِ تلك الضرورةِ. "شرح المنتهَى" (^٤).
(وكذا لو استوَى عند إلخ) يعني أن مَن استوَى عنده الأمران، مثلُ مَن ترجَّح عنده وجودُ الماءِ، في الحكمِ. فالتيمُّم له آخرَ الوقتِ أولى. (وعُلم مما تقدم) مِن قوله: "لراجي … الماءِ، (أنَّ التقديمَ لمتحقق العدمِ) أي: تقديمَ التيمُّم في وقتِ الفضيلةِ. وقولُه:
_________________
(١) بعدها في (ح) و(ز): "بعد".
(٢) أخرجه الدارقطني في "سننه" (٧٢٠)، وابن النذر في "الأوسط" ٢/ ٦٢، والبيهقي في "الكبرى" ١/ ٢٣٣ - ٢٣٣. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة ١/ ١٦٠ مختصرًا.
(٣) "القاموس المحيط" (لوم).
(٤) ١/ ١٩٧.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وصفتُه: أنْ ينويَ، ثم يسمّيَ، ويضربَ التُرابَ بيدَيْه، مُفَرَّجتَي الأصابع، بعدَ نَزْعِ نحوِ خاتَمٍ، ضربةً
العدمِ، أو ظانه أولى.
(وصفته) أي: التيمم: (أن ينويَ) استباحةَ ما يتيمم له، كفرضِ الصلاة من حدثٍ أصغرَ أو أكبرَ، أو نجاسة.
(ثم يُسَمِّي) وجوبًا فيقول: باسم الله. لا يقوم غيرُها مقامَها، وتَسقطُ سهوا.
(ويضربُ الترابَ بيديه) حالَ كونهما (مُفرَّجتي الأصابع) ليصلَ الترابُ إلى ما بينَهما (بعدَ نزع نحو خَاتم) كَحَلقة بيده؛ ليَصِل الترابُ إلى ما تحتَه (ضربةً) بالنصب مفعول مطلق، عاملُه: "يضرب" أي: يضربُ الترابَ ضربةً واحدةً. قال الأثرمُ: قلت لأبي عبد الله: التيمُّمُ ضربةٌ واحدة؟ فقال: نعم، للوجْهِ والكفين، ومن قال: ضربتين، فإنما هو شيءٌ زادَه. انتهى.
فإنْ كانَ الترابُ ناعما، فوَضَعَ يدَيْه بلا ضرب فَعَلِق بهما، كفى.
وكُرِهَ نفخُ ترابِ يديه إن كان قليلا، فإنْ ذَهبَ به، أعادَ الضربَ.
(أو ظانه) أي: ظان عدمِ الماءِ (أَولى) من الانتظارِ إلى آخر الوقتِ المختارِ، فـ"أولى" متعلق بقوله: "أن التقديمَ".
(أن ينويَ) بالتيمم (استباحةَ مما يتمم له) مع تعيينِ ما يتيمَّم عنه، مِن حدثٍ، أو نجاسةٍ (ثم يسمي) إنْ تذكَّر التسميةَ (وبضرب الترابَ بيديه … إلخ) على التُّراب أو غيرِه، مما له غبارٌ طَهور، كلِبد، أو ثوبٍ، أو بساطٍ، أو حصيرٍ، أو بَرذَعةِ حمارٍ، أو بغلٍ، ونحوِها. (ضربة واحدةً) اِعلم أن الضربَ ليس بشرط فيه، بل القصدُ حصولُ الترابِ في محلِّه. فلو كان ناعمًا، فوضعَ يديه عليه، أجزأه. ولو أوصله بخِرقة، أو بيد، أو بعضِها، جازَ. وكذا لو نَوى وصمدَ للرِّيح حتى عمَّت محلَّ الفرضِ بالتُّراب. ذكره القاضي والشريف. كما لو صمدَ أعضاءَه للمطر حتى جرت على أعضائه. دنوشري.
[ ١ / ٤٥٨ ]
يمسحُ وجهَه بباطنِ أصابعهِ وكفَّيْه براحتَيْه، ويُخلِّلُ أصابعَه.
ثمَّ (يَمْسَحُ وجهَه) جيمعَه (بباطن أصابعه) فإنْ بقي منه شيءٌ لم يصلِ الترابُ إليه، أمَرَّ يدَه (^١) عليه إنْ لم يفصلْهَا عنه؛ لأنَّ الواجبَ تعميمُ المسح لا تعميمُ التراب، فإنْ فصلَها (^٢) وقد بقيَ عليها غبارٌ، مَسحَ بها ما بقي، وإلَّا أعادَ الضرب.
(و) يَمسحُ ظاهرَ (كفَّيه براحتّيْه) استحبابًا؛ لحديثِ عمَّار، وتقدَّم (^٣).
فإنْ قيل: قد ذُكر في حديثِ عمَّار لفظُ: المرفقين، فتكونُ مفسرةً للمراد بالكَفَّين. أُجيب: بأنَّه لا يُعَوَّلُ على هذا الحديث، إنَّما رَواهُ سلمة وشكَّ فيه، ذكره النَّسائيُّ (^٤) مع أنَّه قد أُنكِر عليه، وخَالَفَ به سائرَ الرواة الثقات.
ولو مَسحَ وجهَه بيمينه، ويمينَه بيسارِه، أو عَكَسَ، صحَّ.
(ويُخلِّلُ أصابعَه) ليصلَ التُّرابُ إلى ما بينَها (^٥)، وإنْ مَسحَ بضربتين: بإحداهما وجهَهُ، وبالأُخرى يدَيْه، جاز.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في الأصل: "يديه".
(٢) في الأصل: "فصلهما".
(٣) ص ٤٢٦، ٤٥٠.
(٤) في "المجتبى" ١/ ١٦٦، و"السنن الكبرى" (٢٩٩). وسلمة هو ابن كُهَيل الحضرمي أبو يحيى الكوفي. "التقريب".
(٥) في (ز) و(م): "بينهما".
[ ١ / ٤٥٩ ]