(بابٌ) بالتنوين وعدمِه. (الحيض) لغةً: السَّيَلَان، من قولهم: حاضَ الوادي: إذا سال. يُقال: حاضتِ المرأةُ تحيضُ، حيضًا ومحيضًا، فهي حائضٌ وحائضة: إذا جرى دمُها. وتحيَّضتْ: قعدتْ أيامَ حَيضِها عن الصلاة. ويسمَّى فى أيضًا: الطمثَ، والعِرَاكَ، والضَحَكَ.
وهو شرعًا: دمُ طبيعةٍ وجبلَّة،
(باب الحيض) أي: الحيض والاستحاضة والنفاس، ففي التَّرجمة حذفٌ، إلَّا أنْ يقالَ: ترجمَ لشيءٍ وزادَ عليه. فالحيضُ مصدرُ (حاضت المرأةُ تحيضُ حيضًا … إلخ) قال الجاحظُ: والذي تحيضُ من الحيواناتِ أربعٌ: المرأةُ، والأرنبُ، والضَّبعُ، والخفَّاش (^١). (من قولهم) أي: مأخوذٌ من قول العربِ: (حاض الوادي، إذا سالَ)، وحاضت الشجرةُ، إذا سالَ منها شِبهُ الدمِ، وهو الصَّمغ الأحمرُ. واستُحضيت المرأةُ: استمرَّ بها الدمُ وجاوزَ أكثرَ الحيضِ. (يقال: حاضت المرأةُ … إلخ) يقالُ قولًا جاريًا على قانون اللُّغةِ حتى ينهضَ أنَّ يكونَ دليلًا، فهو دليلٌ على أنَّ الحيضَ لغةٌ السَّيَلانُ.
وحكمُ الحيضِ ثابتٌ بالإجماع، وسندُه: قولُه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والسنةُ: حديثُ فاطمةَ، وهو قولُه ﷺ: "دعي الصلاةَ أيامَ أقرائك" (^٢) (ويسمَّى أيضًا) ومن أسمائه: الإِعصارُ، والإِكبارُ، والنِّفاسُ، والفِرَاكُ، والدارس (^٣).
(دمُ طبيعةٍ) أي: سَجِيَّة (وجبلَّة) بفتحِ الجيمِ وكسرِها (^٤). أي: خِلْقة جَبَلَ اللهُ بناتِ آدمَ عليها،
_________________
(١) ينظر كتاب "الحيوان" ٣/ ٥٢٩.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٥)، ومسلم (٣٤) (٦٥)، وسلف طرف منه ص ٣٥٤.
(٣) الدارس: اسم للحائض، لا للحيض.
(٤) وضمها أيضًا، كما في "القاموس" (جبل)، وفيه: جَبَلة، محركة، وكطِمِرَّة. اهـ ففي الكلمة خمس لغات.
[ ١ / ٤٨٩ ]
يمنعُ
ترخيهِ الرَّحِم، يعتادُ أنثى إذا بلغت في أوقاتٍ معلومة.
والحيض (يمنعُ) أشياءَ:
وكتبَه عليهنَّ. احترزَ به عن دمِ الاستحاضة؛ فإنَّه عارضٌ، لمرض وفسادٍ، وعن دم النِّفاسِ؛ فأنَّه عارضٌ بسبب الولادةِ. والجبلة: بكسر الجيمِ، وبضمِّها، ك: غُرْفة (^١). حفيد وزيادة.
(تُرخيه الرَّحم) هو بفتح الرَّاء وكسرِ الحاء، وبكسر الراءِ مع سكرنِ الحاء، وبكسرهما، وبفتح الرَّاءِ مع سكون الحاء، كما في نظائره من كلِّ اسمٍ ثلاثيٍّ مفتوحِ الأَوَّل مكسورِ الثاني، وثانيه حرفُ حَلْقٍ. أي: يخرجُ مع الصِّحَّة من غير سببِ ولادةٍ مِن قَعْر الرَّحمِ. والرَّحمُ: بيتُ منبتِ الولدِ ووعاؤه. حفيد مع زيادة. (يعتاد أُنثى إذا بلغت في أوقاتٍ معلومةٍ) وليس بدمِ فسادٍ، بل خلقه اللهُ لحكمة غذاءِ الولدِ وتربيتِه، وهو مخلوقٌ من مائهما، فإذا حملت، انصرفَ ذلك بإذن اللهِ تعالى إلى غذائه؛ ولذلك لا تحيضُ الحاملُ، فإذا وضعت، قَلبه اللهُ لبنًا يتغذَّى به؛ ولذلك قل ما تحيضُ المرضِعُ، فإذا خَلَت منهما، بقي الدمُ لا مصرفَ له، فيستقرُّ في مكانٍ، ثم يخرجُ -في الغالب- في كلِّ شهرٍ ستَّةَ أيامٍ، أو سبعةً، وقد يزيدُ على ذلك ويَقِلُّ، ويطولُ شهرُها ويقصُرُ، بحسب ما ركَّبه اللهُ تعالى في الطِّباع؛ ولهذا أمر النبي ﷺ ببرِّ الأمِّ ثلاثَ مراتٍ وبِبرِّ الأبِ مرَّةً واحدةً. مصنِّف (^٢).
(يمنع أشياءَ) جعلها المصنِّف ثمانية، و"المنتهى" (^٣) اثني عشَرَ، و"الإقناعُ" (^٤) خمسةَ عشَرَ شيئًا. فالزائدُ عن كلامِ المصنِّفِ سبعةُ أشياءَ: مسُّ المصحف، ويمنع قراءةَ القرآنِ، ويمنع اللُّبثَ بمسجدٍ، ويمنع سنَّة طلاقٍ، ما لم تسألْه خُلعًا أو طلاقًا على عِوَض، فيباحُ له
_________________
(١) في الأصل: "وكغرفة"، وهو خطأ.
(٢) "كشاف القناع" ١/ ١٩٦. والحديث أخرجه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) عن أبي هريرة ﵁. وهو عند أحمد (٨٣٤٤).
(٣) ١/ ٣٣ - ٣٤.
(٤) ١/ ٩٩.
[ ١ / ٤٩٠ ]
الغُسْلَ له، والوضوءَ، والصَّلاةَ،
(الغُسْلَ له) أي: للحيض، فلا يصحُّ؛ لقيام موجبه، ولا يمنع الغسلَ لجنابة، أو نحوِ إحرامٍ، بل يُسَنُّ.
(و) يمنع (الوضوءَ) فلا يصحُّ؛ لما تقدَّم (و) يمنعُ فِعْلَ (الصلاة) ولو سجدة تلاوةٍ لمستمعةٍ قراءةَ آيةِ سجدة؛ لقيام المانع بها.
إجابتُها، وَيمنع اعتدادًا بأَشهُرٍ، إلَّا الاعتدادَ لوفاة، فإنَّه لا يمنعُ الاعتدادَ بالأشهرِ للوفاة وإنْ كانت من ذواتِ الحيضِ، بل يجبُ عليها الاعتدادُ بالأشهر بموت زوجِها وإن كانت الزوجةُ تحيضُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] إلخ، ولم يفصِّل بين مَن تحيضُ ومَن لا تحيض، ويمنعُ المرورَ بالمسجد، ويمنع ابتداءَ العِدَّة إذا طلَّقها في أثناءِ الحيض.
(الغُسل له) أى: مادام الذم يسيلُ، فلو انقطع في أثناءِ مدَّتها، جازَ. قال في "الإقناع" (^١): وإنْ طَهُرت في أثناءِ عادتِها طُهرًا خالصًا، لا تتغيَّر معه القُطنةُ إذا حشَتها، فهي طاهرٌ، تغتسل وتصلِّي، ولا يُكره وَطؤها. ا هـ. ح ف.
قال الشَّارح في "مناهيه" علبه: وهذا المنعُ يقتضي التحريمَ، كما اسنظهره ابنُ نصر اللهِ في "حواشي الكافي" قال: لأنَّ الإتيانَ بالعبادةِ مع مانع من صِحَّتها تلاعبٌ. اهـ. (ولا يمنعُ الغُسلَ لجنابةٍ) بأن تكونَ الجنابةُ سابقة على الحبضِ مثلًا، أو باحتلام ونحوِه (بل يُسنُّ) الغُسل لذلك تخفيفًا للحدث؛ لِما تقدَّم، وهو بأنَّ كلَّ ما أوجب غُسلًا أوجب وضوءًا.
(ويمنع فِعْلَ الصلاء) فرضًا كانت أو نفلًا (ولو سجدة … إلخ) أي: فيحرُمُ، ولا يصحُّ؛ لقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] والحيضُ أغلظُ من الجنابةِ، فوجبَ أنَّ يمنعَ من فِعلها في زمنه، كما يمنعُ في حال الجنابةِ، ولقوله ﵊ في حديث فاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: "فإذا أَقبلت الحيضةُ، فدعي الصَّلاةَ، وإذا أَدبرت، فاغسِلي عنكِ الدمَ وصلِّى". متَّفقٌ عليه (^٢). ح ف.
_________________
(١) ١/ ١٠٦.
(٢) سلف ص ٣٩٥.
[ ١ / ٤٩١ ]
ووجوبَها، وفعلَ صومٍ، وطوافٍ، واعتكافٍ،
(و) يمنع (وجوبَها) أي: الصلاة إجماعًا.
(و) يمنعُ (فعلَ صوم) إجماعًا؛ لقوله ﷺ: "أَلَيسَت إحْدَاكُنَّ إذا حاضَتْ لم تَصُمْ ولم تصلِّ؟ قُلْنَ: بلى" رواه البخاري (^١). وعُلم منه أنه لا يمنعُ وجوبَه.
(و) يمنع فعلَ (طوافٍ) لقولِه ﷺ لعائشةَ حين حاضَتْ: "افْعَلي ما يفعلُ الحاجُّ، غيرَ أنَّ لا تَطُوفي بالبيتِ حتَّى تَطْهُري" متَّفقٌ عليه (^٢). وأمَّا وجوبُه، فباقٍ، فتفعله إذا طَهُرتْ، لكنْ يسقطُ عنها طوافُ الوداعِ، على ما يأتي.
(و) يمنعُ فعلَ (اعتكاف) لأنَّه لزومُ مسجدٍ على وجهٍ مخصوص، وقد قال ﷺ: "لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُب" رواه أبو داود (^٣).
(ويمنع وجوبَها، أي: الصَّلاة) فلا تقضيها؛ لأنَّ القضاءَ فرعُ الوجوبِ. قال المصنف (^٤): إلَّا ركعتَي طوافٍ؛ لأنها نُسُك لا آخِر لوقته. ويأتي، أي: بعد أنَّ تطهرَ من حيضِها، وليس المرادُ أنَّها تفعلُها وهي حائضٌ، كما يأتي. فيُعايا بها، ويُقال: امرأةٌ حائضٌ تقضي الصلاةَ؟!.
(ويمنعُ فعلَ صومٍ) أي: فيحرُمُ، ولا يصحُّ؛ لأنَّه مضعِفٌ، وخروجُ الدمِ مضعفٌ، فلو أُمرت بالصَّوم مع الحيضِ، لاجتمعَ عليها مُضعِفان، والشَّارع ناظرٌ إلى حفظ الأَبدانِ. ح ف. (وعُلم منه أنه لا يمنع وجوبَه) أي: فُهم من تعبيره في جانب الصَّومِ بـ "فِعْل" دون الوجوبِ، كما في سابقهِ.
_________________
(١) في "صحيحه" (٣٠٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) "صحيح" البخاري (٣٠٥)، و"صحيح" مسلم (١٢١١) (١٢٠)، وهو عند أحمد (٢٦٣٤٤).
(٣) في "سننه" (٢٣٢) عن عائشة ﵂. وسلف تمام تخريجه ص ٣٩٩.
(٤) في "كشاف القناع" ١/ ١٩٧.
[ ١ / ٤٩٢ ]
ووطْئًا في فَرْجٍ، إلا لمَنْ به شَبَقٌ بشرطِه.
(و) يمنعُ (وَطْئًا في فَرْجٍ) لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ولقولِه ﷺ: "اصنعُوا كلَّ شيءٍ إلا النكاحَ" رواه مسلم (^١) (إلَّا لمنْ به شبَق): أي: شدَّةُ شهوةِ النكاح (^٢) (بشرطه) بأن يخافَ تشقُّق أُنثيَيْه إنَّ لمْ يَطَأُ، ولا تندفع شهوتُه بدونه في الفَرْج، ولا يجد غيرَ الحائض، من زوجةٍ، أو سُرِّيَّة، ولا يَقدِر على مهرِ حرَّة، أو ثمنِ أمَة.
(لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ … إلخ) والمرادُ به (^٣) إمَّا موضعٌ، كالمَقِيل والمَبِيت، وهو الفَرْج، فيختصُّ التحريمُ بمكان الحيضِ، وهو الفرجُ، كما سيجيءُ في (الشَّرح). أو (^٤) بمعنى الحيضِ، فيكونُ أمرًا بالاعتزالِ حالَ الحيضِ، ومن الاعتزالِ تركُ الوطءِ في الفَرْج، والمرادُ: مادام الدمُ يسيلُ، فلو انقطع في أثناءِ عادتِها، جازَ، كما لو انقطعَ بعدَها.
"تنبيه": لو أَرادَ وطأَها، وادَّعت أنَّها حائضٌ، وأَمكنَ، قُبل. ح ف. لأنَّها مؤتَمنة. (إلَّا لمَن به شَبَق) قال في "الصِّحاح" (^٥): الشَّبَق: شدَّة الغُلْمةِ. وقال في نصل الغين (^٦): الغُلْمة -بالضمِّ- شهوةُ الضِّراب، وقد غَلِمَ البعيرُ واغتلمَ، إذا هاجَ من ذلك. (بشرطه) وهي أربعةُ شروطٍ:
الأوَّل: (بأن يخافَ تشقُّقَ أُنثييه إنْ لم يطأُ).
الثاني: أن (لا تندفعَ شهوتُه بدونه في الفَرْج (^٧».
الثالث: أنْ (لا يجدَ غيرَ الحائضِ من زوجةٍ أو سُرِّيَّة).
الرابع: أن (لا يقدرَ على مَهر حرَّةٍ أو ثمنِ أَمَةٍ) ولا كفَّارةَ عليه إذن. لا يُقال: لماذا لم
_________________
(١) برقم: (٣٠٢)، وهو عند أحمد (١٢٣٥٤) مطولًا من حديث أنس ﵁.
(٢) في (م): "للنكاح". والكلام من "اللسان" (شبق).
(٣) أي: بالمحيض.
(٤) في الأصل: أي، والمثبت يقتضيه سياق الكلام.
(٥) مادة (شبق).
(٦) من باب الميم.
(٧) في الأصل: "بدون الوطء في الفرج"، وهي عبارة "المعونة" ١/ ٤٦٦.
[ ١ / ٤٩٣ ]
ويجبُ به دينارٌ، أو نصفُه كفارةً.
(ويجبُ به) أي: بوطءِ الحائض في الفرج قبل انقطاع الدَّم، سواءٌ كان في أوَّلِ الحيضِ أو آخرِه (دينارٌ، أو نصفه) أي: نصفُ الدينار (كفارةً) لذلك على التخيير، بشرطِ أن يكونَ الواطئُ (^١) ممن يجامِع مثلُه، وهو ابنُ عشر، وأن يولجَ الحشفةَ، أو تدرَها، ولو بحائل لفَّه على ذَكَره؛ وذلك لحديث ابنِ عباس مرفوعًا في الذي يأتي امرأتَه وهي حائضٌ، قال: "يتصَدَّقُ بدينارٍ، أو نصفِ دينار" رواه أحمدُ، وأبو داود، والترمذيُّ، والنسائيّ (^٢). وتخييرُهُ بين الشيءِ ونصفِه، كتخييرِ المسافرِ بين القَصْر والإتمام. والدينارُ هنا: المثقالُ من الذَّهب، مضروبًا، أَوْ لا، وتجزئ قيمتُه من الفضَّة فقط
يقل: إلَّا لمَن به شَبَقٌ بشروطه؟ لأنَّا نقول: عبارتُه صادقةٌ بذلك؛ لأنَّه مفرد مضافٌ، فيعُمُّ، كما هو مذهبُ الإمامِ أحمدَ.
(قبل انقطاع الدَّم) أي: بأن أَولجَ والدمُ يَسيل -ولم يَجز الوطءُ- أمَّا إن أَولجَ بعد انقطاعِه، سواءٌ كان في أثناءِ الحيضِ أو بعد فراغِ مدَّتِه، ولو قبل الغُسل، فلا كفَّارةَ. ح ف. كفَّارةً لدلك) زجرًا له؛ ولهذا أَغنَى وجوبُها عن التَّعزير (^٣) في وجهٍ. وهو من المفرَدات. ويجبُ لو (^٤) وَطئها وهي طاهرةٌ، فحاضت في أثناءِ وَطْئه، ولو لم يَستدمْ. ح ف وزيادة. (قيمتُه من الفضَّةِ فقط) أي: فلا يُجزئُ إخراجُ القيمةِ إلَّا من الفضة. ح ف
_________________
(١) فى (م): "الوطء".
(٢) أحمد (٢٠٣٢)، وأبو داود (٢٦٤)، والنسائي في "المجتبى" ١/ ١٥٣، وهو عند ابن ماجه (٦٤٠). لكن ورد عند الترمذي (١٣٦) بلفظ: "يتصدق بنصف دينار"، و(١٣٧) بلفظ: إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإذا كان دمًا أصفر فنصف دينار". قال الترمذي: حديث الكفارة في إتيان الحائض، قد روي عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا. اهـ أما المرفوع فمضى، وأما الموقوف فأخرجه أبو داود (٢٦٥)، والنسائي في الكبرى (٩٠٥١) و(٩٠٥٢) و(٩٠٥٣) و(٩٠٥٤). وقال النووي في "الخلاصة" ١/ ٢٣٢: واتفق الحفاظ على ضعف حديث ابن عباس هذا واضطرابه، وتلونه. اهـ وينظر "بيان الوهم والإيهام" ٥/ ٢٧٧.
(٣) في الأصل: "التعريف". والمثبت من "المبدع" ١/ ٢٦٦.
(٤) في الأصل: "له"، ولا يستقيم بها الكلام. وينظر "كشاف القناع" ١/ ٢٠١.
[ ١ / ٤٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتجب الكفارةُ، ولو كانَ الواطئُ مكرهًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا الحيضَ والتحريم. وكذا هِيَ إنْ طاوعته، فإنْ أكْرهَها، فلا كفَّارةَ عليها.
قال المصنِّفُ (^١): وقياسُه لو كانتْ ناسيةً، أو جاهلة. ومصرفُها إلى من له أخذُ زكاةٍ لحاجة، كبقية الكفَّارات، ونذرِ مُطلَق. وتُجزِئُ إلى واحدٍ، وتسقطُ بعجزٍ. وإن كرَّرَ الوطءَ في حيضةٍ، أو حيضتين، فكالصوم إذا كرَّر الوطءَ فيه في يومٍ، أو يومين، فلكلِّ حيضةٍ كفَّارةٌ، كما أن لكلِّ يومٍ كفارةً، ولو لم يُكفِّر.
(ولو … مكرهًا) أي: ولو كان الواطيءُ مكرَهًا على الوطءِ؛ لأنَّ له نوعَ اختيارٍ بانتشار ذَكرِه. دنوشري. (وقياسُه: لو كانت ناسيةً … إلخ) أي: وقياسُ ما لو كانت مكرهة: لو كانت ناسيةً أو جاهلةً في أنَّه لا يَلزمها كفَّارة. وهذه المسألةُ مَقيسةٌ على ما يأتي في كفَّارة الوطءِ في الصَّوم من أنَّها لا يلزمُها مع الجهلِ والنِّسيانِ شيءٌ، كما صرَّح بذلك في "المغني" و"المبدع".
(وكذا هي) أي: المرأةُ كالرَّجل في الكفارة، قياسًا عليه. مصنِّف (^١). (إنْ طاوعَتْه) على الوطءِ. (وتُجزئُ) الكفَّارةُ إنَّ دفعها (إلى) مسكينٍ (واحدٍ)؛ لعموم الخبرِ (وتسقط بعجزٍ) حالَ الوطء؛ فإنَّ المعتبرَ في الكفَّارات وقتُ الوجوبِ، ككفَّارة الوطءِ في نهارِ رمضانَ.
(فكالصَّوم) أي: فكما لو كرَّره في الصَّوم من أنَّه لو جامعَ في يومٍ، ثمَّ في آخَرَ، ولم يكفِّر، لزمته ثانيةٌ، كمَن أعاده في يومه بعد أن كفَّر. فلو أخَّر بعضَ الكفَّارةِ ثم جامَعَ، قال شيخُنا: الظاهرُ أن بقيَّةَ الكفَّارةِ الأُولى تندرجُ في الثانية، خلافًا لـ "الإقناع" حيث أَوجبَ القضاءَ دون الكفَّارةِ. اهـ محمد الخلوتي
_________________
(١) فى "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢٢٥.
[ ١ / ٤٩٥ ]
وَيَستمتِعُ منها بما دونَ فَرْجٍ، وإذا انقطع، لم يُبَحْ قبلَ غُسْلٍ، غيرُ صومٍ وطلاقٍ.
وبدنُ الحائضِ طاهرٌ. ولا يُكرَه عَجْنُها ونحوه، ولا وضعُ يدِها في مائعٍ.
(وَيَستمتع) جوازًا، زوجٌ أو سيِّدٌ (منها) أي: من الحائضِ (بما دونَ فَرْجٍ) أي: بما سوى الفَرْج، كقُبلةٍ، ولَمْسٍ، ووطْءٍ دونَ الفَرْج. زاد في "الاختيارات" (^١): والاستمناء بيدها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قال ابن عباس: فاعتزلوا نكاحَ فروجهنَّ. رواه عبدُ بن حميد وابنُ جرير (^٢). ولأنَّ المحيضَ اسمٌ لمكانِ الحَيض في ظاهر كلامِ الإمام أحمد. وقاله ابنُ عقيل. كالمقيل والمبيت، فيختصُّ التحريمُ بمكانِ الحيض، وهو الفَرْج. ويسَنُّ سترُه إذن.
(وإذا انقطع) دمُ الحيض (لم يُبَحْ) ممَّا يَحرُمُ على الحائض (فبلَ غُسْلٍ) أو تيمُّم لعدمِ الماء (فير صوم) فإذا انقطعَ دمُها قبلَ الفجر، جاز لها أن تنويَ الصومَ؛ لأنَّ وجوبَ الغُسْل لا يمنعُ فعلَ الصومِ، كالجنابة (و) غير (طلاقٍ) فبانقطاع الدمِ يباحُ لزوجها تطليقُها؛ لأنَّ تحريمَه لتطويلَ العِدَّة بالحيض، وقدْ زال ذلك.
(وبدنُ الحائضِ طاهرٌ … إلخ) إشارة إلى الردِّ على طائفةٍ من الخوارج، وهم السَّامرةُ، يقولون بنجاسة بدنِ الحائضِ.
(ويستمتع جوازًا زوجٌ … إلخ) أي: من القُبلة، واللَّمس، والوطءِ دونَ الفَرْج، ولو فيما تحت الإزارِ. قال ابنُ قندس: جوازُ التمتُّع بالحائض ظاهرُ كلامِ أصحابِنا وإمامِنا، وأنَّه لا فرقَ بين أنْ يأمنَ على نفسه مواقعةَ المحظورِ أو يخافَه. وقطع الأزجيُّ في "نهايته": إذا لم يأمن على نفسه من ذلك، لم يَجزُ؛ لئلَّا يكونَ طريقًا إلى المحظورِ. وقد يقال: يُحمل كلامُ غيرِه على هذا. نقله في "النكت" ثمَّ قال: قلت: إنْ غلبَ على الظنِّ مواقعةُ المحظورِ، فلا شكَّ في التَّحريم. ح ف. (ويُسنُّ سَتْرُه إذن) أي: حين استمتاعِه بما دونَه.
_________________
(١) ص ٤٤.
(٢) في "تفسيره" ٣/ ٧٢٣ - ٧٢٤، وأخرجه أيضًا البيهقي ١/ ٣٠٩.
[ ١ / ٤٩٦ ]
وتقضي الصَّومَ، لا الصلاةَ.
وعُلم منه أن الحيضَ يمنع أيضًا سنةَ طلاقٍ، فيكونُ بدعةً محرَّمةً، كما سيأتي. لكنْ محلُّه ما لم تَسْأَلْهُ خُلعًا، أو طلاقًا على عِوَض. ويباحُ أيضًا بعد انقطاعه لُبثٌ بمسجدٍ بوضوءٍ، كما تقدَّم في الغُسْل (^١)، فالحصر إضافيٌّ.
(وتقضي) الحائضُ (الصومَ) الواجبَ إجماعًا. قاله في "المبدع". لأنَّ الحيضَ إنَّما يمنع فعلَه، لا وجوبَه، و(لا) تقضي (الصلاةَ) إجماعًا، بل يحرمُ عليها؛ لحديثِ معاذة (^٢) قالت: سألتُ عائشةَ، فقلتُ: ما بالُ الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؟ فقالت: أحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ فقلتُ: لستُ بحروريةٍ، ولكنِّي أسألُ، فقالت: "كنَّا نحيضُ على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ، فنؤمرُ بقضاءِ الصَّومِ، ولا نؤمرُ بقضاءِ الصَّلاة". متَّفق عليه (^٣). ومعنى قولها: "أحرورية": الإنكارُ عليها أن تكونَ من أهل حَرُوراء: مكانٌ تنسب إليه الخوارجُ (^٤)؛ لأنَّهم يَرَوْنَ قضاءَ الحائضِ الصلاةَ كالصَّوم؛ لفرطِ تعمُّقهم في الدِّين حتَّى مَرَقوا منه. قال في "الفروع" (^٥): ولعل المرادَ إلا رَكْعَتي الطوافِ؛
(ويباحُ أيضًا بعد انقطاعِه لُبثٌ .. إلخ) هذا تورُّكٌ على الحصر بأنَّه ليس حقيقيًّا، وأجاب الشارحُ بأنَّه إضافيٌّ. أي: دون وطءٍ.
(وتقضي الصومَ لا الصلاةَ) والفرقُ بينه وبين الصَّلاة: أنَّها تتكرَّر في كلِّ شهرٍ، فيشقُّ عليها قضاؤها، بخلافِه. ولا يقال: النِّفاسُ لا يُقضى صلاتُه، وهو غيرُ متكرِّر؛ لأنَّا نقول: قابَلَ قلَّةُ وقوعِه طولَ مدَّته غالبًا، فأُلحق بالحيض. ح ف.
_________________
(١) ص ٣٩٩.
(٢) هي: أم الصهباء، معاذة بنت عبد الله، العدويَّة، البصرية، العابدة، زوجة السيد صلة بن أشيم، روت عن علي، وعائشة، وهشام بن عامر. (ت ٨٣ هـ). "السير" ٤/ ٥٠٨ - ٥٠٩.
(٣) "صحيح" البخاري (٣٢١)، و"صحيح" مسلم (٣٣٥) واللفظ له، وهو عند أحمد (٢٥٩٥١).
(٤) "معجم البلدان" ٢/ ٢٤٥.
(٥) ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣.
[ ١ / ٤٩٧ ]
ولا حيضَ قبلَ تسعِ سنين، ولا بعدَ خمسينَ سنةً،
لأنَّهما نُسُكٌ لا آخرَ لوقته، فَيُعَايَى (^١) بها. انتهى. يعني: لو حاضتْ بعدَ الطَّوافِ قَبْلَ صلاةِ ركعَتيه، فإنَّها تصلِّيهما إذا طَهرتْ. وتسميةُ ذلك قضاءً تجوُّزٌ؛ لأنَّه لا آخرَ لوقتِهما (^٢).
(ولا حيضَ قَبْلَ) تمامِ (تسعٍ سنين) هِلاليَّة. فمتى رأتْ دمًا قبلَ بلوغِ التِّسْعِ، لمْ يكنْ حَيْضًا؛ لأنَّه لم يوجَدْ من النِّساءِ مَنْ تحيضُ قبلَها. قال الترمذي (^٣): قالت عائشةُ: إذا بلغتِ الجاريةُ تِسْعِ سنين، فهي امرأةٌ.
(ولا) حَيضَ (بعدَ) تمامِ (خمسين سنةً)
(ولا حيضَ قبل تمامِ تسع سنينَ) هذا هو أقلُّ سِنِّ حيضٍ تحيضُ فيه المرأةُ، على المشهورِ من المذهبِ. فإذا رأت الدمَ لدون تسع سنين، فليس بحيضٍ، بغير خلافٍ بين الأصحاب؛ لأنَّه لم يثبتْ في الوجود والعادةِ لأُنثى حيضٌ قبل استكمالِها. ولا فرقَ بين البلاد الحارَّةِ والباردةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى خلقَ دمَ الحيضِ لحِكمة تربيةِ الولدِ في بطن أُمِّه، وهذه لا تصلحُ للحَمْل، فلا توجدُ فيها حكمتُه، فينتفي لانتفاءِ حِكمته.
ومَن رأَت من الدَّم ما يصلحُ أنْ يكونَ حيضًا، وقد بلغت هذا السنَّ، حُكم بكونه حيضًا، وحُكم ببلوغها، وثبتَ في حقِّها أحكامُ الحيضِ كلُّها؛ لأنَّه رُوي عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها أنَّها قالت: إذا بلغت الجاريةُ تسعَ سنينَ، فهي امرأةٌ. والمراد أن حكمَها حكمُ المرأةِ. وعنه: لا حيضَ قبل تمامِ اثنتي عشرَة سنة. قال في "الشرح": والأوَّل أصحُّ. ا هـ. دنوشري.
(ولا حيضَ بعد تمامِ خمسينَ سنةً) وهو أكثرُ سنٍّ تحيضُ فيه النساءُ. أي: ينتهي زمنُ
_________________
(١) المعاياة: أن تأتي بكلام لا يهتدى له. "القاموس المحيط" (عيي) والمراد هنا الإلغاز.
(٢) في (م): "لوقتها".
(٣) في "سننه" ٣/ ٤١٨ وأورده أيضًا البيهقي ١/ ٣٢٠ تعليقًا، وأخرجه ابن الجوزي في "التحقيق" ٢/ ٢٦٧ من حديث ابن عمر، وقال: في إسناده مجاهيل، منهم عبد الملك، قال أبو أحمد بن عدي: هو مجهول غير معروف.
[ ١ / ٤٩٨ ]
ولا مع حَمْلٍ.
لقولِ عائشةَ: إذا بلغتِ المرأةُ خمسين سنةً، خرجتْ من حدِّ الحيض. ذَكَرَهُ الإمامُ أحمد (^١). ولا فرقَ بَيْنَ نساءِ العربِ وغيرِهن.
(ولا) حَيضَ (مع حَمْلٍ) نصًّا؛ لحديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا في سَبْي أوْطاسٍ: "لا توطأُ حاملٌ حتَّى تضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتَّى تحيضَ" رواهُ أحمدُ، وأبو داود (^٢). فجعل الحيضَ عَلَمًا على براءة الرَّحم، فدلَّ على أنَّه لا يجتمعُ مَعَه. فإذا رأتِ الحاملُ دمًا، فهو دمُ فسادٍ، لا تتركُ له الصَّلاةَ، ولا يُمنعُ زوجُها مِنْ وطئِها. ويُسْتَحبُّ أنْ تغتسلَ بعد انقطاعِه، نصًّا.
الحيضِ إلى خمسينَ سنةً، ثم تصيرُ آيِسةً.
(لقول عائشةَ إلخ) وعنه: سِتُّون في نساءِ العربِ. وعنه: أنَّها لا تيئَسُ من الحيضِ يقينًا إلى ستِّينَ سنةً، فما تراه من الدَّم فيما بين الستِّين والخمسين، فهو حيضٌ مشكوكٌ فيه، تصومُ وتصلِّي، وتقضي الصومَ المفروضَ فيه؛ لأنَّ وجوبَهما متيقّن، فلا يسقطُ بالشكِّ. دنوشري. (فجُعل الحيضُ عَلَمًا) أي: علامةً، لا العَلَمُ المعهودُ عند النُّحاة. (ولا يمنعُ زوجُها من وَطْئها) قيَّده في "الإقناع" (^٣): إذا خافَ العَنَتَ. قال المصنِّف (^٤): هذا القيدُ لم أرَه في كلام غيرِه من الأصحاب. قال الشَّارح (^٥): أقول: لعلَّه مرادُ مَن أطلق، بل هو أمِينٌ على نقلِه.
_________________
(١) ونقله عنه ابن قدامة في "المغني" ١/ ٤٤٦.
(٢) أحمد (١١٢٢٨)، وأبو داود (٢١٥٧). قال في "التلخيص الحبير" ١/ ١٧١ - ١٧٢: إسناده حسن. وقال في "خلاصة البدر المنير" ١/ ٨٣: أعلَّه عبد الحقِّ، وابن القطان. اهـ وينظر "بيان الوهم والإيهام" ٣/ ١٢٢. وأوطاس: وادٍ في ديار هوازن، كانت فيه وقعة حنين. "معجم البلدان" ١/ ٢٨١.
(٣) ١/ ١٠١.
(٤) "كشاف القناع" ١/ ٢٠٢.
(٥) "حاشية النجدي" ١/ ١٢٢.
[ ١ / ٤٩٩ ]
وأقلُّه: يومٌ وليلةٌ، وأكثرُه خمسةَ عشر،
(وأقلُّه) أي: أقلُّ زَمَنٍ يصلحُ أن يكونَ دمُه حَيْضًا (يومٌ وليلةٌ) لقولِ عليٍّ ﵁ (^١). والمرادُ مقدارُ ذلكَ، أي: أربعٌ وعشرون ساعةً، فلو انقطعَ لأقلَّ منه، فدمُ فَسَادٍ.
(وأكثرُه) أي: الحيضِ (خمسةَ عشر) يومًا بلياليها؛ لقول عليٍّ ﵁: ما زادَ على خمسةَ عشر استحاضةٌ، وأقل الحيضِ يومٌ وليلةٌ (^٢).
(يومٌ وليلةٌ) على المشهورِ. واختاره عامَّةُ المشايخِ؛ لأنّه المفهومُ من إِطلاق اليومِ؛ ومِن ثمَّ قال (^٣): يمكن حملُ كلامِ الإمامِ أحمدَ: أقلُّه يومٌ بليلته، فتكون المسألةُ روايةً واحدةً. وقال مالكٌ: لا حدَّ لأقلِّه، فلو رأت دَفعةً واحدةً، كان حيضًا. دنوشري.
(وأكثرُه خمسةَ عَشَر يومًا) في ظاهرِ المذهبِ. يؤيِّده ما رواهُ عبدُ الرحمن بن أبي حاتمٍ في "سُننه" عن ابن عمرَ مرفوعًا أنَّه قال: "النساءُ ناقصاتُ عقلٍ ودينٍ، أمَّا نقصانُ العقل، فشهادةُ امرأتين تعدل شهادةَ رجلٍ، وأمَّا نقصانُ دينِها، فتمكثُ إحداهنَّ شطرَ عُمرِها لا تصلِّي" (^٤). قال في "شرح الهداية": وهذا يدلُّ على أنَّه الأكثرُ، ولأن حيضَ الخمسةَ عشَرَ قد
_________________
(١) لم نقف عليه. وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ١٧٢: حديث علي: "أقل الحيض يوم وليلة" كأنه يشير إلى ما ذكره البخاري تعليقًا [قبل حديث (٣٢٥)] عن علي وشريح أنهما جوَّزا ثلاث حيض في شهر. وأخرجه الدارمي ١/ ٢٣٣، وابن عساكر في "تاريخه" ٢٣/ ٢٥.
(٢) قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ١٧٢: حديث علي "ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة" هذا اللفظ لم أجده عن عليٍّ، لكنه يُخرِّج من قصة علي وشريح التي تقدمت [في التعليق السابق].
(٣) أي: القاضي، كما في "المبدع" ١/ ٢٧٠.
(٤) قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ١٦٢: لا أصل له بهذا اللفظ. ثم نقل ذلك عن غير واحد من الحفاظ، ثم قال: وأغرب ابن تيمية في "شرح الهداية" لأبي الخطاب، فنقل عن القاضي أبي يعلى أنه قال: ذكر هذا الحديث عبد الرحمن بن أبي حاتم البستي في كتاب "السنن" له، كذا قال، وابن أبي حاتم ليس هو بستيًا، إنما هو رازيٌّ، وليس له كتاب يقال له: السنن. اهـ ولعل القاضي أراد أبا حاتم البستي، وهو ابن حبان صاحب الصحيح، وأطلق على "صحيحه" اسم "السنن"، إلا أن ابن حبان أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٥٧٤٤) بلفظ قريب مطولًا، وهو عند البخارى (٣٠٤)، ومسلم (٨٠). وحديث ابن عمر ﵄ أخرجه مسلم (٧٩)، وأحمد (٥٣٤٣).
[ ١ / ٥٠٠ ]
وغالبُه: ستٌّ أو سَبْعٌ.
(وغالبُه) أي: الحيضِ (سِتٌّ، أو سبعٌ) لقولِه ﵊ لِحَمْنَة (^١): "تحيَّضي في عِلْمِ الله ستَّةَ أيام، أو سبعةً، ثمَّ اغتسلي، وصلِّي أربعةً وعشرين يومًا، أو ثلاثةً وعشرين يومًا، كما تحيضُ النِّسَاءُ، وكما يَظهُرنَ لميقات" (^٢).
وأقلْ طُهْرٍ بين حَيْضتين: ثلاثةَ عَشَر،
ثبتَ بالعادة، وصحَّ عن العلماءِ، واستيقَنوا ذلك من نسائهم وغيرِهنَّ، بخلاف ما زادَ عليه، فإنه إنَّما نُقل عن امرأةٍ أو امرأتين، فلا يُبنى عليه. قال عبدُ الرحمن بن مَهديٍّ: لم يبلغنا أن امرأة حاضت أكثرَ من خمسةَ عشَرَ يومًا، فيما وصف لنا عنها (^٣). وقال إسحاقُ في الخمسةَ عشَرَ: هي إجماعُ أهلِ العلمِ وما عقلوه (^٤). فعلى هذا، ما زادَ على الخمسةَ عشَرَ استحاضةٌ، كما نُقل عن عليٍّ ﵁. اهـ. ح ف.
(لحَمْنة) قال في "المِصباح" (^٥): حَمْنة: وِزانُ تَمْرة، من أسماء النساءِ، منه: حَمنةُ بنتُ جحشٍ بنِ رئابٍ الأسديِّ، وأمُّها أميمةُ بنت عبدِ المطَّلب، عمَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ. (في عِلم اللهِ) أن تحيضي القدرَ الذي عَلِمه اللهُ.
(وأقلُّ طهرٍ بين حيضتين ثلاثة عشَرَ) يومًا. هذا هو المختارُ في المذهبِ، وجزمَ به في "الوجيز"؛ لِما روى الإمامُ أحمدُ، واحتجَّ به عليٍّ: أن امرأةً جاءته وقد طلَّقها زوجُها،
_________________
(١) حمْنة بنت جَحْش، أخت أم المؤمنين زينب، وكانت زوج مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، قال أبو عمر: كانت من المبايعات، وشهدت أحدًا فكانت تسقي العطشى، وتحمل الجرحى، وتداويهم. "الإصابة" ١٢/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٧)، وهو عند أحمد (٢٧٤٧٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال ابن أبي حاتم في "العلل" ١/ ٥١: سألت أبي عن حديث حمنة بنت جحش في الحيض، فوهَّنه، ولم يقوِّ إسناده. وقال ابن المنذر في "الأوسط" ٢/ ٢٢٤: في متن الحديث كلام مستنكر …
(٣) أخرجه البيهقي ١/ ٣٢١ بنحوه.
(٤) ذكره عنه ابن تيمية في "شرح العمدة" ١/ ٤٧٧.
(٥) مادة: (حمن).
[ ١ / ٥٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغالبُه: بقيَّةُ الشَّهْر، كما في حديثٍ حَمْنةً، ولا حدَّ لأكثرهِ.
فزعَمَت أنَّها حاضت في شهرٍ ثلاثَ حِيض، فقال عليٌّ لشُرَيح: قل فيها، أي: اِقضِ فيها، فقال شريحٌ: إن جاءت ببيِّنة من بِطانة أهلِها ممَّن يُرضى دينُه وأمانتُه، فشهدت بذلك، وإلَّا فهي كاذبةٌ، فقال عليٌّ: قالون (^١). أى: جيِّد، بالرُّوميَّة. وهذا لا يقولُه إلا توقيفًا، وهو قولُ صحابيٍّ انتشر، ولم يُعلم خلافُه، ووجودُ ثلاثِ حِيَضٍ في شهرٍ دليلٌ على أنَّ الثلاثةَ عشَرَ طهرٌ صحيحٌ يقينًا. قال أحمدُ: لا يختلف أن العدَّةَ يصحُّ أنْ تنقضيَ في شهرٍ إذا قامتْ به البينةُ. وعنه: خمسةَ عشَرَ يومًا، وهي روايةٌ عن الإمامِ، حكاها في "المحرَّر" و"الفروع" (^٢) وهي قولُ أكثرِ العلماءِ؛ لما تقدَّم من قوله: "تمكثُ إحداكنَّ شطرَ عمرِها لا تصلِّي" وذكر أبو بكر أنَّهما مبنيَّان على أكثرِ الحيضِ، فإنْ قيل: خمسة عشَرَ يومًا، فأقل الطُّهر مثلُه، وإنْ قيل: سبعةَ عشَرَ يومًا، فأقلُّه ثلاثةَ عشَرَ يومًا، والمشهورُ عند أصحابِنا أن أكثرَ الحيضِ خمسةَ عشَرَ يومًا، وأقلَّ الطهرِ ثلاثةَ عشَرَ يومًا، ثم إنَّما يلزم ذلك أنْ لو كان شهرُ المرأةِ لا يزيدُ على ثلاثين يومًا، فإذا زاد، تُصوِّر أنْ يكونَ حيضُها سبعةَ عشَرَ يومًا وطهرُها خمسةَ عشَرَ يومًا وأكثرَ. وقيل: يُزاد على كلِّ عددٍ ليلةٌ. وعنه: لا توقيتَ في الطُّهر بين حيضتين، وهي ما تَعْرفه مِن عادتها. دنوشري.
(وغالبه) أي: غالبُ الطهرِ بين حيضتَين (بقيَّةُ الشهرِ) وذلك ثلاثةٌ وعشرونَ يومًا، أو أربعةٌ وعشرون، إذا كانت عادتُها غالبَ الحيضِ، وهو ستٌّ، أو سبعٌ. والشهرُ هو ما يجتمعُ لها فيه حيضٌ وطهرٌ صحيحان. دنوشري. (ولا حدَّ لأكثره) أي: لأكثر الطهر بين الحيضتين؛
_________________
(١) لم نقف عليه عند أحمد، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٨٢، والدارمي (٨٥٥)، وعلَّقه البخاري قبل حديث (٣٢٥) بصيغة التمريض، قال الحافظ في "الفتح" ١/ ٤٢٥: وصله الدارمي، ورجاله ثقات، وإنما لم يجزم به؛ للتردد في سماع الشعبي من علي ﵁، ولم يقل إنه سمعه من شريح، فيكون موصولًا.
(٢) ١/ ٣٦٤.
[ ١ / ٥٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واعلمْ أن المبتدأةَ بدمٍ، أو صُفْرةٍ، أو كُدْرةٍ، وهي التي ابتدأ بها شيءٌ من ذلك بعد تسعِ سنين فأكثر، تجلسُ بمجرَّد ما تراه أقلَّه، ثُمَّ تغتسل وتصلِّي.
لأنّه لا يرِدُ لأكثره تحديدٌ من الشَّرع، ولا نعلمُ له دليلًا؛ ولأنَّ من النساءِ مَن لا تحيضُ أصلًا. قال في "شرح الهداية": نعم يُحَدُّ أكثرُه عند الضَّرورة -في حقِّ مَن استمرَّ بها الدمُ ولا عادةَ لها ولا تمييزَ- بما دون الشَّهر، وهو بقيَّتُه بعد القدْر الذي تجلسه. ح ف. مع زيادة.
(واعلَمْ أن المبتدأَة إلخ) إنَّما تُذكر كلمةُ "اِعْلَم" في أوَّل الكلامِ؛ تنبيهًا للمخاطَب إلى أن ما بعدَه واجبُ الحفظِ، واهتمامًا بشأنه. والغرضُ منه بيانُ ما يتعلَّق بالمبتدأة من الأحكام. وهي التي رأت دمَ الحيضِ في زمنٍ يُمكن أنْ يكونَ حيضًا، وهو تمامُ تسعِ سنين، ولم تكن حاضت من قبلُ؛ ولذا سمِّيت مبتدأةً، ولا فرقَ بين الأسودِ والأحمرِ والصُّفرةِ والكُدْرةِ. (تجلس) أي: تدعُ الصلاةَ والصيامَ والطوافَ، وكلَّ فعلٍ يُشترط له الطهارةُ، بمجرَّد ما تراه، أي: برؤية الدمِ أو الصُّفرة أو الكُدرة. وهو من المفرَدات. قال ابنُ نصرِ اللهِ في "حاشية الزَّركشي": ظاهرُ كلامِ المصنِّف -أعني "المنتهَى" (^١) - والأصحابِ أن المبتدأةَ تجلس يومًا وليلةً، سواء كان دمُ حيضِها متميِّزًا أو لا، وقد "يقال: إنما تجلسُ يومًا وليلةً إذا لم يكن دمُها متميِّزًا، فإنْ كان متميِّزًا، جلست مدَّتَه، فإن انقطعَ لدون خمسةَ عشَرَ يومًا عَمِلت عليه، وإنْ زاد عليها، كانت مستحاضةً. ح ف. (ثم تغتسلُ) عقبَ اليومِ والليلةِ ولو لم ينقطعْ دمُها (وتصلي) لأنَّه آخرُ حيضِها حكمًا، أشبهَ آخِرَه حِسًّا؛ لأنَّ المانعَ منها هو الحيضُ، وقد حُكم بانقطاعه، ولأن العبادةَ واجبةٌ في ذمَّتها بيقين، وما زادَ على أقلِّ الحيضِ مشكوكٌ فيه؛ لاحتمال أن يكونَ استحاضةً، فلا نُسقطها بالشكِّ، ولو لم تجلسْ [الأقلَّ] (^٢) لأدَّى إلى عدم جلوسِها أصلًا. وليس لها أن تصلِّيَ قبل اغتسالِها للحيض؛ لكونه
_________________
(١) ١/ ٣٤.
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من "كشاف القناع" ١/ ٢٠٤.
[ ١ / ٥٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإذا انقطع ولم يجاوز أكثرَه، اغتسلتْ أيضًا، تفعلُه ثلاثًا (^١). فإن لم يختلفْ،
بلغَ يومًا وليلةً، وهو أقلُّ الحيضِ، وظاهرُه أنَّه إذا كان أقلَّ من يومٍ وليلةٍ، لا تلتفتُ إليه؛ لأنه دمُ فسادٍ، ولا تجلسُ لذلك؛ لأنَّه لا يصلحُ أن يكونَ حيضًا، إلا إذا قلنا: أقلُّه يومٌ. والصحيحُ الأوَّل. دنوشري.
قولُه: (فإذا انقطعَ) أي: بعدَ ذلك، بأنْ جاوزَ الدمُ أقلَّ الحيضِ ثم انقطع. مصنِّف.
قولُه: (لم يجاوز أكَثرَه) أي: أكثرَ الحيضِ، وهو خمسةَ عشَرَ يومًا كما مرَّ، بأن انقطع لستَّة أيامٍ، أو سبعةٍ، أو نحوِ ذلك. دنوشري. قولُه: (اغتسلتْ أيضًا) أي: غُسلًا ثانيًا وجوبًا؛ لصلاحيَّته لأن يكونَ حيضًا؛ احتياطًا للعبادة. ح ف. (تفعلُه ثلاثًا) أي: تفعلُ ما ذُكر، وهو جلوسُها اليومَ والليلةَ وغُسلُها عَقِبَهما ثم غُسلُها عند انقطاعِ الدَّم، تفعل ذلك ثلاثًا، أي: ثلاثَ مرَّات في ثلاثةِ أشهرٍ. والمراد بالشهر في هذا البابِ أعمُّ من الهِلاليِّ؛ لأنه ما يجتمعُ لها فيه الدمُ والطهرُ الصَّحيحان؛ لأنَّ العادةَ لا تثبتُ بدون الثلاثِ، في المشهورِ من المذهبِ؛ لقول النبيِّ ﷺ: "دعي الصلاةَ أيامَ أقرائك" (^٢) وهي صيغةُ جمع، وأقلُّه ثلاثةٌ؛ ولأنَّ ما اعُتبر فيه التَّكرار، اعتُبر فيه الثلاثُ، كالأقراء في عدَّة الحرَّة، والشُّهورِ في الآيسةِ والصغيرةِ التي لم تَحِض، وخيارِ المصرَّاة (^٣)، ومهلةِ المرتدِّ، وكذا مَن ترك الصلاةَ جُحودًا، أو تهاونًا وكسلًا، فإنهما يُستتابان ثلاثةَ أيامٍ. دنوشري بإيضاحٍ. (فإن لم يختلف) أي: فتجلس الدمَ كلَّه في الشَّهر الرابعِ الذي تكرَّر ممَّا صلحَ حيضًا، وتغتسلُ عند انقطاعِه فقط، لا غير، فلا تثبتُ بمرَّة، ولا مرَّتين؛ لأنَّها إنما تُطلق [على] ما يعودُ كثيرًا، وأقلُّه ثلاثةٌ. وفُهم مِن قوله: "لم يختلف"، أنَّه لو اختلفَ، فما تكرَّر، صارَ عادةً لها، سواءٌ كان الاختلافُ
_________________
(١) أى: في ثلاثة أشهر -أى: في كل شهر مرّة-. "مطالب أول النهى" للرحيباني ١/ ٢٥١.
(٢) سلف ص ٣٥٤.
(٣) هي الناقة تُصرّ أخلافها ولا تحلب أيامًا حتى يجتمع اللبن في ضرعها، فإذا حلبها المشترى استغزرها. "الزاهر" للأزهري ص ٣٠٢.
[ ١ / ٥٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صار عادةً تنتقلُ إليه، وتعيدُ صومَ فرضٍ، ونحوهِ فيه.
مرتَّبًا -مثلُ أن ترى الدمَ في الشهر الأوَّلِ خمسةَ أيامٍ، وفي الثاني ستَّةً، وفي الثالث سبعةً، فإنَّها تجلس الخمسةَ؛ لتكرُّرها في الثلاثة أشهرٍ، وإنْ تكرَّرت الستَّةُ والسبعةُ، جلسَتهما أيضًا في محلِّهما - أو غيرَ مرتَّب، مثل أنْ تَرى في الشهر الأوَّلِ خمسةً، وفي الثاني أربعةً، وفي الثَّالث ستَّةً أو خمسةً، فتجلس الأربعةَ؛ لتكرُّرها ثلاثًا، فإن تكرَّرت الخمسةُ أو الستَّةُ، جلست في الشَّهر الرابعِ ما تكرَّر فيما سبقَ؛ لأنَّ المتكرِّر حيضٌ دونَ غيرِه. ح ف بإيضاح. (تعيدُ صومَ فرضٍ) أي: تعيدُ بعد التّكرارِ ما فعلَته قبلَه في الزمن الزائدِ على أقلِّ الحيضِ، وفي زمنِ أقلِّه، من الصَّوم الواجبِ ونحوِه؛ لأنَّا تبينَّا أنَّه وقعَ غيرَ صحيحٍ؛ لكونه في زمنِ الحيضِ، ولا يصحُّ فعلُ العبادةِ فيه، ولا تعيدُ الصلاةَ التي فعلَتْها في الزَّمنين. ح ف بإيضاح. (ونحوَه) كطوافٍ واعتكافٍ واجبَين كانت فعلَتْهما فيما تكرَّر ممَّا زادَ على اليومِ واللَّيلة؛ لتبيُّن أن الزمنَ المتقدَّم حيضٌ، ولا يصح فعلُ العبادةِ فيه، لا إنْ أَيِست قبل تكرارِه ثلاثًا، أو لم يَعُد الدمُ بالكلِّية ولو لم تيأَسْ، فإنها لا تُعيد في هاتين المسألتين؛ لتبيُّن صحَّةِ عبادتِها بعدم عودِه، أو بعدم تَكرارِه، فلم يصلُحْ أنْ يكونَ حيضًا. ويحرُمُ وطؤها زمنَ الدمِ الزائدِ على اليومِ والليلةِ قبل تَكراره؛ لاحتمال أنَّه حيضٌ، وإنَّما أمرناها بالعبادة؛ احتياطًا لبراءة ذِمَّتها، فيجب تركُ وَطْئها احتياطًا. ولا يُكره وطءُ المبتدأَةِ إن طَهُرت في أثنائه يومًا فأكثرَ، كغيرِها؛ لأنها رأت النَّقاءَ الخالصَ، مفهومُه: أنَّها إذا طهرت أقلَّ من يومٍ، يُكره وَطْؤها، وليس مُرادًا؛ لأن مَن لها عادةٌ إذا حصلَ لها النَّقاءُ زمنَ الحيضِ ولم تتغيَّر معه قُطنةٌ احتشَت بها، لا يُكره وَطْؤها زمنَه، قلَّ أو كثُر، فهذه مِن بابٍ أوْلى؛ لأنَّها مبتدأَة وليس لها عادةٌ، فهذا القيدُ ليس مرادًا، على طريقة صاحبِ "المغني" (^١) وهو الصَّحيحُ الجاري على قواعدِ المذهبِ، وإنَّما خالفه المصنِّف (^٢) -رحمه اللهُ تعالى- تَبَعًا لـ"التنقيح". ويشترط لِحلِّ الوطءِ غُسلهما قبلَه.
_________________
(١) ١/ ٤١٠.
(٢) في "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢٣٠.
[ ١ / ٥٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وإنْ جاوزه" (^١) هذا مفهومُ قولِه فيما تقدَّم في الشَّرح: "فإذا انقطعَ ولم يجاوز أكثرَه" فإذا جاوزَ دمُ المبتدأةِ أكثرَ الحيضِ، فهي مستحاضةٌ؛ لأنَّ دمَها كلَّه لا يصلحُ أنْ يكونَ حيضًا، لمجاوزته أكثرَ الحيضِ، ولا يصلحُ أن يكونَ نِفاسًا. وحكمُها حكمُ الطَّاهراتِ في وجوب العباداتِ. والاستحاضةُ: سَيَلانُ الدمِ في غير وقتِه من العِرْق العاذلِ، بالذَّال المعجَمةِ، وقيل: المهمَلة، حكاهما ابنُ سِيْده (^٢)، والعاذرُ لغةٌ فيه، يَخرج من أدنَى الرَّحم دون قعرِه؛ إذ المرأةُ لها فَرْجان: داخلٌ بمنزلة الدُّبُر، منه الحيضُ، وخارجٌ كالأليتين، منه الاستحاضةُ. ويُعتبر في حقِّها تكرارُ الاستحاضةِ، نصًّا، فتجلسُ قبلَ تكرارِه أقلَّه، كما ذكره في "الإقناع" (^٣).
ثم هي لا تخلو من حالتين:
إمَّا أنْ يكونَ دمُها متميِّزًا، أو غيرَ متميِّز، فإنْ كان متميِّزًا، فقد أشارَ إليه صاحبُ "المنتهى" (^٤) بقوله: "فما بعضُه" أي: بعضُ دمِ المبتدأَة التي جاوزَ دمُها أكثرَ الحيضِ "ثخينٌ" وبعضُه رقيقٌ "أو" بعضُه "أسودُ" وبعضُه أحمرُ "أو" بعضُه "منتِنٌ" وبعضُه غيرُ منتنٍ، وحينئذٍ يكونُ حيضُها زمنَ الدمِ الثخينِ والأسودِ والمنتِن، إذا "صلَحَ" أن يكونَ كلٌّ مِن ذلك "حيضًا" بأنْ لم يَزد على أكثر الحيضِ، ولم ينقصْ عن أقلِّه، فإنَّها "تجلسُه" أي: تدعُ الصومَ والصلاةَ والاعتكافَ؛ لأنَّ ذلك فعلٌ تُشترط له الطهارةُ، فإذا مضَى، اغتسلَت وصلَّت؛ لِما روت عائشةُ ﵂ قالت: جاءت فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش (^٥) إلى رسول اللهِ ﷺ فقالت:
_________________
(١) هذه عبارة "المنتهى" ١/ ٣٥.
(٢) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل المرسي، الضرير، إمام اللغة، صاحب كتاب "المحكم" في لسان العرب، أحد من يضرب بذكائه المثل. (ت ٤٥٨ هـ). "السير" ١٨/ ١٤٤.
(٣) ١/ ١٠٣.
(٤) ١/ ٣٥.
(٥) في الأصل: "جحش" وهو خطأ.
[ ١ / ٥٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يا رسولَ اللهِ، إنِّي أستحاضُ فلا أطهر، أفأدع الصلاةَ؟ فقال النبي ﷺ: "إنَّما ذلك عِرْقٌ وليس بالحيضةِ، فإذا أقبلت الحيضةُ، فدعي الصلاةَ، وإذا أدبرت، فاغسِلي عنكِ الدمَ وصلِّي" متفقٌ عليه (^١). وإذا عرفَت التمييزَ، وصلَحَ الدمُ الأسودُ أو الثَّخينُ أو المنتِن أن (^٢) يكونَ حيضًا، بأنْ لم يُجاوز أكثرَ الحيضِ، ولم ينقصْ عن يومٍ وليلةٍ؛ لأنَّ التمييزَ أمَارةٌ بنفسه، فلم يحتجْ إلى ضمِّ غيرِه، كالعادةِ، فإنَّها "تَجلِسه ولو لم يتوالَ" كأنْ ترى يومًا أسودَ، ويومًا أحمرَ، ويومًا أسودَ، ويومًا أحمرَ، وهلمَّ جرًّا، فإنها تضمُّ الأسودَ، فيصيرُ خمسَةَ عشَرَ يومًا من كلِّ شهرٍ، فيكونُ حيضًا، وزمنُ الدمِ الأحمرِ استحاضة، وكذا لو كانت ترى تسعةَ أيامٍ أحمرَ، ثم يومًا أسودَ، ثم تسعة أحمرَ، ثم يومًا أسودَ، ثم تسعة أحمرَ، ثم يومًا أسودَ، فإنَّها تضمُّ أيامَ الأسودِ الثلاثةَ إلى بعضِها، فيكون حيضُها ثلاثة من كلِّ شهرٍ. "أو" لم "يتكرَّر" يعني: أن دَلالةَ التمييزِ لا تحتاجُ إلى تَكرار، وهو ظاهرُ كلام الإِمامِ أحمد والخِرَقيِّ، واختاره ابنُ عقيل، لأنَّ معناه أنْ يتميَّزَ أحدُ الدَّمين عن الآخَر في الصِّفة، وهذا يوجد بأوَّل مرَّة، فعلى هذا إذا رأت في كل شهرٍ خمسة أحمرَ، ثم خمسةً أسودَ، ثم الباقي أشقرَ، جلسَت زمانَ الأسودِ، ثم تجلسُه في الشهر الثاني والثالثِ والرابعِ ولو لم يتكرَّر، ما لم يجاوزْ أكثرَه. والتمييزُ يحصلُ بأحد أُمورٍ ثلاثةٍ: بالثَّخين، أو الأسودِ، أو المنتِنِ، وما عداه استحاضة، فيصيرُ حكمُها حكمَ الطَّاهراتِ؛ لما ذكرناه، فتغتسلُ عند انقطاعِ الأوَّل، وتصومُ وتتوضَّأ لوقتِ كلِّ صلاةٍ، كما سيأتي التنبيهُ على ذلك.
الحالُ الثاني: أن تكونَ غيرَ متميِّزة، واليه أشار صاحبُ "المنتَهى" (^٣) بقوله: "وإلَّا" أي: وإنْ لم يكن دمُ المبتدأةِ التي جاوز دمُها أكثرَ الحيضِ متميِّزًا، بأن كان كلُّه على منوالٍ
_________________
(١) سلف تخريجه ص ٣٥٤.
(٢) في الأصل: "لا" وهو خطأ.
(٣) ١/ ٣٥، وما قبله كان شرحًا لعبارة "المنتهى".
[ ١ / ٥٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحدٍ، أو كان متميِّزًا، لكنَّه لم يصلحْ لأنْ يكونَ حيضًا، بأن كان الأسودُ أو الثَّخينُ أو المنتِنُ أقلَّ من يومٍ وليلة، "فـ" إنَّها تجلسُ "أقلَّ الحيضِ من كلِّ شهرٍ" لأنَّ اليقينَ هو الأقلُّ. وقال في "الإقناع" (^١) تَبَعًا لـ "الإنصاف" (^٢) ": قعدَت من كلِّ شهرٍ غالبَ الحيضِ، سِتًّا أو سبعًا، بالتحرِّي في الستِّ أو السبعِ، عملًا بالغالبِ -وعنه: تجلس أكَثره- اختاره في "المغني" (^٣)؛ لأنَّه زمانُ الحيضِ، فإذا رأت الدمَ فيه، جلسَته كالمعتادةِ. وعنه: عادة نسائها، كأمّها، وأختِها، وعمَّتها، وخالتِها؛ لأن الغالبَ شبهُها بهنَّ، وقياسًا على المهرِ، وتُقدَّم القُربى فالقربى. فتلخَّص في هذه المسألةِ أربعةُ أقوالٍ. "حتى يتكرَّر" يعني أن المبتدأةَ المستحاضةَ إذا لم يحصل لها تمييزٌ، أو حصلَ لها تمييزٌ ولكن لم يصلحْ أن يكونَ ما ميَّزته من الدَّم حيضًا، فإنَّها تجلسُ أقلَّ الحيضِ من كلِّ شهرٍ، إلى أن ترى دمًا متميِّزًا يصلحُ أن يكونَ حيضًا ويتكرَّرَ في ثلاثةِ أشهرٍ "فتجلسُ مِن" مثل "أوَّل وقتِ ابتدائها" أي: ابتداءِ الدَّم ستًّا أو سبعًا من كل شهرٍ، بتحرٍّ، إن علمَته، "أو" تجلسُ من أوَّل كل شهرٍ هلاليٍّ إن جهلَتْه" أي: جهلَتْ وقتَ ابتداءِ الدمِ "ستًّا أو سبعًا بتحرٍّ" أي: باجتهادٍ في الستِّ والسبعِ، في ظاهرِ المذهبِ، واختاره الخِرقيُّ، وابنُ أبي موسى (^٤)، والقاضي، وجزمَ به في "الوجيز"؛ عملًا بالغالبِ، ولأنَّها تُردُّ إلى غالب الحيضِ وقتًا، فكذا قَدْرًا. فعلى هذا تجتهدُ في الستِّ أو السبعِ، وتفارقُ المبتدأةَ في جلوسها الأوَّلِ، -مع أنَّها مبتدأة نهايتَه- أنَّها مبتدأةٌ مستحاضةٌ؛ لأنَّ تلك أوَّلَ ما ترى الدمَ ترجو انكشافَ أمرِها عن قُرب، ولم يتبيَّن لها دمٌ فاسدٌ، بخلافِ هذه، فإذا عُلم استحاضُتها، فقد اختلطَ الحيضُ بالفاسدِ يقينًا، وليس قرينةٌ؛ فلذلك رُدَّت إلى الغالبِ، عملًا بالظَّاهر. "منتهَى" (^٥) مع "شرحه" للدنوشري.
_________________
(١) ١/ ١٠٣.
(٢) ٢/ ٤٠٨.
(٣) ١/ ٤١١.
(٤) في "الإرشاد" ص ٤٥.
(٥) ١/ ٣٥.
[ ١ / ٥٠٨ ]
وإن استُحيضتْ مَنْ لها عادةٌ، بأنْ جاوز دمُها أكثرَ الحيضِ، جَلَسَتْها.
(وإن استُحيضت مَنْ) أي: امرأة (لها عادةٌ) مستقرَّة، واستحاضتها (بأن جاوز دمُها أكثرَ الحيض) وهو خمسةَ عشر كما تقدَّم (جلستْها) أي: عادتَها، ولو كان لها تمييزٌ صالح؛ لعموم قولِه ﷺ لأمِّ حبيبة إذ سألْته عن الدَّم:
(وإن استُحضيت مَن لها عادةٌ) أي: وهي مَن تَعرفُ وقتَ حيضِها وطُهرِها وشهرِها وتكرَّر. ولمَّا فرغَ الشارحُ من الكلامِ على ما يتعلَّق بالمبتدأة من الأحكامِ، شرعَ في الكلامِ على أقسام المستحاضةِ المعتادةِ فقال: "وإن استُحضيت إلخ" لا يقال: المتكلِّم مختلفٌ، فلا يُقالُ: لمَّا فرغ الشَّارحُ، شرعَ المصنفُ، لمغايرة المتكلِّمِ؛ لأنَّا نقول: نزِّلا منزلةَ شخصٍ واحدٍ (بأنْ جاوزَ دمُها أكثرَ الحيضَ) تصويرٌ للاستحاضةِ (جلسَتها، أي:) قدْرَ (عادتِها) في مثلِ زمنِها، فإن كانت خمسًا من أوَّل الشهرِ، فاستُحضيت، فإنَّها تجلسُ خمسًا من أوَّل كلِّ شهرٍ (ولو كان لها تمييزٌ) لأن النبيَّ ﷺ أمر بالعادة غيرَ واحدةٍ من المستحاضات ولم يَفْصل، وفرَضَهنَّ كلَّهن غيرَ مميِّزات، والتمييزُ إنَّما جاءَ عنه في فاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش (^١)، وقد صحَّ أنَّه ردها إليه، وفد نُقل عن الإمامِ أحمدَ أنَّها نَسِبت أيامَها، فعُلم أنَّه ردها إلى التَّمييز، لأنَّها ذكرت أنَّها ناسيةٌ، ويدلُّ عليه قولُه ﵊: "المستحاضةُ تدعُ الصلاةَ قدْرَ أيامِ أقرائها، ثم تغتسلُ وتتوضَّأ لوقت كلِّ صلاةٍ، وتصومُ وتصلِّي" رواه ابنُ ماجه (^٢). ولأنَّها معتادةٌ، فلم تلتفتْ إلى صفة الدَّم كغير المعتادةِ.
واعلَمْ أن العادةَ على ضربين: متَّفقة، ومختلفة، بمداخَلةٍ ومباينَةٍ، فالمتفقةُ أن تكونَ
_________________
(١) سلف ص ٣٥٤.
(٢) برقم (٦٢٥) عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جدِّه. ولفظه: "وتتوضأ لكل صلاة … " وأخرجه أبو داود (٢٩٧)، والترمذي (١٢٦) بلفظ: "عند كل صلاة … ". وضعَّفه أبو داود وابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ١٦٩، وقال الترمذي: تفرَّد به شريك عن أبي اليقظان، وسألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث فقلت: عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرف محمد اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين أن اسمه: دينار، فلم يعبأ به.
[ ١ / ٥٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"امكُثي قَدْرَ ما كانت تحبسُك حيضتُك، ثُمَّ اغتسلي وصلِّي" رواه مسلم (^١). ولأنَّ
أيَّامًا متساويةً، كسبعةٍ في كلِّ شهرٍ، فإذا استُحيضت جلستْها فقط. والمختلفةُ قسمان: إمَّا أن تكونَ على ترتيبٍ، مثلُ أنْ ترى في شهرٍ ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثَّالث خمسةً، ثم تعودُ إلى مِثلِ ذلك. فهذه إذا استُحيضت في شهرٍ أربعًا، فعرفت نَوْبَتَه، عَمِلت عليه، ثمَّ على الذي بعدَه، والذي بعدَه، على العادةِ، وإنْ نَسِيت نوبتَه، جلَسَت الأقلَّ من عادتها، وهو ثلاثةٌ في هذه الصُّورة، ثم تغتسلُ وتصلِّي بقيَّةَ الشهرِ، وإنْ عَلِمت أنَّه غيرُ الأولِ وشكَّت: هل هو الثَّاني أو الثَّالثُ، جلست أربعةً؛ لأنَّها اليقينُ، ثم تجلسُ في الشَّهرين الأخيرين ثلاثةً ثلاثةً، وتجلسُ في الرابع أربعةً أربعةً، ثم تعودُ إلى الثَّلاثة كذلك أبدًا. ويكفيها غُسلٌ واحدٌ عند انقضاء المدَّةِ التي جلسَتها، كالنَّاسية، وصحَّح في "المغني" (^٢) و"الشَّرح" (^٣) أنَّه يجبُ عليها الغسلُ أيضًا عند مُضيِّ أكثرِ عادتِها. وإمَّا أن تكونَ على غير ترتيبٍ، مِثلُ أن تحيضَ في شهرٍ ثلاثةً، وفي الثَّاني خمسةً، وفي الثَّالث أربعةً، فإنْ أمكنَ ضبطُه بحيث لا يختلفُ، فهو كالأوَّل، فتجلسُه حيث عرفت قَدْرَه، وإن لم يمكنْ، جلَسَت الأقلَّ من عادتِها في كلِّ شهرٍ، واغتسلَت عَقِبَه. وذكر ابنُ عقيل أنَّها تجلسُ أكثرَ عادتِها في كلِّ شهرٍ، كالنَّاسية للعَدَد، وبعَّده صاحبُ "المغني" (^٤)؛ إذ فيه أمْرُها بترك الصَّلاةِ وإسقاطِها عنها مع يقين الوجوبِ عليها، بخلاف النَّاسيةِ، فإنَّا لا نعلمُ عليها صلاةً واجبةً يقينًا، والأصلُ بقاءُ الحيضِ. والمذهبُ الأوَّل. دنوشري مع زيادةٍ وإيضاحٍ.
("أمكُثي قدْرَ ما كانت .. " إلخ) وهو عامٌّ في كلِّ مستحاضة، ولأنَّ العادةَ أقوى (حيضَتُك) بفتح الحاءِ: المرَّة. وبالكسر: اسمٌ للدَّم، والخِرْقةِ التي تستثفرُ (^٥) بها المرأةُ،
_________________
(١) برقم: (٣٣٤): (٦٦)، وهو عند أحمد (٢٥٨٥٩).
(٢) ١/ ٣٩٨.
(٣) ٢/ ٤١٥.
(٤) في الأصل: "المنتهى". والكلام في "المغني" ١/ ٣٩٩، ونقله عنه صاحب "المبدع" ١/ ٢٧٨.
(٥) في الأصل: "تستشعر". ومعنى: تستثفر: تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنًا، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها، تمنع بذلك سيل الدم. "النهاية" (ثفر).
[ ١ / ٥١٠ ]
إنْ علمتْها.
العادةَ أقوى؛ لكونها لا تبطلُ دلالتُها؛ بخلاف نحوِ اللون إذا زاد على أكثر الحيض، بطلت دلالتُه. ولا فرق بين أن تكونَ العادةُ متَّفقةً، أو مختلفةً. لكن إنَّما تجلسُ المستحاضةُ عادتَها (إن علمتْها) بأن تعرفَ شهرها، وهو ما يجتمع لها فيهِ حيضٌ وطهرٌ صحيحان، وأقلُّه أربعةَ عَشَرَ يومًا، وتعرفَ وقتَ حيضها منه، ووقتَ طُهرها، وعددَ أيامها، فإن لم تعلمْ عادتَها، بأن جَهِلت شيئًا مما ذُكر، عملت (^١) بتمييزٍ صالح، بأن يكونَ بعضُ دمِها أسودَ، أو ثخينًا، أو مُنتنًا، ولم ينقضْ عن أقلِّه، ولم يجاوِز أكثرَه، فتجلسُه، وتتركُ ما عداه.
والحالةِ. والفتحُ خطأٌ، والصوابُ الكسرُ؛ لأن المرادَ بها الحالةُ، قاله الخطَّابي (^٢)، وردَّه القاضي عياضٌ (^٣) وغيرُه، قالوا: الأظهرُ الفتحُ، لأن المرادَ: إذا أقبل الحيضُ. وهو الذي في الفروعِ اليونينيَّة (^٤). اهـ. ق س.
(لا تبطلُ دَلالتُها) دلالة: مثلَّثة الدالِ، والفتحُ أفصحُ. مصنِّف (إن عَلِمَتها) شرطٌ لقوله: "جلسَتْها" الذي هو جوابٌ للشَّرط، وجوابُ الشرطِ الثاني محذوفٌ، دلَّ عليه ما قبلَه، كقوله تعالى: ﴿وَفَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] تقديرُه: وحيثُ قلنا: إنّ المستحاضةَ تجلسُ عادتَها، فمحلُّه (إن عَلِمَتْها بأنْ تَعْرفَ شهرَها .. إلخ) تصويرٌ للعلم بالعادةِ. (بأنْ جَهِلَت شيئًا) من ذلك، مِن شهرِها، ووقت حيضِها، وعددِ أيَّامها (عَمِلَتِ بتمييزٍ صالحٍ) أي: إن كان لها تمييزٌ، بأن يتميَّزَ بعضُ الدماءِ عن بعضٍ، كما لو كان بعضُها ثخينًا أو أسودَ أو منتِنًا، والبعضُ الآخَرُ رقيقًا أو أحمرَ أو غيرَ منتنٍ، فتجلسُ الثخينَ والأسودَ والمنتنَ فقط. والتمييزُ الصَّالح: ألا ينقصَ الأسودُ ونحوه عن أقل الحيضِ ولا يجاوزَ أكثرَه، ولا ينقصَ الأحمرُ ونحوه عن أقلِّ الطهرِ؛ ليُمكنَ أن يكونَ
_________________
(١) في (م): "علمت".
(٢) في "معالم السنن" ١/ ٨٣.
(٣) في "إكمال المعلم" ٢/ ١٢٧.
(٤) ينظر "صحيح البخاري" ١/ ٦٧ كتاب الوضوء، باب غسل الدم (نشرة أحمد شاكر عن اليونينية).
[ ١ / ٥١١ ]
وصُفْرةٌ وكُدْرةٌ زمنَ عادةٍ حيضٌ.
(وصُفرةٌ، وكُدرةٌ) أي: شيء كالصديد، يعلوه صفرةٌ وكدرة (زمنَ عادةٍ) أي: في أيام عادةِ حيضِها (حيضٌ) تجلسُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] وهو يتناولُهما. ولأنَّ النِّساءَ كنَّ يبعثنَ إلى عائشةَ بالدِّرَجَةِ فيها الصُفْرةُ،
طهرًا فاصلًا بين حيضتين. قال في "المبدع": وظاهرُه: لا فرقَ بين أنْ يكونَ التمييزُ متَّفقًا، مثل أنْ ترى في كلِّ شهرٍ ثلاثةً أسودَ، ثم يصيرُ أحمرَ، وتعبُرُ أكثرَ الحيضِ، أو مختلفًا، مثل انْ ترى في الأوَّل خمسةً أسودَ، وفي الثَّاني أربعةً، وفي الثَّالث ثلاثةً، أو بالزِّيادة فيهما، فالأسودُ حيضٌ على كلِّ حالٍ. ح ف.
(أي: شيءٍ كالصديد) قال الجوهريُّ (^١): صديدُ الجُرحِ: ماؤه الرقيقُ المختلِط بالدَّم قبل أن تَغلُظَ المِدَّة (^٢) (وهو يتناولُهما) الصُّفرةَ والكُدرةَ في أيَّامها (بالدرجة) قال في "النهاية" (^٣): هكذا يُروى: بكسر الدَّال وفتحِ الراءِ، جمع: دُرْج، وهو كالسَّفَط الصغيرِ تضعُ فيه المرأةُ خِفَّ متاعِها وطيبَها. وقال ق س: بالدِّرَجَة، بكسر الدَّالِ وفتحِ الراءِ والجيمِ، جمعُ: دُرْج، بالضمِّ مع السكونِ. وبضمِّ أوَّله وسكونِ ثانيه في قول ابنِ قُرْقُول (^٤)، وبه ضبطَه ابنُ عبد البرِّ في "الموطأ" (^٥)، وعند الباجيِّ (^٦) بفتح الأوَّلين، ونُوزعَ فيه. وهو وِعاءٌ أو خِرْقةٌ. وقولُه: (فيها الصُّفرة) الحاصلةُ من أثَر دمِ الحيضِ بعد وضعِ ذلك في الفَرْج لاختيار الطُّهر؛ وإنَّما اختيرَ القُطن لبَيَاضه، ولأنه يُنشِّف الرُّطوبةَ، فيظهرُ فيه من آثار الدَّمِ ما لم يظهرْ في غيره.
_________________
(١) في "الصحاح" (صدد).
(٢) المِدّة، بالكسر: القيح. الصحاح (مدد).
(٣) مادة (درج).
(٤) هو أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الحَمْزي الوّهراني، من قرية حمزة من عمل بجَاية. كان من أوعية العلم، له كتاب "مطالع الأنوار على صحاح الآثار". (ت ٥٦٩ هـ). "سير أعلام النبلاء" ٢٠/ ٥٢٠.
(٥) ينظر "الاستذكار" ٣/ ١٩٢.
(٦) ونقله عنه الفيروزآبادي في "القاموس" (درج).
[ ١ / ٥١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والكُدْرةُ، فتقول: لا تعْجَلْنَ حتى تريْن القَصَّة البيضاء (^١). تريدُ بذلك الطُّهْرَ من الحيض. قال في "المصباح" (^٢) ما معناه: والقَصَّة -بفتح القاف-: الجصُّ، وجاء هذا على التَّشبيه. قال أبو عبيد: معناه أن تخرجَ القطنةُ، أو الخرقةُ التي تحتشي بها المرأةُ، كأنَّها قَصَّة لا تخالطُها صفرة. انتهى. وفي "الكافي" (^٣): قال مالك وأحمد: هي ماءٌ أبيضُ، يَتْبعُ الحيضةَ.
وعُلم من قوله: "زمَن عادة" أنَّها لو رأت صُفْرةَ، أو كُدْرةً في غيرِ زمنِ العادة، لم يكنْ حيضًا، ولو تكرَّرَ، فلا تجلسُه.
وقولُه: (القَصَّةَ البيضاءَ. . . إلخ) بفتح القافِ وتشديدِ الصَّاد المهمَلة: ماءٌ أبيضُ يكون آخِرَ الحيضِ، يتبيَّن به نَقاء الرَّحم، تشبيهًا بالجَصِّ، وهو النَّورة - ومنه: قصَّص دارَه، أي: جصَّصها. وقال الهَرويُّ: معناه: أنْ تُخرِجَ ما تحتشي بها الحُيَّضُ نقيًّا كالقَصَّة، كأنَّه ذهبَ إلى الجُفوف. قال القاضي عياضٌ: وبينهما عند النِّساءِ وأهلِ المعرفةِ فرقٌ بيِّن.
(هي ماءٌ أبيضُ) أي: القَصَّة البيضاءُ. مصنِّف (^٤).
(لم يكن حيضًا ولو تكرَّر، فلا تجلسُه) يعني: ما رأته من الصُّفرة أو الكُدرةِ لم يكن حيضًا، فالتذكيرُ بهذا الاعتبارِ، أو أنَّه ذكر باعتبار الخبرِ، أي: لم يكن الصُّفرةُ أو الكدرةُ حيضًا في غير زمنِ عادتِها؛ لقول أمِّ عطيَّة: كنا لا نَعُدُّ الصفرةَ والكُدرةَ بعد الطُّهرِ شيئًا. رواه أبو داود، والبخاريُّ ولم يَذكر: بعدَ الطُّهرِ (^٥). "كشاف القناعِ" (^٦) وإيضاح.
_________________
(١) ذكره البخاري تعليقًا قبل حديث (٣٢٥)، وأخرجه البيهقي ١/ ٣٣٥.
(٢) مادة (قصص).
(٣) ١/ ١٦٩.
(٤) "كشاف القناع" ١/ ٢١٣.
(٥) "سنن أبي داود" (٣٠٧)، و"صحيح البخاري" (٣٢٦)، وهو عند النسائي ١/ ١٨٦ - ١٨٧، وابن ماجه (٦٤٧) كما عند البخاري.
(٦) ١/ ٢١٣.
[ ١ / ٥١٣ ]
ومَنْ حدثُه دائمٌ، يغسلُ محلَّه، ويشدُّه،
(ومَنْ حدثُه دائمٌ) كمستحاضة، من به سلس بول، أو مَذْي، أو ريح، أو جرحٌ لا يرقأُ دمه (^١)، أو رعافٌ دائم (يَغْسِلُ) وجوبًا (محلَّه) أي: محلَّ الحدث الملوَّث به؛ لإزالة ما عليه من النجاسة، ويحشي المحلَّ بنحو قطنةٍ طاهرة (ويشدُّه) أي: المحلَّ، أي: يعصبْه بطاهرٍ يمنعُ النجاسة حسب الإمكانِ، إن لم يمتنع (^٢) بالحشْو. فإن كثُرَ دمُ المستحاضة، اسْتَثْفَرتْ بخرقةٍ عريضةٍ، مشقوقةِ الطرفين، تتلجَّم بها، وتوثق طرفَيْها في شيء آخرَ قد شدَّتْه على وسطها،
(ومَنْ حَدَثُه دائمٌ) أي: مستمرٌ، كمستحاضةٍ وما عُطف عليها، فهؤلاءِ حكمُهم حكمُ المستحاضة، إلَّا في الغسل، فإنَّ استحبابَه يختصُّ بالمستحاضة؛ لما تقدم في باب الغُسل تساويهم معنىً، وهو عدمُ التحرُّز من ذلك، فوجب المساواةُ حكمًا. والمستحاضةُ: هى التي ترى دمًا لا يصلحُ أنْ يكون حيضًا ولا نِفاسًا، حكمُها حكمُ الطَّاهرات في وجوبِ العبادات وفعلها، لأنَّها نجاسةٌ غيرُ معتادةٍ، أشبهت سلس البولِ، اهـ. دنوشري وزيادة. (أي: يَعصِبه) وجوبًا بشيءٍ يمنعُ الخارجَ (حَسَبَ) أي: قَدْرَ (الإمكان) فإذا أرادت المستحاضةُ الطَّهارة، فتغسل فرجهَا، وتحتشي بقطنٍ أو ما يقوم مقَامه، فإنْ لم يمنعْ ذلك الدمَ، عصبَتُه بشيءٍ طاهرٍ يمنعُ الدمَ حَسَبَ الإمكانِ (بخرْقةٍ عريضةٍ، مشقوقةِ الطرفين، تتلجَّم بها، وتُوثق طرفَيْها في شيءٍ آخرَ قد شدَّتْه على) جنبيهَا و(وسطها) على الفَرْج؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال لحَمْنة حين شكت إليه كثرة الدَّم "أنعت لكِ الكُرْسُفَ -يعنى القُطن- تحشين به المكان" قالت: إنَّه أكثرُ من ذلك
_________________
(١) أي: لا يسكن. "المطلع" ص ٤٤.
(٢) في (م): "يمنع".
[ ١ / ٥١٤ ]
ويتوضَّأُ لوقتِ كلِّ صلاةٍ.
فإن غلَب وقطَر بعد ذلك، لم تبطل طهارتُها.
(ويتوضأ) مَن حدثُه دائمٌ (لوقتِ كلِّ صلاة) إن خرج شيء؛ لقوله ﵊ لفاطمةَ بنتِ أبي حبَيْش: "وتوضَّئي لكلِّ صلاةٍ، حتى يجيءَ ذلك الوقتُ"
قال: "تلجَّمي" (^١) قال في "المبدع": وظاهرُه: ولو كانت صائمةً، لكن يتوجَّه أنْ تَقتصرَ على التَّعصيب فقط. "كشَّاف القناع" (^٢).
(فإن غلبَ وقطَرَ. . إلخ) فإنْ كان ممَّا لا يمكنُ عصبُه، صلَّى على حسَب حالِه؛ لِفِعل عُمرَ (^٣). ولا يَلزم مَن حدثُه دائمٌ إعادةُ الغسلِ والتَّعصيبِ لكلِّ صلاةٍ؛ لأنَّ الحدثَ مع غَلَبته وقوَّته لا يمكنُ التحرُّز من خروجِه. ومحلُّ عدمِ لزومِ إعادةُ الغُسل والتعصيبِ لكلِّ صلاةٍ، إنْ لم يُفرِّط مَن به الحدثُ الدائم، أمَّا إذا فرَّط، فإنَّه يَلزمُه إعادةُ الغُسلِ والتعصيبِ لكلِّ صلاةٍ. "منتهَى" (^٤) و"شرحُه". (لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش. . إلخ) وفي لفظٍ قال: "توضَّئي لوقتِ كلِّ صلاةٍ" (^٥) قال الترمذيُّ: حديثٌ حسن صحيحٌ (^٦). وقولُه: "توضَّئي لكلِّ صلاةٍ" يجبُ حملُه على المقيَّد به؛ لأنَّها طهارةُ ضرورةٍ، فتقيَّدت بالوقت، كالتيمُّم، وعلى قياسه: إذا توضَّأتْ قبلَ الوقتِ لغير صاحبةِ الوقتِ، بطلَ بدخوله، كالتيمُّم؛ لأنَّه لا حاجةَ إليه إذن، فتنوي استباحةَ الصلاةِ. وفُهم من قولِه: "إنْ خرج شيءٌ" أنَّه إذا لم يخرجْ شيءٌ، لم يجب الوضوءُ،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٨) عن حمنة بنت جحش ﵂.
(٢) ١/ ٢١٥.
(٣) أخرجه مالك ١/ ٣٩ - ٤٠، وعبد الرزاق (٥٧٨) و(٥٨١)، وابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٣٥٠ - ٣٥١، وابن المنذر في "الأوسط" ١/ ١٦٧، وصحَّحه.
(٤) ١/ ٣٦.
(٥) لم نقف عليه.
(٦) "سنن" الترمذي (١٢٥) ولكن ليس فيه لفظ المصنف، بل هو بلفظ: "توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت".
[ ١ / ٥١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رواه أحمد (^١). وتتعَيَّن نيةُ الاستباحة لدائم الحدث، ولو قلنا: إنَّ طهارتَه ترفعُ الحدث. وظاهر ما تقدَّم: أنَّه لا تبطل الطهارةُ بخروج الوقت، كما لو توضَّأ قبل طلوع الشَّمس، فلا تبطل طهارتُه إذا طلعتْ. قال المجدُ (^٢) وغيرُه: وهو أولى، وجزم به ناظم المفردات فقال:
وبدخولِ الوَقْتِ طُهْرٌ يَبْطلُ … لمنْ بها استحاضةٌ قد نقلوا
لا بالخروجِ مِنْه لو تطهَّرتْ … للفَجْرِ لَمْ يبطل بشمسٍ ظَهَرتْ
وقال أبو يعلى (^٣): تبطلُ بكلِّ واحد منهما، أي: بخروج الوقت ودخولِه. وجزم به في "الإقناع" (^٤). ولا تلزمُ إعادةُ غَسل وعَصْب لكلِّ صلاة إن لم يُفرِّط، فإن لم
كما ذكره في "الفروع" (^٥) نصَّ عليه فيمن به سَلَسُ البولِ. وتصلِّي بوضوئها ما شاءَت من الصَّلوات، حاضرةً، وفوائتَ، أو جمعًا، أو نذرًا، ما لم يَخرج الوقتُ، كما تجمعُ بين فرضٍ ونوافلَ اتِّفاقًا؛ لأنَّها متطهِّرة، أشبهت المتيمِّمَ. دنوشري.
(ولو قلنا: إنَّ طهارته إلخ) غايةٌ لقوله: "وتتعيَّن" (وظاهرُ ما تقدَّم) مِن قوله: "يتوضَّأ لوقتِ كلِّ صلاةٍ" (وتتعيَّن نيةُ الاستباحةِ) ولو انتقضَتْ طهارتُها بطروءِ حَدَثٍ غيرِ الاستحاضةِ. "كشاف القناع" (^٦). (وقال أبو يعلَى: نبطلُ. . إلخ) قال الدنوشري: قلتُ: وهذا الخلافُ يكاد أنْ يكونَ لفظيًّا؛ إذ يَلزمُ على الأوَّل أنَّه إذا توضَّأ للظُّهر في وقته، ثمَّ دخلَ
_________________
(١) في "مسنده" (٢٥٦٨١)، وهو عند البخاري (٢٢٨) واللفظ له، وأخرجه مسلم (٣٣٣) بنحوه.
(٢) هو مجد الدين، أبو البركات، عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية، الحرَّاني الحنبلي. من مصنفاته: "تفسير القرآن العظيم"، و"المحرر"، و"المنتقى في أحاديث الأحكام"، (ت ٦٥٢ هـ). "المقصد الأرشد" ٢/ ١٦٢ لبرهان الدين إبراهيم ابن مفلح. و"الأعلام" ٤/ ٦.
(٣) هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء القاضي، علّامة زمانه، عنه انتشر مذهب الإمام أحمد. من مصنفاته: "الخلاف الكبير"، و"الأحكام السلطانية"، و"شرح الخرقي". (ت ٤٥٨ هـ). "المنهج الأحمد" ٢/ ٣٥٤.
(٤) ١/ ١٠٩.
(٥) ١/ ٣٨٨.
(٦) ١/ ٢١٦.
[ ١ / ٥١٦ ]
ولا تُوطأُ مستحاضةٌ إلا لخوفِ عَنَتٍ.
يخرجْ شيء أصلًا، لم يلزمْ أن يتوضأَ لكلِّ صلاة. ويصلِّي دائمُ الحدث عَقِبَ طهارته ندبًا.
(ولا توطأ مستحاضةٌ) بل يحرم (إلا لخوفِ عَنَتٍ) أي: زنًى منه أو منها؛ لقول عائشة: المستحاضةُ لا يغشاها زوجُها (^١). فإن خاف العَنَتَ أحدُهما، أُبيح وَطْؤُها، ولو لواجد الطَّوْل. وكذا إن كان به شَبَق شديدٌ؛ لأنّه أخفُ من الحيض، ومدَّتُه تطول بخلاف الحيض، ولأنَّ وطْءَ الحائض يتعدَّى إلى الولد، فيكون مجذومًا. وحيثُ حرُم وطءُ مستحاضة، فلا كفَّارةَ فيه.
وقتُ العصرِ، لم يبطُل وضوءُه، مع أنه يبطلُ بدخول الوقتِ. قال المصنِّف على "الإِقناع" (^٢): قال في "الإنصاف" (^٣): وهي شبيهةٌ بمسألة التيمُّم، والصحيحُ فيه أنَّه يبطلُ بخروج الوقتِ. بل يحرُمُ، وهو من المفرَداتِ، ويَلزمُه التعزيرُ؛ لأنَّه فَعَلَ معصيةً لا حدَّ فيها ولا كفَّارة. وإنما حَرُمَ وطءُ المستحاضةِ في الفَرْج؛ لقول عائشةَ. . إلخ، ولأنَّ بها أذَى، فحَرُمَ وَطؤها، كالحائضِ. قال في "المبدع": فإن وطئَ أثِم، ولا كفَّارة عليه في الأشهَر. (أي: زنًى منه أو منها) تفسيرٌ للعَنَت، وهو الوقوعُ في الزنى، قدَّمه غيرُ واحدٍ، وقال في "الرِّعاية": أو عنت العُزوبةِ بعدم الطَّول لنكاحِ حُرَّةٍ، أو ثمنِ أمَةٍ، وإنما أُبيح النِّكاحُ مع خوفِ العنتِ، منه أو منها؛ لأنَّ حكمَه أخفُّ من حكمِ الحيضِ، ومدَّته تطولُ، بخلاف الحيضِ. دنوشري. (وكذا إنْ كان به شَبَقٌ) أي: أن الشبق مثلُ العَنَت في إباحة الوطءِ ولو لم يصل إلى حالٍ تُبيحُ وطءَ الحائضِ، بأنْ كان واجدَ الطَّولِ لنكاح غيرِها. مصنِّف على "الإِقناع" (^٤) (لأنَّه أخفُّ من الحيض إلخ) أي: لأن حكمَ الاستحاضةِ أخفُّ من حكم الحيضِ، ومدَّته تطولُ. "كشَّاف القناع" (^٤) بإيضاح.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٨، والدارمي (٨٣٠)، والدارقطني (٨٥١)، والبيهقي ١/ ٣٢٩.
(٢) "كشاف القناع" ١/ ٢١٦.
(٣) ٢/ ٤٥٦.
(٤) "كشاف القناع" ١/ ٢١٨.
[ ١ / ٥١٧ ]
ويُستحبُّ غُسْلُها لكلِّ صلاةٍ.
وأكثرُ النفاسِ
(ويستحب غُسلها) أي: المستحاضة (لكلِّ صلاة) لأنَ أمِّ حبيبة استُحِيضت، فسألتِ النبيَّ ﷺ عن ذلك، فأمرها أن تغتسلَ عندَ كلِّ صلاةٍ. متفق عليه (^١).
(وأكثر) مدَّة (النفاس) وهو: دمٌّ تُرخيه الرَّحم مع ولادةٍ وقبلَها بيومين، أو ثلاثة مع أمارةٍ على الولادة، كتألُّم، وهو بقيَّةُ الدَّمِ المحْتُبَس في مدَّةِ الحمل لأجله [وأصلُه لغةً: من التنفس، وهو الخروجُ من الجوف. أو مِن نفَّس الله كُربته: أي: فرَّجها] (^٢)
(وهو دمٌ تُرخيه الرَّحِمُ إلخ) هذا معنى النِّفاسِ إصطلاحًا، فاليومانِ والثلاثةُ نِفاسٌ، فتتركُ الصومَ والصلاةَ بالأمارة على قُربه، ولا تحتسبُ. قال في "شرح الهدايةِ": وعلى أصلنا أن ما تراه الحاملُ قبلَ الوضعِ بيومين أو ثلاثةٍ نِفاسٌ، وإن لم تُحسب من المدَّةِ. نقله ح ف. واستشكَلَه الدنوشري فقال: فإن قلت: إن ابتداءَ مدَّةِ النفاسِ من ابتداءِ خروجِ بعض الولدِ، فكيف تتركُ الصومَ والصلاةَ قبل الولادةِ بيومين أو ثلاثةٍ (^٣) … وهي التوجعُّ والتألُّم ألحقت به فصار حكمُها كحكمِها (من التنفُّس) قال الخطَّابي: وأصلُ هذه الكلمةِ مأخوذٌ من التنفس، وهو الدمُ، إلَّا أنَّهم فرَّقوا فقالوا: نَفَست، بفتح النونِ، إذا حاضت، وبضمِّ النونِ، إذا وَلَدت (^٤). "ثم سمِّي الدمُ الخارجُ إلخ" (^٥) تسميةً مجازيةً، من تسمية المسبِّب -أعني الدمَ- باسم السَّبب، أى: الولادة. فهو مجازٌ مرسَلٌ، علاقتُه السببيَّة.
_________________
(١) "صحيح" البخاري (٣٢٧)، و"صحيح" مسلم (٣٣٤)، وهو عند أحمد (٢٤٥٢٣). زاد مسلم: قال الليث بن سعد: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي.
(٢) جاءت العبارة في (ح) و(ز) و(س) هكذا: "وهو بكسر النون في الأصل، مصدرُ نفست المرأة بضم النون وفتحها مع كسر الفاء فيهما، وسميت الولادة نفاسًا؛ من التنفس، وهو التشقق والانصداع. يقال: تنفست القوس إذا تشققت. ثمَّ سمي الدم الخارج نفسه نفاسًا، لكونه خارجًا بسبب الولادة؛ تسمية للمسبب باسم السبب. قاله في "المطلع" [ص ٤٢] ".
(٣) بعدها في الأصل طمس بمقدار كلمتين.
(٤) ينظر "معالم السنن" ١/ ٩٦.
(٥) الكلام في "حاشية النجدي" ١/ ١٣٣.
[ ١ / ٥١٨ ]
أربعون يومًا، ولا حَدَّ لأقلِّه.
(أربعون يومًا) من ابتداءِ خروج بعضِ الولد. (ولا حدَّ لأقلِّه) أي: النِّفاس؛ لأنَّه لم يَرد تحديدُه، فرُجع فيه إلى الوجود. ويثبت حكمُ النِّفاس بوضع ما يتبيَّن فيه خَلقُ إنسان.
(أربعون يومًا) وعنه: ستون يومًا. والأوَّل المذهبُ. قال الترمذي: أجمعَ أهلُ العلمِ من أصحابِ النبي ﷺ ومَن بعدهم على أن النُّفَساء تدع الصلاةَ أربعين يومًا، إلَّا [أن] ترى الطُّهرَ قبل ذلك، فتغتسلُ وتصلِّي (^١)؛ لقول عليٍّ: لا يَحِلُّ للنُّفساء إذا رأت الطهرَ ألا تصلِّي (^٢). ولأنَّه حكم بانقضاءِ نفاسِها، وذلك معلقٌ على مُطلَق الطُّهرِ، لكن قال (^٣): إذا كان أقل من ساعة، ينبغي أن لا يُلتفتَ إليه، وإنْ كان أكثرَ من ذلك، فظاهرُه أنَّها تغتسلُ وتصلِّي. ولم يقل بالستِّين أحدٌ من الصّحابة، وإنَّما قالَه مَن بعدَهم. دنوشري. (ولا حدّ لأقلّه) فيثبُتُ حكمُه ولو بقطرة، كما أنَّه لا حدّ لأكثر الطُّهر؛ لأنَّها قد تلد الولدَ عاريًا، ولأنَّه لم يَرِد الشرعُ بتحديده. وحكى البخاري في "تاريخه": أن امرأةً وَلَدت بمكةَ، فلم تَرَ دمًا، فلقيَت عائشةَ، فقالت: أنتِ امرأةٌ طهركِ اللهُ (^٤). فعلى هذا لو وَلدت ولم ترَ دمًا، فهي طاهرٌ لا نفاس لها. صرّح به في "المغني" (^٥) وغيرِه؛ لأنَّ النّفاس هو الدمُ، ولم يوجَدْ. وغالبُه -كما قال المجدُ وابنُ تميم وابنُ حمدان وغيرُهم- ثلاثةُ أشهرٍ. مصنّف (^٦). (ويثبتُ حكمُ النفاس بوضع ما) أي: شيءٍ (يتبيَّن فيه خلقُ إنسان) ولو كان الوضعُ بتعديها على نفسِها، كما سيأتي، نصَّ عليه. فلو وضعَت علَقَةً أو مُضغةً لا تخطيط فيها، لم يثبت لها بذلك حكمُ النِّفاس؛ لعدم تبينِ خلقِ الإنسانِ غالبًا في ثلاثةِ أشهر. قال بعضُ العلماءِ: إن المَنيَّ يمكثُ في الرحم مدّة
_________________
(١) "سنن" الترمذي، باب: ما جاء في كم تمكث النفساء، عقب حديث (١٣٩).
(٢) أخرجه البيهقي ١/ ٣٤٢.
(٣) أي: صاحب "الشرح الكبير" ٢/ ٤٧٤.
(٤) "تاريخ الكبير" ٤/ ١٩٤، ولكن فيه زيادة: فلما نفرت رأت. وكذلك أخرجه البيهقي ١/ ٣٤٣ عنه.
(٥) ١/ ٤٢٩.
(٦) "كشاف القناع" ١/ ٢١٩ وعبارته: أقل ما يتبين فيه خلق الإنسان أحد وثمانون يومًا، وغالبها على ما ذكره المجد … إلخ. فقوله: غالبها ثلاثة أشهر، عائد على ما يتبين فيه الخلق، لا على النِّفاس.
[ ١ / ٥١٩ ]
فإنْ طهرتْ فيها، تطهرتْ، وصلتْ.
ويُكْرَهُ وطؤُها فيها، فإن عاد الدمُ فيها، فمشكوك فيه،
(فإنْ طهرت) النفساءُ بأن انقطعَ دمُها (فيها) أي: في الأربعين (تطهَّرت) وجوبًا، أي: اغتسلت، وتوضأت، أو تيمَّمَت (وصلت) وصامت، كسائرِ الطاهرات.
(ويُكْرَه وطؤها) زَمَنَ الطُّهر (فيها) أي: في الأربعين بعد الغُسل. قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيَها زوجُها على حديثِ عثمان بن أبي العاص: أنَّها أتتْه قبلَ الأربعين، فقال: لا تَقرَبِيني (^١). ولأنَّه لا يأمن عودَ الدَّمِ زمنَ الوطءِ.
(فإن عاد الدَّمُ) بعد انقطاعه (فيها) أي: في الأربعين (فـ) ـذلك الدمُ العائد (مشكوك فيه) أي: في كونه نفاسًا، أو فسادًا؛ لتعارض الأمارتين فيه، كما لو لم تَرَهُ
أربعين يومًا لا يتغيَّر، ثم يمكثُ مِثلَها علقةً، ثم يمكثُ مِثلَها مضغةً، ثم يُنفخُ فيه الروحُ. والولدُ يتغذى بدم الحيضِ حينئذٍ. ح ف مع زيادة.
(تطهَّرت) ولو كان أقل من يوم، كالنقاءِ زمنَ الحيضِ. قال في "الإقناع" (^٢): فإن انقطعَ في مدته، فطاهر، تغتسلُ وتصلِّي؛ لأنَّه طهر صحيح. قلت: وتصومُ إن بلغ الطهرُ يومًا. وعنه: إن رأت النقاءَ أقل من يومٍ، لا يثبتُ لها أحكامُ الطاهراتِ. دنوشري. (على حديثِ عثمانَ) "على" بمعنى اللام (ولأنه لا يأمنُ عودَ الدمِ زمنَ الوطء) فيكونُ واطئًا في نفاس. ويجبُ عليها الصَّلاةُ والصومُ المفروضُ. وأمَّا النقاء زمنَ الحيضِ فلا يُكره وَطؤها فيه. وربّما يفرّق بينهما بأن يقالَ: إن النفساءَ ضعيفة جدًا بسبب الولادةِ، فعَظمُها ولحمُها في غاية الوَهنِ والضعف، بسببِ ما اعتراها من مرضِ الموتِ، وهو النّفاسُ مع التألم، فلا تتحملُ الوطءَ زمنَ الطهرِ، بخلاف الحائضِ. وفرّق الحفيدُ، ونظر فيه صاحبُ "المبدع"، انظره فيه. (مشكوك فيه) أي: فهذا الدمُ الذي رأته بعدَ الولادةِ دم مشكوك فيه، أي: في كونه دمَ نِفاس
_________________
(١) أخرجه عبد الرَّزاق (١٢٠٢) وفيه راو لم يُسم.
(٢) ١/ ١١١.
[ ١ / ٥٢٠ ]
تصومُ وتصلي، وتقضي الصومَ المفروضَ، وهو كحيضٍ فيما تقدَّم.
مع الولادة، ثُمَّ رأته في الأربعين فـ (تصومُ وتصلِّي) معه؛ لأنَّ سببَ الوجوب متيقن، وسقوطُه بهذا الدم مشكوكٌ فيه. (وتقضي الصومَ المفروض) ونحوَه، مما فعلته مع الدم العائد؛ احتياطًا؛ لأنَّها تيقنت شَغْل ذِمتها به؛ فلا تبرأ إلَّا بيقين، ولا تُوطأ في هذا الدم.
(وهو) أي: النِّفاس (كحيض فيما تقدَّم) مما يحرُمُ: كصلاة، وصومٍ، ووَطْءٍ في فرج. ويجبُ: كغُسلٍ، وكفارةٍ بوطءٍ فيه. ويسقط: كقضاء صلاة، ويحل: كاستمتاع بما دون فَرْج، إلَّا في اعتدال، وكونه لا يوجب بلوغًا، ولا يحتسبُ به في مدَّة إيلاء.
أو دمَ فساد. فعلى المذهبِ، يجبُ عليها أن تصومَ وتصليَ ما فُرض عليها ولو مع وجودِ هذا الدم؛ لأنَّ ذمتها مشغولة بالعبادة المفروضةِ، فلا تسقُطُ بهذا الدَّمِ المشكوكِ فيه. دنوشري.
(وتقضي الصومَ المفروض) الذي صامَته فيه؛ لأنَّ فِعلَه مع الشك ليس بمُبرئٍ لِمَا تُيقَّن شغلُ ذمتها به. ولا تقضي الصلاةَ المفروضةَ فيه؛ لأنَّه على تقديرِ كونِه دمَ نفاس، لا يجب عليها صلاة، فلا تقضيها. وإنما أوجبنا فِعلَهما فيه احتياطًا؛ لاشتغال ذمّتِها بما فُرض عليها. (ولا توطأ في هذا الدم) الذي عاوَدَها، كما لا توطأ المبتدأةُ في الدم الزائدِ على اليومِ والليلةِ قبلَ تَكرارِه. قال الشارح في حاشيته على "المنتهَى" (^١): والظاهرُ وجوبُ الكفارةِ، قياسًا على وجوبِ قضاءِ نحوِ الصَّوم، وقولُ المصنّفِ (^٢): إِنه كالدم الزائدِ على اليوم والليلةِ في المبتدأةِ قبلَ تَكراره. غيرُ ظاهرٍ؛ إذ المبتدأةُ لا تقضي ما فعلَته من الواجباتِ في الزائد قبلَ تَكرارِه. وقال الشَّيخُ مرعيّ في "غايته": ويتجه: لا كفارةَ (كحيض) أي: حكمُ النفَساء حكمُ الحائضِ في وطئها، فيلزمُه به الكفارة الواجبةُ في وطء الحائضِ. نَقَله حربٌ، وقاله غيرُ واحدٍ من الأصحابِ. دنوشري.
_________________
(١) ١/ ١٣٤.
(٢) في "كشاف القناع" ١/ ٢٢٠.
[ ١ / ٥٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن ولدت توأمين، فأولُ نفاس وآخرُه من الأوَّل، فلو كان بينهما أربعون، فلا نفاس للثاني. ومن صارت نفساءَ بتعدِّيها بضَرْب بطنِها، أو شُربِ دواءٍ، لم تَقضِ.
(وإنْ وَلَدت توأَمَين) أي: وَلَدين. (من الأوَّل) لأنَّه دمٌ خرجَ عَقِبَ الولادةِ، فكان نِفاسًا، كحملٍ واحدٍ وضَعَته. دنوشري. (فلو كانَ بينهما) أي: فعلى هذا الحكمِ: لو كان بينهما، أي: انقضَى بين الوَلَدين أربعونَ يومًا. دنوشري. (فلا نِفاس للثاني) نصًّا، بل هو دمُ فساد؛ لأن الولدَ الثَّاني تَبَعٌ للأول، واندرجَ حكمُه فيه، فلم يُعتبر في آخِرِ النِّفاس، كما لا يعتبرُ في أوّله. دنوشري. (لم تقضِ) الصلاةَ زمنَ نِفاسِها. قال في "الفروع" (^١): لأنَّ وجودَ الدمِ ليس بمعصية من جهتِها. ولأنَّها لا يُمكنُها قَطعُه، فأنيط الحكمُ به، كما لو تعدى على نفسِه بضربِ ساقِه وصلَّى جالسًا، فإنَّه لا إِعادةَ عليه؛ لكونه صارَ عاجزًا. دنوشري.
_________________
(١) (١/ ٣٩٦).
[ ١ / ٥٢٢ ]