(بابٌ) بالتنوينِ، أي: هذا بابٌ للسِّواكِ وغيرِه.
(السِّواكُ) والمِسْوَاكُ -بكسر أولهما-: اسمان للعُودِ الذي يُتسوَّك به. ويطلق السِّواكُ على التسوُّك.
وهو شرعًا: استعمالُ عودٍ في أسنان ولثَةٍ ولسانٍ.
(باب السواك وغيره) أي: هذا بابٌ للسواك وغيره، أي هذا بابٌ يُذكَر فيه مسائل من أحكام التسوُّك وحكم الادِّهان والاكتحالِ وحكم الخِتان، ونحو ذلك.
ويُطلَق السواك على التسوُّك وهو مأخوذ من التساوك، وهو التمايلُ والتردُّد؛ لأنَّ المتسوِّكَ يردِّده في فِيه، ويحرِّكه. يقال: جاءت الإبلُ تتساوك: إذا كانت أعناقها تَضْطَرب من الهزال.
وأمَّا السواك فهر في الأصل مصدر: ساك، إذا دلك، ثم جُعلَ اسمًا للآلة كالمسواك. ويجُمَع السواك على سُوك ككتُب، ويقال: سُؤُك، بواوٍ مهموزة، وعليه قول القائل:
بالله إنْ جُزتَ بوادِ الأراك … وقبَّلتْ أغصانُه الخضرُ فاك
فابعثْ إلى المحبوبِ من بعضِها … فإنَّني واللهِ مالي سواك (^١)
(وهو شرعًا) أي: معنى التسوُّكِ في الشرع، أي: في عُرفِ أهل الشرع:
(استعمالُ عود) من إضافةِ المصدر إلى آلته (في أسنان) الأَوْلَى: في فمٍ؛ ليشملَ ما إذا لم يكنْ له أسنانٌ (ولِثةٍ) بكسرِ اللام، وفتحِ المثلَّثةِ مخففة، وهي ما حولَ الأسنانِ من اللحم، كذا قال الجوهري (^٢). وقال غيره هي اللحمُ الذي نبتت فيه الأسنان، فأمَّا اللحمُ الذي يتخلَّلُ الأسنان فهو عَمْر، بفتح العين، وإسكان الميم، وجمعه: عُمُور، بالضم. ابن نصر الله. (ولسان) وسقفِ حَلْق. ويحرِّكُ يدَه بلطفٍ.
_________________
(١) البيتان لجمال الدين محمد بن المكرم، كما في "الوافي بالوفيات" ٥/ ٥٦، و"الدرر الكامنة" ٦/ ١٦.
(٢) فى "الصحاح" (لثي).
[ ١ / ٢٢١ ]
يُسنُّ التَّسوُّكُ
(يُسَنُّ التسوُّكُ) كلَّ وقتٍ. قال في "المبدع": اتفق (^١) العلماءُ على أنَّه سُنَّة مؤكَّدة؛ لحثِّ الشارعِ ومواظبتِه عليه وترغيبِه فيه. يوضِّحُه ما رَوتْ عائشةُ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
وقيل: إنَّ السواكَ بالريحان يضرُّ لحمَ الفم، وكذا الطرفاءُ (^٢) والآس والأعوادُ الذكيَّة. ويكونُ قد نُدِّي بماءٍ، وبماءِ وردٍ أجود، ويغسلُه بعدَه.
ويكرهُ التسوُّك بغيرِ المنقي، الذي لا يجرحُ، ولا يضرُّ، ولا يتفتَّت. دنوشري مع زيادة.
(يسنُّ التسوك) أي: فالتسوُّك بالعود المتقدِّم ذكرُه مسنونٌ مطلقًا في جميع الأوقات، وذلك (لحثِّ الشارع … إلخ) قال ابنُ عباس ﵄: في السِّواكِ عشرُ خصال: يُذهِب الحَفَر (^٣)، ويجلو البصرَ، ويشدُّ اللِّثَة، ويُطَيِّبُ الفمَ، ويُنقي البلغمَ، وتفرحُ له الملائكة، ويرضَى له الربُّ تعالى، ويُوافق السُّنَّة، ويزيدُ في حسناتِ الصَّلاة، ويصحُّ الجسم (^٤). وزاد الترمذيُّ الحكيم: يزيدُ الحافظ حفظًا، ويثبِّتُ الشعرَ، ويصفِّي اللون.
ولا يبلعُ ريقَه في أوَّل استياكه، فإنَّه يُورِثُ النسيان. فال بعضُهم: ويجلو الأسنانَ ويقوِّيها، ويعينُ على الهضمِ، ويُشهِّي الطعامَ، ويُصفِّي الصوتَ، ويسهِّلُ مجاري الكلام، وينشِّطُ ويَطردُ النومَ، ويخفِّف عن الرأس وفَمِ المعدة، ويُصحُّها.
وزاد بعضهم: ويُزْكِي الفطنةَ، ويزيدُ في العقل، وينقي الشيب، ويقوِّي الظهرَ، ويضاعفُ الأجرَ، وأنَّه يُسهِّلُ النَّزْعَ، ويذكِّرُ الشهادةَ عند الموت.
وذكر في "شرح العجالة" أنَّ الصلاةَ إذا كانت بالسواكِ وبالجماعة؛ فإنَّها تكونُ بألفٍ وثمانِ مئةٍ وتسعين صلاةً.
_________________
(١) ليست فى (س).
(٢) الطرفاء: شجرة تنبت عند مياه قائمة، ولها ثمر شبيه بالزهر، وهو في قوامه شبيه بالأشنة. "المعتمد في الأدوية المفردة" للتركماني ص ٣٠٤.
(٣) الخَفَر: سُلاقٌ في أصول الأسنان، أو صفرةٌ تعلوها. "القاموس المحيط" (حفر).
(٤) أخرجه الدارقطني (١٦٠) بألفاظ قريبة مع تقديم وتأخير، وفيه: معلَّى بن ميمون، قال الدارقطني: معلَّى بن ميمون ضعيف متروك.
[ ١ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"السِّواكُ مَطْهرةٌ للفمِ مَرضاةٌ للرَّبِّ" رواه الشافعيُّ، وأحمدُ، وابنُ خزيمةَ، والبخاريُّ تعليقًا (^١). [ويستثنى مِن ذلكَ الصائمُ] (^٢)، ففيه تفصيلٌ يأتي.
(مرضاةٌ للربِّ) أي: يحصِّلُ رضى الرَّبِّ، ومعناه: إن فَعل سُنَّةَ السواك، رتَّب اللهُ عليها أنْ يعامِلَ فاعلَه بما يُعامِلُ به الراضي من رَضي عنه، أو يزيلَ به ما يريدُ به الراضي لمن رضي عنه.
وروى العباسُ بن عبد المطلب أنَّه دَخلَ على رسول الله ﷺ قومٌ قُلْحٌ، فقالَ لهم النبي ﷺ: "ما لي أراكم تَدخلونَ عليَّ قُلْحًا، استاكوا" (^٣). وقُلْحًا بضمِّ القاف، وإسكانِ اللام، جمعُ أَقْلَح، وهي صفرةُ الاسنان. شيشيني.
(والبخاري تعليقًا) والتعليقُ: حذفُ الشيخ، من ذلك "الأربعين النواوية"؛ لأنَّه ذكر الإمام علي عن النبي ﷺ وحذف شيخَه (^٤).
(ويُستثنى من ذلك) أي: من كونِ السِّواك مسنونًا مطلقًا لجميع المسلمين والمسلمات، وفي جميعِ الاوقات: إلَّا لصائمٍ وصائمةٍ بعد الزوال، فيُكْرَه لهما ذلك في المشهور، ويَمتدُّ وقتُ الكراهةِ إلى الغروب.
_________________
(١) الشافعي في "الأم" ١/ ٢٠، وفي "المسند" ١/ ٣٠، وأحمد (٢٤٢٠٣)، وابن خزيمة ١/ ٧٠، والبخاري تعليقًا بصيغة الجزم في الصوم، باب ٢٧، قبل حديث (١٩٣٤). وصحَّحه النووي في "المجموع" ١/ ٣٣٠.
(٢) في (س): "لغير صائم".
(٣) أخرجه البزار (١٣٠٢). ونقل الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" عن أبي علي بن السكن. قال: فيه اضطراب. اهـ وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ٩٧: وفيه أبو علي الصيقل، قال ابن السكن وغيره: مجهول.
(٤) لعله أراد بهذا الكلام. والله تعالى أعلم. أن النووي بدأ كتابه بذكر حديث علي وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "من حفظ على أمتي أربعين حديثًا … " الحديث، ولم يذكر الإسناد، بل حذف شيخه ومن بعده، كما صرَّح بذلك النووي نفسه في مقدمة "شرحه للأربعين، وهو مطبوع ضمن مجموعة الحديث لرشيد رضا" ص ٥ حيث قال: " وأذكرها محذوفة الأسانيد ليسهل حفظها ويعم الانتفاع بها".
[ ١ / ٢٢٣ ]
عَرْضًا، بيُسراه،
ويَستاك (عَرْضًا) بالنسبة إلى الأَسنان؛ لما في "مراسيل" أبي داود (^١): "إذا استكتم، فاستاكوا عَرْضًا"، ولأنَّ الاستياكَ طولًا قد يُدمِي اللِّثَة، ويفسِد الأسنانَ، [وقد قيل] (^٢): إنّه استياكُ الشيطانِ. وفي "الشرح الكبير" (^٣): إنِ استاكَ على لسانهِ أو حَلْقه، فلا بأسَ أنْ يستاكَ طُولًا؛ لخبر أبي موسى (^٤).
(بيُسراه) نقلَه حربٌ، كانتثاره. وحديثُ عائشةَ: "كانَ النبيُّ ﷺ يُحِبُّ التيامُنَ ما
(بالنسبة إلى الأسنان) وطولًا بالنسبة إلى فمه. مصنِّف (^٥). (لما في "مراسيل" أبي داود … إلخ) جمعُ مرسل، سماعيٌّ، والقياس: مراسل، مأخوذٌ من الإرسال، وهو الإطلاقُ، كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم:٨٣] فكأنَّ المُرْسِلَ أَطلَقَ الإسنادَ، ولم يقيِّدْهُ بجميعِ رواته، والمُرْسَلُ: ما منه صحابيٌّ سقط، بأنْ رفعَه التابعيُّ إلى النبيِّ ﷺ صريحًا أو كنايةً، قال الزرقانيُّ في "شرحه للبيقونية": واختلفوا في الاحتجاجِ بالمرسل، فذهبَ مالكٌ وأحمدُ في المشهورِ عنهما وأبو حنيفةَ، وأتباعُهم من الفقهاءِ والأصوليِّين، والمحدِّثين، إلى الاحتجاجِ به في الأحكام الفرعيَّة وغبرها، كالأمورِ الاعتقاديَّةِ، كالجنَّة حقٌّ، والنار حقٌّ، فإذا وجِدَ حديثٌ مرسلٌ في ذلك، يُستدَلُّ به على ذلك. (كانتثاره) بالمثلثة من النترة (^٦)، وهي طرفُ الأنفِ، وهي بيساره.
_________________
(١) ص ٧٤ برقم (٥)، وأخرجه. أيضًا. البيهقي ١/ ٤٠ عن عطاء بن أبي رباح مرسلًا. وضعفه النووي في "خلاصة الأحكام" ١/ ٨٧.
(٢) في (س): "وقيل".
(٣) ١/ ٢٤٩.
(٤) أخرج أحمد (١٩٧٣٧) عن أبي موسى ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يستاك، وهو واضع طرف السواك على لسانه يستنُّ إلى فوق، فوصف حمَّاد كأنه يرفع سواكه. قال حماد: ووصفه لنا غيلان، قال: كان يستنُّ طولًا. وأصل الحديث عند البخاري (٢٤٤)، ومسلم (٢٥٤).
(٥) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٧٩.
(٦) في الأصل: "النثر" والتصويب من كتب اللغة.
[ ١ / ٢٢٤ ]
بعودٍ ليِّنٍ، مِنْ نحوِ أراكٍ.
استطاعَ في طهورهِ وترجُّلهِ وتنعُّلهِ وسِواكهِ" (^١). قد يُحمل على أنَّه كان يَبدأُ بِشِقِّ فمِه الأَيمنِ.
(بعُود ليِّنٍ) يابسٍ أو رَطْبٍ. واليابسُ المندَّى أَوْلى.
(من نحو أراك) كعُرجون وزيتونٍ، مُنقٍ لا يَجرحُ، ولا يَضرُّ، ولا يتفتَّتُ. [وكُره بما يَجرح أو يضرُّ أو يتفتَّتُ] (^٢».
"(في طهوره) " بضمِّ الطاء، يعني الطهارة، وهي الوضوء والغسل. (وترجُّله) أي: تسريحُ الشعر ودَفنُه، كما يأتي. (كُعرْجُون وزيتون) مثالٌ لنحو الأراك، فالأراكُ أفضلُ ما يُتَسوَّكُ به؛ لفعلِه ﵊، ثمَّ الجريد، ثمَّ الزيتون. وذكر الأزجيُّ أنَّه لا يُعَدل عن الأراك، وعن الزيتون، والعُرْجون -وهو ساعدُ النخل- إلَّا لتعذُّره. دنوشري.
(مُنقٍ) أي: يُشترَط في العودِ المذكور أن يُنْقيَ، أي: يُزيلَ القُلْحَ والرائحةَ الكريهةَ التي في الفم، والقُلْحُ: هي الصفرة التي على الأسنان. دنوشري. (لا يجرح ولا يضرُّ) أي: لا يجرح ولا يضرُّ ولا يتفتَّت. دنوشري. (وكُرِه بما يجرح) والذي لا يُنقي، والذي يجرحُ، كالقصبِ الفارسيِّ، والذي يضرُّ، كالريحانِ والرمَّانِ والآس، وما يتفتَّتُ في الفم.
ولا يتخلَّلُ أيضًا برمَّانٍ وريحانٍ ونحوه؛ لأنَّه يحرِّك عِرقَ الجُذامِ كما في الخبر (^٣)، ولا يتسوَّك أو يتخلَّلُ بما يجهلُه؛ لئلَّا يكون من ذلك.
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ أبو داود (٤١٤٠)، وهو عند البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨) بنحوه.
(٢) ليست في (ح).
(٣) أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٩/ ٨٠، والحارث "بغية الباحث" ١/ ٢٧٩ عن ضمرة بن حبيب قال: نهى رسول الله ﷺ عن السواك بعود الريحان والرمان، وقال: "يحرك عرق الجذام". قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٧٢: وهذا مرسل وضعيف أيضًا. وأخرج ابن عدي في "الكامل" ٦/ ٢١٦٩، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٢/ ٣٤١، وابن الجوزي في "الموضوعات" ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧. عن ابن عباس نحوه من طريق محمد بن عبد الملك الأنصاري. قال ابن الجوزي: قال أبي: قد رأيت محمد بن عبد الملك وكان أعمى، وكان يضع الحديث.
[ ١ / ٢٢٥ ]
ويُكرَه لصائمٍ بعدَ الزَّوالِ (^١).
(ويكره) التّسَوُّكُ (^٢) (لصائمٍ) ولو واصَلَ (^٣) الصوم (^٤) (بعد الزوالِ) بيابسٍ أو رَطْبٍ؛ لحديث أبي هريرة يَرفعُه: "لَخَلُوفُ فَمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ" متفق عليه (^٥). وهو إنَّما يَظهر غالبًا بعد الزوالِ، فاختصَّ الحكمُ به.
فإن قيل: لِمَ وصَف دمَ الشَّهيدِ بريحِ المسكِ بلا زيادةٍ، وخلوف فمِ الصائمِ بأنَّه أطيبُ رِيْحًا منه، مع أنَّ الجهادَ أفضلُ مِن الصومِ؟
أجيب: بأنَّ الدَّمَ نَجِسٌ؛ فغايتُه أنْ يرفعَ إلى أنْ يَصيرَ طاهرًا، بخلافِ الخلوفِ.
ويستحبُّ غسلُ ما على السواكِ بسبب التسوُّكِ، وإنْ كان بسواك غيره.
وذكر في "الرعاية" أنَّه يقولُ عند التَسوُّكِ: اللهمَّ طهِّر قلبي، ومحِّصْ ذنوبي. مصنِّف (^٦).
(فاختصَّ الحكمُ به) ولأنَّه أثرُ عبادةٍ مستطابٌ شرعًا، فتُستحَبُّ استدامتُه كما ينبغي استدامةُ دمِ الشهيد، فإنَّ اللونَ لونُ الدم، والريحَ ريحُ المسك (فإن قيل … إلخ) حاصلُ الإيرادِ على الحديث الشريف أنَّه وصفَ خلوفَ فمِ الصائمِ بأنَّه أطيبُ من ريحِ المسك، ودمَ الشهيدِ بريح المسك، مع أنَّ الجهادَ أفضلُ، فكانَ القياسُ أن يكونَ دمُ الشهيدِ أطيبَ من ريحِ المسك، وحاصلُ الجواب: أنَّ خلوفَ فمِ الصائمِ كانَ كذلكَ لطهارتِه في الأصل، بخلافِ دمِ الشهيد. (بخلاف الخلوف) فإنَّه طاهرٌ في الأصل، وقد نقل المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤١] أنَّه رُويَ أنَّ موسى ﵇ وَعد بني إسرائيلَ أنْ يأتيَهم بعدَ مهلِك فرعون
_________________
(١) في الأصل: "الصلاة" وهو خطأ، والمثبت موافق لما في "هداية الراغب".
(٢) في الأصل و(س): "التسويك".
(٣) ليست في (م)، وفي (س): "مواصلًا".
(٤) ليست في (س).
(٥) البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١) (١٦٣).
(٦) "كشاف القناع" ١/ ٧٤.
[ ١ / ٢٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويسنُّ السِّواكُ (^١) لصائمٍ (^٢) بيابسٍ قبلَ الزوالِ؛ لقولِ عامرِ بنِ ربيعةَ: "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ما لا أُحْصِي يَتسوَّك وهو صائمٌ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، والبخاري تعليقًا (^٣). وقالت عائشةُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "مِن خيرِ خِصالِ الصائمِ السِّواكُ" رواه ابن ماجه (^٤). وهما محمولان على (^٥) ما قبل الزوالِ؛ لما روى البيهقيُّ بإسنادِه عن عليٍّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذا صُمتم، فاستاكوا بالغداة، ولا
بكتابٍ منَ الله تعالى، فبه بيانُ ما يأتونَ وما يذرون، فلمَّا هلكَ سألَ ربَّه، فأمرَه بصيامِ ثلاثين، فلمَّا أتمَّ أنكرَ خلوفَ فيه، فتسوَّكَ، فقالت الملائكةُ: كنَّا نَشَمُّ من فيكَ رائحةَ المسك، فأزلتَه بالسواك، فأمرَه أن يختليَ ثلاثينَ ليلةً، يصومُ نهارَها ويقومُ ليلَها (^٦). دنوشري.
(وحسَّنه) أي: نقلَ تحسينه.
(البيهقيُّ … إلخ) هذا دليل الحَمْلِ.
("إذا صمتُم فاستاكوا … إلخ") هذا مقيَّدٌ، وما قبلَه مطلقٌ، فحملَا عليه، بمعنى أنَّهما يقيَّدان بقيدِه، بدليلِ قول الشارح: (وهما محمولان … إلخ).
_________________
(١) ليست في (س).
(٢) في (م): "للصائم".
(٣) أحمد (١٥٦٧٨)، وأبو داود (٢٣٦٤)، والترمذي (٧٢٥)، والبخاري تعليقًا بصيغة التمريض في الصوم، باب ٢٧، قبل حديث (١٩٣٤).
(٤) في "سننه" (١٦٧٧)، وأخرجه أيضًا الدارقطني ٢/ ٢٠٣، والبيهقي ٤/ ٢٧٢. قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف.
(٥) ليست في (ح).
(٦) "الكشاف" للزمخشري ٢/ ١١١. والخبر أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٥/ ١٥٥٦ (٨٩١٨) عن ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٢٢٧ ]
ويتأكَّد عندَ صلاةٍ،
تستاكوا بالعشِيِّ" (^١). ويباح له (^٢) برَطْب قبْلَه.
(وَيتأكَّد) التسوُّك، [أي: يزدادُ طلبُه وفضيلتُه] (^٣» (عند صلاةٍ) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "لولا أنْ أَشُقَّ على أمَّتي، لأَمرتُهم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ" رواه
(ويباحُ له برَطْبٍ قبْلَه) أي: قبلَ الزوال، والرَّطْب: الليِّنُ الهشُّ؛ لعدمِ وجودِ الخُلوفِ في ذلك الوقت، فأبيحَ فيه، ولم يُكرَهْ؛ لأن الرَّطْبَ مَظِنَّةُ التَّخلُّل منه، فلذا أُبيحَ به، بخلافِ اليابس، فيُستحبُّ، كما تقدَّم.
(ويتأكَّد عند صلاة … أي) يتأكدُ استحبابُ السواك في عشرة مواضع، ذكر المصنِّف منها ثلاثةً، والشارحُ ذكرَ سبعةً.
("لولا أنْ أَشُقَّ") أي: خَوفَ أنْ أَشُقَّ، فـ "لولا" شرطُها ثابتٌ، وجوابُها منفيٌّ. فقولُه: "لأمرتُهم" أي: أمرَ إيجاب، وإلَّا فأمرُ النَّدبِ موجود.
("لأمرتهم بالسواك … إلخ") يعني: لأمرتُهم أمرَ إيجابٍ، فانصرفَت محافظتُه واهتمامُه ﷺ بشأنِه إلى تأكيدِ الاستحبابِ عندَ القيامِ إلى الصلاة؛ لما في إيجابِه عندَ كلِّ صلاةٍ من المشَقَّة والحرج، ولقوله ﵊: "صلاةٌ بسواك أفضلُ من سبعينَ صلاة بغيرِ سواك" (^٤)، وهذا عامٌّ في الفرضِ والنفل، حتى صلاة المتيمِّمِ، وفاقدِ الطهورين، الذي
_________________
(١) البيهقي ٤/ ٢٧٤، وأخرجه أيضًا الدولابي في "الكنى" ٢/ ٤١، والطبراني في "الكبير" (٣٦٩٦)، والدارقطني (٢٣٧٢) عن عليٍّ ﵁ موقوفًا. وأخرجه البراز في "البحر الزخار" (٢١٣٧) عن عليٍّ ﵁ مرفوعًا. قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٦٢: إسناد ضعيف أخرجه البيهقي. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣٦٩٦)، والدارقطني (٢٣٧٣)، والبيهقي ٤/ ٢٧٤، والخطيب في "تاريخه" ٥/ ٨٩ من حديث خباب بن الأرت ﵁ مرفوعًا.
(٢) ليست فى (ح).
(٣) ليست في (س).
(٤) أخرجه أحمد (٢٦٣٤٠) عن عائشة ﵂. وهو ضعيف.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وانتباهٍ،
الجماعة (^١). يعني: أمرَ إيجابٍ؛ لحديث أحمدَ (^٢): "لولا أَنْ أشُقَّ على أمَّتي، لفرضْتُ عليهم السِّواكَ". قال الشافعي (^٣): لو كان واجبًا لأَمرهم به، شَقَّ أو لم يَشُقَّ.
(و) يتأكَّد عند (انتباهٍ) مِن نومِ ليلٍ أو نهارٍ؛ لقولِ عائشةَ: "كان النبيُّ ﷺ لا يَرقُد مِن ليلٍ أو نهارٍ فيستيقظ إلا تسوَّك قبل أن يتوضَّأ" رواه أحمد (^٤).
يصلِّي على حَسَب حاله، وصلاةِ الجنازة، والظاهرُ أنَّه لا يدخلُ فيه الطَّوافُ، وسجودُ الشكر، والتلاوة. "مبدع".
(قال الشافعيُّ: لو كانَ واجبًا … إلخ) قال الشارحُ في "مناهيه" (^٥): أقولُ: يمكنُ حملُ الحديثِ على أنَّ اللهَ تعالى خيَّر رسولَه ﷺ في فرضِ السواك وعدمِه، كأنَّه قيل له: إنْ جعلتَه فرضًا، فقد جعلنَاه فرضًا، فخافَ ﷺ من المشقَّة، فاختارَ عدمَ الفرضيَّة. ويحمل كلام الإمام الشافعيِّ على أنَّه لو كان السواكُ فرضًا لا تخيير فيه، لأمرَ به، وبلَّغه على كلِّ حال. فتدبَّر.
(وانتباهٍ) الموضعُ الثاني: عند انتباهٍ (من نوم)؛ لأنَّ النائمَ يتغيَّر فاهُ؛ لانطباقِه وقتَ النوم، فيتأكَّدُ إستياكُه عندَ انتباهه منه، ولما رَوى حُذيفةُ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا قامَ من الليل يَشُوصُ فاهُ بالسِّواك. متفقٌ عليه (^٦). يقال: شاصَه وماصَه، إذا غسلَه. وقيل: هو الدَّلْكُ. وظاهر قوله: "من نوم" أنَّه يشمَلُ نومَ الليلِ ونومَ النهار.
_________________
(١) البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢)، وأبو داود (٤٦)، والترمذي (٢٢)، والنسائي في "المجتبى" ١/ ٧، وابن ماجه (٢٨٧)، وأحمد (٧٣٣٩).
(٢) في "مسنده" برقم (١٨٣٥) من حديث تمام بن العباس ﵁.
(٣) "الأم" ١/ ٢٠.
(٤) في "مسنده" (٢٤٩٠٠)، وأخرجه. أيضًا. أبو داود (٥٧). قال المنذري في "مختصر السنن" ١/ ٤٤: في إسناده: علي بن زيد بن جدعان، ولا يحتج به.
(٥) لعلَّ المراد "المناهي" لمحمد بن علي الترمذي كما نسبه إليه السبكي في "طبقات الشافعية" عند ترجمته ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٦) "صحيح" البخاري (٢٤٥)، و"صحيح" مسلم (٢٥٥). وأخرجه أيضًا أحمد (٢٣٢٤٢).
[ ١ / ٢٢٩ ]
وتغيُّرِ فَمٍ.
(و) يتأكد عند (تَغَيُّرِ) رائحةِ (فَمٍ) بأكلٍ أو غيرهِ.
وعند وضوءٍ (^١)، وقراءةٍ، ودخولِ مسجدٍ، ومنزلٍ، وإطالةِ سكوتٍ، وخلوِّ مَعِدَة مِن طعامٍ، واصفرارِ أَسنانٍ.
(و… عند تغيُّر رائحةِ فم) والموضعُ الثالث: عند تغيُّر رائحةِ فمٍ بسكوتٍ طويلٍ، أو أكلِ شيءٍ يُغَيِّرُ رائحةَ الفم، وجوعٍ أو عطشٍ؛ لأنَّ السواكَ مشروعٌ لتطييبِ رائحةِ الفم، فيتأكَّدُ عندَ تغيُّرِه، ولأنَّ تغيُّرَ رائحتِه يؤذي الملَكَيْن؛ لأنَّ مقعدَهما عند نابيه. والفم: مثلَّث الفاء. حفيد.
(وعندَ وضوءٍ) والموضعُ الرابع: عندَ وضوءٍ في المضمضة. قاله في "المحرر" وغيره؛ لقوله ﵊: "لأمرتُهم بالسواك مع كلِّ وضوء" رواه الإمام أحمد (^٢)؛ لأنَّه أبلغُ في التنظيف. زاد في "الرعاية": وعندَ الغُسْل أيضًا. (وقراءة) والموضع الخامس: عندَ إرادةِ قراءةِ قرآنٍ. قاله في "الفروع" (^٣)، وسبقَه إليه أبو الفرج. وحكمتُه أمران: تعظيمُ القرآن، وفصاحةُ اللسان. ويتأكَّدُ السواكُ أيضًا عند (دخولِ مسجدٍ، ومنزلٍ) وصفرةِ أسنانٍ، وخلوِّ معدةٍ من طعام.
وكان التسوُّكُ واجبًا على النبيِّ ﷺ لكلِّ صلاةٍ؛ لما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر: أُمِر بالوضوءِ عند كلِّ صلاة، طاهرًا وغير طاهر، فلمَّا شقَّ ذلك عليه أُمِر بالسواك لكلِّ صلاةٍ (^٤). وهر الأنسبُ في حقِّه ﵊؛ لأنَّ ثوابَ الواجبِ أعظمُ من ثوابِ المسنون. دنوشري مع زيادة.
_________________
(١) بعدها في (ح): "أي: عند المضمضة".
(٢) برقم (٩٩٢٨).
(٣) ١/ ١٤٦.
(٤) "سنن" أبي داود (٤٨)، وأخرجه أيضًا أحمد (٢١٩٦٠).
[ ١ / ٢٣٠ ]
ويبتدئُ بجانبِ فمِه الأيمنِ، ويَدَّهِنُ غِبًّا.
(وَيَبتدئُ) المتسوِّكُ ندبًا (^١) (بجانبِ فمِه الأيمن)؛ لحديث عائشة "أنَّ النبيِّ ﷺ كان يُحِبُّ التيامنَ في تنعُّلهِ، وترجُّلهِ، وطهورِه، وفي شأنه كلِّه" متفق عليه (^٢). مِن ثنايا الجانبِ الأيمنِ إلى أضْراسِه، قاله في "المطلع" (^٣)، وجزم به في "الإقناع" (^٤). وقال الشهابُ الفتوحيُّ في قطعتهِ على "الوجيز": يَبدأُ مِن أَضْراسِ الجانبِ الأيمنِ.
(ويَدَّهِنُ) ندبًا في بَدَنٍ وشَعَرٍ (غِبًّا)
(من ثنايا الجانب … إلخ) يتعلَّق بقوله: (ويبتدئُ) أي: بيساره، ثم يمرُّه بعد ذلك على لسانه، وسقفِ حلقه بلطفٍ. دنوشري. (وطُهوره) بضمِّ الطاءِ. أي: يسنُّ له بداءةٌ بالجانبِ الأيمن في تطهيره من الحدث الأكبر أو الأصغر.
(وفي شأنِه كلِّه) أي: ويسنُّ بداءةٌ أيضًا بالجانبِ الأيمنِ في شأنه كلِّه، كترجيلٍ، وانتعالٍ، ولبسِ ثوبٍ، وخُفٍّ وسراويلَ، ودخولِ مسجدٍ، والاستنجاءِ، والامتخاطِ. والخروجُ من المسجدِ بضدِّ ذلك؛ لأنَّ اليمينَ لما شَرُفَ، واليسارَ لما خَبُثَ.
(وقال الشهاب الفتوحي) اسمه: أحمد، تولَّى قضاء عسكر، وهو والدُ صاحب "المنتهى".
(ويَدَّهن غِبًّا) هذا شروعٌ في غير السِّواك، هو مأخوذٌ من غَبِّ الإبلِ، وهو أنْ تَرِدَ الماءَ وتدعَهُ يومًا، وأما الغِبُّ في الزيارةِ، ففي كلِّ أسبوعٍ، وفي صلاةِ الضحى عدمُ المداومةِ عليها. حفيد.
ونقل المصنِّفُ في "شرحه" على "الإقناع" عن الشيخ تقيِّ الدين ما نصُّه: يفعلُ ما هو الأصلحُ للبدنِ، كالغُسلِ بماءٍ حارٍ ببلدٍ رطبٍ؛ لأنَّ المقصودَ ترجيلُ الشعرِ، وهو فعلُ
_________________
(١) ليست في (س).
(٢) البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨)، وسلف ص ١٩٠.
(٣) ص ١٥.
(٤) ١/ ٣١.
[ ١ / ٢٣١ ]
ويكتحل وترًا.
أي: يفعله يومًا ويتركه يومًا؛ لأنَّه ﵊ "نهى عن التّرجُّل إلا غبًّا" رواه النسائي، والترمذيُّ وصححه (^١).
والترجيل (^٢): تسريحُ الشعَرِ ودهنُه. ولحيةٌ كرأسٍ.
(ويكتحلُ) ندبًا كلَّ ليلةٍ
الصحابةِ، وأن مثلَه نوعُ المأكلِ والملبس، فإنَّهم لمَّا فتحوا الأمصارَ، كان كلٌّ منهم يأكلُ من قوتِ بلدِه (^٣)، ويلبَسُ من لباسِ بلده، من غير أنْ يقصِدوا قوتَ المدينة ولباسها. قال: فالاقتداءُ به تارةً يكونُ في نوعِ الفعل، وتارةً في جنسِه، فإنَّه قد يُفعَل الفعلُ لمعنًى يَعُمُّ ذلكَ النوعَ وغيرَه، لا لمعنًى يَخصُّه فيكونُ المشروعُ هو الأَمرَ العامَّ. قال: وهذا ليس مخصوصًا بفعلِه وفعلِ أصحابه، بل وبكثيرٍ ممَّا أمرهُم به، ونهاهُم عنه (^٤).
(أي: يفعلُه يومًا ويتركُه يومًا) هذا تفسيرٌ للغِبِّ تفسير مراد، وإنَّما يفعلُ كذلك ليتشرَّبَ بدنُه ما يدَّهِنُ به في ذلك اليوم المتروك، ثم يدَّهِنُ بعدَه. وقد يُطلَقُ الغِبُّ ويرادُ به: أحيانًا وأحيانًا، كصلاةِ الضحى فإنَّ عدمَ المداومةِ عليها أفضلُ، وكما في قولهم: زُرْ غِبًّا تزدد حُبًّا (^٥). أي: زر الأحبابَ أحيانًا أحيانًا، يشتاقوا إليك، ويزدادوا فيك حُبًّا. دنوشري بإيضاح. (ويكتحل وِتْرًا … إلخ) أي: وسُنَّ اكتحالٌ كلَّ ليلةٍ قبلَ نومٍ
_________________
(١) النسائي في "المجتبي" ٨/ ١٣٢، والترمذي (١٧٥٦)، وأخرجه أيضًا أبو داود (٤١٥٩) من حديث عبد الله بن مغفل ﵁.
(٢) في (ح): "والترجل".
(٣) في الأصل: "البلدة". والمثبت من "كشاف القناع".
(٤) "كشاف القناع" ١/ ٧٤ - ٧٥.
(٥) قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ١٠/ ٤٩٨: قد ورد من طرق أكثرها غرائب لا يخلو واحدٌ منها من مقال .. وجاء من حديث علي وأبي ذر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأبي برزة وعبد الله بن عمر وأنس وجابر وحبيب بن مسلمة ومعاوية بن حيدة.
[ ١ / ٢٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بإثمدٍ مطيَّبٍ بمسكٍ (وِتْرًا) في كلِّ عينٍ ثلاثًا قبلَ النَّومِ؛ لما روَى ابنُ عباس عنِ النبيِّ ﷺ: "أنَّه كان يكتحلُ بالإِثْمِدِ كلَّ ليلةٍ قبلَ أنْ ينامَ، وكان يكتحل في كلِّ عينٍ ثلاثةَ أميالٍ" رواه أحمد (^١).
(بإثمدٍ مطيَّبٍ بمسكٍ وتْرًا، في كلِّ عينٍ ثلاثًا) وثلاثة بتأنيثِ العدد؛ لأنَّ المعدودَ مذكَّرٌ، لكن لما كان المعدودُ محذوفًا، جازَ تذكيرُ العددِ، وإن كانَ المعدودُ مذكَّرًا؛ لقوله ﷺ: "من صام رمضانَ، وأتبعَه ستًّا من شوَّال … " إلى آخر الحديث (^٢). أي: ثلاثةَ أميال، وقيل: المسنونُ أنْ يكتحلَ ثلاثًا في اليمين، واثنينِ في اليسار؛ ليحصِّل الوِتْرَ في العينين. ويردُّه الحديثُ المذكور في الشرح؛ لأنَّ لكلِّ عينٍ حُكمًا بنفسِها.
وسنَّ له نَظَرٌ في مرآةٍ، وأنْ يقول عنده: اللهمَّ كما حسَّنتَ خَلْقي، فحسِّن خُلُقي (^٣)، وحَرِّم وجهي على النار.
وقال حنبل: رأيتُ أبا عبدِ الله، وكانت له صِيْنِيَّةٌ فيها مرآةٌ، ومُكْحُلَةٌ، ومُشْطٌ، فإذا فَرغَ من قراءة حِزْبِه، نَظَرَ في المرآة، واكتحلَ، وامتشطَ.
والحكمةُ في ذلك أن يُزيلَ ما عسى أنْ يكونَ بوجهه من أذى، ويتذكَّر نعمةَ الله عليه الذي خَلَقه فأحسنَ خَلْقَه وخُلُقَه.
وسُنَّ له تَطيُّبٌ بالطِّيب، وهو ما لَه رائحةٌ طيِّبةٌ؛ لحديث: "أربعٌ من سُننِ المرسلين، الحياءُ، والتعطُّرُ، والسِّواكُ، والنكاح" رواه الإمامُ أحمد (^٤). فيتطيَّبُ الرجلُ بما ظَهَر ريحُه،
_________________
(١) في "مسنده" (٣٣٢٠)، وأخرجه. أيضًا. الترمذي (١٧٥٧) و(٢٠٤٨)، وابن ماجه (٣٤٩٩). قال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه على هذا اللفظ الا من حديث عباد بن منصور.
(٢) أخرجه مسلم (١١٦٤) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁.
(٣) لحديث علي ﵁، والذي أخرجه ابن السنيِّ في "عمل اليوم والليلة" (١٦٣) أن النبي ﷺ كان إذا نظر وجهه في المرآة قال: "الحمد لله، اللهم كما حسَّنت خَلْقي، فحسِّن خُلُقي". وأخرجه أحمد (٣٨٢٣)، وابن حبان (٩٥٩) عن عبد الله بن مسعود ﵁، دون ذكر النظر في المرآة.
(٤) في "مسنده" (٢٣٥٨١)، وأخرجه أيضًا الترمذي (١٠٨٠) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁. قال الترمذي: وفي الباب عن عثمان وثوبان وابن مسعود وعائشة وعبد الله بن عمرو وأبي نجيح وجابر وعكَّاف. ثم قال: حديث أبي أيوب حديثٌ حسن غريب.
[ ١ / ٢٣٣ ]
فصل
ويجبُ ختانُ ذكرٍ وأنثى عند بلوغٍ،
(ويجبُ ختانُ ذكرٍ وأنثى) وخُنثى مشكِل؛ لقوله ﷺ لرجل أسلم: "أَلْقِ عنكَ شَعَرَ الكُفْرِ واخْتَتِنْ" رواه أبو داود (^١). وفي قولِ النبيِّ ﷺ: "إذا التقى الختانان، وجبَ الغسلُ" (^٢) دليلٌ على أنَّ النساءَ كُنَّ يختتنَّ، وقياسًا على الرجلِ.
ووقتُ وجوبِه (عندَ بلوغٍ) أي: بُعَيدَه؛ لقولِ ابن عباسٍ: وكانوا لا يختِنُون الرجلَ
وخفيَ لونُه، والمرأةُ في غير بيتها عكسُه؛ لأنَّها ممنوعة إذن ممَّا يَنُمُّ عليها به من ضَرْبٍ برجلٍ ليُعلَم ما تُخفِي من زينتها، ومن نعلٍ صرارة، وغير ذلك، وأمَّا ببيتِها فلها أنْ تتطيَّبَ بما شاءت. دنوشري مع زيادة.
(ويجبُ ختانُ ذكرٍ وأنثى وخنثى … إلخ) أي: ذكره وفرجه عند بلوغ، وفاقًا للشافعيَّةِ، وخلافًا للمالكيَّةِ.
وإنَّما كان الختانُ واجبًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال (لرجلٍ أَسْلَمَ … إلخ)، والأمرُ للوجوب، ويدخلُ وقتُ الوجوبِ بالبلوغِ؛ لأنَّ الإنسانَ قبلَ البلوغِ ليسَ بأهلٍ للتكليف، فإذا بلغَ، خُوطِبَ بالوجوب.
فيحصلُ ختانُ الذَّكَر بأخذِ الجِلْدةِ التي فوقَ الحَشَفَةِ كلِّها. ونقل الميموني: أو أكثرها.
والأنثى بأخذِ الجِلْدةِ التي فوقَ محلِّ الإيلاجِ، تُشبِهُ عُرفَ الديك، ولا تُؤخذ كلُّها من امرأةٍ، نصًّا، يستحبُّ أن لا تُؤخذَ كلُّها. نصَّ عليه. ولحديث: "اختتنَ إبراهيمُ خليلُ الرحمن، بعد مَا أتتْ عليه ثمانونَ سنةً" رواه البخاريُّ ومسلم (^٣). وقد قال تعالى:
_________________
(١) في "سننه" (٣٥٦)، وهو عند أحمد (١٥٤٣٢) من حديث أبي كليب ﵁. قال الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" ١/ ١٧٨: منقطع الإسناد.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢٦٠٢٥)، من حديث عائشة ﵂، وهو عند مسلم (٣٤٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ بنحوه.
(٣) البخاري (٣٣٥٦)، ومسلم (٢٣٧٠) من حديث أبي هريرة ﵁. وهو أيضًا عند أحمد (٩٤٠٨).
[ ١ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حتى يُدرِكَ. رواه البخاريُّ (^١)؛ ولأنه قبلَه ليس مكلَّفًا
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣]، ولأنَّه من شعائرِ المسلمين، فكانَ واجبًا كسائرِ شعائرهم، ولأنَّه يجوزُ كشفُ العورةِ والنظرُ إليها لأجله، فدلَّ على وجوبه.
ودليلُ وجوبِ الختانِ على النساء حديث: ("إذا التقى الختانان … إلخ") فدل هذا على أنَّهنَّ كن يختتنَّ، وعنه: لا يجبُ ختانُ النساءِ؛ لأنَّه إنَّما وجبَ على الرجال؛ لما يستر الكَمَرَة (^٢) من الجِلْدة التي فوقَها؛ من أجل أنَّه لا ينقى ما تحتَها إلَّا بأخذِها، حيثُ كانت تنفتق، والمرأةُ ليست كذلك، والأوَّل المذهب.
وإنَّما وجبَ ختانُ قُبُلَي الخُنثى المشكلِ؛ احتياطًا.
قال الشيشيني: لكن إنْ كانَ صغيرًا له دون السبع، ختنَه الرجالُ والنساء، وإنْ كان بالغًا نظرت، فإنْ كان يُحسنُ ذلك بنفسِه، تولَّاه، وإنْ لم يمكنْه ذلك، اشتُرِي له جاريةٌ تحسِنُه. فإنْ لم يمكنه ذلكَ، جازَ أنْ يتولَّاه الرجالُ والنساء؛ لأنَّه موضعُ ضرورةٍ.
ولو خُلِق لشخصٍ ذكران عاملان لم يتميَّز الأصليُّ منهما من الزائد، خُتِنَا جميعًا.
وكما أنَّه يجبُ الختان، يجبُ قطع سرَّةِ المولودِ؛ لأنَّه لا يتأتَّى ثبوتُ الطعامِ إلَّا بذلك.
قال بعضهم: والحكمةُ في ختانِ الرجلِ تطهيرُه من النجاساتِ المختلفةِ تحتَ القُلْفَة.
والمقصودُ من ختانِ المرأةِ تعديلُ شهوتها؛ لأنَّها إذا كانت قَلْفَاء، كانت شديدةَ الشهوةِ، فلهذا توجدُ الفواحشُ في نساء التترِ والفرنج ما لم توجدْ في نساء المسلمين.
فالختانُ على كلِّ حالٍ يُقلِّلُ الشهوةَ، ويطهِّرُ المحلَّ. وكان ابنُ عباسٍ ﵁ يشدِّدُ في أمرِ الختان،
_________________
(١) في "صحيحه" برقم (٦٢٩٩).
(٢) الكمرة: هي الحَشَفَة، وزنًا ومعنى. "المصباح المنير" (كمر).
[ ١ / ٢٣٥ ]
ما لم يَخَفْ على نفسِه،
(مما لم يَخَفْ على نفسِه) مِن الختانِ؛ فيسقط وجوبُه، كالوضوءِ والصلاةِ عن قيام. قال ابنُ قندسٍ (^١): فظاهر ذلك أنَّ الخوفَ المسقِطَ للوضوءِ والغسلِ، مسقطٌ للختانِ.
وحيث تقرَّر الوجوبُ، فيُختن ذَكَرٌ بأَخذِ جِلْدة حشَفةِ ذكرٍ، وهي القُلْفة والغُرْلة -بالغين المعجمة والراء- ويجزئ أكثرها.
وأنثى بأَخْذِ جِلْدةٍ فوقَ محلِّ الإيلاجِ تُشبِه عُرف (^٢) الدِّيك. ويستحبُّ أن لا تؤخذَ كلُّها، نصًّا.
حتى رُوي عنه أنَّه قال: لا حجَّ ولا صلاةَ لمن لم يختتِنْ (^٣). ويحملُ ذلك على الكمال.
(مما لم يخفْ على نفسِه) التلفَ حينئذٍ، فإنْ خافَ، سقطَ الوجوبُ؛ لأنَّ ما هو آكدُ من الختانِ، كالوضوءِ والغسل، يسقطُ بخشيةِ التلف، وينتقلُ إلى بدلِه، أو يصلِّي على حَسَب حالِه، فهذا من باب أَوْلى.
قال في "المنوَّر" و"المنتخب": ويجبُ ختانُ بالغٍ آمنٍ.
قال في "الفصول": يجبُ الختانُ إذا لم يخف التَّلَفَ. وإذا خافَ التلف يباحُ إذن ولا يجب، فإنْ شاءَ اختتنَ، وإنْ شاءَ تركَ، ولا إثمَ عليه، فيسقطُ الوجوبُ مع خوفِ التلف، وينتقلُ إلى الإباحة. دنوشري مع زيادة.
(ويستحبُّ أْن لا تؤخذَ كلُّها، نصًّا) أي: نصَّ عليه الإمامُ. بل يقتصرُ على ما يقعُ عليه
_________________
(١) في "حاشيته على الفروع" ١/ ١٥٧.
(٢) ليست في (ح).
(٣) أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢٠٢٤٨)، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" ٨/ ٣٢٥ عن ابن عباس قال: لا تقبل صلاة رجل لم يختتن. وأخرج أبو يعلى في "مسنده" (٧٤٣٣) عن أبي بزرة قال: سألوا رسول الله ﷺ عن رجلٍ أَقْلَف، أيحجُّ بيت الله؟ قال: "لا، نهاني الله ﷿ عن ذلك حتى يختتن". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢١٧: وفيه: مُنْيَة بنت عبيد بن أبي بزرة، ولم يروِ عنها غير أم الأسود.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وزمنَ صِغَرٍ أفضلُ.
وخُنْثَى مشكِلٌ، يجمع بينهما؛ احتياطًا.
(و) الختانُ (زمنَ صِغَرٍ أفضلُ) إلى التمييزِ.
الاسم؛ لما رُويَ أنَّه ﵊ قال لأمِّ عطيَّة، وكانت تخفض النساءَ: "يا أمَّ عطيَّة إذا خفضتِ فأشمِّي، ولا تَنْهَكي، فإنَّه أَسَرَى للوجه، وأحظى عند الزوج" (^١). أي: لا تبالغي في القطعِ، فإنَّه يؤثِّرُ في انقطاعِ الشهوةِ، واتركي الموضعَ أشَمَّ، أي: مرتفعًا (^٢)، وقوله: "أسرى للوجه" أي: أصفى، وقيل: عَنَى به ما يحصلُ لها في نفس الزوجِ من الحُظوَة لها.
وختان المرأة يسمى خفضًا، [وطعام] (^٣) الختان (^٤) إعذارًا. شيشيني.
(والختان زمنَ صِغَرٍ أفضلُ) قال الشيخ محمد البهوتي رحمه الله تعالى: هذا ينبغي أنْ يُزَاد على المواضع الثلاثِ التي المسنونُ فيها أفضلُ من الواجب، وقد نظمَها السيوطيُّ فقال:
الفرضُ أفضل من تطوُّعِ عابد … حتى ولو قد جاءَ منه بأكثر
إلَّا التطهُّرَ (^٥) قبلَ وقتٍ وابتدا … ء بالسلام كذاك إبرا معسر (^٦)
وزدت ما هنا في بيت فقلت:
وكذا ختانُ المرءِ قبلَ بلوغِه … تمِّمْ به عقدَ الإمامِ المكثر (^٧)
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢٢٥٣) عن أنس بن مالك ﵁. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٥/ ١٧٢: إسناده حسن.
(٢) وقال ابن الأثير في "النهاية" (شمم): أي: شَبَّه القطع اليسير بإشمام الرائحة.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) في الأصل: "ختان المرأة".
(٥) في الأصل: "التطهير".
(٦) في الأصل: "لمعسر". والتصويب من "الأشباه والنظائر" للسيوطي ص ١٤٧.
(٧) "حاشية العنقري على الروض المربع" ١/ ٤٥.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ويُكرَه القَزَعُ،
وكُره بسابعٍ، ومِن ولادةٍ إليه.
وإن أَمرَه به وليُّ أمرٍ في حَرٍّ، أو بردٍ، أو مرضٍ يخاف منه الموت، ولو بزعم الأطباءِ أنَّه يتلف (^١)، ضمن.
وجاز أن يختنَ نفسَه إن قَوِيَ عليه وأَحْسَنَهُ.
وإن ترَكه بلا ضررٍ مع اعتقادِ وجوبِه، فسَق.
ومَن ولد بلا قُلْفةٍ، سقط عنه، وكُره إمرار الموسَى عليه.
ولا تُقطَع أصبعٌ زائدةٌ.
(ويكره القَزَع) -مِن قَزَعِ السَّحابِ، أي: تقطُّعه (^٢) -: وهو حَلْقُ بعضِ
قال الدنوشري: فيُعايا بهذه المسألة، ويقال لنا: مسنونٌ أفضلُ من واجبٍ؟ وكذا إبراءُ المعسِر، فإنَّه أفضلُ من إنظارِه إلى ميسرةٍ، وإبراءُ المعسِر سُنَّةٌ، وإنظارُه واجب. وكذلك ابتداءُ السلامِ، فإنَّه سُنَّة، ورَدُّهُ واجبٌ، والابتداءُ أفضلُ من الردِّ.
وكذا التطهُّرُ قبلَ دخولِ الوقتِ أفضلُ من التطهُّرِ بعدَ دخولِه، مع أنَّه قبلَه سُنَّةٌ، وبعدَه واجبٌ.
(وكُرِه بسابعٍ) أي: وكُرِه الختانُ بسابعِ يومٍ من الولادة؛ لما في ذلك من التشبُّه باليهودِ، ولأنَّ الصغيرَ لا يتحمَّلُه في ذلك الوقتِ، ورُبَّما يُخشَى عليهِ التلفُ، ولم يَحرُم؛ لأنَّه غيرُ محقَّقٍ. وعنه: لا يُكرَه في ذلك اليوم. قال الخلَّال: والعملُ عليه. قال الدنوشري: قلت: والمذهبُ الأوَّلُ.
وكُرِه الختانُ أيضًا من يوم الولادة إلى اليوم السابع.
(أنَّه يُتلِفُ، ضَمِنَ) أي: ضَمِنَهُ وليُّ الأمرِ.
(ويُكْرَه القَزَعُ) بفتحِ القاف والزاي، وقد عرَّفَه -رحمه الله تعالى- بقوله: وهو حَلْقُ
_________________
(١) بعدها في (م): "يتلف".
(٢) في (م): "قطعه".
[ ١ / ٢٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رأسٍ (^١)، وتركُ بعضِه؛ لقولِ ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن القَزَعِ، وقال: "احْلِقه كلَّه، أو دَعْهُ كلَّه" رواه أبو داود (^٢). فدخل فيه حَلْق مواضعَ مِن جوانبِ رأسِه وتركُ الباقي، وحَلْقُ وَسَطِه مع تركِ جوانبِه، كما تفعله شَمامِسَةُ النصارى، وعكسه، كما يفعلُه كثيرٌ من السَّفِل (^٣)، وحَلْق مقدَّمه دونَ مؤخَّره.
بعضِ الرأسِ، وتركُ بعضٍ؛ لحديث: نهى النبيُّ ﷺ عن القَزَع، وقال: "احلقه كلَّهُ" رواه أبو داود.
ولا يُكرَهُ حَلْقُ الرأس، ولو لغيرِ نُسُكٍ، لكن يسنُّ اتخاذُ الشعر، وأنْ يغسلَهُ ويسَرِّحَه متيامنًا، ويَفْرُقه، ويكونُ للرجل إلى أذنيه، وينتهي إلى مَنْكِبَيه، كشعرِه ﷺ (^٤)، ولا بأس بزيادةٍ على مَنْكِبَيْه، وجعله ذُؤَابةً (^٥)، ولم يُحفَظ أنَّه ﷺ حَلَقَ رأسَه إلَّا في نُسُك، وحَلَقَ رأسَه بعدَ البعثةِ أربعَ مرات؛ في عمرةِ الحديبية، وفي عمرةِ القضاء عند المروة، وفي عمرةِ الجِعِرَّانة، وفي حجَّة الوداع بمنى بعد نحره الهدي (^٦).
وقال أبو عبيدة: كانت له عقيصتان (^٧).
وأمَّا المرأةُ، فيُكرَه لها حَلْقُ رأسِها، وقَصُّه من غير عذرٍ.
ويحرمُ لمصيبةٍ، وبغير رضا زوجِها. دنوشري.
(فدخَل فيه) مفرَّعٌ على تعريفِ القَزَع، فالذي دخلَ فيه أربعُ صورٍ
_________________
(١) فى (م): "الرأس".
(٢) هذا حديث ملفق من حديثين، الأول. وهو النهي عن القزع. عند أبي داود برقم (٤١٩٣)، والبخارى (٥٩٢٠)، ومسلم (٢١٢٠)، والثاني عند أبي داود برقم (٤١٩٥).
(٣) سفلة الناس: أسافلهم، وهم غوغاؤهم. والجمع السِّفِل. "متن اللغة" (سفل).
(٤) أخرج البخاري (٥٩٠٣) و(٥٩٠٤)، ومسلم (٢٣٣٨): (٩٥) عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يضربُ شعرُهُ منكبيه.
(٥) هي الضفيرة من الشعر إذا كانت مرسلة، فإن كانت ملويَّةً فهي عقيصة. "المصباح المنير" (ذوب).
(٦) ينظر "إمتاع الأسماع" للمقريزى ١٠/ ٤٨.
(٧) ذكره الخلَّال في كتاب "الترجُّل" ص ١١٨.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وثَقْبُ أُذنِ صبيٍّ، ونتفُ شيبٍ، وتغييرُه بسوادٍ.
(و) يُكره (ثَقْبُ أُذُنِ صبيٍّ) لا جاريةٍ، نصًّا؛ لحاجتِها للتزيُّنِ، بخلافه.
(و) يُكره (نتفُ شيبٍ) (^١) لحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن نَتْفِ الشَّيْبِ، وقال: "إنَّه نورُ الإِسلامِ" (^٢). وأوَّل مَن شابَ: إبراهيمُ ﵇، وهو ابنُ مئةٍ وخمسينَ سنةً، قاله الحجَّاوي في "الحاشية" (^٣).
(و) يكره (تغييرُه) أي: الشيبِ (بسوادٍ) لحديثِ أبي بكرٍ: أنَّه جاءَ بأبيهِ رضيَ اللهُ
(ويكره ثقبُ أُذُنِ صبيٍّ، لا جاريةٍ، نصًا) لأنَّ الذكرَ ليسَ بمحلٍّ للحُلِيِّ، وقيل: يحرُمُ ثقبُ أذنِ الصبيِّ. واختاره ابن الجوزي، ولعلَّه؛ لما فيه من التشبُّه بالنساء. دنوشري. (ويُكرَهُ نتفُ شَيْبٍ) لقوله ﷺ: "من شابَ شيبةً في الإِسلامِ، كانت له نورًا يومَ القيامة". رواه الخلَّال في "جامعه" (^٤). ويسَنُّ خضابُه بحناء وكَتَم، ولا بأسَ بوَرْسٍ وزَعْفران. (ويكره تغييره) أي: تغييرُ الشيبِ وصبغُه بسوادٍ؛ لما في ذلك من تغيير نُورِ الإِسلام، والمطلوبُ بقاؤُه. ومحلُّ تغيير الشيبِ ما لم يكن تدليسًا في بيعٍ أو نكاح، فيحرُمُ حينئذٍ.
وقد هجا بعضُ الشعراءِ من يغيِّرُ الشيبَ بسوادٍ فقال:
_________________
(١) في الأصل: "مشيب".
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٦٩٨٩)، وهو عند الترمذي (٢٨٢١)، بلفظ: "إنه نور المسلم"، وابن ماجه (٣٧٢١) بلفظ: "إنه نور المؤمن". قال الترمذي: هذا حديث حسن.
(٣) وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (١٢٥٠)، ومالك في "الموطأ" ٢/ ٩٢٢، من قول سعيد بن المسيب، ودون في ذِكْر عمره. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ١١٦ - ١١٧ من قول مالك بن أيمن، وابن أبي عاصم في "الأوائل" (٢٤) من قول كعب، والطبراني في "الأوائل" (٤٥) من قول محمَّد بن إسماعيل بن عياش، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٥٥٠ - ٥٥١ من قول أبي أمامة. وأورده بهذا اللفظ ابن أبي الفتح البعلي في "المطلع" ص ٤٢٩ وعزاه لابن قتيبة عن وهب بن منبه.
(٤) وأخرجه أيضًا ابن حبان (٢٩٨٣) من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه الترمذي (١٦٣٤)، والنسائى ٦/ ٢٧ من حديث كعب بن مرَّة، وهو عند أحمد (١٨٠٦٤) عنه مطولًا.
[ ١ / ٢٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنهما إلى النبيِّ ﷺ ورأسُه ولحيتُه كالثَّغامَة (^١) بياضًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "غيِّروهما، وجنبوه السوادَ" (^٢) فإن حصل بالسوادِ تدليسٌ في بيعٍ أو نكاحٍ، حَرُم.
وسُنَّ خضابُ شيب بحنَّاءٍ وكَتَمٍ؛ لما تقدم، ولحديث أبي ذرٍّ: "إن أحسنَ ما غيَّرتم به هذا الشيبَ الحناءُ والكَتَمُ" رواه أحمد (^٣). والكَتَمُ -بفتح تين ومثناة فوقية-: نباتٌ باليمن، صِبغُه أسودُ، يميل إلى الحُمرة. وصِبغُ الحناءِ أحمرُ؛ فالصِّبغُ بهما معًا يَخرج بين السوادِ والحُمرةِ.
ولا بأسَ بخضابِ وَرْسٍ وزَعفران.
صَبَغَ الشعرَ مُذْ رَأى الشيبَ وافى … بعدَ نورٍ جَلَبَ الظلامَ إليه
فكفاهُ بأنَّه شيخُ سوءٍ … سَوَّدَ اللهُ وجههُ بيديه
(كالثَّغَامة) جمعه ثَغَام، وهو نبتٌ في الجبلِ، يبيضُّ إذا يَبِسَ. شبَّه به الشيبَ. خالد على "قواعد" ابن هشام: بجامع البياض.
وقوله: (بياضًا) أي: في البياض، فهو منصوبٌ بنزعِ الخافض.
_________________
(١) قال ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" (ثغم): هو نبت أبيض الزهر والثمر يشبَّ به الشيب، وقيل: هي شجرة تبيضُّ كأنها الثلج.
(٢) أخرجه أحمد (١٢٦٣٥)، وأبو يعلى (٢٨٣١)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٣٦٨٦)، وابن حبان (٥٤٧٢) من حديث أنس ﵁. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٥/ ١٥٩ - ١٦٠: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار باختصار. وفي الصحيح طرف منه. ورجال أحمد رجال الصحيح. ا. هـ. وهو عند مسلم (٢١٠٢) من حديث جابر ﵁ بنحوه.
(٣) في "مسنده" (٢١٣٠٧)، وأخرجه -أيضًا- أبو داود (٤٢٠٥)، والترمذي (١٧٥٣)، والنسائي في "المجتبى" ٨/ ١٣٩، وابن ماجه (٣٦٢٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ا. هـ.
[ ١ / ٢٤١ ]
ويُسَنُّ استحدادٌ،
(ويسنُّ استحدادٌ) وهو حَلْقُ العانةِ بالحديدِ؛ لحديث أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ: "الفِطرةُ خمسٌ: الختانُ، والاستحدادُ، وقصُّ الشَّاربِ، وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبطِ" متَّفق عليه (^١).
وله قَصُّه وإزالتُه بما شاء، والتنويرُ في عانةٍ وغيرِها، فعله الإِمام أحمدُ؛ اقتداء به ﷺ،
(" ونتفُ الإبط" متفقٌ عليه) زادَ مسلم (^٢): "وإعفاء اللحية، والسواكُ، والاستنشاقُ، والاستنجاءُ، بالماءِ، وغسلُ البَرَاجِم" يعني: عقد الأصابع. مرعي في "تفسيره".
(والتنويرُ في عانة … إلخ) أي: ويسنُّ التنويرُ في عورةٍ وغيرها.
وأوَّل من صُنِعَت له النُّوْرَة (^٣) ودخلَ الحمَّامَ سيدُنا سليمانُ بن داود عليهما الصلاة والسلام، وذلك أنَّه لما تزوَّجَ بلقيسَ، قالت له: لم يمسَّني حديدٌ قطُّ. فقال: سليمانُ للشياطين: انظروا إليّ شيئًا يذهبُ بالشعر. فقالوا: النُّورةُ. فكانَ أولَ من صُنِعَتْ له (^٤).
وتُحْلَقُ العانةُ في كلِّ أسبوعٍ، ولا يتركُه فوقَ الأربعين يومًا عند الإِمام أحمد؛ لأنَّه يُبَرِّد الشهوةَ (^٥).
_________________
(١) البخاري (٥٨٨٩)، ومسلم (٢٥٧).
(٢) في "صحيحه" (٢٦١) من حديث عائشة ﵂.
(٣) النُّورة، بضمِّ النون: حجر الكلس، ثم غلبت على أخلاطٍ تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر. "المصباح المنير" (نور).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٩٤ - ٢٨٩٥ (١٦٤٤١) من قول ابن عباس ﵄. وأورده ابن كثير في "تفسيره" ٦/ ١٩٦ - ١٩٧ مطولًا. ثم قال بعده: هو منكر غريب جدًا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، والله أعلم، والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما يوجد في صحفهم، كروايات كعب ووهب. سامحهما الله. فيما نقلا إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل … وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح وأنفع وأوضح وأبلغ، ولله الحمد والمنة.
(٥) أخرج مسلم (٢٥٨) عن أنس بن مالك قال: "وقَّتَ لنا في قصّ الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة".
[ ١ / ٢٤٢ ]
وحَفُّ شاربٍ،
كما رواه ابنُ ماجه (^١) مِن حديثِ أمِّ سلمةَ، لكن تُكرَه كثرتُه.
قال في "الفروع" (^٢): وسكتوا عن شعر الأنفِ، فظاهرُه بقاؤه، ويتوجَّه: أخذُه إذا فَحُش.
(و) سُنَّ (حَفُّ شارب) أو قصُّه، وحفُّه أوْلى، نصًّا. قال في "النهاية" (^٣): إحفاءُ الشواربِ أن تُبالِغ في قصِّها.
(من حديثِ أمِّ سلمة) وسنده ثقاتٌ، وأعِلِّ بإرسال؛ لأنَّ قتادةَ قال: ما اطَّلى النبيُّ ﷺ (^٤). دنوشري. ونقل المصنِّفُ في "شرحه" على "الإقناع" (^٥) عبارةَ "الفروع" (^٦) ونَصُّها: قال في "الفروع": وقد أُعِلَّ بالإرسال. وقال أحمد: ليس بصحيح؛ لأنَّ قتادةَ قال … إلخ.
(لكنْ تُكرَهُ كثرته) استدراكٌ على قوله: "والتنوير في عانة … إلخ" أي: يُكرَه كثرةُ التنوير. قاله الآمدي؛ لأنَّه يُضعِفُ حركةَ الجماعِ. مصنِّف على "الإقناع" (^٧).
(وسنَّ حَفُّ شاربٍ) وهو إزالةُ الشعرِ النابتِ على الشفة العليا، بقصِّ طرفه، سُمِّي به، لانغماسِه في الشراب.
(قال في "النهاية": إحفاءُ الشواربِ أن تبالغَ في قصِّها) وكذا قال ابن حجر في "شرح
_________________
(١) في "سننه" برقم (٣٧٥١). قال البوصيري في "الزوائد": هذا حديث رجاله ثقات، وهو منقطع.
(٢) ١/ ١٥٢.
(٣) "النهاية في غريب الحديث" (حفا).
(٤) أخرجه أبو داود في "المراسيل" (٤٧٠)، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ١٥٢ بلفظ: لم يتنوَّر. قال البيهقي: منقطع.
(٥) "كشاف القناع" ١/ ٧٦.
(٦) ١/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٧) "كشاف القناع" ١/ ٧٦.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وتقليمُ ظُفُرٍ،
(و) سنَّ (تقليمُ ظُفُر) يدٍ ورِجْلٍ؛ لحديث أبي هريرةَ، وتقدَّم. ويكون في التقليمِ مخالفًا، فيبدأُ في اليمنى: بخنصرٍ فوسْطى فإبهامٍ فبِنْصرٍ فسبَّابة. [وفي اليسرى: بإبهامٍ، فوسطى، فخنصرٍ، فسبَّابة، فبِنْصرٍ] (^١)؛ لما روِيَ: "مَن قصَّ أظافره مخالفًا، لم يَرَ في عينيه رمدًا" (^٢) وفسَّره ابنُ بطَّة بما ذكر،
البخاري" (^٣): الإحفاءُ بالحاء المهملة والفاء: الاستقصاءُ، ومنه: "حتى أحْفَوه بالمسألة" (^٤). وإعفاء لحيته، ويكونُ كلَّ جمعةٍ أيضًا؛ لأنَّه يصيرُ وحشًا بتركه، ويدلُّ لكونِه كلَّ جمعةٍ، ما أخرجَه البغويُّ بسندِه إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ النبيَّ ﷺ كان يأخُذُ أظفارَه وشاربَه كلَّ جمعةٍ (^٥). ويدلُّ لقصِّ الشارب وإعفاءِ اللحية خبر الديلمي: "إنَّا آلَ محمَّدٍ نعفي لحانا، ونقصُّ شواربنا، وإنَّ آلَ كسرى يحلقون لِحاهم، ويُعْفُون شواربَهم، هَدْيُنَا مخالفٌ لهَدْيهم" (^٦).
وحَرَّم الشيخُ حَلْقَ اللحية، ولا يُكرَه أخذُ ما زادَ على قبضةٍ، ولا ما تحتَ حَلْقٍ، وأخَذَ أحمدُ من حاجبَيْه وعارضِه. دنوشري.
(وسُنَّ تَقْليمُ ظفرٍ) أي: ويسنُّ تقليمُ الأظفارِ مخالفًا، على الكيفيَّةِ التي ذكرَها الشارح.
_________________
(١) ليست في (ح). وخبر أبي هريرة تقدم ص ٢٤٤.
(٢) أورده ابن القيم في "المنار المنيف" (٣٢٣)، والسخاوى في "المقاصد الحسنة" (١١٦٣)، والملا علي القاري في "المصنوع في معرفة الحديث الموضوع" (٣٥٧)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (٢٥٧٢). قال ابن القيم عقبه: من أقبح الموضوعات.
(٣) "فتح الباري" ١٠/ ٣٤٧.
(٤) أخرجه البخاري (٦٣٦٢)، ومسلم (٢٣٥٩): (١٣٧)، وأحمد (١٢٨٢٠) من حديث أنس ﵁.
(٥) "شرح السنة" للبغوي ١٢/ ١١٣، وأخرجه أيضًا أبو الشيخ في "أخلاق النبي ﷺ وآدابه" ص ٢٥٦ - ٢٥٧. وإسناده ضعيف؛ لضعف محمَّد بن سليمان المسمولي، وعبيد الله بن سلمة، وأبيه سلمة بن وهرام. ينظر "لسان الميزان" ٢/ ١٩٣ و٣/ ٩، ٥٦٩. وأخرج البيهقي في "سننه" ٣/ ٢٤٤ وصحَّحه: أن ابن عمر كان يقلِّم أظفاره، ويقصُّ شاربه يوم الجمعة. وصححه أيضًا النووى في "الخلاصة" ٢/ ٧٨٠.
(٦) "الفردوس بمأثور الخطاب" ١/ ٥٤ - ٥٥.
[ ١ / ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قاله في "الشرح الكبير" (^١). وقد أخَذ بعضُهم مِن (^٢) كلِّ أصبع الحرفَ الأوَّلَ، فرمز لليمنى (^٣) بقوله: خوابس، ولليسرى بقوله (^٤): أوخسب. فالخاءُ في "خوابس" للخنصرِ، والواو للوسطى، وهكذا إلى آخرها.
ويستحبُّ غسلُ الأظفارِ بعد قصِّها تكميلًا (^٥) للنظافة.
ويستحبُّ غَسْلُها بعدَ قصِّها؛ تكميلًا للنظافة، ويكونُ ذلكَ يومَ الجمعةِ قبلَ الصلاةِ، أو يومَ الخميسِ آخرَ النهار.
ويستحبُّ أن لا يحيفَ عليها في الغزو؛ لأنَّه قد يحتاجُ إلى حلِّ حبلٍ أو شيءٍ.
ويستحبُّ دفنُ ما قلَّم من أظفارِه، أو زال من شعره. قال مهنَّا: سألتُ الإمامَ أحمد عن الرجلِ يأخذُ من شعرِه وأظفارِه، أيدفنُه أم يلقيه؟ قال: يدفنه. قلت: أبلغَكَ فيه شيءٌ. قال: كان ابنُ عمر يفعله (^٦).
وعن بعض الصحابة قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يفعلُه (^٧).
_________________
(١) ١/ ٢٥٤.
(٢) في (ح): "في".
(٣) في (س): "لليمين".
(٤) ليست في الأصل.
(٥) في (ز): "تجميلًا".
(٦) أخرجه الخلَّال في "الترجل" (١٥١)، وفي إسناده: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. قال عنه ابن حجر في "تقريب التهذيب": ضعيف عابد.
(٧) أخرج البزار (٢٩٦٨. كشف الأستار)، والطبراني في "الكبير" عن ميل بنت مشرح قالت: رأيت أبي يقلِّم أظفاره، ويدفنه، وقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك. قال الهيثمى في "مجمع الزوائد" ٥/ ١٦٨: رواه البزار والطبراني في "الكبير" و"الأوسط" من طريق عبيد الله بن سلمة بن وهرام، عن أبيه، وكلاهما ضعيف، وأبوه وثق. اهـ وفيه: محمَّد بن سليمان بن مسمول. وهو ضعيف. ينظر "ميزان الاعتدال" ٣/ ٥٦٩.
[ ١ / ٢٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد نظمَ بعضُهم كيفيَّةَ ترتيبِ قصِّ الأظفار فقال:
ابدأْ بيُمنَاكَ وبالخِنْصَر … في قصِّ أظفارِكَ واستبصِر
وثنِّ بالوسْطَى وثلِّثْ كما … قد قيلَ بالإبهامِ والبِنْصَر
واختتم الكفَّ بسبابةٍ … في اليدِ والرجلِ ولا تَمْتَر
وفي اليدِ اليُسرى بإبهامِها … والإصبعِ الوسطى وبالخِنْصَر
وبعدَ سبَّابتِها بِنْصرٌ … فإنَّها خاتمةُ الأيسَر
فذاك أمْنٌ حُزتَه يا فتى … من رَمدِ العينِ فلا تَزْدَر
هذا حديثٌ قد رُوِي مسندًا … عن الإمامِ المرتضَى حيدر (^١)
ونظمَها بعضُهم ترتيبًا آخرَ من روايةٍ أُخرى، فقال:
وقصُّ يمنى أثبتن خوابس … أوخس لليسرى وباخامس
فالخاءُ لخنصرِ اليمنى، والواو للوسطى، والباءُ للبِنْصَر، والسينُ للسبَّابةِ، ثم الألفُ للإبهام، والواو للوسطَى، والألفُ لإِبهام اليسرى، والخاءُ للخنصر، والسينُ لسبَّابتِها، والباء لبِنْصَرها.
ويروى عن سيدنا عليٍّ أنَّه قال: من قصَّ أظفَاره على هذهِ الصفةِ أمنَ من الرمد. دنوشري.
هذه طريقةُ الغزاليِّ (^٢)، وضعَّفَها السادةُ الشافعيَّة (^٣)، واعتمدوا طريقةً أخرى، بأنْ يبدأ بخنصرِ اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى.
_________________
(١) قال العجلوني في "كشف الخفاء" ٢/ ٥٤٨ قال السخاوي: وكذب القائل … وذكر الأبيات.
(٢) في "الإحياء" ١/ ١٤١.
(٣) ينظر "المجموع" ١/ ٣٤٥.
[ ١ / ٢٤٦ ]
ونَتْفُ إبطٍ.
وحَرُم نمْصٌ، ووشْرٌ، ووَشْمٌ.
(و) سُنَّ (نتفُ إبطٍ) لخبر أبي هريرةَ (^١)، فإن شقَّ، حلَقَه أو تنوَّر.
ويكون ما ذُكر مِن استحدادٍ، وحَفِّ شاربٍ، وتقليم ظُفرٍ، ونتفِ إبطٍ، يومَ الجمعة قبل الصَّلاة، كلَّ أسبوع، وكُره تركُه فوقَ أربعينَ.
ويُدفَن الدَّمُ (^٢) والشعرُ والظفرُ.
(وحرم نَمصٌ) وهو: نتفُ الشعرِ مِن الوجهِ. (ووَشْر) وهو: بَرْدُ الأسنانِ؛ لتُحدَّد وتُفَلَّج وتُحَسَّن (ووَشْم) وهو: غَرْزُ الجِلْدِ بإبرةٍ وحشوهُ كُحلًا.
قلت (^٣): والظاهرُ طهارةُ المحلِّ الموشومِ بالغسل، إذا لم يبقَ إلا مجردُّ لونِ أثرِ الوَشْمِ، كلوْنِ نجاسةٍ عجَز عنه.
وكذا يَحرُم وصلُ شعرٍ بشعرٍ؛ لما رُوِيَ "أنَّه ﷺ لعَن الواصلةَ والمستوصِلَة،
(وحَرُمَ نمصٌ) لما فيه من التدليس.
(ووَشْرٌ) وهو بَرْدُ الأسنانِ وتفليجُهَا وتحسينُها.
ويحرم وَشْمٌ: وهو غَرْزُ الجلدة بإبرةٍ أو نحوها، فيخرجُ الدمُ ويحشَى المحلُّ كُحْلًا، وفيه انتقال الدم، ثم حبسُه، فيصيرُ حاملًا للنجاسَةِ.
ويحرم أيضًا وَصْلٌ: وهو وصلُ الشعرِ بالشعر، ولو كان الوصلُ بشعرِ آدميٍّ أو بهيمةٍ، فيظنُّ الرائي أنَّه أصليٌّ، وأنَّه من شعرِها، فيحرُم ذلك كلُّه، ولو كان بإذنِ زوجٍ.
وأمَّا الوصلُ بغيرِ الشعر، فإنْ كانَ بقدرِ ما تشدُّ به رأسَها، فلا بأسَ به للحاجة؛ لأنَّ المحرَّم إنَّما هو وصلُ الشعرِ بالشعر؛ لما فيه من التدليس والغَررِ، بخلافِ غيره؛ لظهوره.
_________________
(١) تقدم تخريجه ص ٢٤٢.
(٢) ليست في (س).
(٣) ليست في (س).
[ ١ / ٢٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنّامِصَةَ والمتنمِّصةَ، والواشِرةَ والمستوشِرةَ" (^١). واللَّعنةُ على الشيء تدلُّ على تحريمهِ؛ لأنَّ فاعلَ المباحِ لا تجوزُ لعنتُه.
فمن وشِم باختيارِه، ولم يخفْ ضَررًا بإزالتِه، أزاله وجوبًا، بكشطِ الوشمِ، وإلَّا بأنْ خافَ ضررًا، لم تجبْ إزالتُه، وصحَّت صلاتُه وإمامته؛ لعذره.
وتصحُّ الصلاةُ مع وصلِ شعرٍ طاهرٍ، وإن كانَ فعلُه حرامًا؛ لأنَّ الحرمةَ ليست راجعةً لذاتِ الشعرِ، وإنَّما هي راجعةٌ لما يترتَّبُ عليه من التدليس، ولا تصحُّ مع نَجِسٍ.
وأباحَ ابنُ الجوزيِّ (^٢) النمصَ وحدَه، وفي "الغنية" وجهٌ أنَّه يجوزُ بطلبِ زوجٍ، ولها حَلْقُ الوجهِ وحفُّهُ وتحسينُه بتحمُّرٍ ونحوه؛ لَما في ذلك من حصولِ المصلحةِ من تحسينِ المرأةِ لزوجِها وسيِّدِها، حيثُ حلَّت له من غيرِ مضرَّةٍ.
قال في "الفروع" (^٣): ويتوجَّه إباحةُ تحميرِ (^٤) وجه، ونقشٍ، وتطريفٍ (^٥) بإذنِ زوجٍ فقط. ويكرهُ حفُّه لرجلٍ.
ويحرم التدليسُ والتشبُّه (^٦) بالمردان.
ويحرُم التلذُّذُ بشعرِ أجنبيَّة متَّصلٍ، لا بائن. دنوشري مع زيادة.
_________________
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ والتمام، بل أخرج الخاري (٥٩٤٠)، ومسلم (٢١٢٤) واللفظ له عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ لعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة. وأخرج أيضًا البخاري (٥٩٣٩)، ومسلم (٢١٢٥) عن علقمة قال: لعن عبدُ اللهِ الواشمات، والمتنمِّصات، والمتفلجات للحُسن المغيرات خَلْق الله، فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله … الخبر. وأخرج الباغندي في "مسند عمر بن عبد العزيز" (٢٩) و(٨٨) عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه القُصَّة … يقول: "لعن الله الواشمة والمستوشمة، والمتنمصة والنامصة، والواشرة والمستوشرة". وينظر "التلخيص الحبير" ١/ ٢٧٦.
(٢) في "أحكام النساء" ص ٢٣٠.
(٣) ١/ ١٦١.
(٤) في الأصل: "تحمر". والمثبت من "الفروع".
(٥) طَرَّفَتِ المرأةُ بنانها تطريفًا: خضبت أطراف أصابعها. "المصباح المنير" (طرف).
(٦) في الأصل: "التشبيه". والمثبت من "الفروع" ١/ ١٦٢، و"كشاف القناع" ١/ ١٨٥.
[ ١ / ٢٤٨ ]