باب الغسل
أي: ما يوجبه، أو يسنُّ له، وصفتُه وغيرُ ذلك.
وهو بالضَّمِّ: بمعنى الاغتسال، كما قال ابنُ مالك. ويكونُ بمعنى الماء الذي يُغتَسَل به، وقال الجوهريُّ (^١): غسلتُ الشيءَ غَسْلًا بالفتح، والاسمُ الغُسْل بالضَّمِّ، وبالكَسر: ما يُغسَلُ به الرأسُ من خِطْمِيٍّ (^٢) وغيرهِ. انتهى.
باب الغُسل
هذا البابُ يُذْكَر فيه ما يوجِبُ الغُسْلَ، وما يُمنَع [منه] (^٣) من لَزِمَه، وما يُستَحبُّ له، وصفتُه، ومسائلُ من أحكام المسجد، والحمَّام.
(وهو بالضَّمِّ) يعني أنَّ الغُسْلَ إذا كان بضمِّ الغين، يكونُ اسمَ مصدرِ اغتسلَ، من غَسَل الثوبَ أو البدنَ يغسِلُه غسلًا.
وبفتحها (^٤) مصدر غَسَلَ (^٥)، وبكسرِها ما ذكرَهُ الشارح.
وهو واجبٌ إجماعًا، وسندُه قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، سُمِّي به؛ لأنه نُهي أنْ يقربَ مواضعَ الصلاة، وقيل: لمَا أفاده الشارح.
والجنابةُ أصلها: البُعْدُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] أي: البعيد.
(الذي يُغتَسَل به) وهو بالمعنيين لغة: سيلانُ الماء على الشيء. ق س. خرج الوضوءُ؛
_________________
(١) في "الصحاح" (غسل).
(٢) الخِطميّ: ضَرْبٌ من النبات يغسل به."اللسان" (خطم).
(٣) ما بين حاصرتين زيادة من "كشاف القناع" ١/ ١٣٨.
(٤) في الأصل: "وبفتحهما".
(٥) جاء بعدها في الأصل: "تحريم القراءة على الجنب ومسائل إلخ" ولا معنى لها هنا.
[ ١ / ٣٨٣ ]
يوجبه
وهو شرعًا: استعمالُ ماءٍ طَهور في جميع بدنِه على وجهِ مخصوصٍ. والأصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. يقال: رجل ورجلان ورجالٌ جُنُبٌ. وقد يقال: جنبان وجُنبون. قاله الجوهري (^١). وفي "صحيح" مسلم (^٢): "ونحن جُنُبان". سُمِّيَ به؛ لأنه نُهي أن يقرب مواضعَ الصلاة، أو لمجانبةِ الناس حتى يتطهَّر، أو لأنَّ الماءَ جانبَ، أي: باعد محلَّه.
(يوجبه) أي: الغسْلَ، يعني إن الحدث الذي هو سببُ وجوب الغُسْل باعتبار أنواعه ستَّةُ أشياء، أيُّها وجد، وجَب الغُسْل.
لأنَّه استعمالُ ماءٍ طَهور في الاعضاءِ الأربعةِ.
والضميرُ في "بدنه" يرجعُ إلى المستعمِل المعلومِ مِنْ قولِه: "استعمال". أي: قولًا من أهلِ اللغة، وممن يَجري على قوانينهم وليس مطلقًا. وهذا التعبيرُ كثيرٌ، فهو جوابٌ عمَّا يقالُ في الآية: وَصَفَ الجمعَ بالمفرد، وحاصلُ الجوابِ أنه يستوي في ﴿جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦] المذكَّرُ والمؤنَّثُ، والواحدُ والمثنَّى والجمعُ؛ لأنه يجرى مجرى المصدر. ق س.
(وهو شرعًا) أي: إنَّ الغسلَ في الشرع، أي: في اصطلاحِ الفقهاء. وقوله: (طهور) مباح. وقوله: (في جميع بدنه) أي: بدنِ المغتِسل. (على وجه مخصوص) المرادُ به: صفتَاه الآتي ذكرُهما، وهما: الكاملُ، والمجزئُ. (﴿جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾) أي: فاغتسِلُوا، والجنبُ الذي أصابته الجنابةُ. ق س. [وهو أنْ يروِّي رأسَه الماء، ثمَّ بقيَّةَ جسدِه ثلاثًا ثلاثًا، ويتيامنُ، ويدلِكُه، ويعيدُ غسلَ رجليهِ بمكانٍ آخر] (^٣). (يقال: جنبان … إلخ) حكايته بـ "قد" التي للتقليل.
_________________
(١) في "الصحاح" (جنب).
(٢) برقم (٣٢١)، وهو عند أحمد (٢٥٥٦٣) عن عائشة ﵂.
(٣) هذه العبارة ليست في "الهداية" ولعلَّ المحشي نقلها من عبارة الدنوشري على "المنتهى" وهي فيه ١/ ٢٤.
[ ١ / ٣٨٤ ]
خروج منيٍّ بلذَّةٍ،
أحدها: ما أشار بقوله: (خروج مَنيٍّ) بتشديدِ الياء على وزن غنيٍّ: وهو ماءٌ، غليظٌ، دافقٌ، يخرجُ عند اشتدادِ الشهوة. ومَنيُّ المرأة أصفرُ رقيق (^١).
ولابُدَّ أن يكون دَفْقًا (بلذَّة) لقول عليِّ: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا فَضَخْتَ الماء، فاغتَسِل، وإنْ لم يكُنْ فاضخًا، فلا تَغتَسلْ" رواه أحمدُ (^٢). والفَضْخُ: خروجُه بالغَلَبة. قاله إبراهيم الحربيُّ (^٣). فلو خرج بلا لذة من غيرِ نائمٍ ونحوِه، كمجنونٍ، ومغمًى عليه، وسكران، لم يوجب غسلًا، فيكون نجسًا وليس منيًّا، كما في "الرِّعاية". ولا بُدَّ أن يخرجَ المنيُّ من مَخْرجِه أيضًا، فلو انكسر صلبُه فخرج منيُّه، لم يجبْ به (^٤) غُسلٌ، وحكمُه: كنجاسةٍ معتادة.
(بلذَّةٍ) عندَ خروجه في حق غير نائمٍ ونحوه، كمغمًى عليه، وغير النائم ونحوه: هو اليقظانُ. ويلزم من اللذَّةِ أن تكون دَفْقًا، فلهذا استغنَى المصنف -رحمه الله تعالى- عن ذِكرِ الدَّفْقِ بذكر اللذَّةِ. فلو جامع اليقظانُ وأكسل (^٥)، فاغتسلَ لجماعِه، ثمَّ أنزلَ بلا لذَّةٍ بعد غُسْلِه، لم يُعِد الغُسل؛ لِفقدِ اللذَّة المعتبرَةِ شرعًا في وجوبِ الغُسل.
ولو خَرَجَ ما يشبهُ المنيَّ لمرضٍ أو برودةٍ من غير شهوةٍ، لم يجت له غُسْلٌ، وهو قولُ أبي حنيفة ومالك. وقال الشافعيُّ: يجبُ. انتهى. دنوشري.
(كمجنونٍ … إلخ) أي: أو من يقظان بغيرِ لذَّةٍ وهو مثالٌ للنحو.
_________________
(١) "المطلع" ص ٢٧.
(٢) في "مسنده" (٨٦٨)، وأخرجه -أيضًا- أبو داود (٢٠٦)، والنساير في "المجتبى" ١/ ١١١، وفي "الكبرى" (١٩٧) دون قوله: "وإن لم تكن فاضخًا فلا تغتسل" وصحَّحه النووي في "المجموع" ٢/ ١٥٤.
(٣) هو أبو إسحاق، إبراهيم بن اسحاق بن إبراهيم البغدادي الحربي، صاحبُ التصانيف، منها: (غريب الحديث) وهو من أنفس الكتب وأكبرها في هذا النوع. (ت ٢٨٥ هـ). "طبقات الحنابلة" ١/ ٨٦ - ٩٣، و"سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٣٥٦ - ٣٧٢.
(٤) ليست في الأصل و(م).
(٥) أكسل الرجل: إذا جامع ثم لحقه فتورٌ فلم ينزل. "اللسان" (كسل).
[ ١ / ٣٨٥ ]
ومن نائم مطلقًا.
(و) يوجبُه: خروجُ المنيِّ (من نائمٍ) ونحوهِ (مطلقًا) أي: بلذَّة، أَوْ لا؛ لتعذُّرها إذن. فلو انتبه بالغٌ، أو مَنْ يمكنُ بلوغُه -كابن عَشْر وبِنْت تِسْع- ووجد بللًا ببدنِه أو ثوبهِ، وجَهِلَ كونَه منيًّا، بلا سببٍ تقدَّم نومَه من بردٍ، أو نَظَرٍ، أو فِكْرٍ، أو ملاعبةٍ، أو انتشارٍ، وَجَبَ الغُسْلُ، كتيقُّنه منيًّا. ووجب أيضًا غَسْلُ ما أصابه من بَدَنٍ وثوبٍ، فمن تقدَّمه سببٌ، لم يجبِ الغُسْل؛ لعدم تيقُّنِ الحدَث.
(فلو انتبهَ بالغٌ … إلخ) مفرَّعٌ على قوله: "ويوجبُه خروجُ المنيِّ من نائمٍ"، فلو أفاقَ نائمٌ ونحوه، كمغمًى عليه، وهو بالغٌ، أو في سنٍّ يَحْتَمِل بلوغَها "كابن عشرٍ … إلخ".
(ووجدَ بللًا ببدنِه أو ثوِبه) الذي ينامُ فيه وحدَه، فإنْ تحقَّقَ أنَّه منيٌّ، اغتسلَ فقط دونَ غَسْلِ ما أصابَه البللُ الذي تحقَّقَ أنه منيٌّ؛ لأن المنيَّ طاهرٌ، وعليه إعادةُ المتيقَّنِ من الصلاةِ وهو فيه، وإعادةُ الصلاةِ من آخرِ نومةٍ نامَها، ولا فرقَ بينَ أن يَذكُرَ احتلامًا، أوْ لا.
وإنْ رأى في نومِه أنه احتلَم، فانتبهَ، فلم يجدْ بللًا، فلا غُسْلَ عليه إنْ لم يحسَّ بانتقالِه وحبسه، فإنْ أحسَّ بانتقالِه، وَجَبَ عليهِ الغُسْل بالانتقالِ، وإنْ لم يحسَّ بالانتقالِ، وخرجَ منهُ بعد انتباهِه من نومه، لزمَهُ الغُسْل. نصَّ عليه. لكن إنْ وَجَدَ شهوةَ عندَ خروجِه، لزمَه في الحال، وإنْ لم يجد، تبيَّنَّا وجوبَه من حين الاحتلام، فيلزمُه أنْ يعيدَ ما صلَّى بعدَ الانتباهِ، وقبلَ الخروج؛ لأنَّه كانَ جُنبًا، ولم يَعلَم. قاله المجد في "شرحه".
وإنْ كانَ ينامُ هو وغيرُه فيه، وكانا من أهل الاحتلامِ، فلا غُسْل عليهما (^١)، ولكن لا يأتمُّ أحدُهما بالآخرِ ولا يصافهُّ وحده، وكذا كلُّ اثنين تُيُقّنَ موجبُ الطهارة من أحدهما لا بعينه، كرجلين لمسَ كلُّ واحدٍ منهما أحدَ فرجي خنثَى مُشكلٍ لغيرِ شهوةٍ، والاحتياطُ أن يتطهَّرا. دنوشري.
ومحلُّ ذلك المذكور من قولِه: (فلو انتبَه بالغٌ … إلخ) في حقِّ غيرِ النبيِّ ﷺ؛ لأنَّه لا
_________________
(١) هذه الحبارة وردت في "الهداية" في الصفحة التالية.
[ ١ / ٣٨٦ ]
وإن انتقلَ ولمْ يخرجْ،
قال المصنِّف (^١): قلتُ: والظاهرُ وجوبُ غَسْل ما أصابه من بدنٍ وثوب؛ لرجحان كونه مذيًّا بقيام سببه إقامة للظن مقام اليقين. انتهى. وأمَّا لو تيقَّن البلل مذيًّا، فنجاسةٌ لا غير. وإن وَجَدَ منيًّا في ثوبٍ لا ينام فيه غيرُه، قال أبو المعالي (^٢) والأزجيُّ: لا بظاهره؛ لجوازِ كونه من غيره. قال في "الإنصاف" (^٣): وهو صحيح، وهو مرادُ الأصحاب فيما يَظْهَر. فعليه الغُسْل، وإعادةُ المتيقن من الصلاة. وإن كان ينامُ هو وغيرُه فيه، وكان الغيرُ من أهلِ الاحتلام، فلا غُسْلَ عليهما، بل على واحدٍ لا بعينه. ولا غُسْلَ بحُلم بلا بلل، فمن انتبه، ثمَّ خرج بلا لذَّة، وَجَبَ من حينِ الاحتلام، وبها، فمِن خروجه.
(وإن انتقل) المنيُّ من رجلٍ، أو امرأةٍ، (ولم يخرجْ) بأن أحسَّ به، فحبَسه، أو
يَحتلم، وتنام عيناه ولا ينام قلبه (^٤)، ولأن الاحتلامَ من الشيطان والشيطانُ لا يتمثَّلُ له، ولا تَسَلُّطَ له عليه.
(لا بظاهره) أي: بظهر ثوبه.
(لجواز كونه من غيره) تعليلٌ لقوله: "لا بظاهره"، يعني: يُشتَرطُ لوجوبِ الغُسْل عند أبي المعالي والأزجي أنْ يكونَ المنيُّ في باطنِ الثوبِ، وصحَّحهُ في "الإنصاف". (وبها، فمِن خروجِه) أي: وإن خرجَ المنيُّ بلَذةٍ، وجبَ عليه الغُسْلُ من خروجه منه.
(وإن انتقلَ المنيُّ من رجلٍ … إلخ) يعني من موجباتِ الغُسْل انتقالُ منيٍّ، أي: إذا أحسَّ
_________________
(١) في "كشاف القناع" ١/ ١٤٠.
(٢) هو: وجيه الدين، أبو المعالي، أسعد بن المُنّجَّى، التنوخي المعرِّي ثم الدمشقي، شيخُ الحنابلة، له تصانيف منها: "الخلاصة في الفقه"، وكتاب "العمدة" في الفقه أصغر منه، و"النهاية في شرح الهداية" في بضعة عشر مجلدًا. (ت ٦٠٦ هـ). "السير" ٢١/ ٤٣٦ - ٤٣٧، و"ذيل الطبقات" ٢/ ٤٩ - ٥٠.
(٣) ٢/ ٨٢.
(٤) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (١١٤٧)، ومسلم (٧٣٨): (١٢٥) من حديث عائشة مرفوعًا: "يا عائشة" إنَّ عيني تنامان، ولا ينام قلبي". وهو عند أحمد (٢٤٠٧٣).
[ ١ / ٣٨٧ ]
اغتسلَ له،
انحبسَ بنفسه (اغتسلَ) وجوبًا (له) أي: للانتقال؛ لأن أصلَ الجنابة البُعد، ومع الانتقال، قدْ باعد الماءُ محلَّه. ويثبتُ بانتقال مَنيٍّ -ومثلُه حيضٌ- حكمُ بلوغٍ من وجوبِ نحوِ صلاة، وحكمُ فطرٍ من صومٍ، بنحوِ قُبلة وغيرِهما، كوجوب بَدَنة في الحج حيثُ وجبتْ؛ لخروج مَنيٍّ. وفي "شرح المنتهى": كفسادِ نُسُك (^١)
الرجلُ بانتقال منيِّه، فحبسَه، ولم يخرج، وجبَ عليه الغُسْلُ بمجرَّدِ إحساسِه بانتقاله عن صُلْبه، والمرأةُ بانتقالِه عن ترائِبِها؛ لأنَّ الجنابةَ تباعدُ الماءِ عن محلِّه، وقد وجِد، فتكونُ الجنابةُ موجودةً، فيجبُ بها الغُسْلُ؛ لأنَّ الغُسْلَ يُراعَى فيه الشهوةُ، وقد حصلَت بانتقالِه، والقولُ بوجوبِ الغسلِ بانتقالِ المنيِّ من المفردات. وعدَّ صاحبُ "المنتهى" (^٢) موجبات الغسل سبعةً: أوَّلُها: انتقالُ المنيُّ، وعن أحمد روايةٌ أخرى أنه لا يجبُ الغُسْل حتَّى يخرجَ المنيُّ، وعلى المذهبِ لو اغتسلَ لانتقالِ المنيِّ قبلَ خروجِه، ثم خرجَ بعدَ الغُسْل، قال في "المبدع": وكذا لو اغتسلَ لمنيٍّ خرجَ بعضُه، ثمَّ خرجت بقيَّتُه، فلا يعادُ غُسْلٌ له بخروجِه بعدَه بغيرِ شهوةٍ؛ لأن وجوبَ الغُسْلِ تَعلَّقَ بانتقالِ منيٍّ، وقد اغتسلَ له، فلم يجب عليه غسلٌ ثانٍ لبقيَّة المنيِّ إذا خرجت البقيَّة بعد الغسل، على المشهور الذي عليه الجمهور، ولأنَّه جنابةٌ واحدةٌ، فلم يجبْ له غُسْلان، كما لو خَرجَ دفقةً واحدةً؛ لأنَّه خارجٌ لغيرِ شهوةٍ، وإنما يلزمُه الوضوءُ فقط. وكذا لو خرج منيُّه من فرجِها بعدَ غُسْلِها فلا غسلَ عليها، وعليها الوضوءُ.
قال ابنُ حمدان: أو خرجَ ما دخلَ فرجَها من منيِّ امرأة بسحاقٍ، فإنَّه لا يجب عليها الغُسْلُ، على المنصوص، وعلى المذهب أيضًا، وهو وجوب الغُسْلِ.
وانتقالُ المنيِّ يثبتُ به حكمُ بلوغٍ، وفِطْرِ، وغيرهما، كوجوبِ كفَّارَةٍ فيما لو باشرَ دونَ
_________________
(١) "معونة أولي النهى شرح المنتهى" ١/ ٣٨٦.
(٢) "منتهى الإرادات" ١/ ٢١ - ٢٢.
[ ١ / ٣٨٨ ]
ولا يعادُ بخروجهِ بعدُ، بلا لذَّةٍ.
وتغييبُ حشفةٍ أصليَّةِ،
وهو -كما قال المصنف- مبنيٌّ على القول بفساد النُّسُك بخروج المَنيِّ بالمباشرة.
(ولا يُعاد) الغسْل (بخروجه) أي: المنيِّ (بعد) بالبناء على الضَّمِّ؛ لحذف المضاف إليه ونيةِ معناه، أي: بعد الاغتسال من الانتقال. وكذا لو خرج المنيُّ بعد غُسله من جماعٍ لم يُنْزِل فيه، أو خرجت بقيَّةُ منيٍّ اغتسل له؛ لما روى سعيدٌ عن ابن عباس أنَّه سُئِلَ عن الجُنُبِ يخرجُ منه الشيءُ بعد الغُسْل، قال: يتوضأ (^١). وكذا ذَكَره الإمامُ أحمدُ عن عليٍّ (^٢). لكن يُشتَرط في الصُّوَر الثلاثِ أن يكونَ ما خرج (بلا لذَّة) فلو خرج بلذَّة، اغتسل؛ لأنَّه منيٌّ جديدٌ.
الثاني من موجباتِ الغُسْلِ: ما أشار إليه بقوله: (وتغييب) بالرفع عطفًا على قوله: "خروجُ منيٍّ" أي: ويوجبُ (^٣) الغُسْلَ أيضًا تغييبُ (حَشَفَةٍ أصليَّه)
الفرجِ، أو قبَّل أو لمسَ لشهوةٍ، أو كرَّرَ النظرَ لشهوةٍ فأنزلَ، فعليه بَدَنَةٌ فقط، ولم يَفسُدْ نسكه، كما لو لم يُنزِل، ففسادُ النسكِ بالإمناء، أو بانتقالِ المنيِّ، إنِّما يتمشَّى على قولٍ مرجوحٍ، والمذهبُ خلافهُ، كما هو مصَّرحٌ به في بابه.
وكانتقالِ المنيِّ في الحكمِ انتقالُ حيضٍ، فيثبتُ [بانتقاله ما يثبت] (^٤) بخروجِه، فإذا أحسَّت بانتقالِ حيضِها قُبيلَ الغروبِ بلحظةٍ، وهي صائمة، ثبتَ لها حُكمُ الفِطْرِ، ولو لم يَخْرج الدَّمُ إلا بعد الغروبِ، ووَجَب عليها القضاءُ. دنوشري مع زيادة.
(وتغييب حَشَفَةٍ أصليَّةٍ) أي: حَشَفةِ الذكر، وهي ما تحتَ الجلدةِ التي تقطعُ من الذكرِ في الختان، سواءٌ وجد بذلك شهوة، أوْ لا، وسواءٌ أنزلَ، أم لم يُنزِل.
_________________
(١) لم نقف عليه في المطبوع من "سنن" سعيد، وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٣٩، وابن المنذر في "الأوسط" ٢/ ١١٢.
(٢) وذكره عنه ابن المنذر في "الأوسط" ٢/ ١١٢ - ١١٣، وهو عند ابن أبي شيبة ١/ ١٣٩.
(٣) في (م): "يوجب" دون واو.
(٤) الزيادة من "منتهى الإرادات" ١/ ١٥٥.
[ ١ / ٣٨٩ ]
فى فرجٍ أصليٍّ،
أو قدرِها إن فقدتْ، بلا حائل (في فَرْجٍ أصليٍّ) لحديثِ أبي هريرة مرفوعًا: "إذا جَلَسَ بين شُعَبِها الأربع، ثمَّ جَهَدها، فقدْ وَجَبَ الغُسْل" متَّفق عليه (^١). زاد أحمدُ ومسلم: "وإن لم يُنْزِل" (^٢). وفي حديثِ عائشةَ قالت: قال رسولُ الله ﷺ: "إذا قَعَدَ بَيْنَ شُعبِهَا الأربعِ، ومسَّ الخِتانُ الختانَ، فقدْ وَجَبَ الغُسْلُ" رواه مسلم (^٣). والمرادُ من التقائهما: تقابُلُهما وتحاذيهما، وذلك لا يحصلُ إلا بالتغييب، كما ذكره المصنِّف.
وإنَّما عدلَ عن التقاءِ الختانين إلى ما ذُكِر؛ لأنَّهما إذا تماسَّا من غيرِ إيلاجٍ، لم يجب الغُسْل، فلا يجبُ إلا بتغييبِ الحشَفة.
وقولُه: "أصليَّة" لا الزائدة، فلا غُسْلَ بتغييبِ حَشَفَةِ الخُنْثَى المشكِل في فرح أصليٍّ؛ لاحتمالِ أنَّها زائدةٌ، وهو طاهر بيقين، فلا غسل عليهما.
(أو قدرها إنْ فُقِدَت) أي: ومن موجبِ الغُسْل تغييبُ قَدْر الحَشَفة من مقطوعها بلا حائلٍ؛ لانتفاء التقاء الختانَين والمماسَّةِ مع وجود الحائل، فيجبُ الغُسْل بتغييبِ الحشفة أو قَدْرها.
(في فرجٍ أصليٍّ) لا زائدٍ، فلا غُسْلَ بتغييبِ حَشَفَةٍ أصليَّةٍ في فرجِ خنثى مُشكِلٍ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ فرجُهُ خِلقةً زائدةً، وكذا لو جامَعَ كلٌّ من الخُتثَيين الآخرَ بالذكر في القُبُل أو الدبر، فلا غُسْلَ عليهما؛ لاحتمالِ كونِهما رَجُلينِ، أو امرأتين، وإن تواطأ رجلٌ وخنثى في دبريهما، فعليهما الغسل.
"فرع": لو قالت امرأةٌ: لي جِنِّيٌّ يجامعني كالرجل، فعليها (^٤) الغسل، كما ذكره في
_________________
(١) "صحيح" البخاري (٢٩١)، و"صحيح" مسلم (٣٤٨)، وهو عند أحمد (٧١٩٨). جهدها: أي: دَفَعَها وحَفَزها، وقيل: الجهد من أسماء النكاح. "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير (جهد).
(٢) "مسند أحمد" (٨٥٧٤)، و"صحيح" مسلم (٣٤٨).
(٣) برقم (٣٤٩) مطولًا.
(٤) في الأصل: "فعليهما".
[ ١ / ٣٩٠ ]
ولو دبرًا، أو مِنْ بهيمةٍ، أو ميتٍ.
وما روي عن عثمانَ وغيرهِ (^١) من قوله ﵊: "الماءُ مِنَ الماء" (^٢) فمنسوخٌ.
(ولو) كان ما غُيِّب فيه (دُبرًا، أو) فرجًا (من بهيمةٍ) حتى سمكةٍ، وطيرٍ حيِّ (أو ميتٍ) ولو كان ذو الحشفة مجنونًا، أو مغمًى عليه، أو نائمًا، بأن أدخلَت حشفةَ أحدِ مَن (^٣) ذُكر في فرجها، فإنَّه يجبُ الغُسل عليهما؛ للعموم. ولو استدخلَت حشفةَ ميتٍ،
"الإقناع" (^٤). قال في "المبدع": قال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤] فيه دليلٌ على أن الجنيَّ يغشَى المرأةَ كالإنسيِّ (^٥).
والأحكامُ المتعلِّقة بتغييبِ الحَشَفة أو قَدْرِها من مقطوعِها كالأحكام المتعلِّقَةِ بالوطء الكاملِ في الفرجِ الأصليِّ. دنوشري.
(فمنسوخ) أي: منسوخٌ مفهومُه من وجوبِ الغُسْل بحديث عائشة المتقدِّم. أفادَه الطوفيُّ في "شرحه" على "الأربعين".
(ولو كان ما غُيِّبَ فيه دُبرًا … إلخ) أي: ولو كانَ ما غُيِّبَ فيه دُبرًا لميتٍ، أو لبهيمةٍ.
(حتى سمكةٍ) غايةٌ لبهيمة؛ لأنَّه إيلاجٌ في فرجٍ أصليٍّ، فوجب به الغسل، كفرج الآدميَّة.
ولا يُشتَرط لوجوبِ الغُسْلِ بتغييبِ الحَشَفَةِ الأصليَّةِ في الفرجِ الأصليِّ بلوغٌ، ولا يقظَةٌ، ولا عقلٌ، لكن يُشتَرطُ كونُه ممن يُجامعُ مثلُه، ولو نائمًا، أو مجنونًا، أو لم يبلغ. دنوشري.
_________________
(١) أي: في أنه لا يجب الغسل إلا بالإنزال. "كشاف القناع" ١/ ١٤٢، وحديث عثمان أخرجه البخاري (١٧٩) و(٢٩٢) عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان ﵁ قلت: أرأيت إذا جامع فلم يُمنِ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره. قال عثمان: سمعتُه من رسول الله ﷺ فسألت عن ذلك عليًا والزبير وطلحة وأبي بن كعب فأمروه بذلك. وهو عند مسلم مختصرًا، دون الزيادة الأخيرة.
(٢) أخرجه مسلم (٣٤٣)، وأحمد (١١٢٤٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) فى (م): "ممن".
(٤) ١/ ٦٧.
(٥) "زاد المسير" ٧/ ٣١٥.
[ ١ / ٣٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو بهيمةٍ، فعليها فقط، فلا يُعاد غسْل الميتِ، ويُعادُ غسْلُ ميتةٍ موطوءَةٍ. ولابُدَّ في وجوبِ الغُسْل بالتغييب من كونِ كلٍّ يجامعَ مثلُه، كابن عَشْرٍ وبنتِ تِسْع، فيلزمهما غُسْلٌ، ووضوء لنحو صلاة، بمعنى توقُّف صحَّة ذلك عليه، لا أنَّه يأثم غيرُ البالغ بتركه. فلو كان أحدُهما يجامع مثلُه دون الآخر، فلكلٍّ حكمه، فيجبُ الغُسْل على من يجامع مثلُه فقط دون صاحبِه الذي لا يجامع مثلُه.
(ويعاد غسل ميتةٍ موطوءَةٍ) ولعل الفرقَ بينها وبين الميِّتِ أن الفاعلَ لابدَّ من قصدِه حقيقةً أو حكمًا، كالنائمِ، دون المفعول فيه.
(مِن كونِ كلٍّ يجامع مثلُه) جارٌّ ومجرورٌ متعلِّق بـ "لابدَّ"، والذي يجامعُ مثلُه، هو ابنُ عشرٍ فأكثر، والتي يجامَعُ مثلُها هي بنتُ تسعٍ فأكثر، كلما ذكرَه عامَّة الأصحاب.
قال الدنوشري: والذي أقول: إنَّ هذا بالنظر إلى لحوقِ النسب، وأمَّا بالنظر إلى الجماع، فينبغي أنْ يكونَ الذي يجامعُ مثلُه هو من بلغ سبعًا فأكثر، بدليلِ صحَّة عبادتِه، ووجوبِ غُسْلِه من جماعِه عند إرادتها. ومعنى اللزوم في حقِّ من لم يبلغ أنَّ صحَّة الصلاةِ ونحوها، كالطَّوافِ، ومسِّ المصحفِ، وقراءةِ القرآنِ، مشروطةٌ بالغُسْل، لا أنَّه يأثمُ بالتركِ.
وأشار إلى ذلك الشارح تبعًا لـ "المنتهى" (^١) بقوله: "بمعنى توقُّف … إلخ" لاشتراطِ الطهارة لجميع ذلك في حقِّ الصغير كالصغيرة. ويباحُ لمن غيَّبَ حَشَفَتَه فى فرجٍ أصليٍّ إذا كان صغيرًا أن يلبثَ في المسجدِ بغيرِ وضوءٍ؛ لعدمِ تكليفِه، ولأنَّه إذا تعذَّرَ الوضوءُ في حقِّ الكبيرِ والشيخ لِلُبْثٍ فيه، جازَ بلا تيمُّم.
واستدخالُ ذكرِ أحدِ من ذُكر وهو الميت، والنائمةُ، والنائمُ، والمجنونُ، ومن لم يبلغ، كفعلٍ، فإذا استدخلَتِ المرأةُ ذكرَ أحدِ هؤلاء المذكورين، وجَبَ عليها الغُسْلُ، دونَ الميت، فلا يعادُ غُسْلُه.
_________________
(١) ١/ ٢٢.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وإسلامُ كافرٍ،
وعُلم مما تقدم أنَّه لا غُسْلَ بتغييبِ بعضِ الحَشَفَةِ، ولا مَعَ حائلٍ، ولا بالتصاقِ الختانين، وتماسِّهما من غيرِ إيلاجٍ، ولا بسحاقٍ: وهو إتيانُ المرأة المرأةَ، ولا بإيلاجٍ في غيرِ أصليٍّ، أو بغيرِ أصليٍّ، كقُبُل الخنثى، وذَكَرِه.
الثالثُ من موجبات الغسل: ما أشار إليه بقوله: (وإسلامٌ كافر) ولو مرتدًّا،
فلو غيَّبتِ المرأةُ حَشَفَةَ بهيمةٍ أو قرد، اغتسلَت وجوبًا.
ولا فرقَ بين العالِمِ والجاهلِ، فلو مَكَثَ زمانًا لم يُصَل، احتاطَ في الصلاة، ويعيدُ حتى يتيقَّن (^١). نصَّ عليه؛ لأنَّه ممَّا اشتهرَت به الأخبارُ، فلم يُعذَر بالجهلِ.
والطائعُ والمكرهُ في تغييبِ الحَشَفة سواءٌ؛ لأن موجب الطهارةِ لا يُشتَرط فيه القصدُ، كسبقِ الحدَثِ، والنائم كاليقظان. كما ذكرُه في "المبدع". دنوشري مع زيادة.
(بمعنى توقُّف صحَّة ذلك) أي: صلاتِه عليه، وهذا معنى لزومه بأن صحَّة ذلك متوقِّفةٌ على أحدهما، لا إنَّه إذا تركَه يُعاقَبُ عليه؛ لعدمِ تكليفه على الأصحِّ، أمَّا على القول بتكليفِه، فلا يُحتَاجُ إلى هذا التأويل. محمد الخلوتي.
(وعُلِم ممَّا تقدَّم … إلخ) هذا مفهومُ المتنِ.
(ولو مرتدًّا) أي: يجبُ الغُسْلُ على كافرٍ أسلمَ، ولو كانَ الكافرُ الذي أسلمَ مرتدًّا، أو أصليًا؛ لأنَّ المرتدَّ مساوٍ للأصليِّ في المعنى، وهو الإسلام، فوجبَ مساواتُه له في الحكم، وهو يوجِبُ الغُسْلَ، فيجبُ الغسْلُ بإسلامِ الكافرِ سواءٌ وجِد في كفره ما يوجِبه، كالإمناءِ، أو التقاء الختانين مع تغييب الحشفة، أو لم يوجدْ في حالِ كفرِه ما يوجبُه من جماعٍ، أو إنزالٍ؛ لأن مُوجِبَ الغُسْل هو الإسلام، وإذا وجِد من الكافرِ -حالَ كفره- سببٌ من الأسبابِ الموجبةِ للغُسْل، كتغييبِ الحَشَفَةِ في الفرج، أو نحوِ ذلك، لم يلزمْهُ له غسل إذا أسلم، بل يكفيه غُسْلُ
_________________
(١) كذا في الأصل و"المبدع" ١/ ١٨٢، وجاءت العبارة في "كشاف القناع" ١/ ١٤٣ كما يلي: فلو مكث زمانًا يُصلِّي ولم يغتسل، احتاط في الصلاة، ويعيد حتى يتيقَّن. اهـ.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وموتٌ،
أو مميزًا؛ لحديث أبي هريرةَ: أنَّ ثَمَامة بنَ أثال أَسْلَم، فقال النبي ﷺ: "اذهبُوا به إلى حائطِ بني فلانٍ، فمُرُوه أن يَغتَسِلَ" رواه أحمدُ (^١). فيجب الغُسْل سواءٌ وجد منه في كُفْرهِ ما يوجبه أوْ لا، اغتسل قَبْلَ إسلامِه أوْ لا. ووقتُ وجوبهِ على مميِّز كما مرَّ.
الرابعُ من الموجبات: ما أشار بقوله: (وموتٌ) فيجبُ تغسيلُ الميِّت المسلم ولو
الإسلامِ على الصحيح من المذهب، سواءٌ اغتسلَ قبل الإسلام أم لا؛ لعدمِ صحَّة نيَّتِه، إلا حائضًا ونفساء كتابيَّتين اغتسلتَا لوطءٍ لزوجٍ أو سيِّدٍ مسلم، ثمَّ أسلمتا، فلا يلزمُهما إعادةُ الغسل، كما ذكره في "التنقيح" وتبعَه عليه في "الإقناع" (^٢). وأنتَ خبيرٌ بما قال المنقِّح، فإن وجدت فيه شيئًا مخالفًا لأصله -أي: "الإنصاف"- فاعتمدْهُ فإنِّي وضعتُه عن تحرير.
"فرعٌ": يحرمُ تأخيرُ إسلامٍ لغُسْلٍ أو غيره، ولو استشارَ مسلمًا، فأشارَ بعدمِ إسلامِه، أو أخَّر عَرْضَ الإسلامِ عليه بلا عُذْرٍ، لم يجز، ولم يصرْ مرتدًّا. ذكره في "الإقناع" (^٢).
(أو مميزًا) يعني: يجبُ الغسلُ بإسلامِ الكافر مطلقًا، سواءٌ كان بالغًا، أو كانَ الكافرُ الذي أسلَمَ مميزًا؛ لأن الإسلامَ مُوجِبٌ للغسل، فاستوى فيه الكِبَرُ والصغر، كالوطءِ، ويكونُ وقتُ لزومِ الغُسْل على المميِّزِ الكافرِ، كوقتِ لزومِه على المسلمِ المميِّز، إذا جامع، وهو ما إذا أرادَ ما يتوقَّفُ على غسْلٍ أو وضوءٍ لغيرِ لبثٍ بمسجدٍ، فلم يأثمِ الصغيرُ بتأخيرِ الغُسْل، وإذا أراد ذلك، فمن شرطِه الغُسْل. دنوشري مع زيادة.
(وموتٌ) تعبُّدًا لا عن حدثٍ؛ لأنَّه لو كانَ عن حدثٍ، لم يرتفع مع بقاءِ سببه، وهو الموت، إذ الحائضُ لا يصحُّ غُسْلُها للحيض مع جريان الدم، ويستثنَى من ذلك الشهيدُ
_________________
(١) في "مسنده" (٨٠٣٧)، وأخرجه -أيضًا- ابن خزيمة (٢٥٣)، وعبد الرزاق (٩٨٣٤)، و(١٩٢٢٦)، والبزار (٣٣٣) "كشف الأستار". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١/ ٢٨٣: رواه أحمد والبزار … وفي إسناد أحمد والبزار عبد الله بن عمر العمري، وثقه ابن معين وأبو أحمد بن عدي، وضعفه غيرهما من غير نسبة إلى كذب، وقال أبو يعلى: عن رجل، عن سعيد المقبري. قال: فمن كان هو العمري، فالحديث حسن، والله أعلم. اهـ.
(٢) ١/ ١٤٥.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وحيضٌ،
صغيرًا؛ لقوله ﵊: "اغسِلْنَها" (^١)، إلى غيرهِ من الأحاديث كما سيأتي. غير شهيد معركةٍ ومقتولٍ ظلمًا. الخامس من الموجبات: ما أشار إليه بقوله: (وحيضٌ) أي: خروجُ دمِ حيضٍ؛ لقوله ﵊ لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: "وإذا ذهبَتْ، فاغتَسِلي، وصلِّي" متفَق عليه (^٢).
والمقتولُ ظلمًا، وقد أشارَ الشارحُ إليهما بقوله: (غيرَ شهيدِ معركةٍ ومقتولٍ ظلمًا) فيجبُ بقاءُ دمِ الشهيد عليهِ، ويحرم غَسْلُه؛ لأن دمَه يَشهَدُ له يومَ القيامة بالشهادة، ولأن اللونَ لونُ الدمِ والرائحةَ رائحةُ المسكِ.
ويمْنَع من لَزِمَه غُسْلٌ، كجنبٍ، وحائضٍ، ونفساءَ، -ويدخلُ فيه الكافرُ إذا أسلم ولم يغتسل- من قراءةِ آية فصاعدًا من كلامِ الله تعالى؛ للنهي عن ذلك.
(لقوله ﵊ أي: بدليل مقولِه، ومقولُه من الأحاديث، والأمرُ للوجوب، والضميرُ في: "غيرِه" راجعٌ للحديث الأوَّل، وقولُه: "كما سيأتي" أي: المستثنيان في محلِّه وهو باب الجنائز.
(أي: خروجُ دمِ حيضٍ) أشار بهذا التعبير إلى أنَّ [في] (^٣) كلامه مضافًا محذوفًا.
(لقوله ﵊ لفاطمة … إلخ) ويؤَكده قولُه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية [٢٢٢ من سورة البقرة]. أي: إذا اغتسلنَ فَأتوهنَّ، فمنعَ الزوجَ من وطئِها قبلَ غُسلها، فدلَّ ذلك على وجوبِه عليها، وانقطاعُه شرطٌ لصحَّة الغُسْل له، لا لجنابةٍ في زمنِ الحيض، بل يسنُّ؛ لما فيهِ من التخفيف، ويزولُ حكمُ الجنابةِ بالغُسْل لها، كما سيأتي في بابه إنْ شاء الله تعالى. وقيل: يجث الغُسْلُ بانقطاعه لا بخروجه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٩٣٩)، وهو عند أحمد (٢٠٧٩٠) عن أم عطيَّة ﵂.
(٢) "صحيح" البخاري (٢٢٨)، و"صحيح" مسلم (٣٣٣)، وسلف ص ٣٥٤.
(٣) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٣٩٥ ]
ونفاسٌ، لا ولادةٌ عاريةٌ عن دَمٍ.
السادس من الموجبات: ما أشار إليه بقوله: (ونفاسٌ) أي: خروجُ دمِ نفاسٍ، فـ (لا) يوجبُ الغُسْل (ولادةٌ عاريةٌ) أي: خاليةٌ (عن دَمٍ) ولا يحرُم بها وطءٌ، ولا
قال الطوفيُّ في "شرح الخرقي": وتظهرُ فائدةُ الخلافِ فيما إذا استشهدتِ الحائضُ قبلَ الطُّهرِ، هل تغسَّلُ للحيض؟ فيه وجهان، إن قلنا: يجبُ الغُسْل عليها بخروجِ الدَّمِ، غُسِّلَت؛ لِسَبْقِ الوجوب، وإن قلنا: لا يجب إلَّا بالانقطاع، لم يجب؛ لأن الشهيدَ لا يُغَسَّلَ.
وعلى الأوَّل، تغسَّلُ للوجوبِ بالخروج، وإنْ حصلَ الانقطاعُ حسًّا، أشبَه ما لو طَهُرَت في أثناءِ عادتها.
وقال بعضُهم: لا يجبُ الغُسْل على القولين؛ لأن الطَّهرَ شرطٌ لصحَّةِ الغُسْل، أو للسببِ الموجبِ له، ولم يوجد. وينبني عليهما من علَّق عتقًا أو طلاقًا على ما يُوجِب غسلًا، وَقَعَ بالخروج. وعلى الثاني: بالانقطاع. انتهى. دنوشري.
(وإذا ذهبت) أي: الحيضةُ.
(أي: خروجُ دمِ نفاسٍ) أشار بهذا التفسيرِ إلى أن في كلامِه مضافًا محذوفًا؛ لأنه دَمُ حيضٍ مجتمع.
قال في "المغني" (^١): لا خلافَ في وجوب الغسل بالحيضِ والنفاسِ. وإنَّما الخلافُ في وقتِ الوجوبِ. وظاهرُه أنه يجب بالخروج كما في متن "المنتهى" (^٢)، وهو المذهب، إناطة للحكم بسببه، لكن الانقطاعُ شرطٌ لصحَّتِه اتفاقًا. انتهى. دنوشري. (فلا يُوجِبُ الغسلَ ولادةٌ عاريةٌ … عن دمٍ) يُفَرَّعُ على تفسيره، أي: وحيث كان الموجبُ للغسل خروجَ دمِ النفاس، فلا يجبُ الغسلُ بولادةٍ عَرَتْ عن الدم؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوصِ عليه. ذكرَه في "المبدع"، فلا يبطلُ الصومُ بالولادة العريَّة عن الدَّمِ، وبإلقاءِ عَلَقةٍ أو مُضغةٍ لا تخطيطَ فيها، ولا يحرمُ الوطءُ بها. والولد طاهرٌ. وقيل: يجب الغُسْل للولد
_________________
(١) ١/ ٢٧٧.
(٢) ١/ ٢٢.
[ ١ / ٣٩٦ ]
ومَنْ لزمهُ غُسْل، حَرُمَ عليه قراءةُ آيةٍ فأكثرَ،
يَفسد صومٌ، ولا بإلقاء عَلَقة، أو مُضْغَة؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوصِ عليه، والولدُ طاهرٌ، ومع الدَّمِ، يجب غسلُه.
(ومن لزمه غُسْلٌ) بأحدِ الأسباب المتقدِّمة (حَرُم عليه قراءةُ آيةٍ) كاملةٍ (فأكثرَ) لحديث عليٍّ: "كان النبي ﷺ لا يحجُبُه -وربما قال: لا يحجزُه- عن القرآن شيءٌ ليسَ الجنابةَ" رواه ابنُ خزيمةَ، والحاكمُ، والدارقطني، وصحَّحاه (^١).
وعُلم من كلامه أنَّه لا يَحرُم عليه قراءةُ بعضِها [ولو كرَّره] (^٢)، ما لم يتحيَّل على قراءةٍ
العاري عن الدَّم، وهو اختيارُ ابنِ أبي موسى (^٣) وابنِ عقيل وابن البنَّا (^٤)؛ لأنَّه مظنَّةُ النفاسِ الموجبةِ للغسل، فأقيم مقامَه، كالتقاءِ الختانين، أو لأنه منُّيٌّ منعقدٌ. ورُدَّ بخروجِ العلقةِ، والمضغة؛ فإنَّهما لا يوجبان غُسْلًا بلا نزاع. دنوشري.
قال الشيشيني: الولادةُ العاريةُ عن الدم لا تتصوَّرُ غالبًا إلا في السِّقْط.
(وعلم من كلامه … إلخ) هذا مُحتَرَزُ المتن.
(لا يحرمُ عليه قراءةُ بعضها … إلخ) أي: لا يُمنَعُ الجنبُ من قراءةِ بعضِ آيةٍ على الصحيح من المذهب، كما ذكره في "الفروع" (^٥)، خلافًا للامامِ الشافعيِّ رحمَه الله تعالى.
_________________
(١) "صحيح" ابن خزيمة (٢٠٨)، و"المستدرك" ٤/ ١٠٧، و"سنن" الدارقطني (٤٢٩).
(٢) في (م): "ولو كره".
(٣) هو القاضي محمد بن أحمد بن أبي موسى، أبو علي الهاشمي، من مصنفاته: "الإرشاد". (ت ٤٢٨ هـ). "طبقات الحنابلة" ٢/ ١٨٢ - ١٨٦.
(٤) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء البغدادي، الحنبلي، من مصنفانه "شرح الخرقي"، و"طبقات الفقهاء"، و"نزهة الطالب في تجريد المذاهب". (ت ٤٧١ هـ). "طبقات الحنابلة" ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤، و"الدر المنضد" لابن حميد ص ٢١.
(٥) ١/ ٢٦١.
[ ١ / ٣٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَحْرُم. قال المنقح: ما لم تكنِ الآيةُ طويلةً، أي: كآيةِ الدَّين (^١)، فتحرُم قراءةُ بعضها.
ووجه ذلك أنَّ بعضَ الآيةِ لا يحصلُ به إعجازٌ كما ذكره في "المبدع"، ولا يجزئُ في الخطبةِ، أشبهَ الذِّكرَ، بخلاف ما إذا طال.
(ولو كرَّرَهُ) أي: كرَّر الجنبُ قراءةَ البعضِ من القرآن، فإنَّه لا يَحرمُ، فهو غاية لقولِه: "أنَّه لا يحرم".
(ما لم يتحيَّل على قراءةٍ تحرمُ) عليه، بأنْ يقرأ آية، أو آياتٍ متواليةً، ويسكت بينها سكوتًا طويلًا، فإنْ كانَ على وجهِ الحيلةِ، حَرُمَ. وإلا، فلا؛ لأن الحيلَ كلَّها غيرُ جائزةٍ في شيءٍ من الدينِ، وهي التوسُّلُ إلى المحرَّم بما ظاهرُهُ الإباحةُ.
وصفةُ التحيُّل على القراءة -كما ذكرَه الشارحُ في تقريره- كأن قرأ نصفَ آيةٍ، وتركَ نصفَها الآخرَ، ثمَّ قرأ نصفَ أخرى، وترك الآخر، ثمَّ رجعَ إلى الآيةِ الأولى، فقرأ نصفَها الذي تركه، ثمَّ قرأ نصفَ الأخرى المتروك، فقد قرأ آيةً بالتحيُّلِ.
(قال المنقِّح) رحمه الله تعالى: محل جوازِ قراءةِ الجُنبِ بعضَ آيةٍ (ما لم تكنِ الآيةُ طويلةً) بحيثُ يكونُ ذلكَ البعضُ منها بقدرِ آيةٍ من غيرها، فيمتنعُ عليه قراءةُ ذلك البعضِ حينئذٍ، ولا يحرُم قراءةُ كلماتٍ يسيرةٍ منها. ولمن لزمَه غسلٌ تهجِّي القرآن، وهو النطقُ بالحروفِ التي هي أجزاء الكلمات القرآنية، وذلك لخروجِه عن نظمِ القرآن وإعجازه، وتبطلُ به الصلاة حينئذٍ.
قال في "المبدع": وظاهرُهُ أنَّ من فمُه نجسٌ لا يمنعُ من قراءته -قلت: لأنه ليسَ بمُحدِثٍ حَدَثًا أكبرَ- وَيحتمِلُ المنع، وذكرَ ابنُ تميمٍ أنه أولى.
_________________
(١) وهي الآية (٢٨٢) من سورة البقرة.
[ ١ / ٣٩٨ ]
ولبثٌ بمسجدٍ
(و) من لَزِمَه غُسلٌ، حَرُم عليه (لُبْثٌ) بضمِّ اللام: اسم مصدر، لَبِثَ بالمكان: أقام به (بمسجدٍ) ولو مصلَّى عيدٍ، لا جنازةٍ، حتى حائض ونفساء انقطع دمُها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وقولِه ﷺ: "لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُب" رواه أبو داود (^١). ومحلُّ حرمة اللُّبْث بالمسجدِ على من
وله أيضًا تحريكُ شفتِه بالقرآن وكلماتِه إن لم يُبيِّنِ الحروفَ.
قال في "الفروع" (^٢): وله قراءةٌ لا تُجزِئُ في الصلاة، لإسراره بها. قلت: بحيثُ لا يسمَعُ نفسَه.
قال أبو المعالي: وله أن يَنْظُرَ في المصحفِ من غيرِ تلاوة، ويقرَأ القرآنُ عليه وهو ساكتٌ؛ لأنه في هذه الحالةِ لا يُنسَبُ إلى قراءةٍ، وله التفكر فيه.
وله أيضًا قولُ ما وافقَ قرآنًا، ولم يقصِدْهُ، كقولِ عاطسٍ: الحمدُ لله رب العالمين.
ونحو ذلك، كقولِه: بسم الله. تبركًا على الغُسل والوضوء، والحمدُ لله عندَ تجددِ نعمة، واندفاعِ نقمة، وكآيةِ الاسترجاعِ، وهي: إنا لله وإنا اليه راجعون. وكآيةِ الركوب، وهي: سبحانَ الذي سَخر لنا هذا وما كنا له مُقرِنين؛ لأنه إذا لم يَقصِد بهذا القول قرآنًا، لا يكون قرانًا. وللجُنُبِ أيضًا أنْ يذكرَ اللهَ تعالى.
(حتى حائض … إلخ) غاية لقوله: "ومن لزمه غسل"، وقوله: (انقطعَ دمُها) مع أمنِ تلويثه، ومع خوفه، يحرمُ اللبثُ والعبور. ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ والسبيلُ هو: الطريقُ. ويقاسُ على الجُنبِ الحائضُ والنفساءُ إذا انقطعَ دمُها.
ويُكرَه اتخاذُ المسجدِ طريقًا، وقيل: يحرمُ على حائضٍ وجُنُبٍ، كما لو حَصَل تلويثُ.
_________________
(١) في "سننه" (٢٣٢) عن عائشة ﵂. قال الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" ١/ ٢٠٧: ولا يثبت من قبل إسناده. اهـ وتعقبه ابن القطان فحسنه في "بيان الوهم والإيهام" ٥/ ٣٣٢.
(٢) ١/ ٢٦١.
[ ١ / ٣٩٩ ]
بلا وضوءٍ، وله المرورُ به،
ذكِرَ إذا كان (بلا وضوءٍ) فإن توضؤوا، جاز لهم اللُّبْثُ؛ لقولِ عطاءِ بنُ يسار: "رأيتُ رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلِسُون في المسجد وهم مُجْنِبُون إذا توضَّؤوا وضوء الصَّلاة" رواه سعيدُ بنُ منصور (^١) والأثرمُ، وإسنادُه صحيح. قاله في "المبدع". ولأنَّ الوضوءَ يخفِّف الحَدَثَ فيزولُ بعضُ ما منعه. قال الشيخُ تقيُّ الدِّين: وحينئذٍ فيجوزُ أنَّ ينامَ في المسجد حيثُ ينامُ غيرُه (^٢).
(وله) أي: لمن لَزِمَه غُسْلٌ (المرور به) أي: بالمسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وهو الطَّريق.
نصَّ عليه. والمذهب الأوَّل. دنوشري.
(بلا وضوء) فإنْ تعذَّر على من قلنا: يَجوزُ له اللبثُ بالوضوء، واحتيجَ للبثٍ فيه بأنْ وإن الماءُ خارجًا عن المسجد، ويخشَى على نفسِه من أعوانِ الظلمةِ أو اللصوصِ إذا خرج، جازَ اللبثُ في المسجدِ بلا تيمُّمٍ. والأَوْلَى للجُنُبِ أنْ يتيمَّم للبثٍ لغسلٍ في المسجد، يعني: إنْ أرادَ أنَّ يغتسلَ في المسجد، ولم يقدرْ على الوضوءِ ولا الغُسْل عاجلًا، فإنَّه يتيمَّمُ لذلك اللُّبث.
قال صاحب "المنتهى" في شرح هذا المحل: وقولُ ابنِ قندس في "حاشيته على الفروع" (^٣): واحتاجَ إلى اللبث فيه. مخالفٌ لما تقدَّم من أنَّه إذا تعذَّرَ واحتيجَ للبثٍ، جاز بلا تيمُّمٍ، والظاهرُ تقييده بعدمِ الاحتياج. كما أجاب به ﵀ (^٤).
قال في "الإنصاف" (^٥): وأمَّا لُبثُه فيه لأجلِ الغُسل، فالصحيحُ من المذهبِ أنَّه يتيمُّمُ له. انتهى. قال الدنوشري: قلت: ويُحمَلُ كلامُ "الإنصاف" على الأولويَّةِ، فينتفي التعارضُ بين العبارتين. انتهى.
ولا يُكرَه في المسجدِ غُسْل ولا وضوءٌ، ما لم يؤذِ بهما، على الصحيح من المذهب.
_________________
(١) في "سننه" ٤/ ١٢٧٥ (٦٤٦ - التفسبر).
(٢) "مجموع فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية" ٢١/ ٣٤٥.
(٣) ١/ ٢٦٣.
(٤) "معونة أولي النهي" ١/ ٣٩٦.
(٥) ٢/ ١١٦.
[ ١ / ٤٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعن جابرٍ: "كان أحدُنا يمرُّ في المسجدِ جُنُبًا مجتازًا" رواه سعيدُ بنُ منصور (^١). وسواءٌ كان لحاجةٍ" أوْ لا، ومن الحاجةِ كونُه طريقًا قصيرًا، لكن كَرِهَ الإمامُ أحمدُ اتِّخاذَه طريقًا. وشُرِطَ لجواز مرورِ حائضٍ ونفساءَ بمسجدٍ أنَّ تأمنا تلويثَه.
قال في "الفروع" (^٢) في باب الوضوء: ويباحُ هو وغُسْلٌ في مسجدٍ إنْ لم يُؤذِ به أحدًا، حكاه ابنُ المنذر إجماعًا، وعنه: يكره، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك.
وقال بعضُ الأصحاب: لا يجوز، ولعلَّه على روايةِ أنَّ المستعمَل في رَفْعِ الحدث نجسٌ، وعلى هذا فهو واضحٌ.
وتكرهُ إراقةُ ماءِ الغُسْل والوضوءِ بالمسجد، وبمحلٍّ يُداسُ، كالطريق، ونحوِها، تنزيهًا للماء؛ لأنَّه أثرُ عبادةٍ، كما جزَمَ به في "الرعاية".
ويمنَعُ من عبورِ المسجد -كما ذكره في "الإقناع"- واللبثِ فيه مجنونٌ، وسكران، وحائضٌ، ونفساء، ولو انقطع دمهما (^٣). قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب (^٤).
ويمنعُ أهلُ الذِّمَّةِ من دخولِ مساجدِ الحِلِّ، ولو بإذن مسلمٍ، كما يُمنَعُون من دخولِ حَرَمِ مكَّة، ويجوزُ دخولُ المسجدِ للذِّمِّي إذا استؤجِرَ لعمارته، كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. ويمنعُ من المسجدِ أيضًا من عليه نجاسة تتعدَّى ولا يُتَيمَّمُ لها لعذرٍ، وقال بعضهم: يُتيَمَّمُ لها للعذر، وهو ضعيف.
ويُكْرَه للمكلَّف القادرِ على المنع تمكينُ صغيرٍ من المسجد. نقل مهنَّا: ينبغي أنَّ تُجنَّبَ الصبيانُ المساجدَ.
_________________
(١) في "سننه" ٤/ ١٢٧٠ (٦٤٥ - تفسير)، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة ١/ ١٤٦، والدارمي (١١٧٤).
(٢) ١/ ١٩١.
(٣) ما ذكره هنا مخالفٌ لما ذكر الحجاوي في "الإقناع" ١/ ٦٩ في شأن الحائضِ والنفساء. قال في "الإقناع": ولجنب عبور مسجد ولو لغير حاجة، وكذا حائض ونفساء مع أمن تلويثه. اهـ.
(٤) قال المرداوي في "الانصاف" ٢/ ١١٦: حكم الحائض والنفساء بعد انقطاع الدم، حكمُ الجنب فيما تقرر، على الصحيح من المذهب. اهـ. فقوله مخالف لما نقل عنه المحشِّي. فليتأمل.
[ ١ / ٤٠١ ]
وقولُ ما وافقَ قرآنًا ولم يقصِدْه، كالبسملةِ، والحمدلةِ.
(و) لمن عليه غُسْلٌ (قولُ ما وافقَ قرآنًا) من الأذكار (ولم يَقصِدْه) أي: القرآنَ (كالبَسملةِ، والحمدلةِ) وآيةِ الاسترجاع، والرُّكوب (^١).
وعُلم منه أنَّه لو قصد القرآنَ، حرُم، وكذالو قرأ مالا يوافقُه ذِكرٌ، ولم يَقْصِدْ به القرآنَ. وله تهجِّيه، وتحريكُ شفتيه به إن لم يبيِّنِ الحروفَ، ونظرٌ في مصحف، وأن يُقرأ عليه وهو ساكتٌ.
قال الدنوشري: قلت: لأنَّ الصغيرَ لا يتحرَّزُ من النجاساتِ غالبًا، فلا يُؤمَنُ منه التلويثُ، والمراد إذا كانَ صغيرًا لا يميِّزُ، وكانَ لغيرِ مصلحَة ولا فائدةٍ.
وقال في "الآداب الكبرى": يباحُ غَلْقُ أَبوابه؛ لئلا يدخله من يكره دخوله فيه. انتهى (^٢).
قال في "المنتهى" و"شرحه" (^٣): وَيحرمُ تكسُّبُ [صنعة] فيه. أي: في المسجدِ، قليلًا كان التكسب أو كثيرًا، احتاج إليه أَوْ لا؛ لأنَّه ليس معدًّا للصناعة وإنَّما هو معدٌّ للعبادة والاعتكاف. وفُهِم من قولِه: تكسُّب. أنَّه لو عَمِل لنفسِه خياطَةً أو غيرها، لا للتكسُّب، فإنَّه يجوزُ. اختارَه الموفَّقُ، وصاحبُ "منتهى الغاية" (^٤)، وغيرُهما. وقال ابن البنَّا: لا يجوز.
واستثنَى بعضُهم من حُرمَةِ التكسُّب بالصنعةِ الكتابةَ، قال: لأنَّها نوعُ تحصيلٍ للعلم. (وله تهجِّيه) هو تعدادُ حروفِه بأسمائها؛ لأنَّه ليسَ بقراءةِ للقرآن، فتبطلُ به الصلاة؛ لخروجِه عن نظمِه وإعجازِه، وله التفكُّر فيه. (ونحريك شفتيه به … إلخ) فإنْ بيَّن الحروفَ، حَرُمَ، ولو لم يُسْمِع نفسَه، وله إجراؤُه على قلبِه، وإن لم يَسمَعِ القراءةَ.
وقوله: (ونظر في مصحف) ولمن وجبَ عليه غسلٌ نظرٌ في المصحف من غير تلاوة. ح ف. (وعلم منه أنَّه لو قَصدَ القرآنَ، حَرُمَ) هذا مفهومُ المتنِ.
_________________
(١) آية الاسترجاع قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، وآية الركوب قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَووا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣].
(٢) "الآداب الشرعية" لابن مفلح ٣/ ٣٨٤.
(٣) "معونة أولي النهى" ٣/ ٣٩٨، وما بين حاصرتين زيادة منه.
(٤) هو عبد السلام بنُ تيمية الشهير بـ "المجد" وصاحب "المحرر" وغيره. "الدر المنضد" ص ٣٥.
[ ١ / ٤٠٢ ]
ويسنُّ غُسلٌ لجمعةٍ،
(ويسنُّ غُسلٌ لـ) ـــصلاةِ (جمعةٍ) لحديث أبي سعيدِ مرفوعًا: "غُسْلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ مُحْتَلِم"، وقولِه ﷺ: "مَنْ جاء مِنْكم الجمعةَ، فليغْتَسِلْ" متَّفقٌ عليهما (^١). وقوله: "واجبٌ" أي: متأكَّدُ الاسْتِحْباب، بدليل قولِه ﷺ: "من توضَّأ يومَ الجمعة، فبها ونعمتْ، ومن اغْتَسَل، فالغُسْل أفضَلُ" رواه أحمدُ (^٢).
(ويُسَنُّ غُسْل لصلاةِ جمعةٍ … إلخ) هذا شروعٌ في الأغسالِ المستحبَّة، وهي ستَّةَ عشرَ غًسْلًا، ذكر الشارحُ البعضَ، وقد تقدَّم ذكرُ الأغسالِ الواجبة (وقولِه ﷺ: "مَن جاء مِنْكم .. إلخ" الأمرُ به محمولٌ على الاستحباب؛ بدليل أنَّ عثمان ﵁ أَتى الجمعة بغير غُسْلٍ (^٣).
وعنه: يجب الغُسْل على من تَلزَمُهُ الجمعة؛ عَملًا بظاهرِ الأمرِ، والصحيحُ الأوَّلُ؛ لعدمِ وجوي الحدثِ، فأقلُّ أحواله (^٤) الاستحباب، وعلى الروايتين ليسَ الغسلُ شرطًا لصحَّتها، والغسلُ مسنونٌ للجمعة، لالليوم، كما هو صريحُ كلامِ المؤلِّفِ رحمه الله تعالى. دنوشري.
(فبها) أي: فبالرُّخصَةٍ أَخَذَ، ونِعْمَتِ الرخصةُ.
_________________
(١) الحديث الأول في "صحيح، البخاري (٨٧٩)، و"صحيح" مسلم (٨٤٦)، وهو عند أحمد (١١٥٧٨) بلفظ "غسل يوم الجمعة … ". والحديث الثاني في "صحيح" البخاري (٨٧٧)، و"صحيح، مسلم (٨٤٤) (٢)، وهو عند أحمد (٤٤٦٦) عن ابن عمر ﵄.
(٢) في "مسنده" (٢٠١٧٤)، وهو عند أبي داود (٣٥٤)، والتِّرمِذي (٤٩٧)، والنَّسائي في "المجتبى" ٣/ ٩٤، وفي "الكبرى" (١٦٩٦) عن سمرة ﵁، قال التِّرمِذي: حديث سمرة حديث حسن وأخرجه أيضًا ابنُ ماجه (١٠٩١) عن أنس بنُ مالك ﵁، وإسناده ضعيف.
(٣) أخرج البخاريُّ (٨٨٢)، ومسلم (٨٤٥): (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب بالناس إذ دخل عثمان بنُ عفان فعرَّض به عمر، فقال: ما بال رجالٍ يتأخَّرون بعد النداء، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت، فقال عمر: والوضوء أيضًا؟! ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة، فليغتسل".
(٤) في الأصل: "أحوال".
[ ١ / ٤٠٣ ]
وعيدٍ،
ووقتُ غُسْلِ الجمعةِ في يومها لذَكَرٍ حَضَرَها، ولو لم تجبْ عليه، كعبدٍ، ومسافرٍ إن صلَّى. وعند مضيٍّ، وعن جماعٍ أفضلُ (^١). وهذا الغُسْلُ آكدُ الأغسال المسنونة.
(و) يُسَن غُسْلٌ لصلاةِ (عيدٍ) في يومها
(لذكرٍ حَضَرَها) يعني: لا امرأةً ولا خنثى، محمد الخلوتي.
(كعبدٍ) بأقسامِهِ السبعةِ، حتَّى المبعَّض، إذا كان بينَه وبينَ سيِّده مهايأةٌ (^٢)، ووقعت الجمعةُ في نوبَتِهِ.
(ومسافرٍ إنْ صلَّى) كل منهما، أي: إنْ أرادَ الصلاةَ.
(وعند مضيٍّ) أي: والغسلُ للجمعة عند مضيٍّ إليها أفضلُ من الغسل إليها قبل ذلك. (عن جماعٍ (^٣) أفضلُ) من كونِه عن غير جماعٍ؛ لأنَّه إذا جامعَ أهلَهُ ومضَى إلى الجمعةِ تَبْرُدُ شهوتُه، وتجتمع حواسُّه بقضاء (^٤) وَطَره. (وهذا الغسلُ آكَدُ الأغسال) أي: غسلُ الجمعةِ آكدُ الأغسالِ المستحبَّةِ باتِّفاق "المنتهى" و"الإقناع" (^٥)، واختلَفوا فيما يليه في الأفضليَّة غُسْلُ العيد [أَم غُسل من غسَّل ميتًا، فذهب في "المنتهى" إلى تقديم غُسْلِ العيد] (^٦)، والمصنِّفُ تبعَه، ولكلٍّ وجهة.
(وعيدٍ في يومها) لأنَّها صلاةٌ يُشتَرطُ لها العددُ المعتبر، أشبهَت الجمعةَ، ولأنَّه يومُ زينةٍ وتطيُّب، وهو مسنونٌ، وهذا هو الغُسْل الثاني من المستحبَّات.
_________________
(١) أي: عند مضيٍّ إلى الجمعة، وأن يكون هذا الاغتسالُ عن جِماعٍ. "كشاف القناع" ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣.
(٢) تهايَأ القومُ تهايؤًا من الهيئة، جعلوا لكل واحدٍ هيئة معلومة، والمراد: النوبة، وهايَأتُهُ مهايأة. "المصباح المنيِّر" (هيأ).
(٣) في الأصل: "جماعه".
(٤) في الأصل كلمة غير واضحة، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
(٥) "منتهى الإرادات" ١/ ٢٣، و"الإقناع" ١/ ٧٠.
(٦) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. وينظر "شرح المنتهى" ١/ ١٦٥.
[ ١ / ٤٠٤ ]
ومن غسلِ ميتٍ،
لحاضرها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يغتسلُ لذلك. رواه ابن ماجه (^١).
(و) يُسَنُّ غُسْلٌ (مِن) بكسر الميم: أي: لأجل (غسلِ ميتٍ) مسلمٍ، أو كافر؛ لما روى أَبو هريرة مرفوعًا: "من غَسَّل ميتًا، فليغتسلْ، ومن حملَه، فلْيتوضأ" رواه أحمدُ (^٢). وهو محمولٌ على الاستحباب؛ لأنَّ أسماءَ غسَّلتْ أبا بكرٍ وسألتْ: هل عليَّ غُسْلٌ؟ قالوا: لا. رواه مالكٌ مرسلًا (^٣).
(لحاضرِها) إنْ صلَّى صلاةَ العيد، ولو منفردًا على الصحيح من المذهب. ذكره جمعٌ من الأصحابِ، وسيأتي في بابِ صلاة العيد التنبيهُ على ذلك في قوله: "وسنَّ لمن فاتته قضاؤها في يومها على صفتها".
وقيل: لا يستحبُّ الغُسْلُ لها، إلَّا إذا صلَّاها في جماعةِ.
وقيل: يستحب الغسلُ للعيدِ، ولو لم يصلِّها.
(أي: لأجلِ غسلِ ميتٍ) أشارَ بهذا التفسيرِ إلى أنَّ "من" تعليليَّةٌ.
_________________
(١) في "سننه" (١٣١٥) عن جبارة بنُ المغلِّس، عن حجاج بنُ تميم، عن يمرن بنُ مهران، عن ابن عبَّاس ﵄. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ٢٣٨: هذا إسناد ضعيف لضعف جبارة، وكذلك حجاج، ومع ضعفه قال فيه العقيلي: روى عن ميمون بنُ مهران أحاديث لا يتابع عليها. وأخرجه -أيضًا- ابن ماجه (١٣١٦)، وأحمد (١٦٧٢٠) عن الفاكه بنُ سعد -وكانت له صحبة- وفي إسناده يوسف بنُ خالد، قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ٢٣٩: قال فيه ابن معين؛ كذاب، خبيث، زنديق. قلت: وكذَّبه غير واحد، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث.
(٢) في "مسنده" (٩٨٦٢)، وهو عند أبي داود (٣١٦١)، وأخرجه التِّرمِذي (٩٩٣) بنحوه وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن، وقد روي عن أبي هريرة موقوفًا. [وهو عند البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ٣٩٧، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٦٩] ا هـ قال البخاري: وهذا أشبه، أي: الموقوف. وقال البيهقي في "معرفة السنن والآثار، ٢/ ١٣٤: والموقوف أصحُّ. ينظر "التلخيص الحبير" ١/ ١٣٧، و"بيان الوهم والإيهام" ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٣.
(٣) في "الموطأ" ١/ ٢٢٣، وقال النووي في "المجموع" ٥/ ١٠٩: وهذا الإسناد منقطع.
[ ١ / ٤٠٥ ]
وإفاقةٍ من جنونٍ، وإغماءٍ، بلا إنزال.
ولكسوفٍ، واستسقاءٍ، وإحرامٍ،
(و) يُسَنَّ غُسْلٌ من (إفاقةٍ من جنونٍ، وإغماءٍ، بلا إنزال) مَنيٍّ فيهما، و"الواو" بمعنى (أو). قال ابنُ المنذر (^١): ثبت أنَّ النبيَّ ﷺ اغتسل من الإغماء. متفقٌ عليه من حديثِ عائشة (^٢)، والجنونُ في معناه، بل أَولى. وأمَّا مع الإنزال، فيجبُ الغُسل.
وتقدَّم التفصيلُ فيما إذا أفاق نحو نائم، ووجد بلَلًا.
(و) يُسَنُّ غُسْلٌ (لِـ) ــصلاةِ (لكسوفٍ، واستسقاءٍ) لأنَّ كليهما عبادةٌ يجتمع لها النَّاسُ، كالجمعة، والعيدين.
(و) يُسنُّ غُسْلُ لـ (إحرامٍ) بحجٍّ، أو عمرةٍ، أو بهما؛ لما روى زيدُ بنُ ثابت: "أنَّ
و(مِنْ إفاقةٍ من جنونٍ، وإغماءٍ، بلا إنزال) هذا هو الرابعُ والخامسُ من الأغسالِ المستحبَّة بغير خلافٍ نعلمُه.
وقوله: (ثبتَ أنَّ النبيَّ ﷺ اغتسلَ من الإِغماء) وليسَ بواجب.
وقوله: (بل أَولى) لأن مدَّتَهُ تطولُ فلا يؤمَن أن يَحتِلمَ فيه.
وزوالُ العقل في نفسه لا يوجبُ الغسلَ، كالنوم. وحكى بعضُهم روايةً بوجوبِ الغُسْلِ للجنونِ والإغماء؛ لأنَّ الأصلَ في أفعالِه ﵊ الوجوبُ، لكنَّ المشهورَ عند الأصحاب الاستحبابُ -لأنَّ الغُسلَ لا يجبُ بدونِ الإنزال- إطراحًا للشكِّ، واستحبابًا لليقين. وفهم من قوله: "بلا إنزال" أنَّه لو كانَ فيهما إنزالٌ باحتلامٍ، أو غيرِه، وجبَ الغُسْل لوجود الإنزال. (كالجمعة والعيدين) أي: كصلاةِ الجمعة والعيدين؛ لأنَّ كلًّا منهما صلاةٌ يجتمعُ لها الناس، فاستحبَّ الغُسْل لكلِّ. (و… لإحرامٍ بحجٍّ) أي: يسنُّ الغسْلُ لإرادةِ إحرامٍ بحج … إلخ، هذا الثامنُ من الأغسالِ المستحبَّة (^٣) … يستحبُّ لكل من يريد الإحرام. دنوشري.
_________________
(١) في "الأوسط" ١/ ١٥٥.
(٢) "صحيح" البخاري (٦٨٧)، و"صحيح" مسلم (٤١٨)، وهو عند أحمد (٢٦١٣٧).
(٣) بعدها في الأصل طمس بمقدار كلمتين.
[ ١ / ٤٠٦ ]
ودخولِ مكَّةَ،
النبيَّ ﷺ تجرَّد لإهلاله، واغْتَسَلَ" رواه التِّرمِذي وحسَّنه (^١). وظاهرُه: ولو مع حيضٍ، ونفاسٍ. وصرَّح به في "المنتهى" (^٢).
(و) يُسنُ غُسْل لـ (ـــدخول مكةَ) لفعله ﵊، متَّفق عليه (^٣).
وظاهرُه: ولو مع حيضٍ، أو بالحَرَمِ، كمن بمنًى إذا أراد دخولَ مكَّة.
(ولو مع حيضٍ ونفاسٍ)؛ لأن أسماءَ بنتَ عميس نُفِسَت بمحمدِ بنِ أبي بكرٍ، بالشجرة، فأَمَر رسولُ الله ﷺ أبا بكر أنَّ يأمرَها أنَّ تغتسلَ، وتُهِلَّ. رواه مسلم (^٤) من حديث عائشة.
قال في "المبدع": لا يقال: أمرها به من حيث النفاس، فلا ينهض دليلًا؛ لأنَّ حدثَ النفاسِ مستمرٌّ، لا يؤثِّر فيه (^٥)، فتعيَّن ما قُلنا.
نفست، يقال: نُفِسَت المرأةُ، بضمِّ النون، إذا وَلدت. وبفتحِها، إذا حاضَت (^٦).
وأوجبَ بعضُ العلماءِ دمًا على تركِ الغُسْلِ للإحرام.
(لدخولِ مكة) هذا التاسعُ من الأغسال المستحبَّة، أي: إن أرادَ دخولَ مكَّة، كأنْ يكونَ بالحرم، ثُمَّ يريد الدخولَ إلى مكَّةَ، فيستحبُّ الغُسلُ لذلك. قال في "المستوعب": حتى الحائض. وقال في "الإقناع" (^٧): ولا يستحبُّ الغُسلُ لدخولِ طيبةَ، ولا للحجامةِ والبلوغِ، وكلِّ اجتماعٍ.
_________________
(١) في "سننه" (٨٣٠)، قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٢/ ٢٣٥: حسَّنه التِّرمِذي، وضعَّفه العقيلي.
(٢) ١/ ٨٤.
(٣) "صحيح" البخاري (١٥٥٣) ضمن حديث طويل، و"صحيح" مسلم (١٢٥٩) (٢٢٧).
(٤) برقم (١٢٠٩): (١٠٩). قال النووي في "شرح مسلم" ٨/ ١٣٣ - ١٣٤: وقوله: نفست بالشجرة: وفي رواية بذي الحليفة، وفي رواية: بالبيداء، هذه المو اضع الثلاثة متقاربة، فالشجرة بذي الحليفة، وأما البيداء فهي بطرف ذي الحليفة.
(٥) في الأصل: "لا يوتر له". والمثبت من "المبدع" ١/ ١٩٣.
(٦) "المصباح" (نفس).
(٧) ١/ ٧٠.
[ ١ / ٤٠٧ ]
وطوافِ إفاضةٍ، ووداعٍ، ووقوفٍ بعرفةَ، ومبيتٍ بمزدلفةَ، ورميِ جِمارٍ.
ويُسنُّ غُسْلٌ لدخول حَرَمِها (وطوافِ إفاضة، و) طوافِ (وداعٍ، ووقوفٍ بعرفةَ، ومبيتٍ بمزدلفةَ، ورميِ جِمارٍ) لأنَّها أنساكٌ يجتمعُ لها النَّاسُ، ويزدحمون، فيعرَقون، فيؤذي بعضُهم بعضًا؛ فاستُحبَّ الغُسْل كالجمعة
"تتمَّة": قال في "الإنصاف" (^١): وقتُ الغسلِ للاستسقاء عند إرادةِ الخروجِ الى الصلاة، والكسوفِ عند وقوعِه، وفي الحجِّ عندَ إرادةِ النُّسكِ الذي يريد فعله قريبًا. انتهى.
ويسنُّ الغسلُ لـ (طوافِ إفاضةٍ) ولطوافِ الزيارة، وبه صرَّح في "المنتهى" (^٢)، أي: زيارة الكعبةِ الشريفة، وطواتُ الزيارةِ هو الذي بعدَ دخولِ مكَّة، وقبل الوقوفِ بعرفة.
(وطوافِ وداعٍ) هذا الثاني عشر من الأغسالِ المستحبَّةِ وفاقًا (^٣)، ويكونُ عندَ الخروج من مكَّة بعدَ فراغِ النُّسُك.
(ووقوفٍ بعرَفَة) وفاقًا لمالك والشَّافعي.
(ورمي جمارٍ) أي: يسنُّ الغسلُ لرميِ جمارٍ، هذا هو الخامس عشر من الأغسال المستحبَّة، واقتصر عليها المصنِّف؛ لأنَّ هذه كلَّها أنساكُ، في مواضعَ يجتمعُ لها الناسُ، ويزدحمون فيها، فيَعرقون، فربَّما يؤذي بعضُهم بعضًا؛ فاستحبَّ لها الغُسْل، كالجمعة. وظاهرُه أنَّه لا يستحبُّ لغيرِ ذلك، وفي "منسك" ابن الزاغُونيِّ: ولِسَعْيٍ. وفي "الإشارة" و"المذهب": وليالي منى، وعنه: ولحجامةٍ. ونصَّ أحمد: ولزيارة قبرِ النبيِّ ﷺ. قال الدنوشري: قلت: وهو أولَى الجميعِ؛ لشرفِه ﷺ.
وقيل: ولكلٍّ اجتماع مستحبٍّ، كما هو قياسُ المذهبِ، ذكره في "الرعاية".
_________________
(١) ٢/ ١١٩.
(٢) ١/ ٢٣.
(٣) أي: وفاقًا للأئمة الثلاثة، كما صرَّح به ابن مفلح في "الفروع" ١/ ٦، والكلام منه ١/ ٢٦٤.
[ ١ / ٤٠٨ ]
فصل
والغُسْلُ الكاملُ: أنْ ينويَ، ثُمَّ يسمِّيَ،
ويتيمَّمُ للكلِّ لحاجة، ولما يُسَنُّ له الوضوءُ لعُذْرٍ. ولا يُسَنُّ غُسْلٌ لدخولِ طَيْبَةَ، ولا لحجامةٍ، وبلوغٍ، وكلِّ اجتماع.