باب الوضوء
مِنَ الوضاءَةِ، وهي النظافةُ. وهو -بالضَّمِّ-: اسمٌ للفعلِ. وبالفتحِ: اسمٌ للماءِ
(بابٌ الوضوء) بالتنوين، وهو خبرٌ للمبتدأ المحذوفِ، تقديرُه: هذا بابٌ يُذْكَر فيه فروضُ الوضوء، وشروطُه، وصفتُه.
والوضوء مبتدأٌ، خبرُه قوله: "استعمالُ ماء طهور إلخ".
بضمِّ الواو، اسمُ مصدر، وهو فعلُ الطهارةِ، ومصدرُه التَّوضُّؤُ، على التعلُّم والتكلُّم، يقال: توضأْتُ بالهمز، ويجوز على قلَّةٍ: توضَّيتُ بالياء، وكذا: قَرَأتُ.
واختلَفوا في أنَّ الوضوءَ هل شُرع تعبُّدًا أو لمعنًى؟
فقال جماعة: هو معقولُ المعنى، والمقصودُ به النظافةُ.
وقال آخرون: هو تعبُّدِيٌّ غيرُ معقولِ المعنى؛ لأنَّ فيه مسحًا، وهو لا يفيدُ تنظيفًا، ولأنَّ التكليفَ بالتعبُّداتِ أشقُّ على النفسِ، وأدلُّ على الطاعةِ، وأَخلَصُ للعبادةِ ممَّا هو معقولُ المعنى.
واختلَف العلماءُ في أنَّ الأمورَ التعبديَّةَ هل شرعت لحكمة عند اللهِ خفيت علينا، أو ليس كذلك، والمقصودُ بها الامتثال للثواب؟ والأكثرون على الأول.
وأجمعَ العلماءُ الآن على أنَّه لا يجبُ إلا على المُحْدِث. وصرَّح به في "المنتهى" و"الإقناع" (^١) اللَّذَينِ هُما عمدةُ المذهبِ.
واختلفوا في أنَّه هل كان واجبًا أوَّلَ الإِسلام على كلِّ قائمٍ للصلاةِ، ثمَّ نُسخ بتخصيصه بالمحدِث، أو لم يجب أوَّلًا إلا على المحدث؟ شيشيني بإيضاح.
(من الوضاءة) أي: هو في اللُّغةِ مأخوذٌ من الوضاءةِ (وهي النظافة إلخ) يقال: وَضُؤَ الرجل، أي: صار وَضِيئًا، أي: نظيفًا، فهو في اللُّغةِ عبارةٌ عن النظافة والحُسْنِ.
_________________
(١) "منتهى الإرادات" ١/ ١٤، و"الإقناع" ١/ ٣٧.
[ ١ / ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذي يُتوضَّأ به. وقيل: بالفتح فيهما. وقيل: بالضَّمِّ فيهما، وهو أضعفُها (^١).
وهو شرعًا: استعمالُ ماءٍ طَهورٍ في الأعضاءِ الأربعةِ على صفةٍ مخصوصة (^٢).
والأصلُ فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وخبر: "لا يقبلُ الله صلاةً بغيرِ طَهور" (^٣). دنوشري وزيادة. (وهو أضعفها) أي: الضَّمُّ أضعفُ اللغات، يقتضي أنَّ اللغاتِ الأربعةَ ضعيفةٌ؛ أخذًا من "أفعل" التفضيل، إلَّا أن يقال: "أفعل" التفضيل ليسَ على بابه، بل المرادُ أصلُ الفعلِ، أي: الضمُّ فيهما ضعيفٌ من اللغات، أو أنَّه على بابه بالنظرِ للفتح فيهما؛ لأنَّ الجمعَ ما فوقَ الواحدِ، كما عند الفرقيين (^٤).
(في الأعضاء الأربعة) التي هي الوجهُ، واليدان، والرأس، والرجلان.
(على صفةٍ مخصوصةٍ) من قِبَل الشارع، وهي تقديمُ غسلِ الوجهِ على اليدين، واليدينِ على مسحِ الرأس، ومسحِ الرأسِ على غَسْل الرجلين، مع الموالاة.
ولم يَذْكرِ المؤلِّفُ -رحمه الله تعالى- الإباحةَ في الحدِّ؛ استغناءً عنها بما ذَكرَه في حدِّ الطهارةِ، التي من جُمْلَتها الوضوء، وعملًا بقاعدةِ: إنَّ الشيءَ إذا أُطلِق لا يَنصرِفُ إلَّا إلى فردِه الكامل.
قال بعضهم في غسلِ الأعضاءِ المذكورةِ في الوضوء دون غيرِها من بقيَّةِ الأعضاء: إنَّه ليس في البدن ما يتحرَّكُ للمخالفةِ أسرعُ منها، فأمرَ بغسلِها ظاهرًا؛ تنبيهًا على الطهارة الباطنة، ورتَّبَ غسلَها على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة، فأمرَ بغسلِ الوجه، وفيه الفمُ
_________________
(١) "المطلع" ص ١٩ بنحوه.
(٢) بعدها في (ح): "أي: من قبيل الشارع، وهو تقديم الوجه على اليدين الآتي".
(٣) أخرجه مسلم (٢٢٤)، وأحمد (٥١٢٣) عن ابن عمر ﵄.
(٤) هكذا رسمت في الأصل، ولعلها: الفَرْضيين، أي: الذين يشتغلون بالفرائض.
[ ١ / ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفُرض بمكَّة مع الصلاةِ، كما رواه ابنُ ماجه (^١)،
والأنفُ، فابتدأ بالمضمضةِ؛ لأنَّ اللسانَ أسرعُ الأعضاءِ حركةً وأكثرُها، وهو كثيرُ العطَبِ، قليلُ السلامةِ غالبًا، كما قال بعضهم:
يموتُ الفتى من عثرةٍ بلسانه (^٢) … وليس يموتُ [المرءُ] من عثرةِ الرِّجْلِ
فعثرتُه من فيه تَرمي (^٣) برأسِه … وعثرتُه بالرِّجل تَبْرَا على مهلِ (^٤)
ثم بالأنفِ؛ ليتوبَ عما يشمُّ من المُحرَّماتِ [ثمَّ بالوجه ليتوب عمَّا نظر] (^٥)، ثمَّ باليدين؛ ليتوبَ عن البطشِ المحرَّمِ، ثمَّ خصَّ الرأسَ بالمسحِ؛ لأنَّه مجاورٌ لمَا تقعُ فيه المحرمات (^٦)، ثمَّ بالأُذُنِ؛ لسماعِ المكروهِ من الغناء، ثمَّ بالرِّجل؛ لمشيِها وسعيِها إلى ما لا ينبغي، ثمَّ أَرشدَه الشارعُ بعدَ ذلك إلى تجديدِ الإيمان، بإتيانه بالشهادتَين، واكتفَى بغسلِ هذه الأعضاء عن بقيَّة البدنِ، مع أنَّ الحدثَ يحلُّ جميعَ البدنِ، كجنابةٍ؛ للنصِّ على ذلك، واقتداءً بفعلِه ﷺ. دنوشري.
(وفُرِضَ بمكَّة مع الصلاة) قبل الهجرة بسنةٍ، وليسَ من خصوصيَّاتِ هذه الأمَّة، وإنَّما الخاصُّ بها: الغرَّةُ والتحجيلُ. حفيد.
_________________
(١) لم نقف على فرضية الوضوء مع الصلاة عند ابن ماجه، بل أخرج في "سننه" (٤٦٢) عن زيد بن حارثة قال: قال رسول الله ﷺ: "علَّمني جبرائيل الوضوء، … " الحديث. قال البوصيري في "الزوائد": هذا إسناد ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة. وهو عند أحمد (١٧٤٨٠) وزاد: فعلّمه الوضوء والصلاة. وينظر "فتح الباري" ١/ ٢٣٣، و"الاستذكار" ١/ ١٨٤.
(٢) في الأصل: "من لسانه".
(٣) في الأصل: "تومي".
(٤) نسبهما صاحب "العقد الفريد" ٢/ ٤٧٣ لجعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، وما بين حاصرتين منه.
(٥) ما بين حاصرتين من "كشاف القناع" ١/ ٨٣، والكلام منه.
(٦) في الأصل: "الحركة"، والمثبت من "الإقناع".
[ ١ / ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فآيةُ المائدةِ (^١) مؤكِّدةٌ مقرِّرةٌ لا مُؤسِّسة.
واختُلف هل الوضوءُ مِن خصائصِ هذه الأمَّةِ بدليل ما في "صحيح مسلم" عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "لكم سيما ليست لأحدٍ مِن الأُمَمِ، تَرِدونَ عليَّ غُرًّا محجَّلينَ مِن أثرِ الوضوءِ" (^٢) أو غير مختصٍّ بها، وإنَّما المختصُّ الغُرَّةُ والتحجيلُ؛ ذَهب إلى كلٍّ قومٌ.
(فآيةُ المائدة مؤكِّدةٌ مقرِّرةٌ) مفرَّعٌ على قوله: "وفُرِض بمكَّة مع الصلاةِ" وهو جوابٌ عمَّا يقال: فإن قيل: إنَّ آية الوضوءِ مدنيَّةٌ إلخ.
(تردون عليَّ غرًّا) وفي روايةٍ: "أنتمُ الغرُّ المحجَّلونَ يومَ القيامة، فمن استطاعَ منكم فليطلْ غرَّتهُ وتحجيلَه" (^٣).
والغُرُّ: البيضُ الوجوه، كالفرسِ الأغرِّ، وهو الذي في وجهِه بياضٌ. والمُحَجَّلُ: هو الذي قوائمه بيضٌ.
والإطالةُ على الغُرَّةِ هي غسلُ الزائدِ على الواجب في اليدين والرجلين. حفيد.
(أو غير مختصٍّ بها) واحتجُّوا بالحديثِ الآخر: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي" (^٤). وأجابَ الأوَّلونَ بضعفه، ولأنَّه لو صحَّ، احَتَمَل أنْ يكونَ خاصًّا بالأنبياءِ دونَ أُمَمِهم، لا بهذه الأمَّة.
ورُدَّ بأنَّه وَرَدَ أنَّهم كانوا يتوضَّؤونَ، ففي قصَّة جريج الراهب لمَّا رَموه بالمرأةِ، توضَّأ وصلَّى، ثمَّ قال للغلام: من أبوكَ؟ قال: الراعي (^٥).
_________________
(١) وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
(٢) "صحيح" مسلم (٢٤٧).
(٣) أخرجه مسلم (٢٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) سيأتي تخريجه ص ٣١٧.
(٥) أخرجه البخاري (٢٤٨٢) ومسلم (٢٥٥٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٥٢ ]
فروضُه: غسل الوجهِ،
فرائض الوضوء
(فروضُه) أي: الوضوءِ ستَّةٌ، وهي جمع فَرْضٍ. وهو لغةً: الحزُّ والقَطْع (^١). وشرعًا: ما أُثيب فاعلُه، وعُوقِبَ تاركُه.
أوَّلُها: (غَسْلُ الوجه)؛ لقولهِ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]
وقد خرَّجَهُ البخاريُّ في "صحيحه" (^٢) من حديثِ إبراهيمَ ﵊، لمَّا مرَّ على الجبَّار ومعه سارة، أنَّها لمَّا دخلَتْ على الجبَّار توضأت، وصلَّت، ودَعَتِ الله ﷿. مصنِّف (^٣).
(أي) فروض (الوضوء ستَّة) والفرض لغةً: التقدير، ومنه: فرضَ القاضي النفقةَ، أي: قَدَّرَهَا.
وشرعًا: حكمٌ لَزِمَ بدليلٍ قطعيٍّ. وقد يُقَال: هو ما يُثَابُ على فِعله، ويُعاقَبُ على تركِه، بلا عذرٍ، ويكفر جاحدُه.
(أي: الوضوءِ إلخ) تفسيرٌ للضمير، وقد نظمها صاحب "الإقناع" فقال:
فروض وضوءٍ غسلُ وجهٍ وبعدَه … يديه ومسحُ الكلِّ من رأسِ ذي الطهرِ
وغسلٌ لرجليه وترتيبُ فرضِه … موالاتُه ذي ستَّةٌ عدَّها تدري
فإن قيل: إنَّ آيةَ الوضوء مدنيَّةٌ بالاتِّفاق، والصلاةُ فُرِضَت بمكَّة، فيلزَمُ كونُ الصلاةِ بلا وضوءٍ إلى حين نزولها؟
_________________
(١) "القاموس المحيط" (فرض).
(٢) برقم (٢٢١٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) "كشاف القناع" ١/ ١٠٩.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ومنه فمٌ وأنفٌ،
(ومنه) أي: من الوجه (فَمٌ وأَنْفٌ) لدخولهِما في حدِّه الآتي، فلا بُدَّ مِن المضمضةِ والاستنشاقِ في الطهارتَين.
والجواب: أنَّ هذا اللازمَ غيرُ لازم؛ لجوازِ أنْ يثبتَ الوضوءُ بالوحيِ الغير المتلوِّ؛ لما ثَبتَ عن زيدِ بنِ حارثةَ عن النبيِّ ﷺ: "أنَّ جبريلَ أتاهُ في أوَّلِ ما أوحيَ إليه، فعلَّمه الوضوءَ والصلاةَ". خرَّجه الإِمام أحمد (^١).
قال الشيخُ برهانُ الدين المحدِّثُ الحلبيُّ (^٢): اعلمْ أنْ الوضوءَ أوَّلُ ما فُرِض مع الصلاة. وكذلك في "المبدع". فَدَلَّ هذا على أنَّ الوضوءَ ثبتَ بالوحي الغيرِ المتلوِّ، كما تقدَّم.
فائدة: المائدة مقرِّرةٌ لا مؤسِّسة. دنوشري مع زيادةٍ وإيضاح.
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ أي: مرَّةً؛ لأنَّ أمرَ: "فاغسلوا" لا يدلُّ على التكرار.
(ومنه: فمٌ وأنفٌ) فالمضمضةُ والاستنشاقُ واجبان، كما أنَّ غسلَ الوجهِ فرض وواجبٌ؛ (لدخولهما في حدِّه) ولأنَّهما في حكمِ الظاهرِ، بدليل أنَّ الصائمَ لا يُفطِرُ بوصولِ شيءٍ إليهما، ويُفطرُ بعودِ القيءِ إلى باطنِه بعدَ وصوله إليهما، وأنَّه يجبُ غسلُهما من النجاسةِ، ولا يمنعُ الطهارةَ طعامٌ بينَ الأسنان. دنوشري.
_________________
(١) في "مسنده" (١٧٤٨٠). وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٤٦٢) بنحوه. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ١١٩: هذا إسناد ضعيفٌ؛ لضعفِ ابن لهيعة. اهـ وقال ابن أبي حاتم في "العلل" ١/ ٤٦: هذا حديث كذب باطل.
(٢) هو أبو الوفاء، إبراهيم بن محمَّد بن خيل، الطرابلسي الأصل، الحلبي المولد والدار، الشافعي، سبط ابن العجمي، له مصنفات كثيرة منها: "نور النبراس على سيرة سيد الناس"، وحواش على "سنن" ابن ماجه، و"نقد النقصان في معيار الميزان" وغيرها. مات مطعونًا (منة ٨٤١ هـ). "الضوء اللامع" للسخاوي ١/ ١٣٨ - ١٤٥ و"ذيل تذكرة الحفاظ" لأبي الفضل المكي ص ٣٠٨ - ٣١٥.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وغَسلُ اليدين مع المِرْفقَينِ،
(و) ثانيها: (غَسْلُ اليدين مع المرفقَينِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
(وثانيها: غسلُ اليدين مع المِرْقَقَينِ) بكسر الميم وفتح الفاء، أفصحُ من العكس؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ والغايةُ داخلةٌ في المغيَّا، لأنَّها من جِنسِ ما قبلَها، ولأنَّ "إلى" في الآية، بمعنى: "مع"، كقولِه تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: مع الله. وكقوله: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] وكقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢].
ويجبُ غسلُ شعرِ اليدين والرجلين، ظاهرِه وباطنِه مطلقًا، سواءٌ كان خفيفًا أو كثيفًا، بخلافِ شعرِ الوجه، والفرقُ بينه وبينه: أن الوجهَ مُشتَقٌّ من المواجهةِ، وهي تحصُلُ بظاهرِ الشعرِ الكثيفِ، فاكتُفي بغسلِه، بخلافِ شعرِ اليدين والرجلين.
وقد يقال أيضًا: إنَّ كثافةَ شعرِ اليدين والرجلين نادرةٌ، فليس في غسلِه مشقَّةٌ، بخلافِ كثافةِ اللحيةِ.
وعنه: لا يجب إدخالِ المِرْفَقين في الغَسل. وبه قال داود (^١)، وبعض المالكية، وحُكي عن زُفَر؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بالغسلِ إلى المرافق، وجَعلَها غايةً بحرفِ "إلى"، وهو لانتهاءِ الغايةِ، فلا يَدْخلُ ما بعدَها فيما قبلَها، واسْتُدِلَّ لذلكَ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]. وأجيب عن ذلك بأنَّ الغايةَ إذا كانت من جنسِ المغيَّا، دخلَت فيما قبلَها، كالذي نحنُ فيه، وإنْ كانت من غيرِ جنسِه كآية الصيام، لم تدخل. وفعلُه ﷺ يبين مجملَ الكتابِ في قَدْرِ الغَسْل المأمورِ به.
ورَوى جابرٌ قال: كانَ النبيُّ ﷺ إذا توضَّأ، أدارَ الماءَ على مِرْفَقيه. أخرجه
_________________
(١) في الأصل: "أبو داود" والمثبت من "الاستذكار" ٢/ ٢٣ وهو الصواب.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ومسح الرَّأسِ كلِّه،
(و) ثالثها: (مَسْحُ الرأسِ كلِّه،
الدارقطنيُّ (^١)، ولأنَّه من بابِ ما لا يتمُّ الواجبُ إلَّا بهِ، فهو واجب.
والمِرْفَق: مُلْتقَى عَظْمِ العَضُدِ والذراع.
(وثالثها: مسحُ الرَّأس كلِّه) أي: الثالثُ من فروضِ الوضوءِ مسحُ الرأسِ كلِّه، من بشرةٍ، أو شعرٍ، حيثُ كان قصيرًا، غيرَ خارجٍ عن حدِّ الرأسِ بالامتداد والنزول، فلا يجبُ مسحُ ما نزلَ عن الرأسِ من الشعرِ، ولا يجزئُ مسحُ ما نَزَل عن محلِّ الفرضِ، سواءٌ ردَّهُ فعقد فوقَ رأسِه، أمْ لا. ثُمّ إن المسحَ فرضٌ، كما هو المذهب بلا ريب. وعليه جماهيرُ الأصحابِ متقدِّمِهم ومتأخِّرهم. فلا يُعفَى عن تَرْكِ شيءٍ بلا مسحٍ من الرأسِ، ولو للمشقَّةِ، وعنه (^٢): يجزئُ مسحُ أكثره، والأوَّلُ المذهب.
ووجهُه أنَّ الباءَ للإلصاقِ فيكونُ المعنى: وألصِقوا برؤوسِكم، ولأنَّ اسم الرأسِ يُطلَق على كلِّه حقيقةً، فاقتضَى استيعابَه بالمسحِ، كما يجبُ استيعابُ الوجهِ بالمسحِ في التيمُّمِ في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
قال ابنُ بَرْهان الدين (^٣): من زَعَمَ أنَّ الباءَ للتبعيض فقد جاء لأهلِ اللغةِ بما لا يعرفرنَه.
_________________
(١) في "سننه" (٢٧٢)، وأخرجه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ٥٦. قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" بعد أن بيَّن علَّته: وقد صرَّح بضعف هذا الحديث ابن الجوزي والمنذري وابن الصلاح والنووي وغيرهم، ويغني عنه ما رواه مسلم [(٢٤٦)] من حديث أبي هريرة أنَّه توضَّأ حتى أشرع في العضد، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ. اهـ.
(٢) في الأصل: "عليه". وهو خطأ.
(٣) هو أبو القاسم، عبد الواحد بن علي بن بَرْهان العكبري، كان مضطلعًا بعلوم كثيرة منها: النحو، والأنساب، واللغة، وأيام العرب والمتقدمين، وله أُنسٌ شديدٌ بعلم الحديث. (ت: ٤٥٦ هـ). "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ١٢٤ - ١٢٧، و"إنباه الرواة" ٢/ ٢١٣ - ٢١٥.
[ ١ / ٢٥٦ ]
ومنه الأذنان،
ومنه) أي: ومِن الرأسِ (الأذنان)؛ لقوله ﵊: "الأذنانِ مِن الرأسِ" رواه ابنُ ماجه مِن غيرِ وجهٍ (^١).
ولأنَّ الذينَ وَصفوا وضوءَ النبيِّ ﷺ ذكروا مسحَ رأسِه كلِّه، وما رُويَ على أنَّه ﵊ مسحَ مقدّم رأسِه (^٢)، فمحمولٌ على أنَّ ذلكَ كانَ على العمامةِ، كما جاءَ مُفَسَّرًا في حديثِ المغيرةِ بن شعبة (^٣).
والواجبُ مسحُ ظاهرِ شعرِ الرأسِ، فلو أدخلَ يدَه تحتَ الشعرِ فمسحَ البشرةَ فقط، لم يجزئه، كما لو اقتصر على غسلِ باطنِ شعرِ اللحيَة.
وإنْ فقدَ شعرَه، مسحَ بشرَتَه، وإن فقدَ بعضَه، مسحَهُمَا، ما لم يكن الشعرُ ساترًا للمقصود، ولم ينزل عن محلِّ الفرضِ، فيُجْزئُ المسحُ على الشعرِ الساتر لمحلِّ الفرضِ دونَ البشرة. دنوشري.
(ومنه الأذنان) أي: والأذنانِ من الرأس؛ لأنهما عضوانِ ناتئان فيه، فكانَ منه، فيجبُ مسحُ ظاهرهِما وباطنِهما. ولا يجبُ مسحُ ما استَتَر بالغضاريفِ من الأُذنيين.
فرع: لو خُلِق له رأسانِ ووجهان على رقبةٍ واحدةٍ، ولم يُعلَم الأصليُّ من الزائدِ، وَجَبَ غسلُ الوجهينِ، ومسحُ الرأسَين.
_________________
(١) "سنن ابن ماجه" (٤٤٤)، وأخرجه أيضًا أبو داود (١٣٤)، والترمذي (٣٧)، وأحمد (٢٢٢٢٣) عن أبي أمامة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث. ليس إسناده بذاك القوي. وأخرجه أيضًا ابن ماجه برقم (٤٤٣) عن عبد الله بن زيد ﵁، وفي إسناده: سويد بن سعيد. قال البوصيري: هذا إسناد حسن إن كان سويد بن سعيد حفظه. وبرقم: (٤٤٥) عن أبي هريرة ﵁. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ١١٧: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف محمَّد بن عبد الله بن علاثة. وفي الباب عن أنس وأبي موسى الأشعري وابن عباس وسمرة بن جندب وعائشة ﵂ أجمعين.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٧) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) أخرجه أحمد (١٨١٣٤)، والنسائي في "المجتبى" ١/ ٧٧.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وغَسلُ الرِّجْلينِ مَعَ الكَعْبينِ،
(و) رابعها: (غَسْلُ الرِّجلين مع الكعبينِ)؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وهو واضحٌ على قراءةِ النصب، وأما على قراءةِ الجرِّ (^١)، فقيل: بالجِوار، والواو تأباه؛ إذ خَفْض الجوارِ يكون في النعتِ والتوكيدِ لا في النَّسَق، كما نقله في "المغني" عن المحقِّقِين (^٢). وقال أبو زيد: المسحُ عند العربِ غسلٌ ومسحٌ (^٣)، فغايةُ الأمرِ أنَّها تصير بمنزلةِ المجمَل، وصِحاحُ الأحاديثِ تبلغُ التواترَ في وجوب غسلِها، حتى روى سعيدٌ عن ابنِ أبي ليلَى بسَندٍ حسَنٍ قال: أجمع أصحابُ رسولِ الله ﷺ على غَسْلِ القدمين (^٤). وقالت عائشةُ: لأنْ تُقطعا أحبُّ إليَّ
(ورابعها: غسلُ الرجلين مع الكعبين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]) بدخولِ الغايةِ في المُغَيَّا، كقولِه تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، ولأنَّهما من جنس المُغَيَّا، فالكلامُ على الكعبينِ كالكلامِ على المِرْفَقين، فحُكمُهما كحكمهما.
والكعبانِ: هما العظمانِ الناتئانِ في جانبي رجلِه عندَ مَفْصِل الساقِ والقَدَم، ويجبُ إدْخالُهما في الغَسْل.
وإنْ كانَ أقطع، وجبَ غسلُ ما بقيَ من محلِّ الفرضِ أصلًا أو تَبَعًا، كرأسِ عَضُدٍ وساقٍ. دنوشري.
(واضحٌ على قراءة النصب) وجهُ ذلك أنَّها بالنصب معطوفٌ على المغسول، وبالجرِّ عطفٌ على الممسوح.
_________________
(١) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة وأبي جعفر. "السبعة" ص ٢٤٢، و"التيسير" ص ٩٨، و"النشر" ٢/ ٢٥٤، وقرأ الباقون بالنصب.
(٢) "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" لابن هشام الأنصاري ص ٨٩٥.
(٣) ينظر "تاج العروس" ٧/ ١١٩، وأبو زيد هو سعيد بن أوس بن ثابت النحوي، صاحب التصانيف الأدبية واللغوية، منها: "النوادر". (ت ٢١٥ هـ). "بغية الوعاة" للسيوطي ١/ ٥٨٢ - ٥٨٣.
(٤) لم نقف عليه في المطبوع من "سنن" سعيد بن منصور، وذكره عنه ابنُ حجر في "فتح الباري" ١/ ٢٦٦، والسيوطي في "الدر المنثور" ٢/ ٢٦٢.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وترتيبٌ،
مِنْ أن أمسحَ القدمين (^١). وهذا في حقِّ غيرِ لابسِ الخُفِّ، وأمَّا لابسُه فغَسْلُهما في حَقِّه (^٢) غيرُ متعيَّن.
(و) خامُسها: (ترتيب) بين الأعضاءِ المذكورةِ كما ذَكَر الله تعالى؛ لأنَّه أدخلَ ممسوحًا بين مغسولين، ولا يُعلم له فائدةٌ غير الترتيب. والآيةُ سِيْقَتْ لبيان الواجب،
(خامسها: ترتيبٌ) أي: خامسُ فروضِ الوضوءِ ترتيبٌ بينَ أعضاءِ الوضوءِ على ما ذَكَر الله تعالى في الآيةِ الكريمةِ، فَيُقَدِّمُ الوجهَ؛ لشرفه، ثمَّ اليدين، ثمَّ الرأسَ، ثمَّ الرجلين. فلو تَركَه ولو سهوًا، لم يصحَّ.
والترتيبُ لُغَةً: جَعْلُ كلِّ شيءٍ في مرتبته.
واصطلاحًا: جَعْلُ الأشياءِ المترتِّبة بحيثُ يُطلَقُ عليها اسمُ الراحد، ويكون لبعضِها نسبةٌ إلى بعضٍ بالتقديمِ والتأخير، في الرُّتبةِ العقليَّةِ، فإنْ غُسِّلَ أعضاؤُه دفعةً واحدةً بإذنه، لم يصحَّ إلَّا عن الوجه؛ لانتفاءِ الترتيب المشروطِ في الوضوء.
وحكى أبو الخطاب عن الإمام أحمد روايةً بعدمِ وجوبه، وهو مذهبُ مالكٍ، والثوريِّ، وأصحاب الرأي، واختارَه ابنُ المنذر. وحجَّتُهم في ذلك أنَّ اللهَ تعالى أمرَ بغسلِ الأعضاءِ وعَطَف بعضَها على بعضِ بالواو، وهي للجمع المُطْلَق من غير ترتيب، لا بقبليَّةٍ ولا بعديَّةٍ، ولا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، فكيفما غَسَلَ، كان ممتثلًا، وروي عن عليٍّ أنَّه قال: ما أُبالي إذا تمَّمْتُ وضوئي، بأيِّ أعضائي بدأتُ.
والمذهبُ الأوَّل؛ لأنَّ في الآية قرينةً تدلُّ على الترتيب، فإنَّه أدخلَ ممسوحًا بين
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ١٨٥ بلفظ: لأن أخرجهما بالسكاكين أحبُّ إليَّ من أن أمسحَ عليهما. وأورده أبو عبيد في "الطهور" ص ٣٩١ بلفظ: لأن أحزهما … الخبر.
(٢) فى (م): "خفه".
[ ١ / ٢٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والنبيُّ ﷺ رتَّب الوضوءَ وقال: "هذا وضوءٌ لا يَقبَلُ اللهُ الصلاةَ إلّا به" (^١). وقولُ عليٍّ ﵁: ما أُبالي إذا تمَّمتُ وضوئي بأيِّ أعضائي بدأتُ (^٢). قال الإمامُ أحمدُ ﵀:
مغسولات، وفيه قطعُ النظير من نظيرِه، ولا نعلمُ لذلك فائدةً غير الترتيب، ولأنَّ الحاكِين لوضوءِ النبيِّ ﷺ إنَّما حكَوه مرتَّبًا، وفِعْلُه مُفَسِّرٌ لمَا في كتاب الله تعالى، وتَوضَّأ رسولُ الله ﷺ مُرتِّبًا، وقال: "هذا وضوءٌ لا يَقبَلُ اللهُ تعالى الصلاة إلا به وبمثله" (^٣).
"فائدة": لو انغمسَ المحدِثُ حَدَثًا أصغرَ في ماءٍ كثيرٍ، راكد أو جارٍ، بنيَّةِ رَفْعِ الحدثِ، لم يرتفع إلَّا إذا أخرجَ أعضاءَه مرتَّبَةً، نصًّا. فيُخْرِجُ وجهَه، ثمَّ يديه، ثمَّ يمسَح رأسَه، ثمَّ يَخرُج من الماء، وقد غَسَلَ رجلَيْه.
_________________
(١) أخرجه ابن السكن في "صحيحه" كما في "التلخيص الحبير" ١/ ٨٢ - ٨٣، عن أنس ﵁ بنحوه، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٤١٩) عن ابن عمر أنه قال: توضأ رسول الله ﷺ واحدة واحدة، فقال: "هذا وضوء من لا يقبل الله منه صلاة إلا به" … الحديث. قال في "الزوائد": في الإسناد: زيد الغمِّي، وهو ضعيف، وعبد الرحيم متروك، بل كذاب، ومعاوية بن قرة لم يَلْقَ ابنَ عمر … وأخرجه أيضًا الدارقطني (٢٦١) من طريق أخرى عن ابن عمر ﵄. قال الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" ١/ ١٨٣: وهذا الطريق من أحسن طرق هذا الحديث. اهـ وينظر "نصب الراية" ١/ ٢٧ - ٣٠.
(٢) أخرجه أحمد في "العلل ومعرفة الرجال" ١/ ٢٠٥، وأبو عبيد في "الطهور" (٣٢٤)، وابن أبي شيبة ١/ ٣٩، وابن المنذر في "الأوسط" ١/ ٤٢٢، والدارقطني (٢٩٣) من طريق عوف بن أبي جميلة، عن عبد الله بن عمرو بن هند عن على، به. قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٨٨: وفيه انقطاع. وأخرج ابن أبي شيبة ١/ ٣٩، والدارقطني (٢٩٥)، والبيهقي ١/ ٨٧ عن علي قال: ما أبالي لو بدأت بالشمال قبل اليمين إذا توضأت. قال البيهقي: منقطع.
(٣) أخرجه أحمد (٥٧٣٥)، وابن ماجه (٤١٩) من حديث ابن عمر ﵁. قال الألباني في "رواء الغليل" ١/ ١٢٥: لا أعلم له أصلًا بذكر الترتيب فيه إلَّا ما سيأتي من رواية ابن السكن. اهـ. وذكر رواية ابن السكن ابنُ حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٨٣ من حديث أنس، ولفظه: دعا رسول الله ﷺ بوضوءٍ، فغسل وجهه ويديه مرة، ورجليه مرة، وقال: "هذا وضوء من لا يقبل الله منه غيره" … إلى آخره. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ١/ ٢٣٣: حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه، وله طرق أخرى كلها ضعيفة.
[ ١ / ٢٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنَّما عَنى به اليُسرى قَبْلَ اليمنى؛ لأنَّ مخرجَهما في الكتاب واحدٌ (^١). فلو نكَّسَ وضوءَه، لم يحتسبْ بما غَسَله قبلَ وجهه. وإن توضّأ أربعَ مرَّاتٍ منكَّسًا، صحَّ إن كان متقاربًا؛ لأنَّه يحصلُ له في كلِّ مرةٍ غَسْلُ عضوٍ، ولو غَسل أعضاءَه دَفعةَ، لم يصحَّ.
وأمَّا الترتيبُ بين اليُمنى واليُسرى من اليدين أو الرجلين، فهو غيرُ واجب، وإنَّما هو مسنونٌ فقط. والإجماعُ على ذلك، كما حَكَاه ابنُ المنذر (^٢)؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرَ مخرجَهُما واحدًا، فقال: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾.
والعاجزُ عن الوضوءِ يستأجِرُ مُوَضِّئًا وجوبًا بأَجْرِ المِثْل، فإنْ عَجَز أيضًا، تيمَّمَ وصلَّى ولم يُعِدْ. كما سيأتي في بابه. دنوشري.
(إنَّما عَنَى به) أي: إنَّما قَصَد سيِّدُنا عليٌّ كرَّم الله وجهَه بقوله ذلك أنْ يبتدأ بيدِه اليسرى قبل يده اليمنى، أو يبدأ برجلِه اليُسرى قبل اليمنى، وهذا لا يضرُّ؛ لأنَّ الترتيبَ بينهما سُنَّةٌ.
(فلو نَكَّسَ وضوءَه إلخ) هذا محترزُ قوله: "وخامسها: الترتيبُ".
(منكَّسًا، صحَّ إنْ كان إلخ) يختِمُ بوجهه، ويبدأُ برجلَيْه، فيحصل له من المرَّةِ الأُولى غسلُ الوجه، ومن الثانية غسلُ اليدين، ومن الثالثةِ مسحُ الرأسِ ومن الرابعة غسلُ الرجلَيْن.
وعلمتَ ما في كلامِه من التغليب، أي: تغليبِ الغسل على المسح، إذ لم يحصل له في المرَّة الثالثةِ إلَّا مسحُ رأسه. منه.
(ولو غسل أعضاءَه دفعةً، لم يصحَّ) غايةٌ لقوله: "فلو نكَّس إلخ" ويُتصوَّر كما ذكر المصنِّف على "المنتهى": بأنْ وضَّأَهُ أربعةٌ في حالةٍ واحدةٍ، لم يُجْزئْهُ (^٣). بأن كانت الأربعةُ غَسَل كلُّ واحدٍ منهم عضوًا مِنَ الأربعة أعضاء في آنٍ واحدٍ، فهذا عدمُ تنكيسٍ وليسَ بترتيب.
_________________
(١) "مسائل عبد الله" ١/ ١٠٠، و"مسائل أبي داود" ص ١١.
(٢) في "الإجماع" ص ٢٠.
(٣) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٩٩.
[ ١ / ٢٦١ ]
وموالاةٌ،
فلو انغمس في كثيرٍ بنيَّة رفعِ الحدث، فإن خرج مرتّبًا ومسحَ رأسه في محلِّ مسحه، صحَّ، وإلا، فلا.
(و) سادسُها: (موالاةٌ) لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] فالأوَّلُ شرطٌ، والثاني جوابُه، ومتى وجِدَ الشرطُ وهو القيامُ، وجبَ أن لَا يتأخرَ عنه جوابُه وهو غَسْل الأعضاء، فيستلزم موالاتَها، يؤيِّدُه ما روى خالدُ بنُ مَعْدَان: "أن النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يصلِّي وفي ظَهْرِ قدميْه لُمْعَة قدرَ الدِّرهمِ لمْ يصبْها الماءُ، فأمره أنْ يعيدَ الوضوءَ" رواه أحمد (^١). فلو لم تجبِ الموالاةُ، لأجزأه غَسْلُ اللمْعَة فقط.
والموالاةُ في الأصل: مصدرُ والى الشيءَ يواليه: إذا تابعه (^٢). والمرادُ هنا ما أشار إليه بقوله:
(﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾) والمعنى على تقديرِ محذوفٍ: إذا أردتمُ القيامَ إلى الصلاةِ مُحْدِثين.
وقال الآخرون: بل المرادُ على عمومِه، إلَّا أنَّه في حقِّ المحدِث واجبٌ، وفي حقِّ غيرِه مندوبٌ. ق س. باختصار.
(وهو غسلُ الأعضاء) وإذا تأخَّرَ الغَسلُ أو بعضُه، انْتَفَى ما ذُكِر، وهو القيام، وهو لا ينتفي إلَّا لعذر.
_________________
(١) في "مسنده، (١٥٤٩٥)، وأخرجه أيضًا أبو داود (١٧٥) من طريق بقبة، عن بحير بن سعد، عن خالد ابن معدان، عن بعض أصحاب النبيِّ ﷺ. قال النووي في "الخلاصة" ١/ ١١٤: رواه أبو داود من رواية بقية، وفي الاحتجاج به خلاف. اهـ. ويشهد له حديث عمر بن الخطاب ﵁ عند مسلم (٢٤٣)، وأحمد (١٣٤) ولفظه: أن رجلًا توضأ، فترك موضع ظُفرٍ على قدمه، فأبصره النبيُّ ﷺ، فقال: "ارجع فأحسن وضوءك " فرجع ثم صلَّى. واللُّمْعة: بقعة يسيرة من جسده لم ينلْها الماء. "النهاية" (لمع).
(٢) "القاموس المحيط" (ولي).
[ ١ / ٢٦٢ ]
بأنْ لا يَؤَخِّرَ غَسْلَ عضوٍ حتَّى يَجِفَّ ما قبلَه.
(بأن لا يؤخِّر) المتوضئ (غسلَ عضوٍ) أو مسحَه (حتى يجفَّ) بكسر الجيم، أي: ينشَف (ما) فاعلُ: "يجفَّ" أي: العضو الذي (قبلَه) في زمنٍ معتدلِ الحرِّ والبرد، أو قَدْرَه من غيرِه.
(أي: العضو الذي قبلَه) أي: وبقيَّةُ عُضْوٍ حتى يَجِفَّ أَوَّلُه. والمعنى: أو بأنْ يؤخِّر غسلَ بقيَّةِ عُضْوٍ حتَّى يَجِفَّ أوَّلُه.
(أو قَدْرَهُ من غيرِه) أي: منِ غيرِ المعتدل، بأنْ توضَّأ في زمنٍ حارٍّ أو باردٍ، فلا تفوتُ الموالاةُ في الزَّمنِ الحارِّ إلَّا إذا مَضَى زمنٌ بَقَدْرِ الزمنِ المعتدلِ، حتى ولو جفَّ العضو [قبلَ العضو] (^١) الذي يريدُ غَسْله. وإذا تراخى في الزمن البارد، فإنَّه يضرُّ، ولو لم يَنْشَفِ العضو قبلَ العضوِ الذي يريدُ غَسْلَه، ويضرُّ، أي: يبطلُ غسلُ العضوِ الأوَّلِ إنْ جَفَّ العضو المغسولُ قبلَ غسلِ ما بعدَه، إذا كان الجفافُ لاشتغال المتوضئِ بتحصيلِ ماءٍ، بأنْ فَرَغَ الماءُ في أثناءِ الوضوء، فاشتغَلَ بتحصيلِ ماء لبقيَّةِ وضوئِه، فجفَّ العضو الذي غسلَه، فإنَّه يضرُّ؛ لفواتِ الموالاة المفروضةِ، ووجبَ الاستئنافُ.
أو جفَّ العضو الأوَّلُ لاشتغالٍ بتبذيرٍ أو إسرافٍ في الماء الذي غسلَ به العضوَ الثاني، بأنْ زَادَ على الثلاث، فيضرُّ ذلك؛ لأنَّ الإسرافَ في الماء ليس من الطهارة الشرعيَّة.
أو جفَّ العضو الأوَّلُ لاشتغالٍ بنحوِ إزالةِ نجاسةٍ، أو إزالةِ وَسَخٍ، كشمعٍ، ودُهْنٍ، وعجينٍ لاصقٍ بالعضو، يمنعُ وصولَ الماءِ إلى البشرةِ، ونحوه كجبيرةٍ بَرِئ ما تحتَها، وكان ذلك الاشتغالُ لغيرِ طهارةٍ، بأنْ كانت إزالةُ النجاسةِ والوسخِ في غيرِ أعضاءِ الوضوءِ، أمَّا إذا كانَ ذلكَ في أعضاءِ الوضوءِ وكانا مانعَيْنِ لإيصالِ الماءِ إلى أعضاءِ الطهارة، فاشتغلَ بإزالَتِهِما، حتَّى جفَّ العضو الأوَّلُ، فإنَّه لا يضرُّ، ولو فاتتِ الموالاة. حتى ولو قُلْنا: إنَّ الحدثَ يرتفعُ قبلَ زوالِ حكم الخَبَث، واغْتُفر ذلك؛ لأنه حينئذٍ مشتغلٌ بأفعال الطهارة.
كما أنَّه لا يضرُّ اشتغالٌ بسنَّةٍ من سُنَنِ الوضوءِ، كتخليلِ لحيَةٍ كثيفةٍ، وأصابعَ، ومبالغةٍ
_________________
(١) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٢٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلا يؤخِّر غسلَ يديه حتى يجفَّ وجهُه، ولا مسحَ رأسه حتى تجفَّ يداهُ، ولا غسلَ رجليه حتى يجفَّ رأسُه لو كان مغسولًا. وعُلم منه أنَّه لو أخَّر مسحَ الرَّأس مثلًا حتى جفَّ الوجهُ دون اليدين، لم يضرَّ.
في كمالِ إسباغِ الوضوء بالماء، بأنْ اشتغلَ بدَلْكِ ما ينبُو عنه الماء، وتبليغِ الماءِ مواضعَه من أعضاءِ الطهارة، وتردُّد الدَّلك على العُضوِ حتى جفَّ ما قبلَه، فإنه لا يضرُّ.
وكإزالةِ شكٍّ، بأن يُكِّررَ غسلَ ذلكَ العُضوِ؛ إزالةً للشك، حتى يتيقَّنَ أنَّه أكملَ غَسْلَه، فجفَّ ما قبلَه، فإنَّه لا يضرُّ أيضًا.
أو جَفَّ العضو الأوَّلُ بتكرارِ غسلِ العضو الثاني؛ لإزالة وسوسة. ووجهُ ذلك: أنَّ الوسوسةَ شكٌّ في الجملةِ، فَتُستَحبُّ إزالتُها، فلا يضرُّ اشتغالُه بها.
أمَّا لو اشتغَل بغيرِ ما ذُكِر من تخليل لحيةٍ كثيفة، وإسباغٍ، وإزالةِ شكٍّ، أو وسوسةٍ، كما لو توضَّأ غيرَ مستقبلٍ القبلةَ، فانتقلَ من مكانِه؛ ليستقبلَ القبلةَ، فجفَّ العضو الذي غسلَه، فإنَّه يضرُّ، ويستأنفُ الوضوءَ؛ لأنَّ الاشتغالَ بهذه السنَّة ليسَ راجعًا لأعضاءِ الطهارة. دنوشري مع زيادة.
(فلا يؤخِّرُ غسلَ يديه إلخ) مفرَّعٌ على تعريفِ الموالاة.
ويسقط الترتيب والموالاة مع غُسْلٍ، أي: طهارةٍ كبرى؛ لأنَّ المغسولَ فيها بمنزلةِ العضو الواحدِ، فلم يُشتَرط لها ترتيبٌ ولا موالاةٌ، بخلافِ الطهارةِ من الحدثِ الأصغرِ.
(وعُلِم منه) أي: فُهِم من قولِه في التعريف قبلَه.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وشُرِطَ له، ولغُسلٍ نيةٌ،
شروط صحَّة الوضوء
(وشُرِط) بالبناء للمفعول (له) أي: للوضوءِ، أي: شُرِطَ لصحَّةِ وضوءٍ (ولـ) صحَّةِ (غسْلٍ) ولو مستحبَّيْن، ولتيمُّمٍ ولو مستحبًّا، أو عن نجاسةٍ ببدن (نيَّةٌ) بالرفع، نائبُ فاعل: "شُرط"، وكذا ما عُطِفَ عليه. وإنَّما اشتُرطَتِ النِّيَّةُ فى ذلك؛ لأنَّ
(وشُرِط له إلخ) ولما فَرَغَ من ذِكرِ فروضِ الوضوء، شَرَع في ذكرِ شروطِه مع ذكرِ شروطِ العُسْلِ استطرادًا؛ لكونِ غالبِها شرطًا في الوضوءِ أيضًا، فقال: (وشُرِطَ له ولغُسْلٍ نيَّةٌ) أي: يُشترَطُ لوضوءٍ وغُسْلٍ، ولو كانا مستحبَّينِ نيَّةٌ، خلافًا لأبي حنيفة حيثُ جعلها سنَّةً، والحاصلُ أنَّ شروطَ الوضوءِ أحدَ عشر، ذكر المصنِّفُ بعضَها، والشارحُ بعضَها، ونظمَها صاحبُ "الإقناعِ" فقال:
أيا طالبًا منِّي شروطَ وضوئِه … ستُوضَحُ إنْ شاءَ الإلهُ بلا عُسرِ
فأوَّلُها الماءُ الطَّهورُ وكونُهُ … مُبَاحًا وتمييزٌ مع الفَقْدِ للكُفْر
وتقديمُ الاستنجاءِ بالماءِ أولًا … أو الحجرِ المُنْقِي ونيَّةُ ذي الطُّهرِ
وأنْ تدخلَ الأوقاتُ في حقِّ من به … من البولِ إسلاسٌ وأشباهُ ذي الضُّرِّ
وعقلٌ، فراغٌ من مناف لطهره (^١) … إزالةُ ما قد يمنعُ الماءَ أنْ يجري
على جلدِه كالشمعِ ثمَّ نقاؤهَا … من الحيضِ أو شبهٍ فواحد مع عشرِ
والنية لغةً: القصدُ، يقال: نراك الله بخيرِ، أي: قصدَك به، ومحلُّها القلب، فلا بدَّ أنْ يقصِد التقرُّبَ إلى الله تعالى بقلبه، وأن يُخْلِصَها إلى الله تعالى؛ لأنَّه عملُ القلب.
وشرعًا: العَزْمُ على فعلِ الشيءِ. ويُزَادُ في [حدِّ] عبادةٍ (^٢): تقرُّبًا إلى الله تعالى، كما سيأتي في بابه.
_________________
(١) في الأصل: "لكفره".
(٢) في الأصل: "عبارة". والمثبت من "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٣٥٥، وما بين حاصرتين منه.
[ ١ / ٢٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإخلاص الذي هو النيَّة مأمورٌ به، ولحديث: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات" (^١) أي: لا عملَ جائزٌ إلا بالنِّية، ولأنَّ النصَّ دلَّ على الثَّواب في كلِّ وضوءٍ، ولا ثوابَ في غير
ويسنُّ نطقٌ بها سرًّا، وإنَّما كانتِ النيَّةُ شرطًا في الطهارتين الواجبتين والمستحبتين؛ لخبرِ "الصحيحين": ("إنَّما الأعمالُ بالنيَّات"). وأكَّدهُ بقوله: "وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى" إلى آخره، رواه مسلم، وقوله ﵊: "لا عملَ إلا بنيَّةٍ" (^٢)، ولأنَّ الطهورَ عملٌ وعبادةٌ، فأشبهَ سائرَ العباداتِ، ومن شرطِها النيَّةُ.
وأمَّا إزالةُ النجاسةِ فلا يُشتَرطُ لها نيَّةٌ؛ لأنَّها من قَبيلِ التُرُوكِ، وهي لا يُشتَرطُ لها نيَّةٌ، فالنيَّةُ شرطٌ في كُلِّ غُسْلٍ، إلَّا غُسْل كتابيَّةٍ، ومسلمةٍ ممتنعَةٍ عن الاغتسال من الحيض لوطءِ حليلِها المسلم، فَتُغَسَّلُ قهرًا عليها، لحقِّ الزوجِ في الوطءِ؛ لأنَّه لا يباحُ له وطؤها إلَّا بعدَ غُسْلِها.
ولا يُشتَرطُ نيَّةٌ في غُسْلِ الكتابيَّةِ والمسلمة الممتنعةِ للعذر؛ لأنَّ الكتابيَّةَ ليست من أهل النيَّة؛ لكونها كافرة، والمسلمة لم تقصِد الغُسلَ بالكليَّةِ، وإنَّما غُسِّلَتْ قهرًا عليها؛ لحقِّ الزوجِ، وهو الوطءُ، كما إذا امتنعَ المسلمُ من أداءِ الزكاةِ، فإنَّها تُؤخَذُ منه قهرًا، ولو بلا نيَّةٍ، فلا يُباح له وطؤها إلَّا بعدَ غُسْلِها، ولو بلا نيَّةٍ.
والصحيحُ أنَّها لا تصلِّي بهذا الغُسْل؛ لتجرُّدِه عن النيَّةِ المشروطَةِ شرعًا، ويقاسُ على ذلك منعُها من الطوافِ، ومسِّ المصحفِ؛ لعدمِ وجودِ الطهارةِ الشرعيَّةِ. وإنما أُبيحَ وطؤُها
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٥٨)، ومسلم (١٩٠٧)، وهو في "مسند أحمد" (١٦٨) من حديث عمر ﵁.
(٢) جزء من حديث أخرجه البيهقي ١/ ٤١، والبغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (٦٩٣) عن أنس بن مالك ﵁. قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ١٥٠: في سنده جهالة. اهـ. وأخرجه أيضًا البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (٦٩٢) من طريق أخرى، عن أنس ﵁، وفي إسناده متروكون. وأخرجه أيضًا الديلمي في "مسند الفردوس" (٧٨٩٤) عن أبي ذرٍّ الغفاري ﵁. وينظر "التلخيص الحبير" ١/ ١٥٠.
[ ١ / ٢٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَنويٍّ إجماعًا، إلا غُسْل ذِمِّيَّة -ولو حربيَّة- لحيْضٍ ونفاسٍ وجنابةٍ، ومسلمة ممتنعة
بهذا الغسل المجرَّدِ عن النيَّة؛ لحقِّ زوجِها في وطئها، وإنَّما لمْ يصحَّ أنْ يُنْوَى عن المسلمة الممتنعة؛ لعدم تعذُّرِها منها؛ لكونها من أهلها، فلا يُنْوَى عنها. دنوشري.
وقد نَظَمَ بعضُهم ما يتعلَّقُ بالنيَّة في بيتٍ فقال:
حقيقةٌ (^١) حكمٌ محلٌّ وزَمَن … كيفيَّةٌ شرطٌ (^٢) ومقصودٌ حَسَن
فالنيَّة لها معنيان، لغةً واصطلاحًا. ولها حكمٌ: وهو شرط. ولها محلٌّ: القلبُ. ولها زمنُ فعلِ العبادات، وكيفيَّتُهَا تختلفُ باختلافِ الأبواب. شرطها: الإسلامُ والعقلُ والتمييز. ومقصود: تمييزُ رُتَبِ العباداتِ من العادات (^٣).
(أو عن نجاسةٍ ببدن) أي: ويُشتَرط لتيمُّمٍ عن نجاسةٍ ببدنٍ نيَّةٌ؛ لأنَّه مبيحٌ لا رافع، فاحتيجَ إلى النيَّة؛ لضعفه.
(لأنَّ الإخلاص إلخ) تعليلٌ لكونِ النيَّةِ شرط.
(ولحديث) عطفٌ على قوله: "لأن الإخلاص إلخ".
وقوله: (ولأنَّ النصَّ) عطفٌ على الأوَّل، أخذًا من أنَّ المعاطيفَ إذا تكرَّرت بالواو، تكون على الأول. وكذا ما عُطِف عليه من قوله فيما يأتي في المتن: (وطهورية ماء وإباحته إلخ).
(إجماعًا) لعلَّه ليسَ على إطلاقِه، وإلَّا فنحو القراءةِ لا تحتاجُ إلى نيَّةٍ. منه. (إلا غُسْل ذمِّيَّةٍ إلخ) مستثنًى من أنَّ النيةَ شرطٌ في كلِّ غُسْلٍ وجنابةٍ. عبَّر في جانبِ الذمِّيَّة بالغُسْل من الجنابةِ دون المسلمة، إشارةً إلى أنَّ الذمِّيَّة تغتسلُ لحليلها من الجنابة، دون المسلمة، فإنَّها لا تغتسل من الجنابة لحليلها، بل من الحيضِ. (ومسلمةٍ) عَطْفٌ على مقدَّرٍ، أي: وإلَّا غُسْل مسلمةٍ.
_________________
(١) في الأصل: "حقيقتها".
(٢) في الأصل: "شروط".
(٣) في الأصل: "العبادات".
[ ١ / ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في حيضٍ ونفاس، فتُغسَّل قهرًا بلا نيَّة؛ للعذر، كممتنعٍ من زكاة، ولا تصلِّي به المسلمةُ. وقياسُه كما في "شرح المنتهى" (^١): منعُها من نحو طوافٍ وقراءةٍ مما يتوقَّف على الغُسْل. ويُنوى عن ميتٍ ومجنونٍ غُسِّلا (^٢)؛ لتعذُّرها منهما. ولا يعيدُه مجنونٌ أفاق، كما بحثه المصنِّف.
(فتُغَسَّلُ قهرًا بلا نيَّه؛ للعذر) أي: تُغَسَّل كلٌّ من الذمِّيَّةِ والمسلمِ الممتنِعَةِ قهرًا بلا نيَّةٍ؛ للعذر. وفي التسميةِ وجهان، ذكرهما في "الفروع" (^٣) في "عشرةِ النساء". قال في "الإنصاف" (^٤): قلت: إنَّ التسميةَ لا تجب. لكن ظاهرُ كلامه هنا أنَّ المقدَّم وجوبُها؛ لأنَّه حَكَى الثاني بـ: قيل. مصنِّف (^٥).
(كممتنعٍ من زكاةٍ) تنظيرٌ لقوله:"فتُغَسَّلُ قهرًا بلا نيَّة"، يعني: تُؤخَذُ منه الزكاةُ قهرًا، وتَسقُط النيَّة، أي: يسقطُ اشتراطُ النيِّةِ؛ للعذر.
(ولا تُصلِّي به المسلمة) أي: بالغُسْلِ المذكورِ.
(كما في "شرح المنتهى" أي: للمصنِّف، أعني الشيخَ منصور.
(ممَّا يتوقَّفُ على الغُسْل) بيانٌ لقوله: "من نحو طوافٍ إلخ"؛ لأنَّه إنَّما أُبيح وطؤُها؛ لحقِّ زوجها فيه، فيبقَى ما عداه على أصلِ المنع، ولا يُنوى عنها؛ لعدمِ تعذُّرِها منها، بخلافِ الميِّت. مصنِّف (^٥). (ويُنوى) الغسلُ (عن (^٦) ميت) ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبير. ومجنونة (^٧) مسلمةٍ، أو كتابيَّة حاضت، ونحوه.
(كما بحثَه المصنِّف) في "حاشيته" على "الإقناع"، أصل العبارة في "الإقناع"، وقال أبو
_________________
(١) ١/ ١٠٢.
(٢) في (م): "غسل".
(٣) ٨/ ٣٩٤.
(٤) "الإنصاف ومعه المقنع والشرح الكبير" ٢١/ ٣٩٧.
(٥) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ١٠٢.
(٦) في الأصل: "على".
(٧) في الأصل: "ومجنون".
[ ١ / ٢٦٨ ]
وطَهوريَّةُ ماءٍ، وإباحتُه،
(و) شُرِطَ لوضوءٍ وغُسْلٍ (طهوريَّةُ ماءٍ) أي: كونُ الماء طهورًا؛ لأنَّه لا يرفع الحَدَثَ غيرُه. (وإباحتُه) أي: كونُ الماء مباحًا؛ لحديثِ: "مَنْ عَمِلَ عملًا لَيْسَ عليه أمرُنا، فهو رَدٌّ" (^١) فلا يصحُّ وضوءٌ ولا غسْلٌ بمغصوبٍ ونحوهِ، كمسبَّل للشرب.
المعالي في المجنونةِ: لا نيَّةَ؛ لعدمِ تعذُّرِها مآلًا؛ لأنَّها تفيقُ، بخلاف الميِّت، وأنَّها تعيدُ الغُسلَ إذا أفاقت.
قال بعده في "الحاشية": قلت: وأنها تُصلِّي وتَفعلُ ما تفعلُه الطاهراتُ على الأوَّل؛ لوجودِ النيَّةِ الصحيحة، غايةُ الأمر أنَّها من الغاسل؛ لتعذُّرها من المجنونة، بخلافِ الممتعةِ والكافرةِ. وأقرَّه على ذلك البهوتي، ووافقَه على ذلك الشارح تلميذه. (غُسِّلا) أي: وإنَّما ينوى عن ميتٍ ومجنونٍ غُسِّلا؛ لتعذُّرِ النيَّة منهما، فيقومُ بها غيرهما عنهما ممَّن هو من أهلِ التكليف. دنوشري.
(وطهوريَّة ماءٍ) الشرطُ الثاني من شروطِ الوضوء والغُسْل: طهوريَّةُ ماءٍ، احترازًا من الطاهر والنجس، فإنَّهما لا يرفعان حَدَثًا، ولا يُزِيلان خبثًا، وإنَّما يستعملُ الماءُ الطاهرُ في العادات دون العبادات، وأمَّا المتنجِّسُ فلا يجوزُ استعماله في الطهارة، وقيل: يجب غسله فكيف يُطهِّرُ غيرَه؟!
(وإباحته) أي: والشرط الثالث: إباحتُه، أي: إباحةُ الماءِ الذي يُرادُ استعمالُه في رَفْعِ الحدث الأكبرِ والأصغرِ، فلا يصحُّ رَفْعُه بماءٍ محرَّمٍ؛ لأنَّه قربةٌ إلى الله تعالى، ولا يُتَقَرَّبُ إليه بمعصيةٍ.
("فهو ردٌّ") أي: مردودٌ.
(فلا يصحُّ وضوءٌ ولا غسلٌ إلخ) محترزُ قولِه: "وإباحته".
(كمسبَّل للشُّرب) مثالٌ للنحو، وكذا مسروقٌ ومودَعٌ مجحودٌ.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (١٧١٨) (١٨)، وأحمد (٢٥١٢٨) من حديث عائشة ﵂. وأخرجه أيضًا البخارى (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة ﵂ بلفظ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ".
[ ١ / ٢٦٩ ]
وإزالةُ ما يَمنعُ وصولَه، وانقطاعُ موجبٍ.
(و) شُرِطَ لوضوءٍ وغُسْلٍ (إزالةُ ما) أي: شيءٍ (يَمنعُ وصولَه) أي: الماء إلى البشرة، كعجينٍ ونحوهِ على أعضاء وضوءٍ، أو على بدنٍ في غُسْلٍ.
(و) شُرِطَ لوضوءٍ وغُسْلٍ (انقطاعُ موجِب) بكسر الجيم، أي: يُشترَطُ للوضوء انقطاعُ ما يوجبُه، وهي نواقضُ الوضوء. ويشترَطُ للغُسْلِ انقطاعُ ما يوجبه، وهي موجباتُ الغُسْلِ الآتية. وشُرِطَ أيضًا عقلٌ، وتمييزٌ،
(وإزالةُ ما يمنعُ وصولَه) أي: والشرطُ الرابع إزالةُ ما على البشرةِ من مانعِ وصولِ الماءِ للبشرةِ من شمعٍ، أو دُهْنٍ، أو عجينٍ لاصقٍ، بخلافِ أثرِ الحنَّاء ونحوه، مِنْ كلِّ مالا يمنعُ وصولَ الماء فإنَّه لا يضرُّ.
(وانقطاعُ موجِب) لما في ذلك من المنافاةِ بينَ رفعِ الحدثِ وبينَ ما يُوجِبُه، فلا يصحُّ رفُعه مع وجودِه بالفعل؛ ولما في ذلك من الجمعِ بين الضِّدَّينِ، وهو غيرُ مُمكنٍ، ولأنَّ الحدثَ قد يُطلقُ على نفسِ الخارجِ. إلَّا إذا كانَ حدثُه دائمًا، فإنَّه تصحُّ طهارتُه مع ديمومته، لكنْ بعدَ غَسْلِ المحلِّ، وتعصيبِه.
وسَلَكَ في هذا التعبير ما سَلَكَه صاحب "الإقناع" (^١) وهو أَولى من تعبير "المنتهى" بقوله: وفراغ خروج خارج (^٢). إذْ هو خاصٌّ بالخارجِ من السبيلين، وما هُنا أعمُّ؛ لشمولِه ما إذا كانَ يتوضَّأُ، وهو يمسُّ امرأةً بشهوةٍ، أو وهو يأكُلُ لحمَ الجزورِ، وشمولهِ ما إذا كانَ يغتسلُ، وهو يجامعُ حليلَتَهُ.
(وشُرِط أيضًا) للوضوء والغسل: (عقلٌ) فلا تصحُّ طهارةُ المجنونِ؛ لعدمِ صحَّةِ نيَّتِهِ.
فأفادَ بقوله: "أيضًا" اشتراكَ الثلاثةِ بينَ الوضوء والغسل، ولعدم ذكرها مع قوله: "ولوضوء" أفادَ عدم الاشتراكِ في "دخولِ الوقتِ"، وما عُطِفَ عليه. (وتمييز) المُتَطهِّر، وهو
_________________
(١) ١/ ٣٧، وعبارته: "وانقطاع ناقضٍ".
(٢) "منتهى الإرادات" ١/ ١٥.
[ ١ / ٢٧٠ ]
وتجبُ فيهما التسميةُ مع الذِّكْر،
وإسلامٌ لسوى من ذُكرِ، ولوضوءٍ دخولُ وقتٍ على من حَدَثُه دائمٌ لفرضه، واستنجاءٌ أو استجمار، كما تقدَّم.
(وتجب فيهما) أي: في الوضوءِ والغُسْل، وكذا تيمُّم (التسميةُ) أي: قولُه في
بلوغُه سبعًا؛ لأنَّ الوضوءَ والغُسْلَ من قبيل العبادات المشروطِ لها النيَّة، ومن لم يميز لا اعتبار لنيَّته ولا لقصده.
(وإسلامٌ) فلا يصحُّ طهارة الكافر؛ لعدم صحَّة نيَّته المشروطة في الطهارة؛ لأنَّه ليسَ من أهل النيَّةِ. (لسوى من ذُكِر) يعني أنَّه يستثنى من اشتراط الإسلام والعقل والتمييز (^١) مسألتان لا يشترط لهما النيَّةُ؛ للعذر، أشار الشارحُ رحمه الله تعالى إليهما بقوله: "لسوى من ذكر"، وهما الكتابيَّةُ، والمسلمةُ المجنونة، فإنَّهما يُغَسَّلان من الحيضِ لحلِّ وطءِ حليلِهما المسلم. فهذه الشروطُ المذكورةُ مشتركةٌ بين الوضوء والغسل. ونبَّه على الشروطِ الخاصَّة بالوضوءِ وحدَه بقوله:
(ولوضوءٍ دخولُ وقتٍ) لصلاةٍ، وطوافِ فرضٍ على من حدثُهُ دائمٌ، إذا توضَّأ لفرضِ ذلكَ الوقت؛ [لأنَّها طهارة] (^٢) ضرورة، وهي ضعيفةٌ في نفسها؛ لأنَّها مبيحةٌ لا رافعةٌ للحدث، كالتيمُّم، وليس لها قوَّةُ التقديم، فاشتُرِط لها دخولُ الوقت، واحترز بقولِه: "لفرضه" عمَّا إذا توضَّأَ لنافلةٍ، أو جَنَازةٍ، أو طوافٍ ونحوِه، فإنَّه لا يُشتَرطُ لذلك الوقتُ، ويكون وقتُها عندَ إرادةِ فعلِها، فيصحُّ ذلكَ كلَّ وقتٍ.
(واستنجاءٌ) عطف على: "دخول وقت إلخ"، أي: يشتَرط لوضوء وحدَه دخولُ وقتٍ على من حَدَثُه دائمٌ، واستنجاءٌ بماءٍ طَهور، واستجمارٌ بحجرٍ ونحوِه، من كلِّ طاهرٍ جامدٍ مباحٍ مُنْق، كحجرٍ وخشبٍ وخرقٍ، كما تقدَّم في بابه.
(وتجبُ فيهما التسميةُ) لمَّا أنهى الكلامَ على شروطِ الوضوء، ذكرَ واجبَ الوضوء.
_________________
(١) في الأصل: "والغسل".
(٢) في الأصل: "لأن طهارتها".
[ ١ / ٢٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أوَّل ذلك: باسم الله؛ لحديث (^١): "لا وضُوءَ لمن لمْ يَذكُرِ اسمَ الله عليه" رواه أحمدُ وغيرُه (^٢). وقِيْسَ الغُسْلُ والتيمُّمُ عليه، لكنْ إنَّما تجبُ التسميةُ فيما ذُكر (مع الذُّكر) بضمِّ الذَّالِ وكَسْرِها. قاله ابنُ مالكٍ في "مثلَّثه".
وقال الكسائيُّ: الذِّكرُ باللسان ضدُّ الإنصات، وذالُه مكسورةٌ. وبالقلب ضدُّ النسيان، وذالُه مضمومةٌ.
ومحلُّ التَّسمية: اللسانُ. ووقتُها عند أوَّلِ واجبٍ وجوبًا، وأولِ مسنونٍ ندبًا، كالنِّيَّة على ما سيأتي.
وعُلِمَ منه أنَّها تسقطُ سهوًا. نصًّا.
قال المصنِّف: قلتُ: مقتضى قياسِهم -أي: لسقوطها سهوًا على واجباتِ الصَّلاة- أنَّها تسقطُ جهلًا.
والظاهرُ إجزاؤُها بغيرِ العربيَّةِ ولو ممن يحسنُها كالذَّكاة؛ إذ لا فرقَ. انتهى (^٣).
(وعُلِم منه) أي: وفُهِم من قوله: "مع الذِّكر" أنَّه لو لم يذكرْها حتى فرغ من وضوئه، لم تلزمْه إعادتُها؛ لأنَّ الواجبَ يسقطُ بالسهوِ.
_________________
(١) في (م): "الحديث".
(٢) روي عن عدد من الصحابة، منهم أبو هريرة ﵁، وهو عند أحمد (٩٤١٨)، وأبي داود (١٠١)، وابن ماجه (٣٩٩). ومنهم أبو سعيد الخدري ﵁، وهو عند أحمد (١١٣٧٠)، وابن ماجه (٣٩٧). ومنهم سعيد بن زيد ﵁، وهو عند أحمد (١٦٦٥١)، والترمذي (٢٥)، وابن ماجه (٣٩٨) من طريق رباح بن عبد الرحمن بن حويطب، عن جدته، عن أبيها سعيد بن زيد ﵁، قال الترمذي: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد.
(٣) "كشاف القناع" ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ٢٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد يقال: إلحاقُها بأذكارِ الصَّلاة أشبهُ؛ بجامعِ العبادة، وإن ذَكَرها في أثناءِ وضوءٍ أو غُسْلٍ أو تيمُّمٍ، ابتدأ عند صاحب "المنتهى" (^١) ولم يَبْنِ، خلافًا "للإقناع" (^٢)
(أشبهُ) أي: أنسبُ (بجامع العبادة) أي: فلا تُجزِئُ من قادرٍ بغيرِ العربية. منه.
(خلافًا "للإقناع" بأنَّه إذا ذَكر التسميةَ في أثناءِ الوضوءِ، أو الغُسْل، أو التيمم، سمَّى وبنى.
قال المصنِّف عليه (^٣): لأنَّه لمَّا عُفِي عنها مع السهوِ في جملةِ الطهارة، ففي بعضِها أَولى.
قال صاحب "الإقناع" في "حاشيته" (^٤): هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب.
اختارَه القاضي، والموفَّق في "المغني" (^٥)، و"الكافي" (^٦)، والشارح (^٧)، وابن عبيدان (^٨)، وابن تميم، وابن رزين (^٩) في "مختصره"، و"المستوعب"، و"الرعاية الصغرى"،
_________________
(١) ١/ ٤٦.
(٢) ١/ ٤١.
(٣) "كشاف القناع" ١/ ٩١.
(٤) وهو "حواشي التنقيح"، والكلام فيه ص ٨٥ - ٨٦.
(٥) ١/ ١٤٦.
(٦) ١/ ٥٤.
(٧) في "الشرح الكبير" ١/ ٢٧٦.
(٨) هو زين الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن بن محمود بن عبيد البعلي، الفقيه الزاهد العارف، له "المطلع" كتاب أحكام على أبواب المقنع، وجمع "زوائد المحرر على المقنع". (ت: ٧٣٤) "ذيل طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٢٣ - ٤٢٥.
(٩) هو سيف الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن بن رزين بن عبد العزيز، الغساني، الحوراني، الدمشقي، له كتاب "التهذيب" في اختصار "المغني". (ت: ٦٥٦ هـ). "ذيل طبقات الحنابلة" ٢/ ٢٦٤، و"المقصد الأرشد" ٢/ ٨٨.
[ ١ / ٢٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن تركها عمدًا، لم يصحَّ.
و"روضة الفقه" (^١)، و"الحاوي الكبير" (^٢)، وحكاه الزركشيُّ عن الشيرازي (^٣)، وابنِ عبدوس (^٤) انتهى. وشارح "المحرر"، والشيخ يوسف المرداوي في كتابه: "نهاية الحُكْم المشروع في تصحيح الفروع"، والعُسْكُرِيّ (^٥) في كتابه: "المنهج"، وغيرهم، خلافًا لما صحَّحَه في "الإنصاف" (^٦) وحكَاه عن "الفروع" (^٧) ولم يذكر غيرَه. انتهى المقصودُ منه.
والذى صحَّحه في "الإنصاف" مشى عليه صاحب "المنتهى" (^٨) قال: لكن إنْ ذكرَها في بعضه، ابتدأ. قال في "شرحه" (^٩): لأنَّه أمكنهُ أنْ يأتيَ بها على جميعِه، فوجبَ كما لو ذكرها في أوَّله. انتهى.
(فإن تركَها عمدًا إلخ) مفرَّعٌ على قوله: "تسقط سهوًا".
_________________
(١) لم يعلم مؤلِّفها من الحنابلة، ونقل عنه ابن مفلح في "الفروع" ٥/ ٤٢٧، وقال: لبعض أصحابنا.
(٢) هو لعبد الرحمن بن عمر البصري، الضرير، المتوفى سنة أربع وثمانين وستِّ مئة. "ذيل طبقات الحنابلة" ٢/ ٣١٣ - ٣١٥. وينظر "المذهب الحنبلي" ٢/ ٢٩٢.
(٣) في الأصل: "الزركشي"، والتصويب من "كشاف القناع" ١/ ٩١.
(٤) هو أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد الحراني، الفقيه الزاهد، له كتاب "المُذْهب في المذهب" (ت: ٥٥٩ هـ). "ذيل طبقات الحنابلة" ١/ ٢٤١ - ٢٤٤، و"الدرُّ المنضد" للعليمي ١/ ٢٦٦.
(٥) لعله شهاب الدبن، أبو العباس، أحمد بن عبد الله بن أحمد العسكري الصالحي. صنف كتابًا جمع فيه بين "المقنع" و"التنقيح"، لكن اخترمته المنية قبل إتمامه، فشرع تلميذه الشهاب الشويكاني في تكملته. (ت: ٩١٠ هـ). "النعت الأكمل" ص ٧٨، و"السحب الوابلة" ١/ ١٧٠ - ١٧٣. ولم نقف على كتابه "المنهج"، ولم يذكره سوى صاحب "كشاف القناع" والعبارة منه ١/ ٩١.
(٦) ١/ ٢٧٧.
(٧) ١/ ١٧٣.
(٨) ١/ ١٤.
(٩) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٩٧.
[ ١ / ٢٧٤ ]
فينوي عندَها،
ويشيرُ بها أخرسُ ونحوه [كمعتقلٍ لسانُه] (^١).
(فينوي عندها) أي: عندَ التَّسمية، يعني أنَّه يجبُ الإتيانُ بالنِّيَّة عند أوَّلِ واجبٍ في وضوءٍ أو غُسلٍ أو تيمُّمٍ، وهو التسميةُ، حيث أرادَ تقديمَ التَّسمية على غَسْل الكَّفين في وضوءٍ وغُسْلٍ. فإن قدَّم غسلَهما على التسمية، فسيأتي.
(ويشيرُ بها أخرسُ ونحوه) أي: يشير بالتسميَةِ في الوضوء والغسل والتيمُّم، فظاهرُه وجوبًا، ومثلُه المعتقلُ لسانُه. ويأتي في "صفة الصلاة" أنَّه يُحرِمُ بقلبِه، فلم يعتبرُوا مع ذلك إشارةً، وينبغي إلحاقُ ما هنا به؛ لعدمِ الفرق.
قال المصنف في "كشاف القناع" (^٢): إلَّا أنْ يكونَ فرقٌ، نحو أن يُقَال: الإشارةُ الى التبرُّك ممكنةٌ، كرفعِ رأسهِ إلى السماء، بخلاف افتتاحِ الصلاة، فإنَّه لا يُعْلَم من الإشارةِ إلى السماء. انتهى.
(فينوي عندها) مفرَّعٌ على قوله: "وشرط له ولغُسْلٍ نيَّةٌ" هذه كيفيَّةُ النيَّةِ، ولها ثلاثُ صورٍ، ذَكَرَ المصنِّفُ اثنتين، والشارحُ واحدةً.
(وهو التسمية) أي: أوَّلُ واجبٍ فيما ذُكِر، التسميةُ.
(حيثُ أراد إلخ) فهي حيثيَّةُ تقييد، والمراد بالتقدُّمِ هنا عدمُ التأخُّر، ووجودُها مقترنةً بفعلِ الواجب، لأنَّ النيةَ شرطٌ لصحَّةِ الواجباتِ والمفروضات. فلو فُعِلَ شيءٌ من الواجباتِ قبل تقدُّمِ النيَّة، لم يصحَّ. دنوشري. صح.
(فإن قَدَّم غسلَهُما) مفرَّعٌ على قوله: بالحيثية، أي: غسل الكفين.
وقوله: (فسيأتي) أي: عندَ قوله: "ويسنُّ أنْ ينوي إلخ" لكون النيَّة سنَّة، فتارةً تكونُ واجبةً وتارةً تكونُ سنَّةً.
_________________
(١) زيادة من (ح).
(٢) ١/ ٩٢.
[ ١ / ٢٧٥ ]
أو قبلَها بيسيرٍ رَفْعَ الحَدثِ،
(أو) ينوي (قبلَها) أي: قبلَ التسمية، يعني أنَّه يجوزُ تقديمُ النِّيَّة على الطَّهارة (بـ) زمنٍ (يسيرٍ) كصلاةٍ وزكاةٍ (^١)، ولا يُبْطِلُها عملٌ يسير، فلو كَثُر، استأنفها. وقولُه: (رفْعَ الحَدثِ) بالنصب، مفعولُ: "ينوي"، فالنِّيةُ محلُّها القلبُ.
ويسَنُّ التلفُّظ بها وبما نواه سرًّا. ووقتُها: عند أوَّلِ واجبٍ، كما تقدَّم، أو مسنونٍ، كما سيجيء.
(بزمنٍ يسير) يعني أنَّه لا يضرُّ تقدُّمُ النيَّةِ بزمنٍ يسير كتقدم نية الصلاة (^٢) … المتوضئ وقارنتِ النيَّةُ فِعْلَ الوضوء، أو تقدَّمتْهُ بزمنٍ يسير، صحَّ وضوءُه (فلو كَثُر، استأنفها) هذا مفهومُ قوله: "بزمن يسير" أي: أنَّه يضرُّ كون التقدُّمِ بزمنٍ كثيرٍ، أي: طويلٍ عرفًا على الصحيحِ من المذهب، وقيل: يجوزُ التقدُّمُ مع ذكرِها، وبقاءِ حكمها. وجوَّز الآمديُّ تقديمَ نيَّةِ الصلاةِ بالزَّمنِ الطويل، ما لم يرتدَّ أو يفسخها، وكذا يخرَّج هنا. والمذهبُ الأوَّل. دنوشري.
(ولا يبطلها) أي: النيَّةَ.
(ويُسنَّ التَّلَفُّظُ بها) ليوافقَ لسانُه قلبَه، فلا يستحبُّ الجهرُ بالنيَّةِ على أحد الوجهين، وهو المذهبُ المنصوصُ عن الإمام أحمد، وأمَّا الجهرُ بها فإنَّه غيرُ مشروعٍ.
قال الشيخ تقيُّ الدِّين: اتَّفقَ الأئمَّةُ على أنَّه لا يُشرَعُ الجهرُ بها، ومن اعتادَه ينبغي تأديبُه، وكذا في بقيَّةِ العبادات، ويكرُه الجهرُ بها وتكرارُها، وهو منهيٌّ عنه عند الشافعيِّ وسائرِ أئمَّةِ الإسلام، وفاعله مسيءٌ، يجبُ نهيُه عنه، ويعزَل عن إمامته إنْ لم ينتَهِ. وفي "سنن" أبي داود أنَّه ﷺ أمرَ بعزلِ إمامٍ لأجلِ بُصاقِه في القِبلة (^٣). فإنَّ الإمامَ عليه أن يُصلِّيَ كما كان النبيُّ يصلِّي (^٤). دنوشري.
(كما سيجيء) عند قولِه: "ويسنُّ أنْ ينوي".
_________________
(١) في (م): "وذكاة".
(٢) بعدها في الأصل طمس بمقدار خمس كلمات تقريبًا.
(٣) "سنن" أبي داود (٤٨١) من حديث أبي سهلة السائب بن خلاد، وهو عند أحمد (١٦٥٦١).
(٤) "مختصر الفتاوى المصرية" ص ٩ - ١٠، وينظر "مجموع الفتاوى" ٢٢/ ٢١٨ - ٢١٩.
[ ١ / ٢٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصفتُها: أن ينويَ رفعَ الحدث، أي: يقصدَ بطهارته زوالَ الوَصْفِ المانِع من الصلاة ونحوِها. ولو نوى مع رَفْعِ الحَدَثِ تبرُّدًا، أو تنظُّفًا، أو تعليمًا، أو إزالةَ نجاسة، لم يضرَّ، أو ينوي بطهارته استباحةَ نحوِ صلاةٍ. وهذا في غير دائمِ الحدث،
(وصفتها) أي: صفةُ النيَّةِ المشروطةِ في الحدث الأصغر أو الأكبر، والتي نصَّ عليها المصنِّفُ بقولِه: "فينوي عندها أو قبلها إلخ" -كما ذكرَهُ في "المنتهى"-: هي قَصْدُ رفعِ الحدثِ الأصغرِ أو الأكبر، أو ينوي الطهارةَ لما لا يُباح الا بها، أو التجديد إن سُنَّ، بأنْ صلَّى بينهما ناسيًا حدثَه، وأجزأتْهُ نيَّة التجديدِ عن نيَّة رَفْعِ الحدث، ولو كان ناسيًا حدثَه، ارتفعَ ولو لم ينوِ رفْعَ الحدثِ. دنوشري.
(ولو نوى مع رَفْعِ الحدث تبرُّدًا إلخ) غايةٌ لقوله: "أنْ ينويَ رفعَ الحدث". وقولُه: "أي: يقصد" تفسيرٌ لقولِه: "أن ينويَ رفعَ الحدث".
(أو تعليمًا) أو تعليم وضوءٍ لغيره. (أو إزالةَ نجاسةٍ، لم يضرَّ) أي: لو نَوى مع رَفْعِ الحدث إزالةَ نجاسةٍ على أعضائه، بأنْ غسلهما ينوي به رفع الحدث، ارتفع حدثُه ولو شكَّ في غسلِ عضوٍ، أو مسحِ رأسِه، لزمَه استئنافُ النيَّة، إلَّا أنْ يكونَ وهمًا، كوسواسٍ، فلا يلتفِتُ اليه، وإنْ جعلَ الماءَ في فيه ينوي ارتفاعَ الحدثِ الأصغر، ثمَّ ذَكَر أنَّه جُنُب، فنوى ارتفاعَ الحدثين، ارتفعا. ح ف.
(أو ينوي بطهارته استباحة إلخ) عَطَفَ على قوله في صفة النيَّة: "أنْ ينويَ إلخ": "أو ينويَ". والمعنى أنَّ النيَّة قصدُ رفعِ الحدث، أو قصدُ استباحةِ ما تجبُ له الطهارةُ، كالصلاةِ، والطَّوافِ، ومسِّ المصحفِ، وقراءةِ القرآنِ، واللبثِ بالمسجد. ونيةُ الاستباحة تجري على من حدثُه دائمٌ وغيره، فـ "أو" هنا للتَّخيير في حقِّ غيرِ مَن حَدَثُه دائمٌ؛ لأنَّ طهارتَه طهارةُ ضرورةٍ، فلا يصحُّ منه نيَّةُ رفعِ الحدث. وإن انتقضت (^١) طهارتُه بطروِّ حدثٍ
_________________
(١) في الأصل: "انقضت".
[ ١ / ٢٧٧ ]
أو الطهارةَ للصَّلاةِ مثلًا.
وإن نوى ما يُسنُّ له، كقراءةٍ،
وأما هو، فيتعيَّن في حقِّه نيةُ الاستباحة، لكنْ لا يحتاج دائمُ الحَدَثِ إلى تعيين نيَّةِ فرضٍ، بخلاف التيمُّم.
(أو) ينوي (الطهارةَ للصلاة) أي: لفعلها (مثلًا) بالنصب، على أنَّه مفعولٌ له أو مُطْلَقٌ، أي: أذكرُ الصلاة لأجل التمثيل، أو أمثِّلُ بها تمثيلًا. ويحتمل نصبُه على الحال بمعنى الممثّل به. والمرادُ: أن يقصدَ بطهارته أمرًا يتوقَّف عليها، كصلاةٍ، وطوافٍ، ومسِّ مصحف.
(وإن نوى) بطهارته (ما) أي: أمرًا (يُسنُّ له) التطهُّر (كـ) ـما لو نَوَى الوضوءَ لِـ (ـقراءةِ) قرآنٍ وذِكرٍ
غيرِ الحدثِ الدائمِ، كلمسِ امرأةٍ بشهوةٍ، ومسِّ فرجِ آدميٍّ، فلا يكفي أيضًا إلَّا نيَّةُ الاستباحة. دنوشري مع زيادة.
(بخلاف التيمم) فإنَّه يحتاجُ في التيمُّم إلى تعيين نيَّة فرضٍ؛ لضعفِه، لأنَّه مبيحٌ لا رافعٌ. (وإنْ نوى بطهارته ما يسنُّ له التطهُّر إلخ) يعني: أنه لو نوى بوضوئه ما، أي: شيئًا تُسنُّ له الطهارة، كقراءةِ قرآنٍ، وذِكرِ الله ﷾، وأذانٍ، وإرادةِ نومٍ، ورَفْعِ شكٍّ في حدثٍ؛ فإنَّه يسنُّ له أنْ يتوضَّأ احتياطًا، وتسكينِ غضبٍ، ولكونِه صَدَرَ منه كلامٌ محرَّمٌ، كشتْمٍ، وفُحْشٍ، وغِيبةٍ، ونميمةٍ، وكإرادةِ فعلِ مَنسكٍ من مناسكِ الحجِّ أو العمرةِ غير طوافٍ، كوقوفٍ بعرفة، ورميِ جمارٍ، أمَّا الطوافُ فتجبُ له الطهارةُ من الحدثِ الأصغر والأكبر مطلقًا، فرضًا كان أو نفلًا؛ لأنه صلاة إلَّا أنه أباح فيه الكلام، وكإرادةِ جلوسٍ بمسجد لاعتكافٍ أو غيره. وقيل: ويسنُّ الوضوء عند إرادة دخولِ مسجدٍ كما قدَّمه في "الرعاية"، ويسنُّ الوضوءُ عند إرادةِ قراءة حديث، وتحديث بعلمٍ، وعند إرادةِ أكلٍ وعندَ زيارةِ قبرِه ﷺ، وقيل: يسنُّ الوضوءُ عند القهقهةِ مطلقًا، سواءٌ كانت في الصلاة، أو خارجها؛ لأنَّ الوضوءَ ينتقضُ بها إذا كانت في صُلْب الصلاة عند الحنفيَّةِ، ففيه خروجٌ من الخلاف في الجملة. دنوشري مع زيادة.
(كما لو نوى الوضوءَ لقراءةِ إلخ) مثالٌ لِـ "ما".
[ ١ / ٢٧٨ ]
وأذانٍ، ورفعِ شكٍّ، وغضبٍ، أو نوى التَّجديدَ
(وأذانٍ) ونومٍ (ورفعِ شكٍّ) في حَدَثِ أصغرَ (وغَضَبٍ)؛ لأنَّه من الشيطان، والشيطانُ من النار، والماءُ يطفئُها، كما في الخبر (^١).
(أو نَوىَ) بوضوئه (التجديدَ) إن سُنَّ، بأن صلَّى بينهما
(أو نوى (^٢) بوضوئه التجديدَ إنْ سُنَّ، بأنْ صلَّى بينَهما) أي: بين الوضوئين؛ لخبرِ الإمام أحمد بإسنادٍ حسن: "لولا أنْ أَشُق على أمَّتي، لأمرتُهم بالوضوءِ عندَ كلِّ صلاة" (^٣). وإذا انتفتِ المشقَّةُ، ثبتَ الأمرُ بالوضوءِ عندَ كلِّ صلاة، ومن جملةِ أحوالِ الأمر أنْ يكونَ للاستحباب، وفهم من قوله: "بأن صلَّى بينهما" أنَّه يُسنَّ (^٤) له إذا صلَّى بالوضوءِ الأوَّل صلاةً فرضًا أو نفلًا، أمَّا إذا لم يصلِّ به، فإنَّه لا يسنُّ له التجديدُ حينئذٍ.
قال الحفيد (^٥): أمَّا إذا لم يصلِّ بين الوضوئين فلا يسنُّ التجديد، وإذا لم يسنَّ، فنواه ناسيًا حَدَثَه، لم يرتفع؛ لأنَّه لم ينوِ وضوءًا مشروعًا.
قال الجدُّ الشهاب (^٦): ومفهومُ كلامِه أنَّه إذا لم يكن ناسيًا حَدَثَه، أنَّه لا يصحُّ ولا
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٨٤)، وهو في "مسند أحمد" (١٧٩٨٥) عن أبي وائل الصنعاني، عن عروة بن محمد، عن أبيه، عن عطيّة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تُطفأ النارُ بالماء، فإذا غضب أحدكم، فليتوضأ". قال ابن حبان في "المجروحين" ٢/ ٢٤ - ٢٥: أبو وائل الصنعاني يروي عن عروة بن محمد بن عطية العجائب التي كأنها معمولة. لا يجوز الاحتجاج به.
(٢) جاء قبلها في الأصل: "أو نوى التجديد … إلخ"، وهي تكرار لما سيذكره المصنِّف هنا.
(٣) "مسند" الإمام أحمد (٧٥١٣) من حديث أبي هريرة، وأخرجه أيضًا النسائي في "الكبرى" (٣٠٢٧).
(٤) في الأصل: "لا يسنُّ" وهو خطأ.
(٥) لعله. والله أعلم. شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد الشويكي، كان من أفاضل الحنابلة بدمشق، وكان غزير العلم، سريع الفهم، أفتى ودرَّس نحو ستين سنة، وسلَّم له فقهاء المذهب، وتولَّى القضاء نيابةٌ بدمشق مدة مديدة. (ت ١٠٠٧ هـ). "خلاصة الأثر" ١/ ٢٨٠ - ٢٨١، و"النعت الأكمل" ص ١٦٦ - ١٧٠.
(٦) لعله. والله أعلم. شهاب الدين، أبو الفضل، أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر الشويكي، مفتي السادة الحنابلة بدمشق، صنَّف كتاب "التوضيح" جمع فيه بين "المقنع" و"التنقيح". (ت ٩٣٩ هـ). "الكواكب السائرة" ٢/ ٩٩، و"النعت الأكمل" ص ١٠٥ - ١٠٦. ولعلَّه جدُّ المترجَم قبله.
[ ١ / ٢٧٩ ]
ناسيًا حدثَه، أو الغُسلَ لنحو جمعةٍ أو عيدٍ، ارتفع حدثُه.
حالَ كونه (ناسيًا حدثَه) ثمَّ بعد فراغه من الوضوءِ تذكَّر أنَّه كان مُحْدِثًا قبلَ التجديد، ارتفع حدثُه؛ لأنَّه قدْ نوى بطهارته أمرًا تُشرَع له، بل قال في "الشَّرْح الكبير" (^١): لو قصدَ أنْ لا يزالَ على طهارةٍ، صحَّت طهارتُه؛ لأنَّها شرعيَّة.
وعُلمَ ممَّا تقدَّم أنَّه لو كان عالمًا بحَدَثِه، لم يرتفعْ؛ لتلاعبه.
(أو) نوى (الغُسْلَ لنحو جمعةٍ أو عيدٍ) كاستسقاء، وكان عليه نحو جنابةٍ (ارتفعَ حدثُه) إن كان ناسيًا لنحوِ الجنابة، وكذا عكسه، وإنْ نواهما، حصلا، ومِنْ هنا يُعلم أنْ ليس في مسألةِ المتن وعكسِها إلا ثوابُ ما نواه وإن أجزأ عن الآخر، والمستحبُّ أنْ يَغتَسِلَ للواجب ثمَّ للمسنون.
يرتفعُ، والمذهبُ أنَّهُ يرتفع، وهو قياسُ ما تقدَّم فيما إذا نَوى ما تُسَنُّ له الطهارةُ من الارتفاع مطلقًا، سواءٌ كان ناسيًا حَدَثه، أَوْ لا. وهذه إحدى طُرُقٍ ثلاث، وهو أصحُّها.
وقال الدنوشري: وقوله: ناسيًا حدثه، ليس بقيدٍ حيث صلَّى بينهما، بل لو كان ذاكرًا لحَدَثِه حينئذٍ، ونوى التجديدَ، أجزأَه ذلك؛ لأنَّه وضوءٌ مستحبٌّ حينئذٍ شرعًا، وكذلك لو نوى صلاة وأنَّه لا يستبيحُ غيرَها، ارتفعَ حدثه، ولغا تخصيصُه.
(حالَ كونه ناسيًا) فـ "ناسيًا" حالٌ من فاعل "نوى"؛ لأنَّه وصفٌ له، قيدٌ في عامِلِه. (وإن نواهما، حَصَلا) أي: نَوى الواجبَ والمسنون بالغُسْلِ الواحد، أو الوضوءِ الواحد حصلا أي: حصل له ثوابهما، لكن قال في "الإقناع" (^٢): والمستحبُّ أن يغتسل للواجب غُسْلًا، ثمَّ للمَسنونِ غُسْلًا آخر. انتهى.
(وإنْ أجزأَ) غايةٌ لقوله: "إلا ثوابُ ما نواه".
_________________
(١) "الشرح الكبير ومعه المقنع والإنصاف" ١/ ٣١١ - ٣١٢.
(٢) ١/ ٣٩.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وإن تنوَّعتْ أحداثٌ، فنوى أحدَها،
(وإن تنوَّعت أحداثٌ) ولو متفرِّقةً في أوقاتٍ تُوجِبُ وضوءًا، كبولٍ، وغائطٍ، وريحٍ، ونومٍ، أو توجبُ غسلًا، كجماعٍ، وخروجِ منيٍّ، وحيض (فنوى) بطهارته
(وإنْ تنوَّعت أحداثٌ) وإنْ لم توجدْ معًا، بأن وجِدت متفرِّقَةً، واختلفتْ أنواعُها وأسبابُها، وكانت تلكَ تُوجِب غُسْلًا، كجماعٍ، وحيضٍ، ونفاسٍ، وإنزالٍ، أو وضوءًا، كلمسِ امرأةٍ بشَهوةٍ، وخروجِ بولٍ وغائطٍ، ونجاسةٍ غيرِهما، كقيءٍ، ومسِّ فرجِ آدميٍّ، ونحوِ ذلكَ من أسبابِ الحدثِ، ونوى بغُسْلِه أو وضوئه أحدَها، إنْ كانت النيِّة على أنْ لا يرتفعَ غيرُه، ارتفعَ ما نواه، وارتفع باقيها، ولو لم ينوِ ذلك الباقي؛ لاندراجِه فيمَا نواهُ.
وفُهِم من قوله: "على أنَّه لا يرتفع غيره" أنَّ النيَّةَ إذا كانت على هذهِ الصِّفةِ، فإنَّه لا يَرتفعُ إلا ما نَواه فقط؛ لأنَّه ضيَّق على نفسِه بعدَمِ ارتفاعِ ما عدا المنويِّ، فبقيَ ما عَدَاهُ على أصلِه، فإذا عدَّد الطهارةَ بعددِ الأحداثِ، أو تطهَّرَ أيضًا طهارةً مستقلَّةً لم يأتِ بهذا الشرط فيها، ارتفعت كلُّها. دنوشري مع زيادة.
(ولو متفرِّقةٌ) أي: ولو وجِدَت متفرِّقَةً.
(توجبُ) أي: الأحداث، تفسير لوجودِ الأحداث المتفرِّقَةِ في أوقاتِ الموجباتِ لوضوءٍ أو غسلٍ.
وقوله: "أو توجبُ غسلًا" عطفٌ على: "توجِبُ وضوءًا".
(فتوى بطهارته) أي: بغُسْلِه أو بوضوئه (^١).
_________________
(١) جاء بعدها في الأصل ما نصه: "ذكر بعض شراح البخاري لكيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجهٍ: الأول: يجمع بينهما بغرفة، بتمضمض منها ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا. الثاني: أن يدخل الماء في فيه مرَّةً، ثم أنفه مرَّةً، ثم يعود إلى الفم، ثم إلى الأنف، كلُّ ذلك مرَّةً بعد مرة، إلى الثلاث في كلِّ واحد، الثالث: ثلاث غرفاتٍ لكُلٍّ، يقسمها إلى الفم والأنف. الرابع: بغرفتين كلُّ واحدةٍ لواحد، لكنَّها يدخلها في ثلاث مرات. الخامس: ستُّ غرفات، ثلاث لهذا، وثلاث لذلك". اهـ والظاهر أن هذه الفِقْرة مقحمةٌ في الكلام هنا، وستأتي هذه الفقرة بطولها في موضعها في صفة الوضوء، ولذا تمَّ حذفها من هنا.
[ ١ / ٢٨١ ]
ارتفع كلُّها.
ويُسنُّ أن ينويَ عند أوَّلِ مسنونٍ
(أحدَها) أي: أحدَ الأحداثِ، كالنَّومِ في الأول، والجماعِ في الثاني (ارتفعَ كلُّها) أي: جميعُ الأحداثِ؛ لتداخُلِها، كما لو نوى رفعَ الحَدَثِ وأطلق، لكنْ محلُّ ذلك ما لم يقيِّد النيةَ بأحدِ الأحداث على أن لا يرتفع غيرُه، فإن قيَّد كذلك، لم يرتفعْ غيرُ ما نواه.
ولو غَلِط مَنْ عليه حَدثُ نومٍ، فنوى حدثَ بولٍ، ارتفع حدثُه؛ للتداخل.
(ويُسنُّ أن ينوي) أي: أن يأتيَ بالنِّيَّة في وضوءٍ وغُسْلٍ (عند أوَّل مسنون) كغَسْلِ
(لكن محلُّ ذلك) أي: ارتفاعها كلِّها مشروطٌ بعدم تعيين النيَّةِ ببعضٍ دون بعض، فهو استدراكٌ على قوله: "ارتفع كلُّها". رَفَعَ به ما يُتَوهَّمُ ثبوتُه من ارتفاعِ الأحداث مطلقًا، قيَّدَ بالغُسْل أو الوضوء أحدَها، أَوْ لا.
(ولو غَلِط إلخ) قال في "المنتهى": ولا يضرُّ سَبْقُ لسانِه بغيرِ قصدِه (^١). كما لو أرادَ أنْ يقول: نويت فرضَ الوضوءِ، فسَبَقَ لسانُه بغيرِ قصدِه وقال: نويتُ الصلاةَ، أو الصوم، أو نحوهما، فإنَّه لا يضرُّ ذلك؛ لأنَّ النيَّةَ محلُّها القلبُ لا اللسان.
ولا يضرُّ أيضًا إبطالُ النيَّةِ، أو إبطالُ الطهارةِ بعد فراغِ الوضوءِ، على الصحيح من المذهب؛ لأنَّه قد تمَّ صحيحًا، والعبادةُ الصحيحةُ لا ترجعُ باطلةً بلفظ الإبطال بعد تمامها، وإنَّما تبطلُ بمفسداتِها الشرعيَّةِ، كنواقضِ الوضوء.
وقيل: تبطلُ بالإبطالِ، والمذهبُ الأوَّل.
وفهم من قوله: "بعد فراغِ الوضوء". لو أبطلَها في أثناء طهارته، بَطَلَ ما مضى منها، ولا يضرُّ توهُّمُه في الإِتيان بالنية. انتهى. دنوشري مع زيادة.
(ويُسَنُّ أنْ ينويَ إلخ) أي: يُسَنُّ الإتيانُ بالنيَّةِ عند أوَّلِ مسنونٍ في الطهارة
_________________
(١) "منتهى الإرادات" ١/ ١٥.
[ ١ / ٢٨٢ ]
وجد قبل واجبٍ، فينوي، ثمَّ يُسمِّي،
الكفَّين إن (وجد) ذلك المسنون (قبلَ واجبٍ) وهو التَّسمية، يعني أنَّه إذا أراد أن يقدِّم غسلَ كفَّيه على التَّسمية، سُنَّ له الإتيانُ بالنيَّة عند غَسْلِهما؛ لتشملَ النيةُ مسنونَ الطَّهارة ومفروضَها، فيثابُ عليهما.
صفة الوضوء الكامل
وحيثُ علمتَ ما تقدَّم، وأردْتَ صفةَ الوضوءِ الكامِلِ المشتمِلِ على ما يُسنُّ وما يجب وما يُفترضُ (فـ) ـهو ما أشار إليه بقوله: (ينوي) رفعَ الحَدَثِ، أو يقصد بطهارته ما تجبُ له أو تُسَنُّ، كما تقدَّم في صفةِ النِّيَّة.
ويستقبل القبلةَ (ثمَّ يسمِّي) فيقول: باسم الله، لا يقومُ غيرُها مقامَها، فلو قال: باسم الرحمن، أو نحوَه، لم يُجزِئْه.
وجِدَ قبلَ واجبٍ، وهو غسلُ اليدين لغيرِ القائمِ من نوم الليل الناقضِ للوضوء، فيسنُّ أنْ يأتيَ بالنيَّةِ عندَ غسلِ اليدين، وقبلَ المضمضةِ والاستنشاق؛ لتشملَ النيَّةُ سننَ الوضوءِ وفروضَه، فيثابُ على كلِّ واحدٍ منهما، ويجبُ الإتيانُ بها عندَ الواجب، وهو التسميةُ، كما ذكرهُ في "الإقناع" (^١).
(وحيثُ علمتَ إلخ) أشار بهذا الى أن الفاءَ واقعة في جواب شرط مقدَّر في نظم الكلام. (وأردتَ صفةَ الوضوء الكامِلٍ) أي: كيفيَّةَ الوضوءِ الكاملِ التي ينبغي له أنْ يأتيَ بها. (المشتملِ على ما يُسنُّ إلخ) أي: على طريق التفصيل، (فهو ما أشارَ إلخ).
(ثم يسمِّي) بأن يقول: بسم الله. (لا يقوم غيرها مقامها) من أسماء الله تعالى، وهي واجبةٌ في الوضوء، والغسل، والتيمم، وغسل كفَّين من يدي قائمٍ من نومِ ليلٍ ناقضٍ لوضوءٍ، فإنْ تركَهَا عمدًا بالكليَّةِ، أو غَسَل بعضَ أعضاءِ وضوئه بغير تسمَيةٍ، ولم يستأنف، لم تصحَّ طهارتُه، والأخرسُ يشير بها.
_________________
(١) ١/ ٤٠.
[ ١ / ٢٨٣ ]
ثمَّ يغسل كفَّيْه ثلاثًا، ثمَّ يتمضمضُ، ثمَّ يسْتنشِقُ بيمينه، ويسْتنثِرُ بيسارِه ثلاثًا ثلاثًا،
(ثمَّ يغسل كفَّيه ثلاثًا) ولو تيقَّن طهارتَهما، ويُقدِّم اليُمنى على اليُسْرى ندبًا (ثم يتمضمضُ) بيمينه قَبْلَ غَسْلِ وجهِهِ ندبًا، ويتسوَّك حالَ المَضْمَضَةِ (ثمَّ يستنشقُ بيمينِه، ويستنثرُ) أي: يستخرجُ ما في أنفه (بيسارِه، ثلاثًا ثلاثًا) بالنَّصب على الحال، يعني أنَّه بتمَضْمَضُ ثلاثَ مرَّاتٍ، ويستنشقُ ثلاثَ مرَّاتٍ؛
(ثمَّ يغسلُ كفَّيْهِ ثلاثًا) تثنيةُ كَفٍّ، والكفُّ مؤنثَّةٌ، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تكفُّ الأَذى عن البدن، وتدفعُ الضرر عنه.
(ثمَّ يتمضمضُ، ثمَّ يستنشقُ) ثلاثًا للمضمضة، وثلاثًا للاستنشاق، إنْ شاءَ من ستِّ غرفات لهما، وإنْ شاءَ من ثلاثِ غرفاتٍ لهما، وإنْ شاءَ من غرفةٍ واحدة لهما، وكونُ المضمضةِ والاستنشاقِ من غرفةٍ واحدةٍ للستِّ مرَّاتٍ أفضلُ من ثلاثِ غرفاتٍ، ومن غرفتَيْن؛ لمَا في ذلك من عدمِ الإسراف في ماءِ الوضوء؛ لما روي عن سيدنا عليِّ ﵁ أنَّه توضَّأَ فمضمضَ ثلاثًا، واستنشقَ ثلاثًا من كفٍّ واحد وقال: هذا وضوءُ نبيّكُم ﷺ. رواهُ الإمامُ أحمد في "مسنده" (^١).
ويشهدُ للثلاث غرفات أنَّه وردَ في لفظ آخر عن عليِّ أنَّه تمضمضَ، واستنشقَ، واستنثر ثلاثًا، بثلاثِ غرفات. متفقٌ عليه (^٢).
ويشهد للستِّ غرفات ما في حديث جدِّ طلحةَ بن مُصَرِّف، عن أبيه، عن جدِّه، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ يفصلُ بين المضمضةِ والاستنشاق. رواه أبو داود (^٣)، ووضوءه كان ثلاثًا ثلاثًا، فلزمَ كونها من ستِّ غرفات.
_________________
(١) برقم (٩٩٨)، وهو أيضًا عند ابن ماجه (٤٠٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥)، ولكن من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم لا من حديث علي ﵄.
(٣) في "سننه" (١٣٩)، قال النووي في "المجموع" ١/ ٤٠٢: إسناده ليس بقوي. وضعَّفه أيضًا في "الخلاصة" ١/ ١٠١ - ١٠٢.
[ ١ / ٢٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكر بعض شُرَّاح البخاري لكيفيَّة المضمضةِ والاستنشاق خمسةَ أوجهٍ:
الأوَّلُ: يجمعُ بينهما بغَرْفَةٍ، يتمضمضُ منها ثلاثًا، ويستنشقُ ثلاثًا.
الثاني: أن يُدْخِل الماءَ في فيه مرَّةً، ثمَّ أنفِه مرَّةً، ثمَّ يعود إلى الفم، ثمَّ إلى الأنفِ، كلَّ ذلك مرَّة بعد مرَّةِ إلى الثلاثِ في كلِّ واحد.
والثالث: ثلاثُ غَرَفَاتٍ لكلِّ، يقسمُها إلى الفم والأنف.
الرابع: بغرفتين، كلُّ واحدةٍ لواحد، لكنَّها يدخلها في ثلاثِ مرَّات.
الخامس: ستُّ غَرَفَاتٍ، ثلاثٌ لهذا، وثلاثٌ لذلك (^١).
وفي تسميتها فرضًا روايتان، والمذهب أنَّه يصحُّ أن يُسَمَّيا فرضينِ مستقلَّين في الوضوءِ والغسل في أصحِّ الروايتين؛ لأنَّ بعضَ الفرضِ قد يُطلَقُ عليه فرضٌ، ولأنَّهما في حُكْمِ الظاهرِ، ولو لم يحصْل بهما المواجهة؛ لأنَّ الصائمَ لا يُفطِر بوصولِ مفطِّرٍ إليهما، وأنَّه يجبُ غَسْلُ فمِه من النجاسةِ، كالقَيْءِ ونحوه، ويجبُ غسلُهما من الجنابة، فلا يسقطُ غسلُ واحدٍ منهما سهوًا على المشهور والمذهب؛ لما روت عائشةُ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "المضمضةُ والاستنشاقُ من الوضوءِ الذي لابدَّ منه". رواه أبو بكر (^٢) في "الشافي" (^٣). ومعنى: "لابدَّ منه" أي: لا غنى عنه.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢/ ٢٦٤.
(٢) هو غلام الخلال، عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد بن معروف، كان أحد أهلِ الفهم، موثوقًا به في العلم، له من المصنفات: "الشافي" و"المقنع" و"التنبيه". (ت ٣٦٣ هـ). "طبقات الحنابلة" ٢/ ١١٩.
(٣) وأخرجه أيضًا الدارقطني (٢٧٥)، والبيهقي ١/ ٥٢، قال النووى في "المجموع" ١/ ٤١١: ضعيف، وضعفه من وجهين: أحدهما: لضعف الرواة، والثاني: أنه مرسل، ذكر ذلك الدارقطني وغيره. اهـ.
[ ١ / ٢٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذلك لحديث عثمان: أنَّه توضَّأ، فدعا بماءٍ فغَسل يَدْيه ثلاثًا، ثمَّ غرفَ بيمينه، ثمَّ رفعَها إلى فِيْهِ فتَمضْمَضَ واستَنْشَقَ بكفٍّ واحد، واستَنْثَرَ بيساره، فَعَلَ ذلكَ ثلاثًا، ثمَّ ذكر سائرَ الوضوء. ثمَّ قال عثمان ﵁: إنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأَ لنا كما توضَّأْتُ لكم. رواه سعيد (^١).
والأفضلُ في المضْمَضَةِ والاستنشاقِ أنْ يفعلَهما بغَرفة واحدةٍ، ولا يفصلَ بينهما، بل يأتي بمرَّاتِ المضمضةِ على حِدتها، ثمَّ بمَرَّاتِ الاستنشاقِ كذلك.
وتُسَنُّ المبالغةُ فيهما لغيرِ صائمٍ، فتُكرَهُ له، وفي بقيَّة الأعضاءِ مطلقًا. فالمبالغةُ في المضمضةِ: إدارةُ الماءِ بجميعِ الفَمِ. وفي استنشاقٍ: جَذْبُه بنَفَسٍ إلى أقصى أنفٍ (^٢). والواجب أدنى إدارةٍ في مضمضة، وجذب ماءٍ إلى باطن أنفٍ في استنشاقٍ،
وعن أبي هريرة قال: أمرَنا رسولُ الله ﷺ بالمضمضةِ وبالاستنشاقِ (^٣). والأمرُ للوجوب ما لمْ يصرفهُ صارفٌ، ومداومتُه ﷺ تدلُّ على وجوبِهما؛ لأنَّ فعله ﷺ يصلحُ أنْ يكونَ بيانًا لأمر الله تعالى، وبوجوبهما قال ابنُ المبارك وابن أبي ليلى (^٤). انتهى. دنوشري مع زيادة. (أنه توضَّأ فدعا إلخ) أي: أراد أن يتوضَّأَ. (ثم قال: إنّ النبيَّ ﷺ … إلخ) أي: عثمان توضَّأَ كما توضَّأ ﷺ.
(مطلقًا) قال في "شرح المنتهى" (^٥): في الوضوء والغُسْل، ومع الصومِ والفطر.
_________________
(١) لم نقف عليه في المطبوع من "سنن سعيد". والحديث بلفظه أخرجه أحمد (٤٨٩)، وهو عند البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦) بنحوه.
(٢) "المطلع" ص ١٧.
(٣) أخرجه الدارقطني (٤١٥)، والبيهقي ١/ ٥٢، وقال: غير محفوظ. اهـ وضعفه أيضًا النووي في "الخلاصة" ١/ ١٠٠.
(٤) ذكره عنهما ابن قدامة في "المغني" ١/ ١٦٦.
(٥) ١/ ٩٣.
[ ١ / ٢٨٦ ]
ثمَّ يغسلُ وجهَه مِنْ مَنبتِ شَعَرِ الرَّأسِ المعتادِ
فلا يكفي مجرَّدُ وضعِ ماءٍ فيهما. والمبالغةُ في بقيَّة الأعضاءِ: دَلْكُ ما ينبو عنه الماء. (ثمَّ يغسلُ وجهَه) للنَّصِّ، فيأخذُ الماءَ بيديه أو بيمينِه ويضمُّ إليها الأخرى، ويغسلُه بهما ثلاثًا.
وحدُّ الوجه: (من مَنبت) أي: موضعِ نبات (شَعَرِ الرأسِ المعتادِ) غالبًا، فلا عِبْرةَ بالأَفْرع: الذي ينبتُ شَعَرُه في بعضِ جبهتِه. ولا بالأجْلَحِ: الذي انْحَسَرَ شعُره عن مقدَّم رأسه (^١)
(دلكُ ما ينبو عنه الماء) أي: المحلّ الذي يتباعد ويرتفع عنه الماء، والدلكُ: إمرارُ اليد على الأعضاءِ المغسولة. دنوشري. (ثم يغسلُ وجهَهُ) أي: ثمَّ بعدَ المضمضة والاستنشاق يغسل وجهه. (ثلاثًا) أي: ثلاثَ غسلات، الأولى فرضٌ، والثانيةُ والثالثة سنَّتان حيثُ عمَّت الأولى. ولو عطف بالواو بدل "ثمَّ" في هذا المحلِّ لكان أَولى وأنسب؛ لعدم إيهام الترتيب المفروض بينهما وبين الوجه، وأما العطف في بقيَّة الفروض بـ: "ثمَّ" المقتضية للترتيب، فهو على بابه، وقد يُقالِ: إنَّ "ثمَّ" هنا على بابها من حيثُ الترتيبُ المسنون، كتقديمِ اليمنى على اليسرى في غسلِ اليدين على الرجلين. انتهى. دنوشري.
(وحدُّ الوجه) طولًا من منابت (شعرِ الرأسِ المعتادِ غالبًا) وهي مبدأ تسطيح الجبهةِ، فلا عبرةَ بالأغمِّ الأفرع، بالفاء: وهو الذي ينبتُ شعرُه في بعضِ جبهتِه إلى قربِ وجهِه، ولا بالأصلعِ الأجلح: الذي انحسرَ شعرُه عن مُقَدَّم رأسِه.
فالواجبُ على المتوضئِ أنْ يغسلَ وجهَه في هاتين المسألتينِ من المحلِّ المعتاء لإنباتِ شعرِ غالبِ الرأس، لا من منابت شعره هو حيثُ كان أغمَّ أفرعَ، فيغسلُ بعض الجبهةِ الذي نبتَ عليه الشعرُ وجوبًا. أو كانَ أصلعَ منحسرًا شعرُه عن مُقدَّم رأسِه، فإنَّه لا يجبُ عليه أنْ
_________________
(١) "المغني" لابن قدامة ١/ ١٦١.
[ ١ / ٢٨٧ ]
مَعَ ما انحدَر مِنَ اللَّحْيين والذَّقَنِ طولًا،
(مع ما انْحَدَرَ من اللَّحيين) تثنية لَحْي، بفَتْحِ اللام وكسرِها، وهو كما في "المصباح" (^١): عظمُ الحَنَك، أي: ما عليه الأسنانُ. قال: وهو من الإنسانِ حيثُ ينبتُ الشعرُ، وهو أعلى وأسفلُ، وجمعُه: ألْحٍ، بفتحٍ فسكونٍ فكسرٍ، ولُحِيٌّ، بضمٍّ فكسرٍ فتشديد. (والذَّقَنِ) بفتحتَيْن: مجمعُ اللَّحيين (^٢) (طولًا) أي: من جهةِ الطُّول.
يغسلَ ما انحسرَ عنه الشعرُ من مُقدَّمِ الرأس ممَّا علا على المنبتِ المعتادِ، وهو موضعُ الصلع؛ لأنَّه من الرأس، وإنَّما يجبُ على المتوضئِ أنْ يغسلَ وجهَه من المعتادِ في غالبِ الناس فقط.
ويجبُ عليه غسلُ جزءٍ من رأسِه ورقبتِه، وما تحتَ ذَقنِه مع الوجه؛ لأنَّه لا يتحقَّق استيعابُ الوجهِ إلَّا بذلك. دنوشري بإيضاح.
(مع ما انحدرَ من اللَّحْيَيْن) أي: وينتهي غسلُ الوجه إلى النازلِ، أي: المنحدرِ من اللَّحْيَيْنِ: وهما العظمانِ اللذانِ في جانبي الوجهِ قد اكتنفاه، وعليهما ينبت شعر اللحية.
(ولُحِيٌّ) عطف على "أَلْح" أي: وجمعه: أَلْحٍ ولُحِيٌّ، فـ "لَحْيٌ" له جمعان (^٣). وينتهي غسلُ الوجه أيضًا إلى الذَّقَن، بفتح الذال المعجمة والقاف، وهو مجمعُ اللَّحْيَيْن، وهو حدُّ الوجه طولًا، فيحبُ غسلُ ذلك جميعه مع مسترسلِ شعر اللحية طولًا، ويجبُ غسلُ ما خرجَ عن حدِّ الوجه من الشعر طولًا وعَرْضًا وفاقًا للحنفيَّة، وهو ظاهر [المذهب، وعنه: لا يجب غسل ما خرج عن محاذاة البشرة طولًا وعَرْضًا] (^٤)، وهو ظاهر عبارة الخرقي في المسترسل، كما لا يجب غسل ما استرسلَ من شعرِ الرأس، والمذهب الأوَّلُ، وهو أصحُّ؛
_________________
(١) مادة (لحي).
(٢) "المطلع" ص ٢٠.
(٣) جاءت هذه العبارة في الأصل قبل قوله الآتى: "مما يغفل" وهو خطأ، والصحيح إثباتها هنا.
(٤) ما بين حاصرتين زيادة من "المبدع" ١/ ١٢٤.
[ ١ / ٢٨٨ ]
وما بينَ الأُذنين عَرْضًا،
(و) حَدُّ الوجْهِ (ما بين الأُذنين) أي: من الأُذُنِ إلى الأُذُنِ (عَرْضًا) أي: من جهةِ العَرْضِ، وإنَّما كان ما ذكر حدَّ الوجه؛ لأنَّ به تحصلُ المواجهة، فيدخل فيه عِذَارٌ: وهو شَعَرٌ نابتٌ على عَظْمٍ ناتيء يُسامِتُ صِماخَ الأُذُنِ -بكسر الصَّاد المهملة (^١) - أي: خرقَها. وكذا بياضٌ بين عِذار وأذن. نصَّ عليه الخِرَقي (^٢). خلافًا لمالكٍ
لأنَّ اللحيةَ تُشارك الوجهَ وتوافقه في معنى المواجهة، بخلاف ما نزلَ من مسترسل شعر الرأس وخرج عنه؛ لعدم مشاركته للرأس في الترؤُّس، فيسقطُ مسحُ ما استرسل منه. دنوشري مع زيادة.
(وما بين الأذنين عَرْضًا) أي: ويغسلُ وجهَهُ من الأذنِ إلى الأذن، وهو حدُّه عَرْضًا؛ لأنَّ المواجهةَ تقعُ بذلك أيضًا، فيجبُ غسلُ ما بينهما من الرأس، وإنَّ البياضَ الذي بين العِذارِ والأذن من الوجه. نصَّ عليه شيخُ الإسلام الخرقيُّ رحمه الله تعالى، وعلَّلَهُ غيرُه بقولِه: لأنَّه يجبُ غسلُه في حقِّ غير الملتحي، فكذا غيرُه.
وحيث حدَّدنا الوجهَ بهذين الحدَّين، فيدخلُ في حدِّه عِذارٌ، فيجبُ غسلُه كاللِّحية، وقد عرَّفه الشارح.
ويدخل في حدِّ الوجه أيضًا عارضٌ: وهو ما تحتَ العِذار، وينتهي إلى ذَقَنٍ، فالعارضُ هو الشعرُ النابتُ على الخدِّ واللَّحيين، ويدخلُ أيضًا الحاجبان، وأهداب العينين، والشارب، والعنفقة، فيجبُ غسلُ ذلك جميعه ظاهرًا وباطنًا حيث كان خفيفًا، ولا يدخلُ في حدِّ الوجه صُدْغٌ، وقد عرَّفه الشارح، وهو من الرأس؛ لحديث: "مسحَ رسولُ الله ﷺ
_________________
(١) "المصباح المنير" (عذر).
(٢) هو أبو القاسم، عمر بن الحسين الخِرَقي البغدادي، صاحب "المختصر" في الفقه، والخِرَقي: نسبة إلى بيع الخِرَق والثياب. (ت ٣٣٤ هـ). "طبقات الحنابلة" ٢/ ٧٥، "شذرات الذهب" ٤/ ١٨٦ - ١٨٧.
[ ١ / ٢٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﵀ (^١)، وهو مما يغفُل النَّاسُ عنه. لا صُدْغ: وهو ما فوقَ العِذار يحاذي رأسَ الأُذُنِ وينزلُ عنه قليلًا (^٢). ولا تحذيف: وهو الخارجُ إلى طَرَفَيِ الجبينِ بين النَّزَعة ومُنتهى العِذَار (^٣). ولا النَّزعتان: وهما ما انْحَسَر عنه الشَّعَرُ من فَوْدَيِ الرأس، أي: جانبي مقدَّمه (^٤)، بل ذلك (^٥) من الرَّأس فيُمسحُ معه.
برأسِه وصُدْغَيه وأذنيه مرَّةً واحدةً". رواه أبو داود (^٦). فدلَّ ذلك على أنَّ الصُّدْغَ من الرأس، لا من الوجهِ.
ولا يدخلُ أيضًا في حدٌ الوجهِ تحذيفٌ، وقد عرَّفَهُ الشارح. قال في "الإنصاف": الصدغُ والتحذيفُ من الرأس على الصحيح من المذهب، واختاره في "الكافي" (^٧)، والمجد، وقال: [هو] ظاهر كلام الإمام أحمد (^٨). وسمِّي تحذيفًا؛ لجريانِ عادة النساء بحذفِ تلك الشعورِ. ولا يدخلُ أيضًا في حدِّ الوجه النَّزَعَتان، وهما البياضان المكتنفان للناصية أعلى الجبين، وليستا من الوجه؛ لأنَّهما في حدِّ تدوير الرأس، ولا تحصلُ بهما المواجهة، وقال ابن عقيل: هما من الوجه؛ لقول الشاعر:
_________________
(١) "النوادر والزيادات" للقيرواني ١/ ٣٣.
(٢) "المصباح المنير" (صدغ).
(٣) "المصباح المنير" (حذف).
(٤) "الصحاح" (نزع).
(٥) في (ح) و(ز) و(س): "بل كل ذلك" بزيادة "كل" وضرب عليها في الأصل.
(٦) في "سننه" (١٢٩)، وأخرجه أيضًا الترمذي (٣٤)، وأحمد (٢٧٠٢٢) من حديث الرُّبَيِّع بنت معوِّذ. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. اهـ وقال النووي في "المجموع" ١/ ٤٣٩: رواه أبو داود بإسناد حسن. اهـ وقال ابن حجر في "التلخيص" ١/ ٨٤ بعد أن ذكر أن للحديث طرقًا وألفاظًا: مدارها على عبد الله ابن محمد بن عقيل، وفيه مقال.
(٧) ١/ ٩٠.
(٨) "الإنصاف" ١/ ٣٣١، وما بين حاصرتين منه.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وما فيه من شَعر خفيفٍ، وظاهرَ الكثيفِ، ويخلِّلُ باطنَه،
(و) يغسل وجوبًا (ما فيه) أي: في وجهه (من شَعَر خفيف) أي: يصفُ البشرةَ، فيغسل شعور الوجه الخفيفة، ويغسل ما تحتها من البَشَرة؛ لأنَّ مالا يسترُه الشَّعَرُ يشبه الخاليَ، وغسلُ الشَّعَرِ تبعًا للمحلِّ.
(و) يَغْسِلُ وجوبًا من شَعَرِ الوجه (ظاهرَ الكثيف) أي: الساتر للبشرة من لحية وعَنفَقةٍ (^١) وشارِبٍ وحاجبين، ولو لأنثى وخُنثى (ويُخلِّل) ندبًا (باطنَه) أي: باطنَ الشَّعَر الكثيف، فيخلِّل لحيتَه الكثيفةَ بكفِّ من ماءٍ يضعُه من تحتِها بأصابعِهِ متشبكة (^٢) في اللّحية، أو من جانبها وَيعْرُكها (^٣). فإن كان بعضُ شَعَرِه خفيفًا وبعضُه كثيفًا، فلكلِّ حكمهُ.
ولا تَنْكحِي إنْ فرَّقَ الدهرُ بيننا … أغمَّ القفا والوجهِ ليس بأنزعَا (^٤)
وقد يُقَال: إنَّهما إنَّما أُطلِق عليهما أنَّهما من الوجه، وقولُ الشاعر من باب المجاز؛ لمجاورتهما إيَّاه. وقال القاضي: هما من الرأس، وهو الصحيح؛ لدخولهما في حدِّ الرأس؛ لأنَّ الرأسَ كل ما تَرأَسَ وعَلا، فعلى القولين ينبغي غسلُهما مع الوجه، ومسحُهما مع الرأس. فتلخَّصَ من هذا أنَّ الصدغَ والتحذيفَ والنَّزَعتان جميعُ ذلكَ من الرأسِ، فيمسحُ معه. انتهى. دنوشري مع زيادة.
(ممَّا يغفُلُ) بابه: نَصَرَ يَنْصُرُ.
(ويغسلُ وجوبًا ما فيه من شعرٍ خفيف) فلا يجزئُ غسلُ ظاهرِ جميعِ شعرِ الوجه من لحية إلخ، حيثُ كانَ ذلك خفيفًا، فيجبُ غسلُ البشرةِ معه؛ لأنَّها غيرُ مستورةٍ بالشعرِ، أشبهت التي لا شَعرَ عليها، ويجبُ غسلُ الشعرِ تبعًا للمحلِّ؛ لأنَّه نابتٌ به، إلَّا أنْ يكونَ
_________________
(١) العنفقة: بين الشفة السفلى وبين الذقَن، وهي شعيرات سالت من مقدّمة الشفة السفلى. "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩٩.
(٢) في (ح) و(ز) و(س): "مشبكة".
(٣) عرك الشيء: دلكه. "القاموس المحيط" (عرك).
(٤) هو لِهُدْبة بن خشرم بن كرز، شاعر فصيح متقدم، من بادية الحجاز، يروي للحطيئة، قُتِل قصاصًا، والبيت من قطعة له قبل قتله يخاطب امرأته، وكانت جميلة. ينظر خبره في "الأغاني" ٢١/ ٢٦٤ وما بعدها، و"خزانة الأدب" ٩/ ٣٣٤، و"عيون الأخبار" ٤/ ١٥.
[ ١ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسُنَّ غَسْلُ باطنِ شَعَرٍ كثيفٍ غيرِ شعر لحيةِ الذَّكَرِ فيخلِّلُها فقط.
ويجب غَسْلُ ما خرج عن حدِّ الوجه من الشَّعَرِ المُسْتَرْسِل؛ لمشاركتِه للوجه في المواجَهة، بخلافِ ما نزل من الرأس؛ لعدم مشاركتِه له في الترؤُّس.
ولا يجبُ غَسْلُ داخل عينٍ لحدث أو نجاسةٍ، بل ولا يُسَنُّ ولو أُمِنَ الضَّررُ، بل يُكره.
الشعرُ كثيفًا، لا يصف البشرةَ، أي: لا تُرَى منه البشرةُ، فيجزئُ غسلُ ظاهرِه حينيذٍ؛ لتعلُّقِ الحكمِ به في الوضوء، دونَ ما تحتَه من البشرةِ؛ لحصولِ المواجهةِ به، ولكنْ يسنُّ تخليلُه، أي: يسنُّ تخليلُ الشعرِ الكثيفِ الذي لا يصفُ البشرةَ. قال في "الإنصاف" (^١): يُكرَه غسلُ باطنِ اللحية الكثيفة على الصحيح من المذهب. قال في "الرعاية": ويكرهُ غسلُ باطنِها في الأشهرَ.
(ولا يجب) بل: ولا يسنُّ (غسلُ داخلِ عينٍ) في وضوءٍ ولا غُسْلٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ما فعلَه، ولا أمرَ به عندهما، وقد فعلَه بعضُ السلف كابنِ عمر، وابنِ عباس؛ لأنَّه يشاركُ الوجهَ في المواجهة به، فحصلَ لهما الضررُ، وانكفَّ بصرُهما في آخرِ عمرهما من المداومةِ على ذلك (^٢).
_________________
(١) ١/ ٣٣٩.
(٢) خبر كفِّ بصر ابن عمر بسبب غسل عينيه، ذكره ابن قدامة في "المغني" ١٦/ ١٥١، وابن القيم في "زاد المعاد" ٢/ ٤٥، ولم نقف على من خرَّجه مسندًا. ولكن أخرج مالك في "الموطأ" ١/ ٤٥ أن عبد الله بن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فأفرغ على يده اليمنى، فغسلها، ثم غسل فرجه، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ونضح في عينيه … إلخ. وينظر "الاستذكار" ٣/ ٧٦. وأما غسل ابن عباس عينيه، وأنه كُفَّ بسبب ذلك، فلم نقف على من ذكره أو خرَّجه، بل إن كلام ابن القيم في "زاد المعاد" يشير إلى عكس ذلك، فقد أورد خبر ابن عمر في معرض التمييز بين ميل ابن عمر ﵄ إلى التشديد، وميل ابن عباس ﵄ إلى الترخيص. والله أعلم.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ثمَّ يدَيه مع مِرْفقَيه ثلاثًا.
(ثمَّ) يَغْسِلُ (يديه مع مِرْفقيه) للنصِّ (ثلاثًا) لحديثِ عثمان وغيرِه (^١)، حتى مع أصبع
ولا يستحبُّ (^٢) غسلُ داخلِ العينِ من نجاسةٍ، ولو أَمِنَ الضررَ، بل يكره، وقيل: يجب من نجاسةٍ. والصحيحُ الأوَّلُ، لكن إنَّما يعفى عنها ما دامت بمحلِّها فإذا خرجت، فالواجب غسل ما انتقل بالدمع.
"فائدة": يغترفُ ماءَ الوضوءِ بيديه، أو يغترفُ بيمينه، ويضُمُّ إليها الأُخرى.
ويُستحبُّ التكثيرُ في ماءِ الوجه؛ لأنَّ فيه غُضُونًا -جمع غَضْن، وهو التَّثَنِّي- ودواخلَ وخوارجَ، ليصل الماءُ إلى جميعِه ويعمَّهُ بالماء. وفي حديث الإمام أحمد: كان النبيُّ ﷺ يتعاهد المأقين (^٣). وهما مجرى الدمع من العين. انتهى. دنوشري مع زيادة.
(وحاجِبَيْن) سُمِّيا حاجِبَيْن؛ لأنَّهما يحجبانِ عن العينِ شعاع الشمسِ.
(وسُنَّ غسلُ باطن شعرٍ) خروجًا من خلافِ من أوجبَه.
(فيخلِّلُها فقط) فيُكْرَه غسلُ باطنِها على الصحيح من المذهب، وإنَّما المسنونُ تخليلُها.
"إنصاف" (^٤).
(ثمَّ يغسلُ يدَيْه مع مرفقَيْه) يعني: ثمَّ بعدَ غسلِ وجهِه، يغسلُ يدَيْه مع مرفقَيْه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] أي: معها؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: مع الله، وهو المراد هنا كما تقدَّم، ولما روى الدارقطني عن جابرٍ
_________________
(١) حديث عثمان سلف ص ٢٨٦، وروي عن عبد الله بن زيد، وهو عند البخاري (٣٨)، ومسلم (٢٣٥)، وعن علي، وهو عند أبي داود (١١١)، والترمذي (٤٨)، وأحمد (٨٧٢).
(٢) في الأصل: "ولا يجب"، والتصويب من "الفروع" ١/ ١٧٧.
(٣) ونسب هذا اللفظ للإمام أحمد أيضًا الحافظ ابن حجر في "التلخيص" ١/ ١٠١، وجاء في "المسند" (٢٢٢٢) بلفظ: يمسح المأقين، وأخرجه أيضًا باللفظ الأخير أبو داود (١٣٤)، وابن ماجه (٤٤٤) من حديث أبي أمامة ﵁.
(٤) ١/ ٣٣٧، ٣٣٩.
[ ١ / ٢٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زائدةٍ وظُفرٍ ولو طال، ويدٍ أصلُها بمحلِّ فرضٍ أو غيره، ولم تتميَّز.
قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا توضَّأَ أمَرَّ الماءَ على مرفقَيْه (^١). وهذا بيانُ الغَسْل المأمورِ به في الآية الكريمة، أو يقال: إنَّ اليدَ تطلقُ حقيقةً إلى المَنْكِب، وكلمةُ "إلى" أخرجتْ ما عدا المِرْفَق، ويجب غسل ما على كلِّ واحدةٍ منهما من سِلْعَةٍ (^٢)، وشعورٍ خفيفةٍ وكثيفة.
"فائدة": قال في "المبدع": وإن تدلَّت جِلْدة إلى محلِّ الفرض، أو منه، غُسِلَت، وقيل: إنْ تدلَّتْ من محلِّ الفرضِ، غُسِلَت، وإلَّا فلا، ذكره ابن تميم. والمذهبُ الأوَّلُ. وإنْ التحمَ رأسُها في محلِّ الفرضِ، وجبَ غسلُ ما فيه منها.
وإذا انكشَطتْ جِلْدةٌ من اليد وقامَتْ، وجبَ غَسْلُها، وإنْ كانت غيرَ حسَّاسَةٍ، كما ذكره في "الإنصاف" (^٣).
ويجب غسل المرفقين مع إصبعٍ زائدة، ومع غسلِ يدٍ زائدة أيضًا، حيثُ كانَ أصلُها نابتًا بمحلِّ الفرضِ، فيجبُ غسلُها مطلقًا، سواءٌ تميَّزت، أو لم تتميَّز؛ لأنَّ ذلك زيادةٌ بمحلِّ الفرضِ، أشبهت العضوَ الأشلَّ إذا كان أصليًّا، أو كان أصلُها نابتًا بغيرِ محلِّ الفرض، ولم تتميَّز، أي: لم تعلم الزائدةُ من الأصليَّة، بأن استوتا في الخِلْقةِ والعمل، فيجبُ غَسْلُهما حينئذٍ؛ لتخرج من العهدة بيقين، كما لو تنَّجسَت إحدى يَديْه أو رجلَيْه، وجهلَها.
وفُهِم من قوله: (ولم تتميَّز) أنَّ الزائدةَ إذا تميَّزَت عن الأصليَّة، لم يجب غسلُ الزائدة، حيثُ كانت بغير محلِّ الفرض، ويجبُ غسل اليدِ الأصليَّةِ والزائدةِ التي لم تتميّز مع أظفارٍ وإنْ طالت؛ لأنَّها متَّصِلةٌ بالأصابع بأصلِ الخِلْقة، فدخلَتْ في مسمَّى اليد. انتهى. دنوشري مع زيادة.
_________________
(١) "سنن" الدارقطني (٢٧٢)، وأخرجه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ٥٦ بلفظ: أدار الماء على مرفقيه. وهو ضعيف. انظر ما سلف ص ٢٥٦.
(٢) هي خُرَّاجٌ كهيئة الغدَّةِ تتحرك بالتحريك. "المصباح المنير" (سلع).
(٣) ١/ ٣٤٣.
[ ١ / ٢٩٤ ]
ويُعفى عن يسيرِ وَسَخٍ تحتَ ظُفْرٍ.
ثمَّ يمسحُ رأسَه،
(ويُعفَى) في الوضوء (عن يَسيرِ وَسَخٍ) من إضافة الصِّفة إلى الموصوف، أي: عن وسخٍ يسيرٍ (تحتَ ظُفْر) ونحوِه كشعر ولو منع وصولَ الماء؛ لكثرةِ وقوعه عادةً، فلو لم يصحَّ معه الوضوء، لَبَيَّنه النبيُّ ﷺ؛ إذ لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجة.
ومَن خُلق بلا مِرْفَق، غَسَلَ إلى قدرهِ في غالب النَّاس.
(ثمَّ يمْسَحُ) جميعَ ظاهر (رأسه) قياسًا على مَسْحِ الوجه في التيمُّم في وجوبِ
(ويُعفَى عن يسيرِ وسخٍ) يعني أنَّه لا يَضُرُّ وجودُ وسخٍ يسيرٍ تحتَ ظفرٍ، ونحوه، كداخلِ أنفٍ، وما يكونُ بفتوقِ الرِّجْلِ من الوَسَخِ. وألحقَ الشيخُ تقيُّ الدين كلَّ يسيرٍ مَنَعَ حيث كان على البدن، كدمٍ وعجينٍ ونحوهما، واختاره (^١). ولا يضرُّ طعامٌ متخلِّفٌ بين أسنانه، ولو كان ذلك يمنعُ وصولَ الماء إلى البشرة؛ ولأنَّ هذا مما يكثُر وقوعُه عادةً، ولو لم يصحَّ الوضوءُ معه، لبيَّنهُ صلى الله عليه، ولِمَا في ذلك من المشقَّة والحرج، فعُفي عنه.
(ويُعفَى في الوضوء) قيَّدَ بالوضوء ليُفْهَم أنَّه لا يُعفَى عنه في غير الوضوء؛ لعدمِ تكررِ غير الوضوء، كالغُسْل، فإنَّه لم يرتفع الحدثُ معه؛ لأنَّ العادةَ لم تَجْرِ به. كما نقله الشارح عن مشايخه النجديين.
(ومن خلق بلا مِرْفَقٍ إلخ) أي: من خُلِق بلا مِرْفَقٍ، غَسَل إلى قدرِ مرفقٍ في غالبِ الناس؛ لأنَّ الحكمَ يُنَاطُ بالأعمِّ الأغلبِ، فلا عبرةَ بالذراعِ الطويلِ ولا القصيرِ، وإنَّما المعتبرُ الوسطُ، وهو الغالبُ في الناسِ، فيجبُ الغَسْل بقدرِه.
(ثم يمسحُ جميعَ ظاهرِ رأسِه) يعني: ثمَّ بعدَ غسلِ يدَيْه مع مرفقَيْه يمسحُ بالماءِ جميعَ ظاهرِ رأسِه، أي: بماءٍ جديدٍ استحبابًا، فلو مسحَ البشرةَ دونَ الشعرِ، لم يجزئه، ذكرًا كان
_________________
(١) "الاختيارات" ص ٢٢.
[ ١ / ٢٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاستيعاب؛ بجامعِ الأمر بمسحهما، ولأنَّه ﵊ مَسَحَ جميعَه (^١)، وفِعلُه يبيِّن الآية.
أو أُنثى. وهو فرضٌ بالإجماع، وسنده النصُّ، ويعتبرُ بغالبِ الناس، فلا عبرةَ بالأفرع، ولا بالأجلح، كما سبق في حدِّ الوجه، ولأنَّ اللهَ ﷾ أمرَ بمسحِ الرأسِ في الوضوء، وبمسح الوجه في التيمُّم، فوجبَ الاستيعابُ فيهما، ولأنَّه ﵊ مسحَ جميعَ رأسِه، وفعلُهُ وَقَع مبيِّنًا للآيةِ الكريمة. والباء فيهما للإلصاقِ، أي: ألصِقُوا المسحَ برؤوسِكم، لا ما استرسلَ منه، وأمَّا دعوى أنَّ الباءَ إذا وليتْ فعلًا متعدِّيًا، أفادت التبعيضَ في مجرَّدِها، فغيرُ مسلَّمٍ؛ دفعًا للاشتراك، ولإنكار الأئمَّةِ ذلك. قال أبو بكر: سألتُ ابنَ دريد (^٢) وابنَ عرفة عن الباء للتبعيض؟ فقالا: لا نعرنه. قال ابن بَرهَان: من زَعَم أنَّ الباءَ للتبعيض، فقدجاءَ عن أهلِ اللغة بما لا يعرفونه.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الأنسان: ٦]، وقول الشاعر:
شربنَ بماءِ البحر (^٣)
فمن باب التضمين، كأنَّه قيل: يروى (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥)، وأحمد (١٦٤٣١) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ ضمن حديث طويل، وسلف بعضه ص ٢٨٤.
(٢) هو العلامة شيخ الأدب، أبو بكر، محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية، الأزديُّ البصري، صاحب التصانيف. (ت ٣٢١ هـ). "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٩٦.
(٣) البيت بتمامه: شربن بماء البحر ثمَّ ترفَّعَتْ … متى لُجَجٍ خضرٍ لهن نئيجُ وهو لأبي ذؤيب الهذلي. ينظر "خزانة الأدب" ٧/ ٩٧.
(٤) في الأصل: "تروي".
[ ١ / ٢٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والرأسُ من حدِّ الوجه إلى ما يُسمَّى قَفا، ويكون بماءٍ جديدٍ غيرِ ما فَضَلَ عن ذراعيه، وكيفما مَسَحَه، أجزأ، ولو بأصبع أو نحوِ خِرْقة، حتى لو أصابه ماءٌ فأمَرَّ يدَه عليه.
والمسنونُ أن يبدأَ بيديه مَبْلولَتين من مقدَّم رأسه، فيضعَ طرفَ إحدى سبابتَيْه على
وما روي أنَّه ﵊ مسحَ مقدَّمَ رأسِه، فمحمولٌ على أنَّ ذلك مع العمامة، كما جاءَ مفسَّرًا في حديث المغيرة بن شعبة (^١).
ولا يجبُ مسحُ ما استرسلَ من شعر الرأس؛ لأنَّ الرأسَ كلُّ ما علا وارتفع، وفُهِم من قوله: "ظاهر رأسه" أنَّه لو مسحَ ما تحتَ الشعرِ من البشرةِ فقط، لم يجزئه، كما لو غَسَل باطنَ اللحيةِ دون ظاهرِها، فلو حَلَقَ البعضَ فنزلَ عليه شعرُ ما لم يَحلِق، أجزأَه المسحُ عليه. قاله في "الإنصاف" (^٢). وقال في "الإقناع" (^٣): وإن نزلَ الشعرُ عن منبته، ولم ينزلْ عن محلِّ الفرض، فمسحَ عليه، أجزأَه، ولو كان الذي تحت النازل محلوقًا. انتهى.
وابتداءُ مسحٍ يكون من حدٌ أعلى الوجه، وانتهاؤُه إلى ما يُسمَّى قفا، بالقصر.
والبياضُ الذي فوقَ الأذنينِ من الرأس؛ لأنَّ الرأسَ اسمٌ لما ترأَسَ وعلا، فيجبُ مسحُه (^٤) معه، وذَكرَ جماعةٌ أنَّه ليسَ من الرأس، فلا يجبُ مسحُه. وفهم من قوله: فوق الأذنين، أنَّ البياض الذي تحتَ الأذنين وخلفهما، ليسَ من الرأس، فلا يجبُ مسحُه ولا غسله قولًا واحدًا.
والكيفيَّةُ المسنونةُ في المسح أنَّه يضعُ طَرَفَ إحدى سبابتَيْه على طَرَفِ الأُخرى، ويضعُ
_________________
(١) ينظر ما سلف ص ٢٥٧.
(٢) ١/ ٣٥٦.
(٣) ١/ ٤٥.
(٤) في الأصل: "مسح".
[ ١ / ٢٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
طَرَفِ الأُخرى، ويضعَ إبهامَيْه على صُدْغيه، ثمَّ يُمِردّهما على قفاه، ثمَّ يردّهما إلى مقدَّمه -ولو خاف انتشارَ شَعَرِه- بماءٍ واحد، فلو وضع نحوَ يده، على رأسه مبلولًا بلا مَسْحٍ، لم يجزئْه، ويجزئ غسلُه مع الكراهة إن أمرَّ يدَه وإلَّا، فلا، ما لم يكنْ جُنبًا وينوي الطهارتين.
الإبهامَيْنِ على الصُّدْغين، ثمَّ يُمِرُّ يدَيْه من مقدَّمِه إلى قفاه، ثم يَرُدُّ بدَيْه إلى الموضعِ الذي بدأَ منه، وهو مقدَّمُ الرأسِ، مسحةً واحدةً؛ لحديثِ: مسحَ رسولُ الله ﷺ رأسَه بيدَيْه، فأقبلَ بهما وأدبرَ، بدأ بمقدَّمِ رأسِه، ثمَّ ذهبَ بهما إلى قفاه، ثمَّ ردَّهُما إلى المكانِ الذي بدأَ منه. رواهُ الجماعة (^١).
فإنْ كانَ ذا شعر يخافُ أن ينتفشَ بِرَدِّ يدَيْه، لم يردَّهُما. نصَّ عليه الإمامُ أحمد، لأنَّه قد رُوي عن الرُّبَيِّع أنَّ رسولَ الله ﷺ توضَّأَ عندَها، فمسَحَ الرأسَ كلَّه، من فَرْقِ الشعر، كلَّ ناحيةٍ لمصبِّ الشعرِ، لا يحرِّكُ الشعرَ عن هيئته. رواه أبو داود (^٢).
وعنه: تبدأُ المرأةُ من وسطهِ إلى مقدَّمِه، ثمَّ من الوسطِ إلى مؤخَّرِه. قال في "المغني" و"الشرح": وكيفَ مسحَ بعدَ استيعاب [قدرِ] الواجبِ، أجزأَه (^٣).
وفُهِم من قوله: يُمِرُّ يدَيْه. أنَّه لو وضعَ يدَهُ مبلولةً على جميعِ رأسِه، أو بلَّها وهي عليه، ولم يمرَّ يدَه، لم يجزئه في الأصحِّ؛ لأنَّه مع عدمِ الإمرار، لم يحصل المسحُ المأمورُ به. دنوشري مع زيادة.
(قياسًا) أي: يمسحُ جميعَ ظاهرِ الرأس؛ لأجل القياس، فهو منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ لأجله. (ما لم يكن جنبًا إلخ) أي: فإنَّه إذا كانَ جُنُبًا واغتسلَ، فإنَّه لا يجبُ أنْ يُمِرَّ يدَه على
_________________
(١) البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥)، وأبو داود (١١٨)، والترمذي (٣٢)، والنسائي ١/ ٧١، وابن ماجه (٤٣٤)، وأحمد (١٦٤٣١) من حديث عبد الله بن زيد ﵁، وسلف بعضه ص ٢٨٤.
(٢) في "سننه" (١٢٨).
(٣) "المغني" ١/ ١٧٨، و"الشرح الكبير" ١/ ٣٤٦، وما بين حاصرتين منهما.
[ ١ / ٢٩٨ ]
ثمَّ أُذنيه
(ثمَّ) يَمسَحُ (أذنيه)
رأسِه بالمسح، فإنَّه ليسَ من فروضِ الغُسلِ، ولا من شروطِه.
(ثمَّ يمسحُ أذنيه) أي: ثمَّ بعدَ أن يمسحَ رأسَه، يُدخِلُ سبابتَيه في صِماخي أذُنيه، ويمسحُ بإبهامَيه ظاهرَهُما، ويمسحُ بسبابتَيه باطنَهُما. وهذه الصفةُ المسنونةُ في مسحِ الرأسِ والأذنين؛ لحديثِ: مسحَ ﷺ برأسِه وأذنيهِ، باطنهما بالسبابتين، وظاهرهما بإبهامَيه (^١).
ولا يجبُ مسحُ ما استترَ بالغضاريف؛ لأن الرأسَ الذي هو الأصلُ لا يجبُ مسحُ المستترِ منه بالشعر، حيثُ لم يخرج عن حدِّ الفرض، فأُذُنٌ من باب أولى.
ويجزئُ المسحُ كيف مسح، أي: على أي حالةٍ كانت، وبأي آلةٍ، فيكفي المسحُ بيده، وبحائلٍ كخشبةِ (^٢) وخِرْقَةٍ مبلولتين حيث وصلت البِلَّة إلى الشعر.
ويجزئُ عن مسحِ الرأس في الوضوء غَسلٌ، بأنْ يوصِلَ الماءَ إلى ظاهرِ شعرِ رأسِه وبشرتِه، مع إمرارِ يدِه؛ لما رُوي عن معاوية أنه توضَّأ للنَّاس، كما رأى النبي-ﷺ-يتوضأ، فلمَّا بلغَ رأسَه غَرَفَ غَرفَةً من ماء، فتلقاهَا بشمالِه، حتى وضَعَها على وَسَط رأسه، حتى قَطَر الماءُ، ثمَّ مسَح من مقدَّمِه إلى مؤخَّرِه، ومن مؤخرِه إلى مقدَّمه. رواه أبو داود (^٣).
ولأنَّه إذا أمَرَّ يَده مع الماءِ، فقد وجِد المسحُ المأمورُ به في الآية الكريمة، وعنه: يجزئُه غَسلُه، ولو لم يمرَّ يدَه. والأوَّلُ المذهب؛ لأنَّ فرضَ الرأسِ المسحُ، لا الغَسلُ. أو
_________________
(١) أخرجه النسائي في "المجتبى" ١/ ٧٤ عن ابن عباس ﵄، وأخرجه بنحوه الترمذي في"السنن" (٣٦). قال الترمذي: حديث حسن صحيح .. وقال النووي في "المجموع" ١/ ٤٥٥: إسناده جيد. وقال ابن حجر في "التلخيص": وصححه ابن خزيمة وابن منده.
(٢) في الأصل "كجبة"، والتصويب من "كشاف القناع" ١/ ٩٩.
(٣) في"سننه" (١٢٤)، وهو أيضًا عند أحمد (١٦٨٥٤).
[ ١ / ٢٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ظاهرَهما وباطنَهما؛ لأنَّهما من الرَّأس كما في حديثٍ رواه ابنُ ماجه، وتقدَّم (^١).
والبياضُ فوقهما تحتَ الشَّعَر من الرأس، فيجب مسحُه معه، وكيف مَسَحَهما، أجزأ.
إصابة ماء، بالرفع عطفٌ على قوله: غسل (^٢)، يعني: إذا أصابَ رأسَ المتوضِّئِ ماءٌ، بأنْ عَرَّضَ رأسَه لمطرٍ، أو ميزابٍ، فإنَّه إنَّما يُجزِئ مع إمرارِ يدِه على رأسِه، وإلَّا فلا؛ لأن مُجرَّدَ حصولِ الماءِ على رأسه لا يجزئه، فمتى وضعَ يدَهُ على ذلك البللِ، ومسحَ به رأسَه، فقد مسحَ بماءٍ غيرِ مستعمل، فصحت طهارتُه.
قال في "الفروع" (^٣): وإنْ أصابَه ماءٌ، أجزأهُ إن أمَرَّ يده. انتهى.
ولا يستحبُّ تكرار مسح الرأس؛ لما روى ابن عباس أنَّه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فذكرَ الحديثَ كلَّه، ثلاثًا ثلاثًا، وقال: ومسحَ برأسه وأذنيهِ مسحة واحدةً. رواه أبو داود والإمام أحمد (^٤). وفعلُه ﷺ مبينٌ لمَا وجبَ في المسحِ، ولأنه مسح في طهارةٍ عن حدث، فلم يُسَنَّ تكرارُه، كالمسح على الجبيرة، والخُفَّين، والوجه واليدَين في التيمم. انتهى. دنوشري مع زيادة.
(ظاهرَهُما وباطنهما) قال في "الإقناع" و"شرحه" للمصنِّف (^٥): وإن حصل في بعض أعضائه شَقٌّ أو ثقبٌ، لزمه غسله في الطهارتين؛ لأنه صار في حُكمِ الظاهر، فينبغي التيقُّظُ
_________________
(١) "سنن" ابن ماجه (٤٤٣) و(٤٤٤) و(٤٤٥) عن عدد من الصحابة، وسلف ص ٢٥٧.
(٢) هذه العبارة من تعليق الدنوشري على عبارة "منتهى الإرادات" لا "الهداية" لأنها غير موجودة في "الهداية" بل هي عبارة "المنتهى" ١/ ١٦ ونصها: ويجزئ المسحُ كيف مسح، وبحائلٍ، وغسلٌ، أو إصابةُ ماءٍ مع إمرار يده. اهـ فابن عوض. صاحب الحاشية. نقل تعليق الدنوشري على عبارة "المنتهى" لا عبارة "الهداية" التي جاءت هكذا: "حتى ولو أصابه ماء … إلخ".
(٣) ١/ ١٨٠.
(٤) "سنن" أبي داود (١٣٣)، و"مسند" أحمد (٣٤٩٠).
(٥) "كشاف القناع" ١/ ١٠٠.
[ ١ / ٣٠٠ ]
مرَّةَ، ثمَّ يغسلُ رجلَيْه مع كَعْبيه ثلاثًا،
والمسنُونُ: أنْ يُدخِلَ سبَّابتيه في صِماخَيهما، ويمسحَ بإبهامَيْه ظاهرَهما، ولا يجبُ مَسحُ ما استتر بالغَضَاريف (^١)، ويكونُ مسحُ رأسِه وأذنيه (مرّة) لأنَّ أكثرَ مَن وَصَفَ وضوءَ رسولِ الله ﷺ ذَكَرَ أنَّه مسح رأسَه واحدة.
قال أبو داود (^٢): أحاديثُ عثمانَ الصحَاحُ كلُّها تدلُّ على أنَّ مسحَ الرأس واحدة. (ثمَّ يَغسِلُ رجليه مع كعبيه) للنصِّ (ثلاثًا) لحديث عثمان (^٣) وغيرِه.
والكعبان: هما العظمانِ الناتئانِ، أي: المرتفعانِ في جانبي الرِّجل.
لثُقبِ الأذنِ في الغُسل، وأمَّا في الوضوء، فلا يجب مسحه، كالمستتر بالشعر، ولمَا فيه من الحرج.
(ولا يجبُ مسحُ ما استتر بالغضاريف) جمعُ غضروف، داخلَ قُوفِ الأذن، أي: أعلاها أو مستدار سُمِّهَا (^٤)، بضمِّ السين، وتشديدِ الميم مع الكسر، وفتحِ الهاء، وهو خَرقُ الأذن؛ لأنَّ السَّمَّ بمعنى الخَرق؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] والسَّم هو الخَرق.
قال في "الإقناع" (^٥): ولا يستحبُّ مسحُ عُنُقٍ، ولا تكرارُ مسحِ رأسٍ وأذنٍ.
(والمسنونُ) أي: والمسحُ المسنون، فهو صفة لموصوفٍ محذوف، مبتدأ، وجملةُ: "أنْ يُدخِلَ" وما عطف عليه في محل رفع خبر.
(مرَّةً:) بالنصب، خبر "يكون" المحذوفة مع اسمها، التي قدَّرَها الشارح.
(ثم يَغْسِلُ رجلَيه مع كعَبيه) أي: ثمَّ بعدَ مسحِ رأسِه وأذنَيْه، يغسلُ رجلَيه مع كعبَيه، أي: كعبي كلِّ رجلٍ، وإلّا فهي أكعبٌ أربعةٌ؛ للآيةِ الكريمة، فلفظُ الكعبَين يوزَّع على كلِّ
_________________
(١) الغضروف: كل عظم رخْصٍ ليِّن في أي موضع كان. "اللسان" (غضرف).
(٢) في "سننه" ١/ ٨٠.
(٣) سلف ص ٢٨٦.
(٤) وهي بتثليث السين."القاموس": (قوف)، وتحرقت في"كشاف القناع" ١/ ١٠٠ إلى: "سمعها"، كما تَحرَّف قوله: "قوف" إلى: "فوق".
(٥) ١/ ٤٦.
[ ١ / ٣٠١ ]
ثمَّ يقولُ رافعًا بصرَه للسماءِ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريْكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
(ثمَّ) بعد فراغِه من الوضوءِ (يقولُ) ندبًا حالَ كونه (رافعًا بصرَه) ووَجهَهُ (للسماء: أشهدُ أن لا اله الا الله وحد. لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) لحديثِ عمرَ يرفعُه قال: "ما مِنْكم مِن أحَدٍ يتوضَّأ، فَيُبلِغُ -أو يُسبغ- الوضوءَ، ثمَّ يقول: … "وذكر ما
فَرد من أفرادِ الأرجل، فيقتضي أنَّ كلَّ رِجلٍ تُغسَلُ إلى الكعبَين، وإنَّما كانَ فرضَ الرجلينِ الغسلُ، وإن كان واقعًا بعد ما يُمسح، لأن المعطوفات إذا تكرَّرتْ، فالصحيحُ أنها على الأوَّل، وحُكمُه الغَسلُ، ويؤيّدُ وجوبَ الغَسل قراءة سيِّدِنا نافع، وابنِ عامر، وعاصم، والكسائي، فإنَّهم قرؤوا بالنصبِ: "أرجلَكم" (^١) بالعطف على اليدين، والواو تُشَرِّك في اللفظ وفي الحكم، فيقتضي غسلَهُما، ومن قرأ بالجرِّ، فللمجاورة (^٢).
(والكعبان: هما العظمان الناتئان، أى: المرتفعان) اللَّذان في أسفل الساق من جانبي القدمِ عندَ مَفصِل الساق والقدم. وقال محمدُ بن الحسن (^٣): هما في مشط القدم، وهو مَعقِدُ الشِّراكِ من الرّجلِ، بدليل قولِ الله ﷾: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فدلَّ هذا التفسيرُ على أن في الرجل كعبين لا غير، ولنا أنَّ الكِعاب المشهورةَ هي التي ذكرنا، وما رُوي عن النعمانِ بنِ بشير قال: كانَ أحدُنا يُلصِقُ كعبَه بكعبِ صاحبه في الصلاة (^٤)، وقولُه تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ حجَّة لنا تقتضي أنَّ الكعبَين المعهودَين هما الغايةُ في غسلِ الرِّجلين والغايةُ داخلة في المغيَّا في هذا المحل؛ لأنها من جنسِ ما قبلها.
(لحديثِ عمر) رواه مسلم؛ عن عمر بن الخطاب: أن النبي ﷺ قال:"من توضأ فأحسنَ الوضوءَ، ثمَّ قال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه
_________________
(١) ينظر "السبعة" ص ٢٤٢ - ٢٤٣، و"التيسير" ص ٩٨.
(٢) قرأ بالجر ابن كثير، وحمزة، وأبو عمرو. "السبعة" ص ٢٤٢، و"التيسير" ص ٩٨.
(٣) هو فقيه العراق، العلّامة، أبو الحسن الشيباني، الكوفي، صاحب أبي حنيفة، (ت ١٨٩ هـ)."سير أعلام النبلاء" ٩/ ١٣٦.
(٤) أخرجه البخارى قبل حديث (٧٢٥) معلقًا عن النعمان بن بشير، وأخرجه أيضًا برقم (٧٢٥) عن أنس بنحوه، ووصل أثر النعمان أبو داود (٦٦٢)، وصحَّحه ابنُ خزيمة (١٦٠).
[ ١ / ٣٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تقدَّم "إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانية، يدخلُ من أيِّها شاء" رواه مسلم (^١). ورواه الترمذي (^٢) وزاد فيه: "اللَّهُمَّ اجعلْني من التوَّابين، واجعلْني من المتطهِّرين" زاد في
ورسولُه. إلا فُتِحتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ، يدخلُ من أيِّها شاء" (^٣).
(رواه الترمذيُّ وزاد فيه إلخ) ورواهُ الإمام أحمد وأبو داود، وفيه: "ثم رفع بصره إلى السماء" (^٤).
وأمَّا الأذكارُ والأدعيةُ في أثناء الوضوء، فقال ابنُ القيّم: الأذكارُ التي تقولُها العامَّةُ عند كل وضوءٍ لا أصل له عنه ﷺ، ولا عن أحدٍ من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، وفيه حديثٌ كَذِبٌ عليه ﷺ (^٥).
وكذا قال الإمام النوويُّ من الشافعيَّة ﵀ (^٦)، وبحث بعض محقِّقيهم فقال: بل ورد في ذلك حديثٌ ضعيفٌ، ويُعْمَلُ به في فضائل الأعمال (^٧). والأدعيةُ التي تُقَالُ عند
_________________
(١) برقم (٢٣٤)، وهو عند أحمد (١٧٣١٤) مطولًا.
(٢) في "سننه" (٥٥).
(٣) ولفظه عند مسلم: "ما منكم من أحدٍ … "وهو كما ذكره صاحب "الهداية".
(٤) "مسند" الإمام أحمد (١٢١)، و"سنن" أبي داود (١٧٠).
(٥) "الوابل الصيِّب" ص ٣١٦.
(٦) قال الإمام النووي ﵀ كما في "مغنى المحتاج" ١/ ٦٣: وحذَفْتُ دعاءَ الأعضاء؛ إذ لا أصل له.
(٧) يشير بهذا إلى الجلال المحلي، كما في "مغني المحتاج" ١/ ٦٢، والحديث أخرجه ابن حبان في "المجروحين" ٢/ ١٦٤ - ١٦٥، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" ١/ ٣٣٨ عن أنس قال: دخلتُ على رسول الله ﷺ وبين يديه إناء من ماء، فقال لي: "يا أنس ادْنُ مني أعلِّمك مقادير الوضوء" قال: فدنوتُ منه ﵊، فلما غسل يديه قال:"بسم الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله" فلما استنجى قال: "اللهمَّ حصِّن لي فرجي، ويسِّر لي أمري" فلما تمضمض واستنشق قال: "اللهمَّ لقِّنِّي حجَّتي ولا تحرمني رائحة الجنة" فلما غسل وجهه قال:"اللهمَّ بيِّض وجهي يوم تبيضُّ الوجوه" فلما أن غسل ذراعيه قال:"اللهمَّ أعطني كتابي بيميني" فلما أن مسح رأسه قال: "اللهمَّ تغشنا برحمتك وجنِّبنا عذابك" فلما أن غسل قدميه قال: "اللهمَّ ثَبِّت قدميَّ يوم تزول فيه الأقدام" ثم قال النبي ﷺ: "والذي بعثني بالحق يا أنس ما من عبدٍ قالها عند وضوئه، لم يقطر من خلل أصابعه قطرة إلا خَلَقَ اللهُ منها مَلكًا يسبِّح الله بسبعين لسانًا، يكون ثواب ذلك التسبيح له إلى يوم القيامة". قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ …
[ ١ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"الإقناع" (^١) على روايةِ الترمذي: "سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدِك، أشهدُ أن لا إله إلا أنتَ، أستغفرُكَ وأتوبُ إليك" (^٢).
غسلِ الأعضاء على هذه الرواية، هي أنْ يقولَ المتوضئُ عند غسلِ الوجه: اللهمَّ بيِّض وجهي يومَ تبيضُّ وجوه، وتسودُّ وجوه. وعندَ غسلِ يدِه اليمنى: اللهمَّ أعطني كتابي بيميني، وحاسبني حسابًا يسيرًا. وعندَ اليد اليسرى: اللهمَّ لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري. وعند مسحِ الرأس: اللهمَّ حرِّم شعري وبشَري على النار. وعند مسحِ الأذنين: اللهمَّ اجعلني من الذين يستمعونَ القول فيتَّبعُون أحسنَه. وعند غسلِ الرِّجلين: اللهمَّ ثبِّت قدمي على الصراط يوم تَزِلُّ الأقدام. انتهى. دنوشري.
(أستغفركَ وأتوبُ إليك) أي: أطلبُ منكَ وقايةَ شر الذنبِ الماضي، حيثُ وَرَدَ مقرونًا بالتوبة، فإن لم يصحبْهُ الندمُ على الذنبِ الماضي، بل كانَ سؤالًا مجرَّدًا، فهو دعاءٌ محضٌ، وإن صحبَهُ ندمٌ، فهو توبةٌ. والعزمُ على الإقلاع من تمام التوبة. وإنْ ورد الاستغفارُ مجرَّدًا، دخلَ فيه طلبُ وقايةِ شرِّ الذنبِ الماضي [بالدعاء والندم عليه، ووقاية شر الذنب] المتوقَّعِ بالعزم على الإقلاعِ عنه، وهذا الاستغفارُ الذي يمنعُ الإصرارَ والعقوبةَ. والحكمةُ في خَتْمِ الوضوء والصلاةِ وغيرهما بالاستغفار، كما أشارَ إليه ابنُ رجب في"تفسير سورة النصر" (^٣): أنَّ العبادَ مقصِّرُون عن القيامِ بحقوقِ الله كما ينبغي، وأدائِها على الوجهِ اللائقِ بجلالِه وعظمتِه، وإنَّما يؤدُّونَها على قدرِ ما يطيقونَه، فالعارفُ يَعرِفُ أن قَدرَ الحق أعلى
_________________
(١) ١/ ٥٠.
(٢) أخرجها النساني في "الكبرى" (٩٨٢٩) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وقال: هذا خطأ، والصواب موقوف. اهـ وبرقم (٩٨٣٠) و(٩٨٣١) موقوفًا. ورجّح الدارقطني في"العلل"١١/ ٣٠٧ - ٣٠٨ الرواية الموقوفة. وقال النووي في"المجموع" ١/ ٤٩٤: رواه النسائي في كتابه "عمل اليوم والليلة" بإسناد غريب ضعيف، ورواه مرفوعًا وموقوفًا عن أبي سعيد، وكلاهما ضعيف الإسناد. وينظر "التلخيص الحبير" ١/ ١٠١ - ١٠٢.
(٣) ص ٩٢، وما قبله منه أيضًا.
[ ١ / ٣٠٤ ]
ويغسلُ أقطعُ باقِيَ فرضِه.
(ويغسِلُ) وجوبًا (أقطعُ) يدٍ أو رجلٍ (باقيَ فرضِه) أي: ما بقي من محلِّ فرضٍ أصلًا أو تَبَعًا، كرأسِ عَضُدٍ وساقٍ، وكذا تيمُّم، فإن لم يَيقَ شيءٌ، استُحِبَّ مسحُ محلٍّ قُطِع بماءٍ لا ترابٍ.
وأجلُّ من ذلك، فهو يستحيي من عملِه، ويستغفرُ من تقصيره فيه، كما يستغفرُ غيرُه من ذنوبه وغفلاته. مصنِّف (^١).
(ويغسل أقطعُ باقي فرضه) يعي: أن مَن قُطِعَ من دونِ مَفصِلِ المِرفَق ومَفصِل الكعب، بأنَّ قُطِعَ من القدمِ واليدِ شيءٌ، وبقيَ شيءٌ، فإنه يَغسِل ما بقيَ من محلِّ فرضٍ وجوبًا؛ وذلكَ لبقاءِ محلِّ الفرضِ، فوجبَ غَسلُه؛ لقوله ﷺ: "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطَعتم" متفق عليه (^٢).
وأمَّا الأقطعُ من مَفصِل مِرفَق وكعب، فيَغسِلُ طَرَفَ عَضُد المقطوع المِرفق، ويَغسِلُ طَرَفَ ساق المقطوع الكعبِ؛ لأن المِرفَقَ والكعبَ يجبُ غسلُهما، وهما عبارة عن مجموعِ رأسي العظمين، وقد بقي أحدُهما، وذهبَ الآخر، فلا يسقطُ الميسور بالمعسور.
وأمَّا الأقطعُ مما فوقَ مَفصِل المرفَقِ والكعبِ، فإنه لا يجبُ عليه غَسلٌ بلا نزاع؛ لأن محل الفرضِ قد زال بالكليَّةِ مع زيادةٍ، لكن يُستَحَبُّ له أنْ يمسحَ محل القَطعِ بالماء؛ لئلا يخلو العضو عن الماء في الجملة، وكالوضوء في الحكم تيمُّم، فإذا قُطِعت اليدُ من مَفصِل الكوع، وجبَ أنْ يمسحَ محلِّ القطعِ بالتراب، وإن كان القطعُ ممَّا فوق المَفصِل من دونه، وجبَ التيمُّمُ على ما بقيَ من محل الفرضِ، وإن كانَ القطعُ ممَّا فوق المَفصِل، سُنَّ له أنْ يمسحَ محلَّ القطعِ بالتراب. انتهى. دنوشري مع زيادة.
_________________
(١) "كشاف القناع " ١/ ١٠٩، وما بين حاصرتين منه.
(٢) "صحيح" البخاري (٧٢٨٨)، و"صحيح" مسلم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة ﵁، وهو عند أحمد أيضًا (٧٥٠١).
[ ١ / ٣٠٥ ]
ويباحُ تنشيفٌ، ومُعِينٌ.
(ويباحُ) لمتطهِّر (تنشيف) أعضائِه، أي: مسحُها بنحو منديلٍ؛ لما روى سلمانُ: "أنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأ، ثمَّ قلبَ جُبَّةً كانت عليه، فمسح بها وَجْهَه" رواه ابن ماجه (^١).
(و) يباحُ (مُعِيْنٌ) لمتطهِّر يقرِّب ماءَ وضوئه أو غُسلِه، أو يصبُّه عليه؛ لأنَّ المغيرةَ
(ويباحُ تنشيف) أي: يباحُ للمتوضِّئِ تنشيفُ ماءِ الوضوءِ. قاله الحسنُ وابنُ سيرين (^٢)، ولا يستحبُّ التنشيفُ من ماءِ الوضوءِ. وجزم به في "الوجيز"؛ لأنه إزالةُ أثرِ العبادة، فلم يستحبّ، كإزالةِ دمِ الشهيد. وعنه: يكرهُ التنشيف وفاقًا للشافعية؛ لأنَّه ﷺ بعدَ غُسلِه من الجنابة أتتهُ ميمونةُ بمنديلٍ، فردَّهُ، وجعلَ يقول بالماء هكذا، ينفضُه. رواه الشيخان (^٣). والمذهبُ عدمُ الكراهة. وأجاب المصنف عن الحديثِ بقوله: وتركُ النبي-ﷺ[لا يدلُّ على الكراهة]، فإنَّه قد يَترُكُ المباحَ، وأيضًا هذه قضيَّةٌ في عين، يحتملُ أنَّه ترك المنديل لأمر يختصُّ بها. قال ابنُ عباس: كانوا لا يَرَون بالمنديل باسًا، ولكن كانوا يكرهون العادةَ (^٤). ولأنَّه إزالةٌ للماءِ عن بدنه، أشبه نفضه بيده (^٥).
(ويباحُ مُعِينٌ) أي: ويباحُ للمتوضِّئ أيضًا مُعِينٌ، ولو لغير عُذْرٍ، كتقريبِ ماءِ الوضوء أو الغُسلِ إليه، أو صبَّه عليه؛ لما رَوى المغيرةُ بنُ شعبة، قال: بينَا أنا مع رسولِ الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ، إذ نَزَلَ فقضى حاجته، [ثم جاء]، فصببتُ عليه من إِداوةٍ كانت معي، فتوضأ، ومسحَ
_________________
(١) برقم (٤٦٨) من طريق محفوظ بن علقمة، عن سلمان، به. فال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ١٢٠: إسناده صحيح، رجاله ثقات، وفي سماع محفوظ من سلمان نظر.
(٢) أخرجه عنهما عبد الرزاق (٧١٨)، وابن أبي شيبة ١/ ١٤٩.
(٣) البخاري (٢٥٩)، (٢٦٦)، (٢٧٤)، (٢٧٦)، ومسلم (٣١٧).
(٤) لم نقف عليه من قول ابن عباس ﵄، وذكره أبو داود في"سننه" (٢٤٥) من قول إبراهيم. وأخرج عبد الرزاق (٧٠٩) عن ابن عباس أنه كره أن يمسح بالمنديل من الوضوء ولم يكرهه إذا اغتسل من الجنابة.
[ ١ / ٣٠٦ ]
ومن وُضِّئ
ابنَ شُعبة أفرغ على النبيِّ ﷺ مِن وضوئِه. رواه مسلم (^١). والأفضلُ تركُهما. (ومن وضِّئ) بالبناء للمفعول، أي: وضَّأه غيرُهُ،
على خفَّيهِ. متفق عليه، ولفظُه لمسلم (^٢). فرضيَ به ﷺ ولم يمنعهُ، فكان دليلًا على إباحته. وعنه: يُكرَه المعينُ من غير عُذرٍ؛ لما فيه من الرفاهية بترك المشقَّةِ المحصِّلَة للأجر. قال الإمام أحمد: ما أُحِبُّ أن يعيننَي على وضوء أحدٌ؛ لأنَّ سيدَنا عمر قال ذلك (^٣).
وقد يجبُ المعينُ ولو بأجرِ المثل في حقّ الأقطعِ ونحوه، فإن وَجَدَ من يُيَمّمه، ولم يجد من يوضِّئة، لزمَهُ ذلك، فإنْ لم يجد، صلَّى على حسَب حاله.
وسُنَّ في المعين كونه عن يسارِ المتوضِّئ؛ لأنَّه أعونُ، وليسهلَ تناولُ الماء عند الصبّ. المصنف (^٤).
كما يسنُّ أن يكونَ إناءُ الوضوء إذا كان ضيِّق الرأسِ عن يسارِ المتوضئ؛ ليصبَّ منه بيسارِه، ويتلقَّاه بيمينه، فيسهل تناول الماء باليمين، وإنْ لم يكن إناءُ الوضوء ضيِّقَ الرأس، بأنْ كان رأسُه واسعًا، فالسنَّةُ أن يجعلَه عن يمينه؛ ليغترفَ منه بسهولة. دنوشوي مع زيادة.
(والأفضلُ تركُهما) أي: تركُ التنشيف والمُعِين.
(ومن وضِّئ إلخ) عبارة "المنتهى" مع "شرحه" للدنوشري: ومن وضِّئَ، أو غُسِّل، أو يُمّم،
_________________
(١) برقم (٢٧٤): (٧٦)، وهو عند البخاري (١٨٢).
(٢) سلف في التعليق السابق.
(٣) أخرج البزار (٢٦٠. كشف الأستار)، وأبو يعلى (٢٣١) عن أبي الجنوب قال: رأيت عليًا يستقي ماءً لوضوئه، فبادرته أستقي له، فقال: مه يا أبا الجنوب،. فإنّي رأيت عمر يستقي ماء لوضوئه، فبادرته أستقي له، فقال: مه يا أبا الحسن، فإني رأيت رسول الله ﷺ يستقي ماءً لوضوئه، فبادرته أستقي له، فقال: "مه يا عمر، فإني أكره أن يشركني في طهوري أحد". قال البزار: لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ إلّا عن عمر بهذا الإسناد. اهـ. وقال الهيثمي في"مجمع الزوائد" ١/ ٢٢٧: رواه أبو يعلى والبزار، وأبو الجنوب ضعيف. اهـ قلت: وفيه أيضًا النضر بن منصور، وهو ضعيف. ينظر "ميزان الاعتدال" ٤/ ٢٦٤.
(٤) "كشاف القناع" ١/ ١٠٧.
[ ١ / ٣٠٧ ]
بإذنِه ونواه، صحَّ.
مسلمًا كان ذلك الغيرُ أو كتابيًا، ومثلُهُ غُسلٌ وتيمُّمٌ.
(بإذنه) أي: بإذنِ المفعول به. قال المصنف (^١): قلتُ: وكذا تمكينُه من ذلك بأنْ ناولَه أعضاءَه من غيرِ قولٍ. انتهى. وهو داخل في مُطلَقِ الإذن؛ لشمولهِ الإذنَ العرفيَّ.
(ونواهُ) المتوضئ ونحوه (صحَّ) وكُرِه بلا عُذْرٍ،
بالبناء لما لم يسمَّ فاعلُه، أو وضَّأه، أو غسَّلَهُ، أو يمَّمَهُ غيره، فإنْ كانَ بإذنِ المتطهِّر، ونوى الطهرَ، صحّ طهرُه على الصحيحِ من المذهبِ حيث نواه؛ لأن الفاعلَ آلةٌ، فلا تُشتَرطُ نيَّتُه. وقيل: تشتَرطُ نيَّةُ الفاعل أيضًا إنْ كان مسلمًا، والصحيحُ الأوَّلُ. ولا تصح الطهارةُ إن أكرِهَ فاعلٌ على الفعلِ، فإنْ أكره إنسان إنسانًا آخرَ على أنْ يوضئَهُ، أو يصبَّ عليه الماءَ، فوضَّأه، أو صبَّه عليه مكرهًا، لم يصحَّ الوضوءُ، ولو مع النيَّةِ من المتطهِّر؛ لكون منفعته مغصوبةً بالإكراه، فلا تصحُّ معه العبادة. وإن أُكرِهَ المتوضّئُ على الوضوءِ، أو على غيرِه من العبادة، فإنْ فَعَل ذلك لداعي الشرع، لا لداعي الإكراهِ، صحَّت، وإلّا، فلا تصحُّ طهارتُه، والله أعلم.
(مسلمًا كانَ ذلك الغيرُ إلخ) لوجودِ النيَّة والغَسلِ المأمور به. مصنِّف (^٢).
(المتوضِّئُ ونحوه) أي: كالمغتسلِ والمتيمِّمِ. ومفهوم كلامه كغيره، أنَّه لو وضِّئَ بغير إذنِه، لم يصحَّ، ولو نواهُ مفعولٌ به؛ لعدمِ الفعلِ منه (^٣) أصالةً ونيابةً، ولم أقفْ على من صرَّحَ به. مصنف.
(وكُرِه بلا عُذرٍ) وإنَّما كُرِه؛ لعدمِ الحاجةِ إليه، وخروجًا من خلافِ من قال بعدمِ الصحَّة. "كشاف القناع" (^٤).
_________________
(١) في "كشاف القناع" ١/ ١٠٧.
(٢) "شرح منتهى الإرادات" ١/ ١١٨.
(٣) في الأصل: "به"، والتصحيح من "شرح منتهى الإرادات" ١/ ١١٨، والكلام منه.
(٤) ١/ ١٠٧.
[ ١ / ٣٠٨ ]
ويُسنُّ في وضوءٍ سواكٌ،
فإن أكره المتوضئُ شخصًا يوضئُه أو يغسله أو ييمِّمُه، لم يصحَّ كما قال في "المنتهى" (^١): لا إنْ أُكرِهَ فاعل. وإنْ أَكرهَ مَنْ يَصبُّ عليه الماء لم يصحَّ، أيضًا، كما في "الإقناع" (^٢).
وقيل: يصحُّ. قال المصنِّف (^٣): وهو أظهرُ؛ لأنَّ النهيَ يعودُ لخارج؛ لأن صبَّ الماءِ ليس من شَرْطِ الطَّهارة. انتهى. وفيه نَظَر؛ فإنَّ هذه الصورةَ كالتي قبلها في غَسل جزءٍ من اليد في محلِّ غسلها، وليست من قبيل الصبِّ الخارجِ عن شَرْطِ الطهارة في كلِّ الأعضاء بل في الأكثر، فإنّ المتوضِّئَ في هذه الصورةِ هو الذي يوصلُ الماءَ إلى وجهِهِ ورأسِه ورجليه وأكثرِ يديه، [لا إلى جميعِ يديه] (^٤)؛ لأنَّ أولَ جزءٍ يلاقي الماءَ من يديه يصيِّر غسلَه بفعل المُكْرَه -بفتح الرَّاء- فلم يصحَّ، والله أعلم.
سنن الوضوء
ولما فرغ المصنِّفُ من بيان صفة الوضوء، أشارَ إلى بعض مسنوناته، فقال: (ويسن في وضوء سواك) عند مَضْمَضَةٍ، كما تقدَّم بدليلِه
(لا إنْ أُكُرِهَ فاعل) هذا ما صرَّح به في "المنتهى" (^١). ومثَّلَ له بقوله: (فإن أُكره المتوضِّئ شخصًا إلخ) وذكر تعليلَ ذلك الدنوشري.
(وفيه نظر إلخ) أي: في قول المصنف: "وهو أظهر"؛ (لأنَّ النهي إلخ) ووافق الشارحَ على ذلك الدنوشري في القولِ المتقدِّم.
(ويُسَنُّ في وضوءٍ سواكٌ) وقد مرَّ تعريفُه وأحكامُه في بابه.
_________________
(١) ١/ ١٧.
(٢) ١/ ٤٩.
(٣) في "كشاف القناع" ١/ ١٠٧.
(٤) ليست في (م).
[ ١ / ٣٠٩ ]
وغَسْلُ كفَّيْه إنْ لم يكنْ قائمًا من نومِ ليلٍ ناقضٍ لوضوءٍ، فيجبُ.
(وغسلُ كفَّيه) ثلاثًا (إن لم يكن قائمًا من نومِ ليلٍ ناقضٍ لوضوءٍ) فإن كان قائمًا منه (فيجبُ) غسلُهما ثلاثًا؛ تعبُّدًا، بنيَّةٍ شُرِطَتْ، وتسميةٍ وَجَبتْ، ويسقطُ غسلُهما والتسميةُ سهوًا. ومقتضى كلامِ "المبْدِع": أنَّه لو تذكَر غَسلَهما في الأثناء، لم يستأنف، بلْ ولا يغسلهما، بخلافِ تسميةٍ في وضوءٍ؛ لأنَّها منه. قاله المصنَّف (^١).
والسنةُ لغةً: الطريقةُ.
واصطلاحًا: ما فعلَهُ النبيُّ ﷺ وواظبَ عليه، ولم يدلَّ دليلٌ على وجوبِه، ويستحقُّ فاعلُها الثوابَ، ولا يجبُ بتركِها عقابٌ.
(وغَسْلُ كفَّيه) وثانيها: غسلُ يدي متوضِّئ إلى الكوعينِ قبلَ المضمضةِ والاستنشاقِ؛ لأن سيدَنا عثمان وعليًا وعبدَ الله بنَ زيدٍ وَصفُوا وضوءَ النبي ﷺ، وذكروا أنه غسلَ كفَّيهِ ثلاثًا (^٢)، ولانَّهما آلة تَنْقُلُ الماءَ إلى الأعضاءِ، ففي غسلِهما احتياط لجميعِ الوضوءِ، ومحل كونِ غسلِهما لذلك النوم تعبُّدًا خلافًا للأئمة الثلاثة؛ للحديثِ الوارد في ذلك، وهو قولُه ﷺ: "إذا استيقطَ أحدُكم من نومِه، فلا يغمسْ يدَه في الإناء حتى يغسلَها ثلاثًا، فإنَّه لا يدري أينَ باتتْ يدُه" رواه الشيخان البخاريُّ ومسلم (^٣). وفي لفظ: "فليغسِل يدَه" (^٤). والأمرُ للوجوب حتى يصرفَه صارفٌ، فبقيَ على حالِه.
فقولُه: (نومِ ليلٍ) احترزَ به عن نومِ النهار. وقوله: (ناقضٍ لوضوءٍ) احترزَ به عن نومِ الليل، إذا كان غيرَ ناقضٍ للوضوء، فإنَّه لا يجبُ غسلُهما بذلك، والأمرُ التعبديُّ لا يعلَّلُ ولا يُعقَلُ معنَاه.
وقولُه: (ثلاثًا) فلا يُجزِئُ أقل منها.
_________________
(١) في "كشاف القناع" ١/ ٩٢.
(٢) حديث عثمان ﵁ سلف تخريجه ص ٢٨٦، وحديث علي أخرجه الإمام أحمد (٨٧٦)، وحديث عبد الله بن زيد سلف تخريجه ص ٢٨٤.
(٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ في "صحيح" البخاري، وهو فيه بالرواية الآتية قريبًا، وأخرجه مسلم (٢٧٨)، من حديث أبي هريرة ﵁، وهو عند أحمد (٧٢٨٢).
(٤) أخرجها البخاري (١٦٢)، وأحمد (٩٩٩٦). ووقع في مطبوع "كشاف القناع" ١/ ٣٤ بلفظ: "يديه".
[ ١ / ٣١٠ ]
والبِداءةُ قبلَ غَسْلِ وجهٍ بمضمضةٍ، فاستنشاقٍ،
(والبِداءةُ) بكسرِ الباء والمدِّ، والضُّم لغةٌ، بمعنى الابتداء (قبلَ غَسْلِ وجهٍ بمضمضةٍ، فاستنشاقٍ،
ويكونُ الغَسْلُ بنيَّة شُرِطَت لصحَّة غَسلِهما، وبتسميَة واجبة لغسلِهما على الصحيح من المذهب؛ لأنها طهارةٌ مستقِلَّة، فشُرِطَ ووَجَبَ لها ما ذُكِر.
ويَسقطُ وجوبُ غَسْلِهما إذا تركَه سهوًا، وتسقط التسميَةُ أيضًا سهوًا؛ لأنَّ ذلكَ أمرٌ تعبديُّ، فيسقط بالنسيانِ، كبعضِ الواجبات، وهو التسميَةُ، فلو توضَّأ ولم يغسلهُما ذاكرٌ لذلك، لم يصحَّ وضوءُه، وفسدَ الماءُ الذي غمسَ فيه كلَّ يدِه، حيثُ كانَ قليلًا، والظاهرُ أنَّ السقوطَ سهوًا، إذا لم يتذكر إلا بعد فراغِ الطهارةِ فلو تذكَّر في الأثناءِ، ابتدأَ، قياسًا على نسيانِ التسميَةِ في الوضوء (^١). وقيلَ: غسلُهما معلَّلٌ بوهمِ تضمُّخ يديه بالنجاسة، فعلى هذا يكون غَسْلُهما لمعنى حصلَ فيهما. وهذه المسألةُ من مفردات مذهبنا.
وقد قيل: إن بعضَهم استغربَ هذا الحديثَ، واستبعدَه، فانْتَبَه من نومِه، فوجَدَ يدَه في دُبُرِه.
وإذا استيقظَ محبوسٌ، أو أعمى ونحوه من نومٍ لا يدري نوم ليلٍ أم نوم نهارٍ، لم يجب غسلُهما. دنوشري مع زيادة.
(والبِداءةُ قبل غَسْلِ وجهٍ إلخ) والثالث من سنن الوضوء: بِداءةُ المتوضِّئِ قبلَ غسل وجهِه بمَضْمَضَة بيمينه، فاستنشاقٍ بيمينِه، واستنثارٍ من أنفهِ بيسارِه، فالبِداءةُ بهما قبلَ غسلِ الوجهِ مسنُونة. وهما فرضان، قال في "الإنصاف": يستحب تقديم المَضمَضَةِ على الاستِنشاق (^٢)؛ لما رُويَ عن عليٍّ ﵁ أنه دَعا بوضوءٍ، فتمضْمَضَ، واستنشَقَ، ونَثَر بيدِه
_________________
(١) ما ذكره صاحب الحاشية هنا مخالف لما مرَّ أعلاه في "هداية الراغب" حيث قال النجدي: "لو تذكر غسْلَهما في الأثناء، لم يستأنفْ، بل ولا يغسلهما، بخلاف تسمية في وضوءٍ؛ لأنها منه … "
(٢) "الإنصاف" ١/ ٢٨٢.
[ ١ / ٣١١ ]
ومبالغةٌ فيهما لغيرِ صائمٍ،
ومبالغةٌ فيهما) أي: في المضمضةِ والاستِنْشَاقِ (لغيرِ صائمٍ) فتكرَه له كما تقدِّم.
اليسرى، ففعلَ هذا ثلاثًا، ونثرَ بيدِه اليسرى ثلاثًا، ثمَّ قال: هذا طُهور نبيّ الله ﷺ. رواه الإمامُ أحمد والنسائيُّ (^١).
(ومبالغةٌ فيهما لغيرِ صائمٍ) والرابعُ من سُنَنِ الوضوء: مبالغةٌ فيهما، أي: في المَضْمَضةِ والاستنشاقِ لغير صائم. أمَّا المبالغةُ فيهما لصائمٍ، فمكروهةٌ على الصحيح من المذهب؛ لحديثِ لقيطِ بنِ صَبِرَة أَنه قال: قلت: يا رسولَ الله، أخبرني عن الوضوء؟ فقال ﷺ: "أسبغ الوضوءَ وخلِّل بينَ الأصابعِ، وبالغ في الاستنشاقِ إلَّا أنْ تكونَ صائمًا". رواه الخمسة، وصحَّحَه الترمذيُّ وغيره (^٢).
ولاحتمالِ وصولِ الماء إلى الجوف بالمبالغة المنهيِّ عنها في حقِّه، فيفطرُ بذلك.
أمَّا لو سَبَقَ ماءُ المَضْمَضَة والاستِنْشاقِ إلى جوفِ الصائم من غيرِ مبالغَةٍ ولا قَصدٍ، فإنه لا يُفطِر بذلك.
وإنَّما لم تجب المبالغةُ في الاستنشاقِ كما هو مُقْتَضى الأمرِ في الحديث؛ لسقوطِهما بصومِ النفل، والواجبُ لا يَسقطُ بالنَّفْلِ. وعن الإمام أحمد: وجوبُ المبالغةٍ فيهما على المفطر، وأمًا المبالغةُ في بقيَّةِ الأعضاءِ فهي مسنونَةٌ مُطلقًا للصائم وغيره، وفي الوضوءِ والغُسْلِ؛ لأنَّ وصولَ الماءِ منها إلى الجوفِ مؤتمنٌ، فكانت مسنونَة مطلقًا للصائم وغيره.
وقد عرَّف صاحبُ "المنتهى" (^٣) -كالشارح (^٤)؛ لزيادة الإيضاح- المبالغةَ في أعضاء الوضوء بقوله: ففي مضمضةٍ إدارةُ الماءِ بجميع الفم، بحيثُ يبلغُ الماءُ أقصى الحَنَك، ويصلُ إلى الحلق، ووجهي الأسنانِ، واللسانِ، واللِّثَاتِ مع إمرارِ إصبعه.
_________________
(١) "مسند" أحمد (١١٣٣)، و"المجتبى" للنسائي ١/ ٦٧، وأخرجه أيضًا أبو داود (١١٢).
(٢) أحمد (١٧٨٤٦)، وأبو داود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨)، والنساني ١/ ٦٦، ١١٤، وابن ماجه (٤٠٧). وصححه النووي في "المجموع" ١/ ٤٠١.
(٣) ١/ ١٣.
(٤) "الشرح الكبير" ١/ ٢٨١.
[ ١ / ٣١٢ ]
وتخليلُ لحيةٍ كثيفةٍ،
(وتخليلُ لحيةٍ) وبقيَّةِ شعورٍ (كثيفةٍ) في الوجه
والمبالغةُ في الاستنشاق: جذبُه بنَفَسٍ إلى أقصى أنفٍ، وهو الخيشومُ، مع إدخال الإصبعِ الأيسرِ، وإزالةِ ما فيه من الأذى. هذه صفةُ المبالغةِ فيهما.
والواجبُ في المضمضة: الإدارة، أي: أدنى إدارةٍ، ولو ببعضِ الفم، فلا يكفي وضعُ الماءِ في فيه بدونِ إدارةٍ.
والواجبُ في استنشاقٍ جذبُه إلى باطنِ أنفه، ولو لم يبلغْ أقصاه، فلا يكفي وضعُه في أنفه من غير جذبٍ.
وله بلعُ الماءِ الذي تَمَضْمَضَ به بعدَ إدارته، فلا يُجزِىُ جعلُ مضمضة في حلقه أولًا، أي: قبل الإدارة وَجُورًا (^١)، أي: من غير إدارة، ولا يحصلُ به أداءُ فرضِ المضمضة.
ولا يجزئُ أيضًا جعلُ استنشاق سعوطًا (^٢)، أي: من غير جذبٍ بنَفَسٍ إلى باطنِ أنفٍ، فلا يحصلُ الاستنشاقُ المفروضُ بذلكَ؛ لعدمِ الجذبِ المشروطِ فيهما.
ولا يفصلُ بينَ المضمضةِ والاستنشاقِ؛ لوجوبِ الموالاةِ بينهما.
وأما الترتيبُ بينهما وبينَ الوجهِ فإنَّه غيرُ واجبٍ.
والمبالغةُ في غيرِ المضمضة والاستنشاق: دَلْكُ المحلِّ الذي ينبو، أي: يرتفعُ ويزولُ عنه الماء والدلكُ: إمرارُ اليد على الأعضاء المغسولة. دنوشري مع زيادة.
(وتخليلُ لحيةٍ كثيفةٍ) والخامس من سُنَنِ الوضوء: تخليلُ لِحيةٍ، بكسر اللام، جمعها لِحّى، بكسر اللام وضمِّها. كثيفة بالمثلثة. وفاقًا للحنفيَّة.
وتخليلُ اللحيةِ الكثيفةِ يحصلُ بكفِّ من ماء، بأنْ يضَعَهُ من تحتِها، ثمَّ يخلِّلَها بأصابعه متشبِّكةً في لحيته؛ اتِّباعًا لفعلِه ﷺ، ولما رَوى أنسُ بن مالك أن النبيَّ ﷺ كان إذا توضَّأَ أخَذَ
_________________
(١) الوَجور: الدواء يصبُّ في الحلق. "المصباح المنير" (وجر).
(٢) السَّعُوط: دواءٌ يصبُّ في الأنف. "المصباح المنير" (سعط).
[ ١ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كفَّا من ماءٍ، فجعلَه (^١) تحت حنكِه فخلَّلَ به لحيتَه، وقال: "هكذا أمَرني ربِّي"، رواه أبو داود (^٢).
وقال في "الإقناع" (^٣): تخلَّلُ (^٤) اللحيةُ عندَ غَسْلها، وإذا شاء عند مسح رأسه. نصَّ عليه.
وقد صحَّ أن لحيتَه الكريمةَ -شرَّفها الله تعالى- كانت كثَّةً (^٥). ويجزِئُ غسلُ ظاهرها، ويسَنُّ غسلُ باطنِها، وأن يزيدَ في ماء الوجه، وأمَّا شعرُ الوجهِ الخفيفُ فيجبُ غَسْلُهُ وما تحتَه، فالمتوضِّئ مخيَّرٌ في تخليلِ اللحيَةِ بينَ أنْ يخلِّلَها على صفة ما تقدَّم، أو يأخذَ كفًّا من ماءٍ يضعُه في جانبها، ويعركها.
واللحيَةُ الكثيفةُ: هي التي لا تُرَى منها البشرةُ عند المواجهةِ. وضدُّها الخفيفة، فيجبُ غسلُ ظاهرِهَا وباطنِهَا، وكذا في حكم اللحية عنفقةٌ (^٦)، وشارِبٌ، وحاجبانِ، ولحيةُ أنثى وخُنْثَى. فإنْ كان كلٌّ مِنْ هذه الشعورِ المذكورةِ كثيفًا، أجزأَ غَسلُ ظاهرِه، ويُسَنُّ تخليلُ باطنِه، كاللحيَةِ الكثيفةِ. وإن كانت هذه الشعورُ خفيفةً، وجبَ غَسْلُ ظاهرِها وباطنِها، كاللحيةِ الخفيفةِ.
_________________
(١) بعدها في الأصل:"فيها"، ولم ترد في مصدر التخريج.
(٢) في "سننه" (١٤٥)، وصحَّحه الألباني في "الإرواء" ١/ ١٣٠.
(٣) ١/ ٤٣.
(٤) في الأصل: "يخلل".
(٥) قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٥٦: وأمَّا كونه ﷺ، كان كثَّ اللحية، فقد ذكر القاضى عياض ورود ذلك في أحاديث جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة، كذا قال، وفي مسلم [(٢٣٤٤): (١٠٩)]: كان رسول الله ﷺ كثير شعر اللحية، وروى البيهقي في "الدلائل" [١/ ٢٤٥] من حديث علي: كان رسول الله ﷺ عظيم اللحية، وفي رواية [١/ ٢١٠]: كثَّ اللِّحية … اهـ ثم ذكر الحافظ غيرها. والروايتان عن علي ﵁ أخرجهما الإمام أحمد (٩٤٤) و(٦٨٤).
(٦) هي شعيراتٌ بين الشفةِ السفلى والذَّقَن. "القاموس" (عنفق).
[ ١ / ٣١٤ ]
وأصابعَ، وتيامنٌ،
(و) تخليلُ (أصابع) يدين ورجلين، فتخليلُ أصابعِ يديه بالتَّشبيكِ، وتخليلُ أصابعِ رجليه بخنصر يديه اليُسرى، يبدأ بخنصرِ رِجله اليُمنى إلى إبهامِها، وبإبهامِ اليُسرى إلى خِنْصرِها، فهو بخِنْصرٍ من خِنْصرٍ إلى خِنْصرٍ.
(وتيامنٌ) فيقدِّم اليُمنى على اليُسرى، حتى بين كفَّيْ قائمٍ من نومِ ليلٍ، وبين
قال في "الإنصاف" (^١): شعرُ غير اللحيةِ كاللحيةِ في الحكم، على الصحيحِ من المذهب، وعليه الجمهور، وجزمَ به في "الرعاية" في لحيةِ المرأةِ. وقيل: يجبُ غسلُ باطنِ ذلك كلِّه مُطْلقًا. انتهى. دنوشري مع زيادة.
(وتخليل أصابع) والسادسُ من سنن الوضوء: تخليلُ الأصابعِ من اليدين والرجلين، وهما آكدُ بيدٍ، وبخِنْصَر اليد اليسرى، من أسفلِ خِنْصَر الرجلِ اليمنى إلى خِنْصَر الرجلِ اليسرى؛ ليحصلَ التيامنُ في التخليل (^٢)، وقد ورد الخبر بذلك، قال المستوردُ (^٣) بن شدَّاد: رأيتُ النبي ﷺ إذا توضَّأ دَلَكَ أصابعَ رجليه بخِنْصِره. رواه أبو داود (^٤). هذا إذا كانَ الماءُ يَصلُ إلى الأصابع من غير تخليلٍ، أمَّا إذا كانتِ الأصابعُ ملتفَّةً، ولا يصلُ الماء إليها إلَّا بالتخليلٍ، فحينئذٍ يجبُ، لا لذاته، بل لأداءِ الغَسْل المفروضِ؛ لأنَّ إيصالَ الماءِ إلى العضو واجبٌ.
(وتيامنٌ) والسابع من سنن الوضوء: تيامنٌ بينَ الأعضاءِ، كما ذكرنا حتى بين الكفَّينِ للقائمِ من نومِ الليل، وبينَ الأُذنَينِ، قاله الزركشيُّ، وقال الأزجيُّ: يمسحُهما معًا.
_________________
(١) ١/ ٢٨٥.
(٢) في الأصل: "التخلل"، والمثبت من "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٩٤.
(٣) في الأصل: "المسور"، والمستورد بن شداد قرشيٌّ فهريُّ مكيّ، نزيل الكوفة، وله ولأبيه صحبة. "الإصابة" ٩/ ١٨٠.
(٤) في "سننه" (١٤٨)، وهو أيضًا عند الترمذي (٤٠)، وأحمد (١٨٠١٠).
[ ١ / ٣١٥ ]
ودلكٌ، وأخذُ ماءٍ جديدٍ للأُذنين، وغسلةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ،
أذنين، كما قدَّمه في "الإقناع" (^١) عن الزركشيِّ (^٢). وقال الأزجيُّ: يمسحهما معًا.
(ودَلْك) ما ينبو عنه الماء (وأخدُ ماءٍ جديدٍ) (^٣) غيرِ ماءِ الرأس (للأذنين، وغسلةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ).
انتهى. "إقناع" (١).
(ودلكٌ) والثامن من سنن الوضوء: دَلْكٌ، بفتحِ الدَّال المهملةِ، مصدرُ دلكتُ الشيءَ دلكًا، من باب قَتَلَ: مَرَسْتَه بيدك، ودلكتُ النعلَ: مسحتها بالأرض، كذا في "المصباح" (^٤).
(وأَخدُ ماءٍ جديدٍ للأذنين) والتاسعُ من سُنَنِ الوضوء: مسحُ الأذنين بعدَ مسحِ الرأس بماء جديد، لظاهرِهما وباطنِهما، يَمْسَحُ ظاهرَهُما بإبهاميه، وباطنَهما بسبابَتَيه؛ لما رَوى عبدُ الله بن زيد أنه رأى رسولَ الله ﷺ يتوضَّأ، فأَخَذَ لأذنيه ماءً جديدًا، خلاف الذي لرأسه. رواهُ البيهقيُّ، وقال: إسنادهُ صحيح (^٥). فلو مَسحَ الأُذنين مع الرأسِ بماءِ الرأس، أجزأَهُ ذلك، ولكنَّه كير مُصِيبٍ للسنَّةِ.
(وغسلةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ) والعاشر من سنن الوضوء: غسلةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ إنْ عمَّتِ الأولى؛ لَما
_________________
(١) ١/ ٤٨.
(٢) هو: شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد الزركشي، له تصانيف كثيرة، أشهرها: "شرح الخِرَقي"، (ت ٧٧٢ هـ)."شذرات الذهب" ٨/ ٣٨٤ - ٣٨٥، "تسهيل السابلة" ١/ ١١٥٨.
(٣) ليست في (ح) و(م).
(٤) مادة (دلك).
(٥) "السنن الكبرى" ١/ ٦٥. وأورده الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام" (٤٨) وقال: أخرجه البيهقي، وهو عند مسلم [٢٤٦] من هذا الوجه بلفظ: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه. وهو المحفوظ. وينظر "التلخيص الحبير" ١/ ٨٩ - ٩٠.
[ ١ / ٣١٦ ]
وكُرِهَ فوقَها.
(وكُرِه) زيادةٌ (فوقَها) أي: الثالثة؛ لقوله ﷺ في حديثِ عَمْرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه لمَّا سُئِلَ عن الوضوء، فأَراهُ ثلاثًا ثلاثًا: "فمَنْ زادَ على هذا أو نقصَ، فقدْ أساء وتعدَّى، وظَلمَ" رواه أبو داود (^١). وتكلَّم مسلمٌ على قوله: "أو نقص" (^٢)،
رَوى معاويةُ بن قرَّة عن ابنِ عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ دعا بماءٍ فتوضَّأَ مرَّةً مرَّة، وقال: "هذا وظيفةُ الوضوء الذي لا يَقبَل اللهُ الصلاةَ إلَّا به"، ثمَّ دعا بماءٍ فتوضَّأ مرَّتين مرَّتين، [ثمَّ سكتَ ساعةً] (^٣)، ثم قال: "هذا وضوءٌ من توضَّأ به، كان أجرُه مرَّتين"، ثمَّ دعا بماءٍ فتوضَّأَ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "هذا وضوئي ووضوءُ الأنبياءِ من قبلي". رواه الدارقطنيُّ (^٤)، وفيه ضعف وانقطاع، واستشهدَ به الحاكم (^٥).
وقال القاضي وغيره: الأُولَى فريضةٌ، والثانية فَضيلةٌ، والثالثةُ سُنَّةٌ. وقدَّمه ابن عبيدان: قال في "المستوعب": [وإذا قيل لك:] أيُّ موضع تُقَدَّمُ فيه الفضيلةُ على (^٦) السنَّة؟ فقل: هنا. مصنف (^٧) مع زيادة.
(وكُرِهَ فوقها) أي: وكرِه أنْ يَغسلَ المتوضئُ أعضاءَ الوضوءِ فوقَ الثلاثِ غَسلات لكلِّ عضوٍ، والمرادُ بالكراهةِ تَرْكُ الأولَى؛ لما رَوى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى رسولِ الله ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، وقال: "هكذا الوضوءُ، قمن زادَ أو نقصَ، فقد أساءَ وظلم". رواه الإمامُ أحمد والنسائيُّ وابنُ ماجه. أي: أساءَ
_________________
(١) في "سننه" (١٣٥)، وهو عند النسائي في "المجتبى" ١/ ٨٨، وابن ماجه (٤٢٢)، وأحمد (٦٦٨٤). قال ابن حجر في "فتح الباري" ١/ ٢٣٣: إسناده جيد.
(٢) ونقله عنه ابن حجر في "فتح الباري" ١/ ٢٣٣ حيث قال: لكن عدَّه مسلم في جملة ما أنكر على عمرو ابن شعيب، لأن ظاهره ذم النقص من الثلاث.
(٣) ليست في سنن الدارقطني، وفيه بعد قوله: " … كان أجره مرتين" عبارة: ثم مكث ساعة.
(٤) في "سننه" (٢٥٨)، وسلف بعضه ص ٢٥٢.
(٥) في "المستدرك" ١/ ١٥٠. وعقب عليه الذهبي بقوله: مداره على زيد العمي، وهو واهٍ.
(٦) في الأصل: "عن".
(٧) "كشاف القناع" ١/ ١٠٦، وما بين حاصرتين منه.
[ ١ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأوَّله البيهقيُّ (^١) على نقصانِ العُضْوِ
بالنقصِ، وظلمَ بالزيادةِ؛ لأنه جاوزَ الحدَّ. وقيل عكسُ ذلك؛ لأنَّ الظلمَ نقصانُ حقِّ الغيرِ. قال تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف:٣٣] أي: لم تنقص.
ولا يُسَن الكلامُ على الوضوء، بل يُكرَه، والمراد بالكراهية تَرْكُ الأولى، فبقي من سُنَنِ الوضوءِ استقبالُ القبلة، ومجاوزةُ محلِّ الفرضِ، واستحضارُ ذِكْرِ النيَّةِ من أوَّلِ الوضوء إلى آخره، والتلفُّظُ بها سرًّا، وأنْ لا يَنْقُصَ ماءُ الوضوء عن مدِّ، كما سيأتي في باب الغسل إنْ شاءَ الله تعالى.
وقال الأُبِّيُّ (^٢): أساءَ الأدبَ الشرعيَّ، وتعدَّى ما حُدَّ لَه، وظَلَمَ في إتلافِ الماء، ووضعِه في غير محلِّه. انتهى. مصنِّف.
(وأَوَّلَه) أي: أوَّل النقص بنُقْصَان العضوِ عمَّا استحقَّه من الثلاث غسلات، وليس النقصُ راجعًا للوضوء، وقيل: تحرم الزيادة للخبر، وقيل: الكراهةُ لغير وسواسٍ.
قال الإمامُ أحمد: لا يزيدُ عليها إلَّا رجلٌ مبتلّى.
"فائدتان": إحداهما: يُعمَلُ في عدد الغسلات بالأقلِّ، على المذهب، وقال في "النهاية": بالأكثر.
الثانية: لو غَسَلَ بعضَ أعضاءِ الوضوءِ أكثرَ من بعضٍ، لم يكره على المذهب، وعنه: يُكره. انتهى. بعضُ الشراح.
_________________
(١) في "سننه" ١/ ٧٩.
(٢) في "إكمال إكمال المعلم" ٢/ ٢٣. والأبيُّ، هو محمد بن خِلْفة بن عمر الوشتاني، عالم بالحديث، من أهل تونس، ولي قضاء الجزيرة، وله "شرح المدونة" وغير ذلك، (ت ٨٢٧ هـ). "البدر الطالع" ٢/ ١٦٩، و"الاعلام" ٦/ ١١٥.
[ ١ / ٣١٨ ]
فصل
واستحسنه الذهبيُّ (^١).