تجبُ على كلِّ مسلمٍ فَضَل عن قوتِه، وقوتِ عياله، وما يحتاجُه يومَ العيدِ وليلتَه، ما يخرجُه.
باب زكاة الفطر
وهو اسمُ مصدرٍ من أَفطرَ الصائمُ إفطارًا. والمرادُ بها: الصدقةُ عن البَدَن.
وإضافتُها إلى الفطر من إضافةِ الشيء إلى سببه.
(تجبُ على كُلِّ مسلم) من أهلِ البوادي وغيرهم، وتجبُ في مال يتيمٍ؛ لقول ابن عمر: "فَرَضَ رسولُ الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تَمْرٍ (^١)، أو صاعًا من شعيرٍ، على العبدِ والحُرِّ، والذَّكرِ والأنثى، والصغيرِ والكبيرِ، من المسلمين، وأَمَرَ (^٢) بها أنْ تُؤتَى (^٣) قبلَ خُروج الناس إلى الصَّلاة" متفقٌ عليه، ولفظُه للبخاري (^٤).
(فَضَل عن قوتِه، وقوتِ عياله، وما يحتاجُه) لنفسِه، أو لمن تلزمُه مؤونَتهُ، مِن مسكنٍ، وعبدٍ، ودابَّة، وثيابِ بِذْلةٍ (^٥)، ونحو ذلك (يومَ العيد وليلتَه).
وقوله: (ما يخرجُه) فاعل: "فَضَلَ"، أي: زادَ على ما ذُكِر ما يجبُ إخراجُه، وهو صاعٌ -كما سيأتي- عن نفسِه أو غيرهِ. وإنَّما اعتُبِر أنْ يكونَ فاضلًا عن حوائجه الأصليَّة؛ لأنَّها أهمُّ، فيجبُ تقديمُهَا؛ لقوله ﷺ: "ابدأ بنفسِكَ، ثمَّ بمن تعوله (^٦) " (^٧)
_________________
(١) في النسخ: "بر"، والمثبت من المصادر.
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: وأمر … إلخ. هو محمولٌ على الندب. انتهى. تقرير المؤلف".
(٣) في "صحيح" البخارى (١٥٠٣): "تؤدَّى"، وورد لفظ: "تؤتى" عند ابن زنجويه في "الأموال" (٢٣٩٦)، والبيهقي ٤/ ١٧٤ - ١٧٥.
(٤) "صحيح" البخارى (١٥٠٣)، و"صحيح" مسلم (٩٨٤)، وهو عند أحمد (٥٣٣٩).
(٥) البِذْلة: مثال سِدْرة، ما يمتهن من الثياب في الخدمة، والفتح لغة. "المصباح المنير" (بذل).
(٦) في (ح) و(م): "تعول".
(٧) قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٢/ ١٨٤: لم أره هكذا، بل في الصحيحين [البخارى (٥٣٥٥)، ومسلم (١٠٣٤)] من حديث أبي هريرة ﵁: "أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول"، ولمسلم [برقم (٩٩٧)] عن جابر في قصة المدبَّر في بعض الطرق: "ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها، فإن فضل شيء، فلأهلك". اهـ.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
ولا يمنعُهَا دَينٌ إلَّا مع طلبٍ. فيُخرِجُ عن نفسه وعمَّن يَمُونه حتى من تبرَّع بمؤونتِه رمضان، فإنْ لم يَجِد لجميعهم، بدأَ بنفسه، فزوجتِه، فرقيقه، فأُمِّه، فأبيه،
ولا يُعتَبرُ لوجوبِها مِلْكُ نصاب.
وإن فَضَل بعضُ صاعٍ، أَخْرَجَه.
(ولا يَمنعُ) وجوبَـ (ـها ديْنٌ) لأنَّها ليستْ واجبةً في المال (إلَّا مع طَلَبِ) الدَّينِ، فيُقدَّم عليها؛ لأنَّه أهمُّ.
(فيُخرِجُ) زكاةَ الفِطر (عن نفسه) لما تقدَّم (وعمَّن) أي: عن مُسْلمٍ (يَمُونُه) أي: يقومُ بمؤُونَتِه، أي: نفقته، من زوجةٍ، وقريبٍ، وخادمِ زوجةٍ، إنْ لزمته مؤونته، وزوجةِ عبده، وقريبهِ الذي يلزمُه إعفافه؛ لعمومِ قوله ﷺ: "أدُّوا الفِطْرة عمن تَمونون" (^١) فتلزمُه عنْ كلِّ منْ يَمُونه (حتى) فطرةُ (من) أي: شخصٍ (تبرَّع بمؤونته) جميعَ (رمضان) فتلزم المتبرِّعَ؛ لعمومِ الحديث السابق، بخلافِ ما لو تبرَّعَ بها بعضَ الشهر. ولا تلزمُه فِطرَةُ كافرٍ يَمُونه، ولو عبدًا، ولا أجيرٍ وظِئْرٍ استأجرَهُما بطعامهما، ولا من وجبتْ نفقتُه في بيت المال، كلقيطٍ.
(فإنْ لم يَجِدْ) مُخرِجُ فطرةٍ (لجميعِهم) أي: لجميع من تلزمه فطرتُه (بَدَأ بنفسه) لأنَّ نفقةَ نفسِه مقدَّمة، فكذا فطرتُها (فزوجَته) لوجوبِ نفقتها مطلقًا (^٢)، ولتأكُّدِها؛ لأنَّها معاوضةٌ (فرقيقه) لوجوب نفقَته مع الإعسار، ولو مرهونًا، أو مغصوبًا، أو غائبًا، أو لتجارةٍ، (فأمِّه) لتقديمها في البِرِّ (فأبيه) لحديث: مَن أَبرُّ يا رسول الله؟ (^٣).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في "سننه" (٢٠٧٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٤/ ١٦١ عن ابن عمر ﵄. قال الدارقطني: رفعه القاسم، وليس بقويٍّ، والصواب موقوف. وقال البيهقي: إسناد. غير قوي. وأخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٢، والدارقطني (٢٠٧٩) عن ابن عمر موقوفًا.
(٢) جاء في هامش (س) ما نصُّه: "قوله: مطلقًا. أي: حال الإعسار والإيسار. انتهى. تقرير".
(٣) أخرجه أبو داود (٥١٣٩)، والترمذي (١٨٩٧)، وأحمد (٢٠٠٢٨) و(٢٠٠٤٨) عن معاوية بن حيدة ﵁، قال الترمذي: حديث حسن. وفي الباب عن أبي هريرة، وهو عند البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨)، وأحمد (٨٣٤٤) و(٩٢١٨).
[ ٢ / ٢٨٨ ]
فولدِه، فأقربَ في ميراثٍ، وعبدٌ بين شركاءَ عليهم صاعٌ.
وتستحبُّ عن جنينٍ، ولا تجبُ لزوجةٍ ناشزٍ.
ومن لَزِم غيرَه فطرتُه، فأخرجَ عن نفسِه، أجزأ.
(فولدِه) لوجوبِ نفقته في الجملة (فأقرب في ميراثٍ) لأنَّه أَوْلى من غيرِه، فإن استوى اثنان فأكثر، ولم يَفْضُل إلَّا صاعٌ، أُقرعَ.
(وعبدٌ بين شركاءَ عليهم صاعٌ) بحسبِ مِلْكهم فيه، كنفقته. وكذا مَن وَجبَت فِطرتُه على اثنين فأكثر، يُوزَّعُ الصَّاع بينهم بحسَب النَّفقة (^١).
(وتُستحَبُّ) فِطرةٌ (عن جنينٍ) لفعلِ عثمانَ ﵁ (^٢). ولا تجبُ عنه، كما لا تجبُ الزَّكاةُ في أجِنَّةِ السَّوائم.
(ولا تجبُ) فِطرةٌ (لزوجةٍ ناشزٍ) لأنَّه لا تجبُ نفقتُها، وكذا من لم تجبْ نفقتُها لصغَرٍ ونحوِه؛ لأنَّها كأجنبيَّةٍ، ولو حاملًا. ولا لأَمَةٍ (^٣) تسلَّمها ليلًا فقط، وتجبُ على سيِّدِها.
(ومن لَزِم غيرَه) بالنَّصب على المفعوليَّة (^٤)، وقوله: (فطرتُه) فاعل، كزوجةٍ وقريبٍ مُعْسِرٍ (فأَخرج عن نفسِه) بلا إذنِ من تلزمُه (أجزأَ) لأنَّه المخاطَبُ بها ابتداءً، والغيرُ مُتحمِّلٌ، ومن أخرجَ عمَّن لا تلزمُه فِطرتُه بإذنِه، أَجزأَ، وإلَّا، فلا.
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصُّه: "قوله: بحسب النفقة. هي توزع على قدر الميراث كما يأتي، فكذا الفطرة. انتهى تقرير".
(٢) أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٣/ ٢١٩ عن حميد أن عثمان كان يعطي صدقة الفطر عن الحَبَل. وأخرج حميد بن زنجويه في "الأموال" (٢٣٧٤) عن أبي قلابة قال: قال عثمان في صدقة رمضان: عن الصغير والكبير، الحرِّ والعبد، الذكر والأُنثى، حتى ذكر الحَمْلَ … الخبر.
(٣) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: ولا لأمة. أي: ولا لزوجة إذا كانت أمة تأتيه ليلًا … إلخ. انتهى تقرير المؤلف".
(٤) في (م): "المفعول به".
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وتجبُ بغروبٍ شمسِ ليلةِ الفطر، فمنْ أسلمَ، أو ملكَ عبدًا، أو زوجةً، أو ولِد له بعدَه، لم تلزْمُه فطرتُه، وقبلَه، تَلزم.
وتجوزُ قبلَ العيدِ بيومَيْن فقط، ويومَ العيد قبل الصَّلاةِ أفضلُ، وتُكره في باقيه، ويأثم مؤخِّرها عنه،
(وتجبُ) فِطرةٌ (بغروب شمسِ ليلةِ) عيد (الفطر) لإضافتِها إلى الفِطْر، والإضافةُ تَقتضي الاختصاصَ والسببيَّة.
وأَوَّلُ زمنٍ يُقصَدُ فيه الفِطْرُ من جميع رمضان مغيبُ الشمس من ليلةِ الفطر.
(فمنْ أسلمَ) بعد الغروب (أو ملكَ عبدًا) بعدَه (أو) تزوَّج (زوجةً) ودخل بها بعدَ الغروب (أو ولد) بالبناء للمفعول (له) ولدٌ (بعدَه) أي: بعد الغروب (لم تلزمْهُ فِطْرتُه) في جميع ذلك؛ لعدمِ وجودِ سبب الوجوب. (و) إنْ وُجِدتْ هذه الأشياءُ (قبلَه) أي: قبلَ الغروب (تَلزمُ) الفِطرةُ لمن ذُكِر؛ لوجودِ السَّبب.
(وتجوزُ) فِطْرةٌ، أي: يجوزُ إخراجُها مُعجَّلةَ (قبلَ العيدِ بيومَين فقط) لما رَوى البخاريُّ بإسناده عن ابن (^١) عمر: فَرَض رسولُ الله ﷺ صَدَقةَ الفطر من رمضان، وقال في آخرِه: وكانوا يُعْطُون قبلَ الفِطْر بيومٍ أو يومين (^٢).
وعُلم من قوله: "فقط" أنَّها لا تُجزئُ قبلَهما؛ لقوله ﷺ: "أغنوهم عن الطَّلبِ في هذا اليوم" (^٣). ومتى قدَّمَها بالزمن الكثير، فَاتَ الإغناءُ المذكور.
(و) إخراجُها (يومَ العيد قبل) مُضيِّه إلى (الصَّلاة أفضلُ) لحديثِ ابن عمر السابِق أوَّلَ الباب (^٤) (وتُكره في باقيه) أي: باقي يوم العيد بعد الصَّلاة (ويأثم مؤخِّرها عنه) أي: عن يومِ العيد؛ لمخالفته أمرَه ﷺ بقوله: "أَغنُوهم في هذا اليوم" رواه الدَّارقطنيُّ.
_________________
(١) ليست في الأصل و(س) و(ز) و(م).
(٢) "صحيح" البخاري (١٥١١).
(٣) أخرجه الدارقطني (٢١٣٣)، والبيهقي ٤/ ١٧٥، ولفظة: "الطلب" لم ترد عند الدارقطني، ووردت عند البيهقي بلفظ: "طواف". وفي إسناده: أبو معشر، قال عنه ابن حزم في "المحلى" ٦/ ١٢١: وأبو معشر المدني هذا: نجيح، مطرح، يُحدِّث بالموضوعات عن نافع وغيره.
(٤) ص ٢٨٧.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
ويقضي.
والواجبُ صاعٌ بُرٍّ، أو شعيرٍ، أو تمرٍ، أو زبيبٍ، أو أَقِطٍ، فإنْ عدِمَتْ، أجزأَ ما يُقتاتُ من حبٍّ وثمرٍ، لا خبزٌ ولا معيبٌ، ولا القيمةُ.
(ويقضيـ) ــها مؤخِّرُها بعدَ يوم العيد؛ لبقائِها في ذمَّتهِ.
(والواجبُ) في الفِطْرَة عن كلِّ شخصٍ (صاعٌ) أربعةُ أمداد، وتقدَّم في الغُسل (^١)، من (بُرٍّ أو شعيرٍ) أو دقيقِهما أو سويقِهما (أو) صاعٌ من (تمرٍ، أو زبيبٍ، أو أَقِطٍ) يُعمَل من اللَّبن المخيض؛ لقول أبي سعيد الخُدري: "كنَّا نخرِج زكاةَ الفطر إذْ كان فينا رسولُ الله ﷺ صاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيبٍ، أو صاعًا من أَقِطٍ" متفقٌ عليه (^٢).
والأفضل تمرٌ، فزبيبٌ، فبُرٌّ، فأنفعُ (^٣)، فشعيرٌ، فدقيقُهما، فسويقُهما، فأَقِطٌ (فإنْ عُدِمت) الخمسةُ المذكورة (أَجزأَ ما يُقتاتُ من حبٍّ وثمر (^٤» كذُرةٍ، ودُخْنٍ، وأَرُزٍّ، وعدسٍ، وتينٍ يابسٍ.
و(لا) يُجزِئُ (خبزٌ) لخروجه عن الكيل والادِّخار (ولا) يُجزئُ (مَعيبٌ) كمَسُوسٍ، ومبلولٍ، وقديمِ تغيَّر طعمُه، وكذا مختلط بكثيرٍ ممَّا لا يُجزِئُ، فإنْ قلَّ، زادَ بقدر ما يكون المصفَّى صاعًا. وكان ابنُ سِيرِين يُحِبُّ أن ينقَّى الطعامُ. قال أحمد: وهو أحبُّ إليَّ (^٥).
(ولا) يُجزِئ إخراجُ (القيمةِ) كالزَّكاة.
_________________
(١) ١/ ١٤٣.
(٢) "صحيح" البخاري (١٥٠٨)، و"صحيح" مسلم (٩٨٥).
(٣) أي: في اقتياتٍ ودفع حاجة فقير. "شرح منتهى الإرادات" ٢/ ٢٩٠.
(٤) في (ز) و(م): "وتمر".
(٥) "مسائل صالح" ٣/ ١٧ (١٢٣٥).
[ ٢ / ٢٩١ ]
ويجوزُ إعطاءُ واحدٍ، ما على جماعةٍ، كعكسه.
(ويجوزُ إعطاءُ واحدٍ) من أهل الزَّكاة (ما) أي: فِطرةً واجبةً (على جماعةٍ، كعكسِه) بأنْ يُعطَى الجماعةُ ما على واحدٍ، والأفضلُ أنْ لا ينقصَ مُعطًى عن مُدِّ بُرٍّ، أو نصفِ صاعٍ من غيره. وإذا دفعَها إلى مستحقِّها، فأخرجَها آخذُها إلى دافعها، جَازَ، ما لم يكنْ حيلةً.
[ ٢ / ٢٩٢ ]