باب شروط الصلاة
الشروطُ: جمعُ شَرْط، وهو لغة: العلامةُ. وعُرفًا: ما يلزم من عَدَمِه العدمُ، ولا يلزمُ من وجودِه وجودٌ ولا عدمٌ لذاته (^١).
وشروطُ الصلاة: ما يتوقَّف عليها صحتُها، إن لم يكن عُذْرٌ، وليستْ منها، وتجبُ لها قبلها، إلا النيَّة فتكفي مقارنتُها، بل هو الأفضل.
وهي تسعة: إسلامٌ،
(باب شروط الصلاة) بالتنوين، أي: هذا بابٌ يذكرُ فيه شروطُ الصلاة وأوقاتُ الصلاة. والشروطُ جمعُ شرطٍ، كفلوسٍ جمعُ فَلْسٍ، والشرائطُ جمعُ شريطةٍ، كفرائض جمع فريضة، والأشراطُ جمعُ شرط، بفتحِ الشينِ والراء، كأقمارٍ وقمر.
(وهو لغةً: العَلامةُ) على المشروطِ، ومنه: قولُه تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي: علاماتُها، والشرطُ الذي على وزن فَلْس في [الاصطلاح: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده، وهو عقليٌّ، كالحياة للعلم، ولغويٌّ: كإنْ دخلتِ الدار فأنت طالق. وشرعيٌّ: كالطهارة للصلاة (إلَّا النيَّة)، (^٢) فإنَّها لا تتقدَّمُ على الصلاة، بل الأفضلُ أنْ تقارنَ تكبيرةَ الإحرامِ، فلا يضرُّ تقدُّمُها بيسيرٍ، حيثُ كانَ في وقتِ أداء وراتبة؛ لأن ما قاربَ الشيءَ، أُعطِيَ حكمَه.
(وهي) أي: شروطُ الصلاةِ مع ما ينضمُّ إليها ممَّا ذُكِر من شروطِ الوضوءِ (تسعةٌ: إسلامٌ) لاشتراطِ النيَّةِ للصلاة، مع أن نيَّةَ الكافرِ لا تصحُّ. ح ف.
_________________
(١) "المطلع" ص ٥٤.
(٢) هاهنا في المخطوط سقط وانقطاع في الكلام، وما بين حاصرتين استدرك من "معونة أولي النهى" ١/ ٥٤٧، وينظر "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي ١/ ٢٧٧، ووقع في عبارة مطبوع "المعونة" خطأ في تعريف الشرط اصطلاحًا.
[ ٢ / ٥٧ ]
منها: الطهارةُ، وتقدَّمت. ومنها: الوقتُ،
وعقلٌ، وتمييزٌ، وهذه شروطٌ في كلِّ عبادةٍ إلا التمييزَ في الحجِّ، ويأتي، ولذا لم يذكرْها كثيرٌ من الأصحاب هنا.
والرابعُ: ما أشار إليه بقوله: (منها) أي: من شروطِ الصلاة (الطَّهارةُ) من الحَدث والخَبَث؛ لحديث: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ بغيرِ طُهور" رواه مسلم (^١). (وتقدَّمت) الطهارةُ مفصَّلةً.
(و) الخامس: ما أشار إليه بقوله: (منها) دخولُ (الوقت) لصلاةٍ مؤقَّتةٍ كما هو المقصودُ هنا. قال عمرُ: الصلاةُ لها وقت شَرَطَه اللهُ لها، لا تصحُّ إلا به (^٢). وهو
(وعقلٌ وتمييزٌ) لأنَّ المجنونَ ومنْ دونَ التمييزِ لا قصد لهما، فلا تصحُّ نيَّتُهما، فلا تصحُّ صلاتُهما. ح ف.
(وهذه شروطٌ في كلِّ عبادةٍ) ولذلك أسقطَها في "المقنع" (^٣) وغيرِه، (إلَّا التمييز في الحجِّ) فإنه يصحُّ ممَّن لمْ يميِّز، ولو أنَّه ابنُ ساعةٍ، ويحرِمُ عنه وليُّهُ، كما يأتي. مصنِّف (^٤).
(وتقدَّمتِ الطهارةُ مفصَّلَةً) الوضوءُ ونواقضُه، والغسلُ وموجباتُه، والتيمُّم.
(دخولُ الوقت) وتجبُ بأوَّلِه وجوبًا موسَّعًا. نصَّ عليه. فدخولُ وقتٍ لصلاةٍ مؤقَّتَةٍ ولو منذورةً بوقتٍ معيَّنٍ سببُ وجوبِ الصلاة؛ لأنَّها تضافُ إليه، والإضافةُ تدلُّ على السببيَّةِ، وتتكرَّرُ بتكرُّرِه، وهو سببُ نفسِ الوجوب، إذْ سببُ وجوبِ الأداءِ الخطابُ، والخطابُ بدخول الوقت.
قال في "الإنصاف": السببُ قد يجتمعُ مع الشرط، وإنْ كان قد ينفكُّ عنه، فهو هنا
_________________
(١) برقم: (٢٢٤)، وهو عند أحمد (٤٧٠٠) عن ابن عمر ﵄.
(٢) رواه ابن حزم في "المحلى" ٢/ ٢٣٩، وإسناده منقطع.
(٣) ١/ ١٢٣.
(٤) "كشاف القناع" ١/ ٢٤٨.
[ ٢ / ٥٨ ]
فوقتُ الظهر:
المذكورُ في حديثِ جبريلَ، حين أمَّ النبيَّ ﷺ في الصلوات الخمس، ثمَّ قال: "يا محمد، هذا وقتُ الأنبياءِ من قبلك" (^١).
(فوقتُ الظهر)
سببٌ للوجوب (^٢). فرتَّبَ عليه حكمُه عندَ وجودِه، وشَرطٌ للوجوب، بخلافِ غيرِه من الشروط؛ فإنَّها شرطٌ للأداءِ فقط. أفادُه الدنوشري.
("هذا وقتُ الأنبياء من قبلِك") فيه نظرٌ، فإن الخمسَ لم تجتمعْ لغيرِ نبيِّنَا محمدٍ ﷺ؟ ويجابُ: بأنَّ جميعَ هذه الأوقاتِ إنَّما هي للنبيِّ ﷺ، وأما كلُّ فردٍ منها على حِدَتِه، فلا يُنَافي أنه كان لغيره؛ لما وردَ: أن الصبحَ لآدمَ ﵇، والظهرَ لداودَ ﵇، والعصرَ لسليمان، والمغربَ ليعقوب، والعشاءَ ليونسَ.
(فوقت الظهر) هي لغة: الوقتُ بعدَ الزوال، وشرعًا: اسمٌ لصلاةِ هذا الوقتِ، فهي من تسميةِ الشيءِ باسمِ وقتِه، فقولنا: صلاةُ الظهر، أي: صلاةُ هذا الوقتِ، وكذا الباقي. واشتقاقُها من الظهور، قيل: لأنَّها أوَّلُ صلاةٍ ظهرَت حينَ صلَّاها جبريلُ بالنبيِّ ﷺ. وقيل: لأنَّها ظاهرةٌ وسط النَّهار. وقيل: لأن وقتها أظهرُ الأوقاتِ، من الظهور، وهو الارتفاع؛ لأنَّها تُفْعَلُ بعد نهايةِ ارتفاعِ الشمس، وتسمَّى أيضًا الهجير؛ لفعلِهَا وقتَ الهاجرة، وبدأَ بها المؤلِّفُ ﵀ تبعًا لـ "التنقيح"، والخرقي، ومعظمِ الأصحاب؛ لبداءةِ جبريلَ بها لمَّا صلَّى بالنبيِّ ﷺ.
قال في "المبدع" (^٣): وحكمَةُ البداءةِ بها إشارةٌ منه إلى أن هذا الدينَ ظهرَ أمرُه، وسطعَ نورُه من غيرِ خَفَاءٍ، وفي الختمِ بالفجرِ إشارةٌ إلى أن هذا الدينَ في آخرِ الزمانِ يضعُفُ. دنوشري مع زيادة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٣)، والترمذى (١٤٩)، وهو عند أحمد (٣٠٨١) عن ابن عباس ﵄. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي الباب عن جابر ﵁ أخرجه الترمذي (١٥٠)، وهو عند أحمد (١٤٥٣٨)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) "الإنصاف" ٢/ ١٢٤.
(٣) ١/ ٣٣٦.
[ ٢ / ٥٩ ]
من الزَّوالِ إلى مساواةِ الشاخصِ
وهي الأولى (من الزَّوال) أي: ميلِ الشمس إلى المغرب، ويستمرُّ (إلى مساواةِ الشاخصِ) أي: المرتفع
(وهي الأُولَى) لأنَّها أوَّلُ الخمسِ افتراضًا، وبها بدأَ جبريلُ حين أمَّ بالنبيِّ ﷺ عندَ البيتِ (^١)، وبها بدأَ الصحابةُ حينَ سُئلوا عن الأوقات. قال القاضي عياض (^٢): وهو اسمُها المعروف.
فإنْ (^٣) قيل: إيجابُها كانَ ليلًا، وأوَّلُ صلاةٍ توجد [بعد] ذلك الفجرُ، فلم لا بدأَ بها جبريل؟
أجيب: بأنَّه يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ قد وقعَ تصريحٌ بأنَّ أوَّلَ وجوبِ الخمسِ من الظهر، ويَحتمِلُ أن الإتيانَ بها متوقِّفٌ على بيانِها؛ لأنَّ الصلواتِ فُرِضَتْ مجملةً، ولم تُبَيَّنْ إلَّا عند الظهر. ح ف.
(من الزوال) لحديثِ جابر: أن النبيِّ ﷺ جاءَه جبريلُ، فقال: قُمْ فصلِّه. فصلَّى الظهرَ حينَ زالتِ الشمسُ، ثمَّ جاءَه من الغد فقال: قُمْ فصلِّه. فصلَّى الظهرَ، حينَ صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، ثم قال: ما بين هذين وقتٌ. رواه الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ (^٤)، وقال البخاريُّ: هو أصحُّ شيءٍ في المواقيت. ح ف. (أي: ميل الشمسِ الى المغربِ) تفسيرٌ لحقيقَةِ الزوال؛ لأنَّه ميلُ الشمسِ الى جهةِ المغربِ عن وسطِ السماء، المسمَّى بالاستواءِ ويعرَفُ ميلُه بما ذكرهُ المصنِّف؛ لأنَّه إذا طلعتِ الشمسُ، رُفِع لكلِّ شاخصٍ (^٥) ظل في جانبِ المغربِ، ثمَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢١)، ومسلم (٦١٠): (١٦٧) من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.
(٢) في "مشارق الأنوار" ١/ ٥١.
(٣) في الأصل: "إن"، والتصويب من "كشاف القناع" ١/ ٢٤٩، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٤) "مسند" أحمد (١٤٥٣٨)، و"سنن" الترمذي (١٥٠)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. اهـ. وكلام البخاريِّ الآتي منه.
(٥) في الأصل: "شخص".
[ ٢ / ٦٠ ]
ظلَّه بعد ظلِّ الزوال.
(ظلَّه بعد ظلِّ الزوال) أي: بعد الظلِّ الذي زالتْ عليه الشمسُ، فإنَّ الشمسَ إذا طَلعتْ، رُفِع لكلِّ شاخصٍ ظلٌّ طويلٌ من جانب المغرب، ثمَّ ما دامتِ الشمسُ ترتفع، فالظلُّ ينقص، فإذا انتهتِ الشمسُ إلى وسطِ السماء -وهي حالةُ الاستواء- انتهى نقصانُه، فإذا زادَ الظلُّ أَدْنَى زيادة، دلَّ على الزوال.
قال ابنُ قُتيبة (^١): الظلُّ يكون غَدْوةً وعشيَّةً، والفيءُ لا يكون إلا بعد الزَّوال؛ لأنَّه فاءَ،
ما دامتِ الشمسُ ترتفعُ، فالظلُّ ينقصُ، فإذا انتهتِ الشمسُ إلى وسطِ السماء، انتهى نقصانُه، فإذا زادَ الظلُّ أدنَى زيادةٍ فهو إذن ميلُها عن وسطِ السماءِ، وهو الزوال. مصنِّف (^٢).
والظلُّ أصلُه الستر، ومنه: إنَّا في ظلِّ فلانٍ. ومنه: ظلُّ الجنَّةِ، وظلُّ شجرِها. وظلُّ الليلِ: سوادُه. وظلُّ الشمسِ: ما سترَ الشخوصُ من سقطها. ذكره ابن قتيبة (^٢). مصنِّف (^٣). (دَلَّ على الزوالِ) وهو وقتٌ دقيقٌ جدًّا لا يكادُ يُدْرَكُ؛ لخفائِه ودقَّتِه، وَيقْصُر الظلُّ في قُطرِ مصرَ في الصيفِ؛ لارتفاعِها إلى الجوِّ، ويطول في الشتاء، لأنَّها لا ترتفعُ في قبَّةِ الفلك. دنوشري.
(قال ابن قتيبة … إلخ) هذا دليلٌ على أن وقتَ الظهرِ من الزوال.
(لأنَّه فَاءَ) تعليلٌ لقولِه: (لا يكون إلَّا بعدَ الزوال)، يعني أن الفيءَ مأخوذٌ من فَاءَ إذا رجعَ؛ لأنَّه ذهبَ ثمَّ رجعَ، إذْ بعد وقوف الظلٌ في كبد السماء رجع بزيادتِه بما ذُكِر.
_________________
(١) في "تفسير غريب القرآن" ص ٢٤٣. وابن قتيبة هو: العلَّامة الكبير، ذو الفنون، أبو محمد، عبد الله ابن سلم بن قتيبة الدِّينوري، صاحب التصانيف، منها: "غريب القرآن"، و"غريب الحديث"، و"تأويل مشكل القرآن"، و"عيون الأخبار". (ت ٢٧٦ هـ). "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٢٩٦ - ٣٠٢.
(٢) في "أدب الكاتب" ص ٢٦ - ٢٧، وجاءت العبارة الأخيرة فيه كالتالي: "معنى ظل الشمس ما سترته الشخوصُ من مسقطها".
(٣) "كشاف القناع" ١/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٦١ ]
وتعجيلُها أفضلُ إلا في شِدَّة حرٍّ حتى ينكسرَ، ولو صلَّى وحدَه، أو مع غَيْمٍ لمن يصلِّي جماعةً.
أي: رجع من جانبٍ إلى جانب. انتهى. ويختلف ظلُّ الزوال، أي: الموجود لكلِّ شاخصٍ وقتَ الزوال بشهر وبلد.
(وتعجيلها) أي: الظهر بصلاتها أوَّلَ الوقت (أفضلُ) وتحصلُ فضيلتُه بالتأهُّب أوَّلَ الوقت (إلا في شدَّة حرٍّ) فيُسْتَحَبُّ التأخيرُ (حتى ينكسِرَ) الحرُّ؛ لحديث: "أبرِدُوا بالظهر" (^١) (ولو صلَّى وحده) يعني أنَّه يُسَنُّ تأخيرُ الظهرِ في شدَّة الحرِّ للجماعةِ والمنفردِ؛ لعذرٍ، كمرضٍ. وليس المرادُ أنَّه يتركُ الجماعةَ، ويؤخِّر وحدَه كما قد بتوهَّم؛ إذ لا يُترك واجبٌ لسُنَّة. ويؤيِّد ما ذكرناه قولُه كغيره: (أو مع غَيْمٍ لِمن يصلِّي جماعةً) أي: فيستحبُّ تأخيرُ الجماعةِ الظهرَ لقُرْبِ وقتِ عَصْرٍ؛ ليسهلَ الخروجُ لهما معًا. وهذا كلُّه في غيرِ الجمعةِ، فيُسَنُّ تقديمُها مطلقًا.
وقولُه: (من جانب) أي: جانب المغربِ، بدليل صَدْر عبارة الشَّارح.
وقوله: (إلى جانب) أي: جانبِ المشرق، صحَّ؛ بدليلِ قول السَّامُريِّ في القولة التي تلي هذه. (بشهر) جارٌّ ومجرورٌ، متعلِّقٌ بقولِه: (ويختلفُ ظلُّ الزوالِ) أي: ويختلفُ ظلُّ الزوالِ بالشهرِ والبلدِ، فيختلفُ قدرُ الظِّل الذي تزولُ عنه الشمسُ بالشهرِ؛ لأنَّه كلَّما طالَ النهارُ، قَصُر الظلُّ، وعكسه، فيقصرُ الظِّلُّ في الصيفِ؛ لارتفاعِها الى الجوِّ، ويطولُ في الشتاءِ، لمسامتتها للمنتصِف، ويقصرُ الظلُّ جدًّا في كلِّ بلدٍ تحتَ وسطِ الفلك، وذكرَ السامريُّ وغيره أن ما كانَ من البلادِ تحتَ وسطِ الفلِك، مثلُ مكَّةَ وصنعاءَ، في يومٍ واحدٍ، وهو أطولُ أيَّام السنةِ، لا ظلَّ ولا فيءَ لوقتِ الزوال، بل يُعْرَفُ الزوال هناكَ، بأنْ يظهرَ للشخصِ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٣٨)، وأحمد (١١٤٩٠) عن أبي سعبد الخدري ﵁. وأخرجه البخاري (٥٣٣)، ومسلم (٦١٥)، وأحمد (٩١٩٢) عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "إذا اشتدَّ الحر، فأبردوا بالصلاة؛ فإنّ الحر من فيح جهنم".
[ ٢ / ٦٢ ]
ويليه وقتُ العصرِ: إلى مصيرِ الظلِّ مِثْلَيْه بعد ظلِّ الزوالِ، ووقتُ الضرورة إلى غروبِها.
ويسنُّ تعجيلُها مطلقًا.
(ويليه) أي: وقتَ الظُّهْر (وقتُ العصرِ) المختارُ من غيرِ فَصْلٍ بينهما، ويستمرُّ (إلى مصيرِ الظِّلِّ مِثْلَيه، بعد ظِلِّ الزَّوال) إن كان كما هو المرادُ حيث قيِّد به (ووقت الضرورةِ إلى غروبِها) أي: غروبِ الشمس، فالصلاةُ فيه أداءٌ، لكنْ يأثَمُ بالتأخير إليهِ بلا عُذْرٍ.
(ويسَنُّ تعجيلُها) أي: العصرِ (مطلقًا) أي: مع حَرٍّ أو غَنمٍ أو غيرِهما،
فيءٌ من نحو المشرِق؛ للعلمِ بأنَّها قد أخذتْ مُغَرِّبةً. فأقلُّ قدرِ ظلِّ الزوالِ، إذا كانَ الشاخصُ بإقليمِ الشامِ والعراقِ قدمٌ وثلثٌ، بقدمِ الآدميِّ، في نصفِ حزيرانَ، وما قاربهُ من الأيَّام ممَّا قبلَه وما بعدَه، وذلك مقارِبٌ لأطولِ أيَّام السنةِ، وأطولُها سابعَ عشرَ حزيران، ويتزايدُ ظلُّ الزوالِ بتقاصرِ النهار، فينتهي إلى عشرةِ أقدامِ وسدسٍ في نصفِ كانونَ الأول، وذلك [مقاربٌ لأقصرِ أيام السَّنة، وأقصرُها سابعَ عشر كانون الأول.
(ويسنُّ تعجيلها) أي: العصر؛ لما روى أبو] (^١) برزَةَ الأسلميُّ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يصلِّي العصرَ، ثمَّ يرجعُ أحدُنا إلى رحله في أقصى المدينة، والشمس حيَّةٌ (^٢). ولأنَّ المبادرة إلى امتثالِ الأوامرِ أوْلَى عند العقلاءِ، وأحوطُ في تحصيلِ المأمورِ به؛ لكثرةِ آفات التأخير.
قال الشيخ تقيُّ الدينِ (^٣): الصلاةُ في أوَّلِ الوقتِ أفضلُ، إلَّا إذا كانَ في التأخيرِ مصلحةٌ راجحةٌ، كما في هذا الباب مفصَّلًا، والأحاديث الثابتةُ تدلُّ على هذا، فمنها: ما رَوى الترمذيُّ مرفوعًا: أنَّه قال: "الوقتُ الأوَّلُ من الصلاةِ رضوانُ الله، والوقتُ الآخرُ عفو
_________________
(١) هاهنا في الأصل سقط وانقطاع في الكلام، وما بين حاصرتين استدرك من "كشاف القناع" ١/ ٢٥١.
(٢) أخرجه البخاري (٥٤٧). وهو أيضًا بنحوه عند مسلم (٦٤٧): (٢٣٥).
(٣) في "الاختيارات" ص ٥٢.
[ ٢ / ٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهي الصلاةُ الوسطى، أي: الفُضْلَى.
الله" (^١). مع زيادة.
(وهي الصلاةُ الوسطى) الوسطى مؤنَّثُ الأوسط، بمعنى الخيار، وفي صفةِ النبيِّ ﷺ أنَّه كان من أوَسطِ قومِه (^٢). أي: خيارِهم، وليسَ بمعنى متوسِّطة لكونِ الظُّهرِ هي الأُولى، بل بمعنىَ الفُضْلَى، كما في "المبدع" لكن قال ابنُ قندس: من جعلَ الفجر الأولى، فالعصرُ على قوله: الوسطى، ظاهرٌ؛ لأنَّ صلاتينِ قبلَها وصلاتين بعدَها، فهي بينَ أربعٍ، ومَن جعل الظُّهر أُولى، فوجهُ كونِ العصرِ الوسطى أنَّها صلاةٌ بين صلاتين إحداهُما أوَّلُ صلاةِ النهار، والأخرى أوَّلُ صلاةِ الليل.
والدليل على كونها الوسطى ما في الصحيحين: أن النبيِّ ﷺ قال: "شغلونَا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" (^٣). ولمسلم (^٤): "شغلونا عن الصلاةِ الوسطى، صلاةِ العصرِ" وفي مصحفِ عائشة: "وصلاة العصر" بدل: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوسْطَى﴾ (^٥) [البقرة: ٢٣٨]، وهو مذهبُ أكثرِ العلماءِ من الصحابةِ وغيرهم.
_________________
(١) "سنن" الترمذي (١٧٢) من حديث ابن عمر ﵁. قال الترمذي: هذا حديث غريب. وأخرجه أيضًا البيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ٤٣٥ من طريق أحمد بن منيع شيخ الترمذي، ونقل البيهقي عن أبي أحمد بن عدى أنه قال: هذا الحديث بهذا الإسناد باطل. ثم قال البيهقي: هذا حديث يعرف بيعقوب بن الوليد المدني، ويعقوب منكر الحديث، ضعفه يحيى ابن معين، وكذبه أحمد بن حنبل وسائر الحفاظ، ونسبوه إلى الوضع، نعوذ بالله من الخذلان، وقد روي بأسانيد أخر كلُّها ضعيفة. اهـ. وأخرجه ابن الجوزى في "العلل المتناهية" ١/ ٣٨٨ وقال: هذا حديث لا يصح، ما رواه إلا يعقوب، وكان يضع الحديث على الثقات. قال يحيى: ليس بشيء. وقال أحمد: كان من الكذاببن الكبار.
(٢) أخرج الحاكم في "مستدركه" ٢/ ٤٤٤ من حديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ كان أوسط بيت في قريش، ليس بطن من بطونهم إلَّا قد ولده … الحديث. قال الحاكم: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" ١/ ١٨٥ بلفظ: كان واسط النسب في قريش.
(٣) صحيح، البخاري (٢٦٣١)، و"صحيح" مسلم (٦٢٧) من حديت علي ﵁.
(٤) في "صحيحه" (٦٢٨).
(٥) أخرجه الطبرى في "تفسيره" ٤/ ٣٤٥. وينظر "مختصر شواذ القرآن" لابن خالويه ص ١٥.
[ ٢ / ٦٤ ]
ويليه وقتُ المغرب: إلى مغيبِ الحُمْرَة،
(ويليه) أي: وقتَ الضرورةِ للعَصْر (وقتُ المغرب) وهي وِتْرُ النَّهار، ويمتدُّ (إلى مَغِيْبِ الحُمْرة) أي: الشفقِ الأحمرِ.
وذكر الحافظُ ابنُ حجر في "شرح" البخاري فيها عشرين قولًا، وهي: صلاةُ العصر، صلاةُ المغرب، صلاة العشاء، صلاة الفجر، صلاة الظهر، جميعُها، واحدةٌ غيرُ معينة، التوقُّفُ، الجمعةُ، الظهرُ في الأيَّام والجمعةُ في يومها، الصبح والعشاء (^١)، الصبح أو العصر على الترديد، صلاةُ الجماعة، صلاةُ الخوفِ، صلاة عيدِ النحرِ، صلاةُ عيدِ الفطرِ، الوترُ، صلاة الضُّحى، صلاةُ الليل (^٢). أفاده الحفيد.
(وقت المغرب) وهو مصدرُ غَربتِ الشمسُ، بفتحِ الرَّاء، وضمِّها، غروبًا ومغربًا، وهي لغَة تطلقُ على وقتِ الغروبِ، ومكانِه، فتسمَّى بذلكَ لفعلِها في هذا الوقتِ؛ لحديث: "ثمَّ أتاني جبريل حين سَقَطَ القُرْصُ، فقال: قم فصلِّه". رواه الدارقطني (^٣). ح ف مع زيادة. (وهي وتر النهار) ليسَ مرادُه الوترَ المشهور، بل إنَّها وترٌ؛ لكونِها ثلاث ركعاتٍ، وقيل لها وترُ النهار، مع أنَّها تُفعَل في الليل، لكونها قريبة منه. دنوشري.
(أي: الشفق الأحمر) أي: في الحضرِ والسفرِ، وخرجَ بالأحمرِ الأصفرُ والأبيضُ، إذ (^٤) الشمسُ أوَّلَ ما تغربُ يعقُبها شعاعٌ، فإذا بَعُدَت عن الأفقِ قليلًا، زالَ الشعاعُ، وبقيتْ حمرةٌ، ثمَّ ترقُّ الحمرةُ فتنقلبُ صفرةً ثم بياضًا، على حَسَب البعدِ، ولأنَّ ما قبلَ مغيبِ
_________________
(١) في الأصل: "الصبح أو العشاء". والتصويب من "فتح الباري".
(٢) ومجموع الأقوال التي ذكرها صاحب الحاشية هنا تسعة عشر قولًا، والقول المتمم لعدَّتها، كما في "فتح الباري" ٨/ ١٩٧: هو: "الصبح والعصر؛ لقوة الأدلة في أن كلًّا منهما قيل إنه الوسطى … ".
(٣) في "سننه" (١٠١٨) من حديث محبوب بن الجهم بن واقد مولى حذيفة بن اليمان، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وذكره. وذكره ابن حبان في "المجروحين" في ترجمة محبوب بن الجهم ٣/ ٤١ - ٤٢، وقال: يروي عن عبيد الله بن عمر الأشياء التي ليست من حديثه … ثم قال: ليس هذا الخبر من حديث نافع، ولا من حديث ابن عمر، وهو من حديث رسول الله ﷺ صحيحٌ بغير هذا اللفظ.
(٤) في الأصل: "إذا".
[ ٢ / ٦٥ ]
ويُسنُّ تعجيلُها إلا ليلةَ مزدلفةَ لمن قصدَها مُحْرِمًا.
(ويُسنُّ تعجيلها) أي: المغربِ (إلا ليلةَ مزدلفة) وهي ليلةُ يومِ النَّحر، فيُسَنُّ تأخيرُها (لمن قَصَدَها) أي: مزدلفةَ، حالَ كونِه (مُحْرِمًا) يباحُ له الجمعُ إن لم يوافِ
الشفقِ وقتٌ لاستدامِتها، ولا يُعتَبَر مغيبُ الشفقِ الأبيضِ. وقال الموفقُ (^١): يعتبر غيبوبةُ الشفقِ الأبيضِ لا لذاته، بل لعارضٍ، وهو دلالتُه على غيبوبةِ الأحمر. دنوشري وزيادة.
(ويُسَن تعجيلُها) أي: تعجيلُ المغرِب أفضلُ إلَّا لعذرٍ، إجماعًا؛ لأنَّ جبريلَ صلَّاها بالنبيِّ ﷺ في اليومين حينَ غابتِ الشمسُ (^٢)، فدل ذلكَ على أفضليَّةِ تعجيلها، ولما فيه من الخروجِ من الخلاف.
قال الإمامُ مالك رحمه الله تعالى: لها وقتٌ واحدٌ مضيَّقٌ مقدَّرٌ آخرُه بالفراغِ منها (^٣).
قال في "المبدع" (^٤): وقالت الشافية: هو عقيبَ غروبِ الشمسِ، بقدرِ ما يتطهَّر ويسترُ عورتَه، ويؤذِّنُ ويقيمُ، ويصلِّي خمسَ ركعاتٍ، الفرض والسُّنَّة (^٥). قال بعضُهم: وأكل لقمٍ يكسرُ بها الجوع. والصحيحُ عندهم أنَّه يأكلُ حتَّى يشبع. دنوشري.
(إلا ليلةَ مزدلفة) وهي ليلةُ جَمْعٍ، أي: فيستحبُّ تأخيرُها؛ ليصليها مع العشاءِ إجماعًا (^٦)؛ لفعله ﵊ (^٧). قال في "المبدع" (^٨): وسميت جَمْعًا؛ لاجتماعِ الناسِ فيها، وهي ليلةُ عيدِ الأضحى. فيسنُّ تأخيرها.
(لمن قصدها مُحرِمًا) أي: قصدَ مزدلفةَ المفهومةَ من المقام.
_________________
(١) في "المغني" ٢/ ٢٧.
(٢) سلف ص ٥٩.
(٣) ينظر "المدونة" ١/ ٥٦، و"القوانين الفقية" ص ٤٨.
(٤) ١/ ٣٤٣.
(٥) ما ذكره صاحب الحاشية نقلًا عن "المبدع" من كلام الشافعية، هو القول الجديد، وقول الشافعي في القديم: أن المغرب يبقى حتى يغيب الشفق الأحمر. قال النووي في "المنهاج" -مع "مغني المحتاج"- ١/ ١٢٣ - ١٢٢: القديم أظهر، والله أعلم.
(٦) "الإجماع" لابن المنذر ص ٥١.
(٧) أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" (١٢١٨) في الحديث الطويل، الذي فيه حجة النبي ﷺ.
(٨) ١/ ٣٤٤.
[ ٢ / ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مزدلفةَ وقتَ الغُرُوب، فيصلي المغربَ في وقتِها ولا يؤخّر. وكذا يؤخَّر المغربُ في غَيمٍ لمصلِّ جماعةً، وفي جَمْع إن كان أرفق (^١).
قال في "الفروع": إلا ليلةَ مزدلفة لمُحرِمٍ قَصَدَها (^٢)؛ ليصليَها مع العشاءِ الأخيرةِ إجماعًا؛ لفعلِ النبيِّ ﷺ، وكلامُهم يقتضي أنه لو دفعَ من عرفةَ قبلَ المغربِ، وحَصَلَ بالمزدلفةِ وقت الغروبِ، لم يؤخِّرها، ويصلِّيها في وقتِها. وقد نبَّه على ذلك الشارحُ بقوله: "إنْ لم يواف مزدلفةَ وقت الغروب"، كما قاله في "الفروع" (^٣): قال: وكلامُ القاضي يقتضي الموافقة، وهو واضحٌ. دنوشري.
(وكذا يؤخَّرُ المغربُ في غيمٍ لمصلٍّ جماعةً) فيسنُّ في حقِّه التأخيرُ؛ ليقربَ من وقتِ الثانية، لكن يخرجُ لهما خروجًا واحدًا طلبًا للأسهلِ المطلوبِ شرعًا، كما تقدَّمَ في الظهر.
(وفي جمعٍ) أي: وإلَّا في جمعٍ غير جمع مزدلفة، فإنَّ الأفضل جمعُ التأخيرِ مطلقًا حيثُ جازَ الجمعُ، بأنْ لم ينوِ إقامةً أكثر من عشرينَ صلاة، أو كانَ ناويًا لسفرِ القصرِ من عرفةَ، أو كان له عذرٌ مبيحٌ للجمعِ بين العشاءَين، كمطرٍ يبلُّ الثياب، ووَحلٍ وريحٍ شديدةٍ باردةٍ بليلةٍ مظلمةٍ.
(إنْ كانَ أرفقَ) أي: إن كانَ تأخيرُها ليصليَها في وقتِ العشاءِ أرفقَ له من تعجيل العشاء في وقتِ المغرب، فإنَّه يسنُّ له التأخيرُ؛ لأنَّ المستحبَّ في حقِّهِ فعلُ الأرفقِ بهِ، من تأخيرِ الأُولى إلى وقتِ الثانية، وتقديمِ الثانيةِ إلى وقت الأولى.
"فائدة": لا يكرهُ تسميةُ المغربِ بالعشاءِ، ولا بالعَتَمَةِ، وبالمغربِ أولى. دنوشري.
_________________
(١) أي: وفي جمع تأخير إن كان جمعُ التأخير أرفق. "منتهى الإرادات" ١/ ١٥٢.
(٢) "الفروع" ١/ ٤٣١.
(٣) ١/ ٤٣٢ - ٤٣١.
[ ٢ / ٦٧ ]
ويليه وقتُ العشاء: إلى ثلثِ الليلِ، وتأخيرها أفضلُ إن سَهُلَ، ثم هو وقتُ ضرورةٍ إلى الفجر الثاني، وهو البياضُ المعترضُ بالمشرق.
ويليه وقتُ الفجرِ: إلى طلوع الشمسِ، وتعجيلُها أفضلُ.
(ويليه) أي: وقتَ المغرب (وقتُ العشاء) ويمتدُّ وقتُها المختار (إلى ثُلُثُ الليل) الأوَّلِ من الغروب. (وتأخيرُها) أي: العشاءِ ليصليها في آخر المختار (أفضلُ ان سهُل) فإِنْ شقَّ ولو على بعضِ المأمومين، كُرِه. ويُكْرَهُ النَّومُ قبلَها، والحديثُ بعدَها إلا يسيرًا، أو لشغلٍ، وأهلٍ (ثمَّ هو) أي: الوقتُ بعدَ ثُلُثِ الليل (وقتُ ضرورة) يَحْرُم تأخيرُها إليه بلا عُذر (إلى) طلوع (الفَجْرِ الثاني، وهو: البياضُ المعترضُ بالمشرق) ولا ظلمةَ بعده، ويقال له: الفَجْرُ الصَّادِق. والأوَّل، ويقال له: الكاذبُ، مستطيلٌ أزرقُ، له شعاعٌ، ثمَّ يُظلم.
(ويليه) أي: وقتَ الضرورة للعشاء (وقتُ الفَجْرِ) من طلوعِه (إلى طلوعِ الشمس، وتعجيلُها) أي: الفجرِ (أفضلُ) مطلقًا. ويجب تأخيرٌ؛ لتعلُّم فاتحة، وذِكرٍ واجبٍ أمْكَنَ تعلُّمُه في الوقت. وكذا لو أَمره به والدُه ليصلِّي به، فلا يُكره أَنْ يؤمَّ أباه. وسُنَّ لنَحْوِ حاقِنٍ (^١) مَعَ سعةِ الوقت.
(أي: وقتَ المغرب) تفسيرٌ للضميرِ، أي: ويلي وقتَ المغربِ الوقتُ المختارُ للعشاءِ، بالكسر والمدِّ، وهو اسمٌ لأوَّلِ الظلام، سُمِّيتِ الصلاةُ بذلك؛ لأنَّها تُفعَل فيه، ويقال لها: عشاءَ الآخرة، وأنكرهُ الأصمعيُّ، وغَلَّطُوه في إنكارِه (^٢).
(ويمتدُّ وقتُها المختارُ إلى ثلثِ الليلِ الأوَّل) قال في "المبدع": لأنَّ جبريل صلَّاها بالنبيِّ ﷺ في الليلة (^٣).
_________________
(١) أي: حابسٍ بولَه. "المصباح المنير" (حقن).
(٢) ينظر "المجموع" ٣/ ٤٣، و"شرح مسلم" للنووي ٤/ ١٦٤.
(٣) في هذا الموضع انتهى ما وقفنا عليه من الأصل الخطي للفتح، ولهذا سيقتصر من هنا فصاعدًا على كتابَي "العمدة" و"الهداية" وحتى آخر الكتاب.
[ ٢ / ٦٨ ]
ويدْرك أداء صلاةٍ بإحرامٍ في وقتها.
ومَن شَكَّ في دخولِ وقتٍ، لم يُصَلِّ حتى يَغلِبَ على ظنِّه دخولُه باجتهادٍ أو إخبارِ عارفٍ، وإن تبيَّن أنَّه قَبْلَه، أَعاد، ومن صار أهلًا قبل خروجِ وقتها، لزمتْه، وما يُجمَع إليها قَبْلَها.
(ويُدْركُ أداء صلاةٍ) حتى جمعة (بـ) تكبيرةِ (إحرامٍ في وقتها) فإذا كبَّر للإِحْرامِ قَبْلَ طلوعِ الشمس أو غُروبِها، كانت كلُّها أداء حتى لو كان التأخيرُ لغيرِ عُذْر، لكنْ يأثم.
(ومَنْ شَكَّ في دخول وقت) صلاةٍ؛ ولم يمكنْه مشاهدةُ ما يعرفُ به الوقت؛ لعمًى أو غيرِه (لم يصلِّ حتى يغلبَ على ظنِّه دخولُه) أي: الوقت (باجتهادٍ) ونَظَرٍ في الأدلَّة، أو لَه صنعةٌ، وجَرَتْ عادتُه بعملِ شيءٍ مقدَّر إلى وقتِ الصلاة. ويُستحَبُّ له التأخيرُ حتى يتيقَّن، فإِنْ صلَّى مع الشَّكِّ، أعادَ مطلقًا؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه. (أو) بـ (إخبارِ) ثقةٍ (عارفٍ) بالوقت عن يقينٍ، كأن يقولَ: رأيتُ الفجرَ طالعًا، أو: الشَّفقَ غائبًا. فيجبُ العملُ به. فإنْ أَخبره عن ظنٍّ، لم يَعمل به، ويعمل بأذانِ ثقةٍ عارفٍ.
(وإن) أَحْرم باجتهادٍ، فـ (تبيَّن أنَّه) أي: إحرامَه (قبلَه) أي: قبل الوقتِ (أعاد) لوقوع ما صلَّاهُ نفلًا، وبقاءِ فرضه عليه.
وعُلم منه أنَّه إنْ لم يتبيَّنْ له الخطأ، فلا إعادةَ. وإذا دخل وقتُ فريضةٍ بقدر تكبيرة، ثمَّ طرأ مانعٌ، كجنونٍ وحيضٍ، قُضيت.
(ومن صار أهلًا) لوجوبِها بأن بلغَ صبيٌّ، أو أسلمَ كافرٌ، أو أفاقَ مجنونٌ، أو طهُرتْ حائضٌ، أو نفساءُ (قبل خروجِ وقتِها) أي: وقتِ الصلاة، بأن وجدَ ذلك قبلَ الغروب مثلًا، ولو بقدرِ تكبيرة (لزمتْه) أي: العصرُ في المثال المذكور (و) لزمَه (ما يُجمع إليها قبلَها) وهو الظهر. وكذا لو كان ذلك قبلَ الفجرِ، لزمته العشاءُ والمغرب؛ لأنَّ وقتَ الثانية وقتٌ للأولى حالَ العُذْرِ، فإذا أدركَه المعذورُ، فكأنَّه أدركَ وقتَها.
[ ٢ / ٦٩ ]
ويجب قضاءُ فائتةٍ فأكثر فورًا مرتَّبًا إلا إذا نَسِيَهُ أو خشيَ خروجَ وقتِ اختيار.
ومنها: ستر العورة، فيجب بما لا يَصِفُ البشرةَ.
(وبجبُ) على مكلَّف لا مانعَ به (قضاءُ فائتةٍ فأكثر) من الخمس (فورًا) ما لم ينضرَّ في بدنِه، أو معيشةٍ يحتاجها، أو يحضر لصلاةِ عيدٍ (مرتَّبًا) ولو كثرت. وسُن صلاتُها جماعةً (إلا إذا نسيَه) أي: الترتيبَ بين الفوائت حالَ قضائها، أو بين حاضرةٍ وفائتةٍ حتى فرغَ من الحاضرة، فيسقُطُ الترتيبُ بالنِّسيان؛ للعُذرِ، ولا يسقطُ بجهلِ وجوبه (أو خشيَ خروجَ وقتِ اختيار) الحاضرة فيقدِّمُها، ويسقطُ الترتيب؛ لأنَّها آكدُ، ولا يجوزُ تأخيرُها عن وقتِ الجواز. ويجوزُ تأخيرٌ لغرضٍ صحيح، كانتظارِ رفقةٍ، أو جماعةٍ لها. ومَن شَكَّ فيما عليه مِنْ فوائتَ، وتيقَّن سبقَ الوجوبِ، أبرأ ذمَّتَه يقينًا. وان لم يعلم وقتَ الوجوب، فممَّا تيقَّن وجوبَه.
والسادس من الشروط: ما أشار إليه بقوله: (ومنها سترُ العورة) قال ابنُ عبدِ البَرِّ (^١): أجمعوا على فسادِ صلاةِ من تَرَكَ ثوبَه، وهو قادرٌ على الاستتارِ به، وصلَّى عريانًا. والسَّتر -بفتح السين-: التغطيةُ. وبكسرها: ما يستر به. والعورةُ لغةً: النقصانُ، والشيءُ المستقبَح، ومنه: كلمةٌ عوراء، أي: قبيحة. وشرعًا: القُبُلُ، والدُّبر، وكل ما يُستحيا منه (^٢)، كما يأتي.
(فيجبُ) سترُها حتى على نفسه، وفي خلوةٍ، وظلمةٍ، وخارجَ صلاة (بما لا يَصفُ البشرةَ) أي: لونَ بشرةِ العورة، من بياضٍ أو سواد؛ لأنَّ السَّتر إنَّما يحصلُ بذلك، ولا يعتبر أن لا يصفَ حجمَ العضو؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التحرُّزُ عنه، ويكفي سترٌ بغير منسوجٍ، كوَرَقٍ، وجِلْدٍ، ونباتٍ، ولا يجبُ ببَارَيَّةٍ (^٣)، وحصيرٍ، وحفيرةٍ (^٤)،
_________________
(١) في "التمهيد" ٦/ ٣٧٩.
(٢) "المطلع" ص ٦١.
(٣) الباريَّة: فارسيٌّ معرب، الحصير المنسوج التي من القصب. "اللسان" (بور).
(٤) جاء في حاشية (س) ما نصه: "الحفيرة: هي نقرة في الأرض. انتهى".
[ ٢ / ٧٠ ]
وعورةُ رجلٍ وأَمَةٍ ما بين سُرَّة ورُكبةٍ. والحرَّةُ البالغةُ كلُّها عورةٌ في الصلاة إلا وجهَها.
وتُسنُّ صلاةُ رجل في ثوبَيْن، ويجزئه في نفلٍ سترُ عورته، وفي فرض سترُها مع أَحَدِ عاتقَيْه.
وطينٍ، وماء كَدِرٍ، لعدمٍ؛ لأنَّه ليس بسترةٍ. ويُباح كشفُها لتداوٍ، وتخلٍّ، ونحوهما (^١)، ولزوجٍ، وسيِّدٍ، وزوجةٍ، وأَمَة.
(وعورةُ رجلٍ) وبالغٍ عشرًا (وأمةٍ) وأمِّ ولد، ومكاتبةٍ، ومدبَّرةٍ، ومعتَقٍ بعضُها، وحرَّةٍ مميزةٍ، ومراهقةٍ: (ما بين سُرَّةٍ وركبةٍ) وليستا من العورة. وعورةُ ابنِ سَبْعٍ إلى عَشْرٍ: الفرجان (^٢).
(والحرَّةُ) مبتدأٌ أوَّل، و(البالغةُ) صفةٌ (كلُّها) مبتدأ ثانٍ، و(عورةٌ في الصلاة) خبرُ المبتدأ الثاني، والجملة خبرُ الأول، أو كلُّها توكيدٌ للحُرَّة. وقولُه: "عورةٌ" خبرٌ لها. والمعنى: أنَّه يجبُ على الحُرَّةِ البالغةِ أن تسترَ في كلِّ صلاةٍ -فرضًا كانتْ أو نفلًا- جميعَ بدنها؛ لأنَّه عورة (إلا وجهَها) فليس عورةً في الصلاة.
(وتسنُّ صلاةُ رجل في ثوَيبْن) كقميص مع رداءٍ، أو إزارٍ، أو سراويل.
(ويُجزئه) أي: الرجلَ (في نفلٍ سترُ عورته، و) يجزئه (في فرضِ) عينٍ، أو نَذْرٍ، أو كفاية (سترُها) أي: عورته (مع) ستر (أحدِ عاتقَيْه) بلباسٍ، ولو وَصَفَ البشرةَ؛ لقوله ﷺ: "لا يصلِّي الرجلُ في الثَّوب الواحدِ ليسَ على عاتقِهِ منه شيء" رواه الشيخان عن أبي هريرة (^٣). والمرادُ بالعاتق: موضعُ الرِّداء من المَنْكِب (^٤). وقولنا:
_________________
(١) كاغتسال، وحلق عانة، وختان، ومعرفة بلوغ، وبكارة … إلخ. "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٢٩٩.
(٢) بعدها في (ح) زيادة: "وأمّا من دون سبع، لا حكم لعورته؛ لأنّ حكم الطفولية في الستر منجزٌّ عليه إلى التمييز".
(٣) "صحيح، البخاري (٣٥٩)، و"صحيح" مسلم (٥١٦)، وهو عند أحمد (٧٣٠٧).
(٤) "المطلع" ص ٦٢.
[ ٢ / ٧١ ]
وصلاتُها في قميصٍ وخمارٍ ومِلْحَفَةٍ، ويجزئ سترُ عورتها. وإن انكشفَ بعضُ عورة وفَحُشَ وطال، أو صلَّى في ثوب نَجِسٍ، أعاد.
ويُصلِّي في حرير؛ لعَدَمٍ، ومن حُبس بنَجِسٍ، ولا يعيد. ومن وَجَدَ كفايةَ عورته، سترها، وإلا
"بلباسٍ" أي: سواء كان من الثوب الذي سَتَرَ به عورتَه، أم مِنْ غيرِه، لكنْ محلُّه إذا قَدَر عليه، وإلا، فأيُّ شيء سَتَر به عاتِقَه، أجزأه.
(و) تُستحبُّ (صلاتها) أي: المرأةِ (في قميصٍ وخِمارٍ) وهو ما تضعُه على رأسِها، وتديرُه تحت حَلْقِها (^١) (ومِلْحَفَةٍ) أي: ثوبٍ تلتحفُ به. وتُكره في نِقابٍ وبُرْقُعٍ (ويجزئ) المرأةَ (سترُ عورتها) في فرض ونفل.
(وإن انكشف بعضُ عورةِ) مصلٍّ، رَجُلًا كان أو امرأةً (وفَحُشَ) المنكشفُ عُرفًا (وطال) الزمانُ، أعاد.
وعُلم منه أنَّه لو قصُر الزمنُ، أو لم يفحش المنكشفُ، لم يُعِد إن لم يتعمدْه (أو صلَّى في ثوبٍ) محرَّمٍ عليه؛ كمغصوب كلُّه أو بعضُه، وكحرير، ومنسوجٍ بذهبٍ، أو فضَّة، إن كان رجلًا واجدًا غيرَه، وصلَّى فيه عالمًا ذاكرًا، أعاد. وكذا إذا صلَّى بمكانٍ غصبٍ، أو صلَّى في ثوبٍ (نجسٍ) نجاسةً لا يُعفى عنها، ولو لعدم غيره (أعاد) الصلاةَ وجوبًا.
(ويصلِّي) عريانًا مع غَضبٍ، و(في حرير لعدم) غيرِه، ولا يعيد. وفي نجسٍ لعدمٍ، ويعيد. (و) يصلِّي (بن حُبِس بـ) محلٍّ غَصْبٍ أو (نَجسٍ، ولا يعيد) ويسجدُ على نجاسةٍ يابسةٍ، ويُومئ برطبة غايةَ ما يمكنُه، ويجلس على قدمَيْه. ولا يصحُّ نفلُ آبقٍ.
(ومن وَجَدَ كفايةَ عورتِه، ستَرَها) وجوبًا، وتركَ غيرَها، وصلَّى قائمًا؛ لأنَّ سترَها واجبٌ في غيرِ الصلاة، ففيها أولى. (وإلَّا) أي: وإن لم يجدْ ما يسترُها كلَّها، بل
_________________
(١) "المطلع" ص ٢٢.
[ ٢ / ٧٢ ]
فالفرجَيْن، فإن كفى أحدَهما، فالدُّبُر أَولى، ويُصلِّي جالسًا ندبًا يُومِئُ. ومن أُعير سترةً، قَبِلَها.
ويُصلِّي العراةُ جماعةً، وإمامهم وَسْطًا وجوبًا، وكلُّ نوعٍ وحدَه، ويُصلِّي عارٍ قاعدًا بالإيماءِ ندبًا، وإن وجَد سترةً
بعضَها (فـ) ـــــلْيَستُرِ (الفرجَيْن) لأنَّهما أفحشُ (فإن) لمْ يكفِهما، بل (كفى أحدَهما، فالدُّبُرُ أَولى) بالستر؛ لأنَّه ينفرج في الركوع والسجود، إلَّا إذا كفَتِ السترةُ منكبَه وعجُزَه فقط، فيسترهما بكونِه يسترُ معظمَ العورةِ، والمغلَّظَ منها، وسترُ المنكب لا بدل له.
(ويصلِّي) مَنْ لم يستُرْ فرجَيْه (جالسًا، ندبًا، يُومئ) بركوعٍ وسجودٍ، ولا يتربَّع، بل ينضمُّ، فلو صلَّى قائمًا وركع وسجد، جاز.
ولَزِم عريانًا تحصيلُ سترةٍ بثمنِ أو أجرةِ مِثْلٍ، أو زائدٍ يسيرًا. (ومن أُعير سترةً) ليصلِّيَ فيها (قَبِلَها) أي: وجب عليه قَبُولُها، فلا تصحُّ صلاتُه عريانًا؛ لأنَّه قادرٌ على سَترِ عورته بما لا ضرَر فيه، بخلاف الهبة؛ للمِنَّة، ولا يلزمُه استعارتُها.
(ويُصلِّي العراةُ جماعةً) وجوبًا، إذا كانوا رجالًا أحرارًا لا عذرَ لهم يبيح تركَ الجماعة؛ إذ الوجوب (^١) لا يَسْقط بفوات سُنَّة الموقف، ولأنَّهم أولى بالوجوب من أهل صلاةِ الخوف (و) يكون (إمامُهم) أي: إمامُ العراة (وسْطًا) -بسكون السين المهملة- أي: بينهم (وجوبًا) وإن لم يتساوَ مَن عن يمينِه وشمالِه، فإن تقدَّمهم، بطلتْ، ويصلُّون صفًّا واحدًا وجوبًا. لكن محلُّ ذلك ما لم يكونوا عميانًا، أو في ظلمة.
(و) يصلِّي (كلُّ نوعٍ) من رجالٍ ونساءٍ (وحدَه) لأنفسهم إنِ اتَّسع محلُّهم، فإن شقَّ، صلَّى الرجالُ، واستدبرهم النساءُ، ثمَّ عكسوا.
(ويصلِّي عارٍ) عاجزٌ عن تحصيلِ سُترة (قاعدًا بالإيماء) بركوعٍ وسجودٍ (ندبًا) في قعودِه وإيمائه، فلو صلَّى قائمًا، وركع، وسجد، جاز (وإن وَجد) مصلٍّ عريانًا (سترةً
_________________
(١) أي: وجوب صلاة الجماعة.
[ ٢ / ٧٣ ]
قريبةً في الصلاة، سَتَرَ وبَنَى، وإلَّا، ابتدأَ. وكُرِهَ في صلاةٍ سَدْلٌ، واشتمالُ الصَّمَّاءِ، وتغطيةُ وجهٍ، وتلثُّم على فمٍ وأنفٍ، ولفُّ كُمٍّ،
قريبةً) عرفًا (في) أثناء (الصلاة، سَتَر) بها عورتَه (وبَنَى) على ما مضى من صلاته (وإلَّا) أي: وإن لم يجدْها قريبةً، بل وجدها بعيدةً (ابتدأ) الصلاةَ بعد سَتْر عورته. وكذا من عَتَقَتْ فيها، واحتاجتْ إليها (^١).
(وكُره في صلاةٍ سدلٌ) وهو طرحُ ثوبٍ على كَتفَيْه، ولا يردُّ طرفَه على الأخرى (^٢). (و) كُره فيها (اشتمالُ الصَّمَّاء) بأن يضطبعَ بثوبٍ ليس عليه غيرُه (^٣).
والاضطباع: أن يجعلَ وسط الرداءِ تحت عاتقِه الأيمن، وطرفَيْه على عاتقه الأيسر (^٤). فإن كان تحته ثوبٌ غيرُه، لم يكره.
(و) كُرِهَ فيها (تغطيةُ وجهٍ) بلا سبب؛ لنهيه ﷺ "أن يغطِّيَ الرجلُ فاه" رواه أبو داود (^٥). ففيه تنبيهٌ على كراهة تغطية الوجه؛ لاشتماله على تغطية الفم.
(و) كُره فيها (تلَثُّمٌ على فَمٍ وأَنْفٍ) رُوي ذلك عن ابن عمر (^٦). وفي تغطية الفم تشبُّهٌ بفعل المجوس عند عبادتهمُ النيران.
(و) كُره فيها (لفُّ كُمِّـ) ـــه، أي: جمعُه وكفُّه أي: ليمنعه من السجودِ معه بلا
_________________
(١) قال منصور البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٣٠٩: وكذا من عتقت فيها، أي: في الصلاة، واحتاجت اليها، أي: السترةِ، بأن لم تكن مستترة كحرَّة …
(٢) "المصباح المنير" (سدل).
(٣) "المصباح المنير" (صمم).
(٤) "المصباح المنير" (ضبع).
(٥) في "سننه" (٦٤٣)، وهو عند ابن ماجه (٩٦٦) عن أبي هريرة ﵁. قال النووي في "المجموع" ٣/ ١٨٥: رواه أبو داود بإسناد فيه الحسن بن ذكوان، وقد ضعَّفه يحيى بن معين والنسائي والدارقطني، لكن روى له البخاري في "صحيحه"، وقد رواه أبو داود، ولم يضعفه، والله أعلم. اهـ.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٤٠٦٢)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧. وفي سنده: عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، كما في "التقريب" ص ٢٥٦.
[ ٢ / ٧٤ ]
وشَدُّ وَسَطٍ كزُنَّار، وتَحرُم خيلاءُ في ثوبٍ وغيرِه، وتصويرٌ واستعمالُه في غير فرش وتوسُّد.
سبب؛ لقوله ﷺ: "ولا أكفُّ شَعَرًا ولا ثوبًا" متفق عليه (^١).
(و) كُره فيها (شدُّ وسط) ـــه (كزُنَّار) أي: بما يشبه شدَّ الزُّنَّار-بضم أوله كتُفَّاح-: وهو خيطٌ غليظ تشدَّه النصارى على أوساطهم (^٢)؛ لما فيه من التشبُّهِ بأهل الكتاب. وفي الحديث: "من تشبَّه بقومٍ، فهو منهم" رواه أحمدُ وغيرُه بإسنادٍ صحيح (^٣). وكُرِهَ للمرأة شدُّ وسطها في الصلاة مطلقًا، لا لرجلٍ بما لا يشبه الزُّنَّار.
(وتحرُمُ خُيَلاءُ) بضمِّ الخاء المعجمة، وفتحِ المثناة التحتيَّة والمدِّ، والمنع من الصَّرف؛ لألف التأنيث الممدوة، ومعناه: الكِبْرُ والإعجاب (^٤) (في ثوبٍ وغيرِه) كعمامةٍ في الصلاة وخارجها في غيرِ حرب؛ لقوله ﷺ: "من جرَّ ثوبَه خُيلاءَ، لم ينظرِ اللهُ إليه" متَّفَق عليه (^٥). ويجوز الإسبالُ من غير خُيلاءَ؛ لحاجة، كسترِ قُبحٍ برِجْلٍ.
(و) يَحرُم (تصويرٌ) أي: عملُ صورةِ حيوان؛ لحديث الترمذيِّ (^٦) وصحَّحه: "نَهى رسولُ الله ﷺ عن الصورة في البيت، وأنْ تُصنع" فإنْ أُزيل منها ما لا تبقى معه حياةٌ، لم تُكْرَه.
(و) يَحرُمُ (استعمالُه) أي: المصوَّر على الذكر والأنثى (في غيرِ فرشٍ وتوسُّدٍ) فيحرمُ استعمالُه في لُبْسٍ، وتعليقٍ، وسترِ جدُر به، لا في فرش، أي: افتراشِه، ولا في توسُّده، أي: جعلِه مِخَدًّا.
_________________
(١) "صحيح" البخاري (٨٠٩)، و"صحيح" مسلم (٤٩٠)، وهو عند أحمد (٢٦٥٨) عن ابن عباس ﵄.
(٢) "اللسان" (زنر).
(٣) "مسند" أحمد (٥١١٤)، وهو عند أبي داود (٤٠٣١) عن ابن عمر ﵄.
(٤) "المطلع" ص ٦٣.
(٥) "صحيح" البخاري (٣٦٦٥)، و"صحيح" مسلم (٢٠٨٥)، وهو عند أحمد (٥٣٥١). عن ابن عمر ﵄.
(٦) في "سننه" (١٧٤٩) عن جابر ﵁.
[ ٢ / ٧٥ ]
وعلى ذَكَر ما غالبه حريرٌ ظهورًا، ومنسوجٌ بذهب أو فضَّة قبل استحالةٍ. ويُباح ما سُدِّي بإبْرِيْسَم وأُلْحِمَ بغيره،
(و) يَحرُم (على ذَكَرٍ) استعمالُ (ما) أي: منسوجٍ (غالبُه) أي: أكثرُه (حريرٌ ظهورًا) تمييزٌ محوَّل عن الفاعل، أي: ما كثر ظهورُ الحرير فيه، وزادَ على ما معه من نحو كَتَّان.
وعُلِم منه أنَّه لا يَحرُم، إذا استويا ظهورًا، أو كان الغالبُ غيرَ الحرير، ولا عبرةَ بالوزن.
(و) يحرُم على ذكرٍ (منسوجٌ بذهبٍ، أو فضَّة) أو مموَّه بأحدِهما، غير ما يأتي في الزكاة من أنواعِ الحلي (قبلَ استحالة) ما ذُكِرَ من الذَّهَب والفِضَّة، فإن تغيَّر لونُه، ولم يحصل منه شيءٌ بعَرْضِه على النَّار، لم يحرُم؛ لعدم السَّرف والخُيلاء.
(ويُبَاح) خَزٌّ، وهو (ما سُدِّيَ (^١) بإبرِيْسَم) أي؛ حرير (^٢) (وأُلحِم بغيره) أي: غيرِ الإبرِيسَم، من نحو صوفٍ أو قطن، لكنْ بشرطِ أن يكونَ الحريرُ مستتِرًا، وغيرُ الحريرِ هو الظاهر، وإلَّا، بأن ظهرَ الحريرُ، واستتر غيرُه، فهو كالمُفحَم المحرَّم، كما قال في "الاختيارات" (^٣): المنصوصُ عن أحمدَ وقدماءِ الأصحاب إباحةُ الخزِّ دون المُفحَم. قال المصنِّف (^٤): والملحَمُ: ما سُدِّيَ بغيرِ الحرير وأُلحم به. انتهى.
فالملحَمُ عكسُ الخزِّ صورةً وحكمًا، وقد اشتبه على كثيرٍ من الناس نحو الثياب البَغدادية مما يسدَّى بالحرير ويُلْحمُ بالقُطْن، لكنْ مع ظهور الحريرِ واستتار القطن، فتوهَّموا أن ذلك من الخزِّ المباح، وغفَلوا عن شرطِ الخزِّ -أعني استتارَ الحرير،
_________________
(١) السَّدَى من الثرب: ما مُدَّ منه طولًا في النسج، وهو خلاف اللُّحمة. "معجم متن اللغة" (سدي).
(٢) "المطلع" ص ٣٥٢.
(٣) ص ١١٥.
(٤) في "كشاف القناع" ٢/ ١٦٧.
[ ٢ / ٧٦ ]
وخالصٌ لحكَّة وحَرْبٍ وقَمْلٍ ومَرَضٍ.
وحَشْوٌ وعَلَمُ ثوبٍ ورِقاعٌ وسُجُفٌ، لا فوقَ أربعِ أصابع مضمومةٍ.
وكُرِهَ لرجلٍ مُعَصْفَرٌ في غيرِ إحرامٍ ومُزَعْفَرٌ.
وظهورَ غيره -وهذا الشرط لا بُدَّ منه، كما يدل عليه مواضعُ من كلامهم، كما في "حواشي الفروع" لابن قُنْدُس (^١) وغيرِها. والله أعلم.
(و) يُباحُ حريرٌ (خالصٌ، لـ) ــــضرورةٍ، و(حكَّةٍ، و) يباحُ حريرٌ في (حَرْبٍ) مباحٍ إذا تراءى الجمعان إلى انقضاءِ القتال، ولو لغيرِ حاجة (و) يباحُ حريرٌ؛ لحاجة (قَمْلٍ، ومرضٍ) يُنتفع به فيه.
(و) يباحُ من الحرير (حشو) جِباب، وفُرُش؛ لعدمِ الفَخْر والخيلاء؛ بخلافِ البِطانة. ويحرُم إلباسُ صبيٍّ ما حَرُم على رجلٍ، وتشبُّهُ رَجْلٍ بأنثى، وعكسُه في لباسٍ وغيرِه.
(و) يباحُ من حريرِ (عَلَمُ ثوبٍ) وهو طِرازُه. (و) يباحُ منه (رِقاعٌ وسُجُفٌ) نحو فِراء -بضم السين المهملة والجيم جمع سِجاف- ككتب وكتاب (^٢).
ومحلُّه: إذا كانت الثلاثةُ قدرَ أربعِ أصابعَ فأقلَّ؛ لما روَى مسلمٌ عن عمرَ: أن النبيِّ ﷺ "نَهى عن لُبس الحريرِ إلَّا موضعَ أصبعين، أو ثلاثةٍ، أو أربعةٍ" (^٣). و(لا) يباحُ من الثلاثة ما (فوق أربع أصابع مضمومةٍ) بالجرِّ، أي: مضمومٍ بعضُها إلى بعض، فتُعتبرُ الأصابعُ عَرضًا لا طولًا.
(وكُرِهَ لَرجُلٍ) ثوبٌ (مُعَصْفَر في غيرِ إحرامٍ، و) كُرِهَ لرَجُلٍ ثوبٌ (مُزَعفَر) مطلقًا؛
_________________
(١) "حاشية ابن قندس. ومعها الفروع والصحيح" ٢/ ٧٢. وابن قُنْدُس: هو أبو بكر بن إبراهيم بن يوسف، التقي البعلي ثم الصالحي، لم يُشْغل نفسه بتصنيف، بل له حواشٍ وتقييدات على بعض الكتب كـ: "فروع ابن مفلح"، و"المحرر"، (ت ٨٦١ هـ). "المقصد الأرشد" ٣/ ١٥٤ - ١٥٥، و"السحب الوابلة" ١/ ٢٩٥ - ٢٩٨.
(٢) السُّجُف: الستر، أو هو مصراعا الستر يكونان في مقدَّم البيوت وعلى الباب، ثُمَّ استُعير لما يركَّبُ على حواشي الثوب. "معجم متن اللغة" (سجف).
(٣) "صحيح" مسلم (٢٠٦٩) (١٥)، وهو عند أحمد (٣٦٥). وأخرجه بنحوه البخاري (٥٨٢٨).
[ ٢ / ٧٧ ]
ومنها اجتنابُ نجاسةٍ لا يُعفَى عنها، فمن حَمَلَها
لأنَّه ﵊ نهى الرِّجالَ عن التَّزَعْفُر. متفق عليه (^١). وكُرِه أحمرُ خالصٌ، ومشيٌ بنعلٍ واحدة، وكونُ ثيابه فوقَ نصفِ ساقه، أو تحتَ كعبه بلا حاجةٍ، وللمرأة زيادةٌ إلى ذراع. وكُرِهَ لُبْسُ ثوبٍ يَصِفُ البشرةَ لرجلٍ أو امرأة. وثوب شُهرة، وهو: ما يُشْتَهرُ به عند الناس، ويشارُ إليه بالأصابع.
والسابع من شُرُوطِ الصَّلاة: ما أشار إليه بقولِه:
(ومنها اجتنابُ نجاسةٍ لا يُعفى عنها) في بدنِ مصلٍّ، وثوبهِ، وبقعتِهما، وعدمُ حملِها؛ لحديث: "تنزَّهوا من (^٢) البول؛ فإنَّ عامَّةِ عذابِ القبر منه" (^٣)، وقولِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] (فمَنْ حَمَلَها) أي: النجاسةَ التي لا يُعفى عنها ولو بقارورةٍ،
_________________
(١) "صحيح" البخاري (٥٨٤٦)، و"صحيح" مسلم (٢١٠١) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) في (م): "عن".
(٣) أخرجه بلفظه الدارقطني (٤٥٩)، وابن الجوزي في "التحقيق" ١/ ٣٢٥: من حديث أنس ﵁. وفي إسناده: أبو جعفر الرازي، قال في "نصب الراية"١/ ١٢٨: وأبو جعفر متكلَّم فيه، قال ابن المديني: كان يخلط، وقال أحمد: ليس بقوي، وقال أبو زرعة: يَهم كثيرًا. وقال الدارقطني: والمحفوظ مرسل. وأخرجه الدارقطني (٤٦٤) من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "استنزهوا من البول،؛ فإنَّ عامة … " وفي إسناده محمد بن الصباح السمَّان البصري؛ قال في "ميزان الاعتدال" ٣/ ٥٨٣: لا يُعرف، وخبره منكر. وأخرجه ابن ماجه (٣٤٨)، وهو عند أحمد (٨٣٣١) من حديث أبي هريرة -أيضًا- بلفظ: "أكثر عذاب القبر من البول". قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ١/ ١٠١: هذا إسناد صحيح، رجاله عن آخرهم محتجٌّ بهم في الصحيحين. اهـ. وصحَّحه البخاري كما في "العلل الكبير" للترمذي ١/ ١٤٠. وأخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (٦٤٢)، والطبراني في "الكبير" (١١١٢٠)، والحاكم ١/ ١٨٣ - ١٨٤ من حديث ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إن عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا من البول". وفي إسناده: أبو يحيى القتَّات. قال في "التخليص الحبير" ١/ ١٠٦: وإسناده حسن، ليس فيه غير أبي يحيى القتَّات، وفيه لين. وقد تابعه العوَّام بن حوشب؛ وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١١١٠٤). وأخرجه البزار في "مسنده" (٢٦٨٨) من حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: سألنا رسول الله ﷺ عن البول، فقال: "إذا مسكم شيء فاغسلوه؛ فإني أظن أن منه عذاب القبر". قال في "التلخيص الحبير" ١/ ١٠٦: وإسناده حسن. اهـ. ويشهد له حديث ابن عباس أنه قال: مرَّ النبي ﷺ بقبرين، فقال: "إنهما ليعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول … " الحديث، وهو عند البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢)، وأحمد (١٩٨٠).
[ ٢ / ٧٨ ]
أو لاقاها ببدنِه أو ثوبِه، لم تصحَّ صلاتُه.
وإن طيَّن أرضًا نَجِسةً، أو فَرَشها صَفِيقًا طاهرًا، صحَّت وكُره، وتصحُّ على طاهر بطَرَفه نجاسةٌ، إلا إن تعلَّق به نَجِسٌ ينجزُّ بمشْيه.
ومن وَجَدَ به نجاسةً بعد صلاتِه، وعَلِمَ أنَّها كانت فيها، لكن نَسِيَ ونحوه، أعاد،
لم تصحَّ صلاتُه، فإنْ كانتْ معفوًّا عنها، كمَنْ حَملَ مستجمِرًا (^١)، أو حيوانًا طاهرًا، صحَّت صلاتُه.
(أو لاقاها) أي: النجاسةَ التي لا يُعفى عنها (ببدنه، أو ثوبِه، لم تصحَّ صلاتُه) لعدمِ اجتنابه النجاسةَ. وإنْ مسَّ ثوبُه ثوبًا، أو حائطًا نَجسًا لم يستندْ إليه، قابلها راكعًا أو ساجدًا، ولم يلاقِها، صحَّتْ.
(وإنْ طيَّن أرضًا نَجسةً، أو فَرَشَها صَفِيقًا طاهرًا) أو بسطه على حيوانٍ نجسٍ، أو صلَّى على بساطٍ باطنُه فقط نجسٌ (صحَّتْ) صلاتُه؛ لأنَّه ليس حاملًا للنجاسة، ولا مباشِرًا لها (وكُرِه) له ذلك؛ لاعتمادهِ على ما لا تصحُّ الصَّلاةُ عليه.
(وتصحُّ) الصلاةُ (على طاهرٍ بطَرفه) أي: الطاهرِ (نجاسةٌ) لا يلاقيها، ولو تحرَّك المتنجِّسُ بحركتِه، وكذا لو كان تحتَ قدمِه حَبْلٌ مشدودٌ في نجاسة وما يصلَّى عليه منه طاهرٌ (إلَّا ان تعلَّق به) أي: بالمصلِّي (نجسٌ ينجَرُّ) معه (بمشْيه) فلا تصحّ؛ لأنَّه مستتبع لها، فهو كحامِلها. وإن كانت سفينةً كبيرة، أو [حيوانًا كبيرًا] (^٢) لا يقدر على جرِّه إذا استعصى عليه، صحَّتْ؛ لأنَّه ليس بمستتبعٍ لها.
(ومن) أي: أيُّ مصلٍّ (وَجَد به) أي: ببدنِه، أو ثوبِه، أو مكانِه (نجاسةً) لا يُعفى عنها (بعد صلاته، وعَلِمَ أنَّها) أي: النجاسة (كانتْ فيها) أي: في الصلاة (لكنْ نسيـ) ــــها (ونحوه) كما لو جَهِلَها (أعاد) الصلاةَ وجوبًا، كما لو صلَّى محدِثًا ناسيًا
_________________
(١) أي: آدميًّا مستجمرًا. "كشاف القناع" ١/ ٢٩٠.
(٢) في (م): "حيوان كبير".
[ ٢ / ٧٩ ]
وإلا، فلا.
ومن جُبر عظمُه أو خِيْطَ جرحُه بنَجِسٍ، لم يجب إزالتُه مع ضررٍ.
وما سقط منه من عضوٍ أو سنٍّ، طاهرٌ.
ولا تصحُّ صلاةٌ في مقبرة، وحمَّام، وعَطَنِ إبلٍ، وحُشٍّ، ومجزرةٍ، ومزبلةٍ، وقارعةِ طريقٍ،
(وإلَّا) أي: وإن لم يعلم كونَها فيها (فلا) يعيد؛ لاحتمالِ حدوثِها بعدها؛ فلا تَبْطلُ بالشَّكِّ.
(ومن جُبر) بالبناء للمفعول (عظمُه) نائبُ الفاعل، بعظمٍ نَجِسٍ (أو خِيْطَ) بالبناء للمفعول (جرحُه) نائبُ الفاعل (بـ) خَيط (نَجسٍ) وصحَّ (لم يجب إزالتُه) أي: النَّجِس (مع ضررٍ) بفواتِ نفسٍ، أو عضوٍ، أو مرضٍ، ولا يتيمَّم له إنْ غطّاه اللَّحْم. وإن لم يخَفْ ضررًا، لزمتْه إزالتُه، وتقدَّم في السواك حكمُ الوشم (^١).
(وما سقط منه) أي: من آدميٍّ (من عضوٍ، أو سنٍّ) فهو (طاهرٌ) أعادَه أو لم يُعِدْه؛ لأنَّ ما أبين من حيٍّ كميتتهِ، وميتةُ الآدميِّ طاهرة. وإن جعلَ موضع سنِّه سنَّ شاةٍ مُذَكَّاةٍ، فصلاتُه صحيحة، ثبتَتْ، أوْ لا.
(ولا تصحُّ صلاةٌ) بلا عُذْرٍ، كحبسٍ -فرضًا كانت أو نفلًا- غير صلاةِ جنازة (في مقبرة) بتثليث الباء، ولا يضرُّ قبران، ولا ما دُفِنَ بداره (و) لا في (حمَّام) داخله، وخارجه، وجميع ما يتبعه في بَيعٍ (و) لا في (عَطَن إبل) بفتح الطاء المهملة، أي: معطِنها بكسرها: وهو ما تقيمُ فيه، وتأوي إليه (^٢) (و) لا في (حُشٍّ) بضمِّ الحاء المهملة وفتحِها: وهو المرحاض (^٣) (و) لا في (مجزرةٍ، ومَزبلةٍ، وقارعةِ طريقٍ،
_________________
(١) ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨.
(٢) "المطلع" ص ٦٦.
(٣) "المطلع" ص ٦٥.
[ ٢ / ٨٠ ]
وأسطحتِها، ومغصوبٍ، وتُكرَه إليها.
ولا تصحُّ فريضةٌ في الكعبةِ، ولا على ظهرِها، والحِجْرُ منها، وتُسنُّ النافلةُ فيهما.
و) لا تصحُّ الصلاةُ في (أسطِحَتها) أي: أسطحةِ تلك المواضع، وسطحِ نهرٍ (و) لا في (مغصوبٍ). والمنعُ فيما ذُكر تعبُّديٌّ؛ لما روى ابنُ ماجه والترمذيُّ عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ الله ﷺ نهى أنْ يصلَّى في سبعِ مواطن: المزبلةِ، والمجزرةِ، والمقبرةِ، وقَارِعةِ الطريقِ، وفي الحمَّامِ، وفي مَعَاطِنِ الإبل، وفوقَ ظهرِ بيت الله (^١). (وتُكره) الصلاةُ وتصحُّ (إليها) أي: إلى تلك المواضعِ، إن لم يكنْ حائل، وإلّا، فلا كراهة.
وتصحُّ صلاةُ جنازةٍ، وجمعة، وعيدٍ، ونحوِها بطريقٍ، لضرورة، وغصبٍ، وعلى راحلةٍ بطريقٍ، وفي سفينة، ويأتي.
(ولا تصحُّ فريضةٌ في الكعبةِ، ولا على ظهرِها. والحِجْر) بكسرِ الحاء المهملة (منها) أي: من الكعبة، فلا تصحُّ الفريضةُ فيه، كما لا تصحُّ في الكعبة، وتصحُّ إن وَقَفَ على منتهاها بحيثُ لم يَبْقَ وراءَه شيءٌ منها، أو وَقَفَ خارجَها، وسجد فيها، أو في الحِجْر؛ لأنَّه غيرُ مستدبِرٍ لشيء منها. وتصحُّ النافلةُ والمنذورةُ فيهما: أي: في الكعبةِ والحِجْر، وكذا يصحَّان عليها (وتُسَنُّ النافلة فيهما) أي: في الحِجْر والكعبة،
_________________
(١) "سنن" ابن ماجه (٧٤٦)، و"سنن" الترمذي (٣٤٦) وفي إسناده: زيد بن جَبيرة. قال الترمذي: إسناده ليس بذاك القوي، وقد تُكلِّم في زيد بن جبيرة من قِبَل حفظه. اهـ. وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٧٤٧) من طريق الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر ﵁ مرفوعًا. وهو عند الترمذي ٢/ ١٧٩ معلقًا إثر حديث (٣٤٧)، ولكن زاد في إسناده: عبد الله بن عمر العمري، بين الليث ونافع، وكذا وقع في "تحفة الأشراف" ٨/ ٧٤، ولم ترد هذه الزيادة في مطبوع ابن ماجه، قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٢١٥: وفي سند ابن ماجه: عبد الله بن صالح وعبد الله بن عمر العمري المذكور في سنده، ضعيف أيضًا، ووقع في بعض النسخ [أي: في نسخ ابن ماجه] بسقوط عبد الله بن عمر بين الليث ونافع، فصار ظاهره الصحة، وقال ابن أبي حاتم في "العلل" [١/ ١٤٨] عن أبيه: هما جميعًا واهيان. وصحَّحه ابن السكن وإمام الحرمين، … اهـ.
[ ٢ / ٨١ ]
ومنها: استقبالُ القبلة، فلا تصحُّ بدونه إلا لعاجزٍ ومسافرٍ متنفِّلٍ، ويَفتتحُ الصلاةَ إليها إن لم يشقَّ، ويركعُ ويسجدُ أيضًا إليها ماشٍ.
ومن قَرُبَ من الكعبة، ففرضُه إصابةُ عينِها، ومن بَعُدَ، جهتِها.
بين الأسطوانتين وِجاهَهُ إذا دخل؛ لفعله ﵊ (^١).
والشرط الثامن: ما أشار إليه بقوله: (ومنها استقبالُ القبلة) أي: الكعبة، أو جهتِها، سُمِّيتْ قبلةً؛ لإقبال الناس عليها، قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] (فلا تصحُّ) صلاةٌ (بدونِه) أي: بدونِ الاستقبالِ (إلَّا لعاجزٍ) كمربوطٍ، ومصلوبٍ لغيرِ القبلةِ، وعندَ اشتدادِ الحربِ (و) إلَّا لـ (مسافرٍ) سَفَرًا مباحًا، طويلًا أو قصَيرًا (مُتَنَفِّلٍ) لا مفترضٍ، إذا كان يقصدُ جهة معيَّنة، فله أنْ يتطوَّعَ سائرًا، لا نازلًا، ماشيًا، أو راكبًا، على راحلتِه حيثُما توجَّهتْ به.
(ويفتتحُ) متنفِّلٌ في سفرٍ (الصلاةَ) بالإِحرامِ (إليها) أي: إلى القبلةِ وجوبًا، بالدَّابةِ، أو بنفسِهِ (إنْ لمْ يَشُقَّ) عليه.
(ويركعُ، ويسجدُ أيضًا) أي: كما يفتتح (إليها) أي: إلى القبلةِ وجوبًا (ماشٍ) فاعلٌ يتنازعُه: "يركع، ويسجد". أي: لتيسُّر ذلك عليه. وأما الراكبُ، فيركعُ، ويسجدُ إن أمكن بلا مشقَّةٍ، إلَّا، فإلى جهةِ سَيرهِ، ويومئ بهما، ويجعلُ سجودَه أخْفَضَ. وراكبُ المِحَفَّةِ (^٢) الواسعةِ والسفينةِ والراحلةِ الواقفةِ، يلزمُه الاستقبالُ في كلِّ صلاتهِ.
(ومَنْ قَرُب من الكعبة) بأنْ أمكنه معاينتُها، أو الخبرُ عن يقين (ففرضُه إصابةُ عينِها) ببدنِه كلِّه، بحيثُ لا يخرجُ شيءٌ منه عن الكعبة، ولا يضرُّ عُلوٌ، ولا نزول.
(ومن بَعُدَ) عن الكعبة، ففرضُه استقبالُ (جهتِها) فلا يضرُّ التَّيامُنُ والتياسُرُ اليسيران عُرْفًا، إلَّا مَنْ كان بمسجدِه ﷺ؛ لأنَّ قبلتَه متيقَّنة.
_________________
(١) أخرج البخاري (٣٩٧)، ومسلم (١٣٢٩) عن ابن عمر ﵄ قال: قلت لبلال: هل صلَّى فيه رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قلت: أين؟ قال: بين العمودين، تلقاءَ وجهه. لفظ مسلم.
(٢) المِحَفَّة: مركب من مراكب النساء، كالهوج. "المصباح المنير" (حفف).
[ ٢ / ٨٢ ]
ويَعمل بخبرٍ عن يقين، ومحرابٍ إسلاميٍّ، ويَستدلُّ عليها في السفر بالقطبِ وغيرِه.
ولا يَتَّبعُ مجتهدٌ مجتهدًا خالفَه، ولا يَقتدِي به.
ويتَّبعُ مقلِّدٌ الأوثقَ عنده.
ومن صلَّى بلا اجتهادٍ ولا تقليدٍ
(ويَعمل) مَنْ جَهِلَ القبلةَ (بخبر) مكلَّفٍ ثِقَةٍ عَدْلٍ، ظاهرًا وباطنًا (عن يقين) حرًّا كان أو عبدًا، رجلًا أو امرأة (و) يَعمل أيضًا بـ (ــــمحرابٍ إسلاميٍّ) لأنَّ الاتِّفاقَ عليه مع تَكْرارِ الأعصار إجماعٌ؛ فلا تجوزُ مخالفتُه حيثُ عَلمِه للمسلمين، ولا ينحرف.
(ويَسْتَدِلُّ) جاهلُ القبلة (عليها في السفر بالقُطْب) نجمٍ، خفيٍّ، شماليٍّ، حولَه أنجم دائرةٌ كفَرَاشةِ الرَّحى، في أحدِ طرفيها الجَدْي، وفي الآخر الفَرْقَدان (^١). يكونُ القُطْبُ وراءَ ظهرِ المصلِّي بالشام، وعلى عاتِقِه الأيسرِ بِمصرَ. وهو أثبتُ أدلَّتِها؛ لأنَّه لا يزولُ عن مكانه إلَّا قليلًا.
(و) يستدلُّ عليها أيضًا بـ (ـــغيره) أي: غيرِ القُطْبِ؛ كالشَّمْسِ والقمرِ ومنازلهِما؛ فإنَّها تطلُعُ من المشرِقِ وتغرُب بالمغرِب.
ويُستحبُّ تعلُّمُ أدلَّةِ القبلةِ والوقتِ، فإنْ دَخَلَ وخفيتْ، لزمَه، ويقلِّدُ إنْ ضاقَ الوقتُ.
(ولا يتَّبعُ مجتهدٌ مجتهدًا خالفَه) وإن كان أعلمَ منه (ولا يَقتدي به) لأنَّ كلًّا منهما يعتقدُ خطأَ الآخر. (ويتَّبعُ مقلِّدٌ) بكسر اللام، لجهلٍ، أو عمًى (الأوثقَ) من مجتهدَيْن، أي: أعلمَهما (عنده) وأصدقَهما وأشدَّهما تحرِّيًا لدينه؛ لأنَّ الصوابَ إليه أقربُ. فإن تساويا، خُيِّر، وإذا قلَّد اثنين، لم يرجعْ برجوعِ أحدِهما.
(ومن صلَّى بلا اجتهاد) في القبلة مع قدرته عليه (ولا تقليدٍ) إنْ لم يُحْسِنِ
_________________
(١) "المطلع" ص ٦٧. والجَدْي: كوكب تعرف به القبلة، ويقال له: جدي الفرقد. والفرقد: نجم يهتدى به. "المصباح المنير" (جدي)، و"القاموس المحيط" (فرقد).
[ ٢ / ٨٣ ]
مع قدرةٍ، أَعادَ، وإلَّا، تحرَّى وصلَّى.
ويجتهد عارفٌ لكلِّ صلاةٍ، ويعمل بالثاني، ولا يقضي ما صلَّى بالأوَّل.
ومنها: النِّيَّةُ، فيُعتبر أن ينوي عينَ ما يصلِّيه من نحوِ ظهرٍ أو راتبةٍ. ولا يشترط نيَّة فرضٍ
الاجتهادَ (مع قدرتـ) ـــه على التقليد، بأنْ وَجَدَ من يقلِّده (أعاد) ولو أصاب؛ [لتركه الواجب عليه] (^١) (وإلَّا) أي: وإن لم يَقْدِر على اجتهادٍ ولا تقليدٍ، كأن لم يجدْ أعمًى، أو جاهلٌ مَنْ يقلِّدُه (تحرَّى وصلَّى) ولا إعادة. وإن صلَّى بصيرٌ حَضَرًا، فأخطأ، أو صلَّى أعمًى بلا دليلٍ، مِنْ لَمْسِ نحوِ محرابٍ، أو خبرِ ثقةٍ، أعاد.
(ويجتهدُ عارفٌ) بأدلَّة القبلة (لكلِّ صلاةٍ) لأنَّها واقعةٌ متجدِّدةٌ؛ فتستدعي طَلَبًا جديدًا (ويعمل بـ) ــــالاجتهادِ (الثاني) لأنَّه ترجَّح في ظنِّه، ولو في أثناءِ الصلاة، فيبني (ولا يقضي ما صلَّى بـ) ــالاجتهادِ (الأوَّل) لأنَّ الاجتهادَ لا ينقضُ الاجتهادَ. ومن أُخْبِر فيها بالخطأ يقينًا، لَزِمَ قبولُه. وإنْ لم يظهر لمجتهدٍ جهةٌ، صلَّى على حسبِ حالِه.
والشرط التاسع: ما أشار إليه بقوله: (ومنها النِّيَّة) وبها تمَّتِ الشروطُ. وهي لغةً: القصدُ، وهو عزمُ القلب على الشيء. وشرعًا: العزمُ على فِعْلِ العبادةِ؛ تقرُّبًا إلى الله تعالى (^٢). ومحلُّها: القلبُ، والتلفُّظُ بها ليسَ بشرطٍ؛ إذ الفرضُ جَعْلُ العبادةِ لله تعالى؛ فلا يضرُّ سبقُ لسانِه بغيرِ ما نواه (فيُعتبر أنْ ينويَ عينَ ما يصلِّيه، مِنْ) فَرْضٍ (نحوِ ظهرٍ) وعصرٍ (أو) نفلٍ كـ (ـــراتبةٍ) ووِتْرٍ؛ لحديث: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيّات" (^٣).
(ولا يُشترطُ نيَّةُ فرْضٍ) في نحوِ ظهرٍ، بأنْ ينويَها فرضًا، بل تكفي نيةُ الظُّهْرِ مثلًا.
_________________
(١) ليست في الأصل، و(ز) و(س).
(٢) "المطلع" ص ٦٩.
(٣) سلف ١/ ٢٦٦.
[ ٢ / ٨٤ ]
ولا أداءٍ، ولا ضدِّهما في ذلك.
وينوي مع التحريمة أو قَبْلَها بيسيرٍ في الوقتِ، وإن قَطَعَها، أو تردَّد فيه، بطلت.
ويجوز قَلْبُ فَرْضِه نفلًا، إنِ اتسعَ وقتُه، وكُره بلا غرض.
(ولا) تُعتبر نيَّةُ (أداءٍ، ولا) نيَّةُ (ضدِّهما) أي: ضدِّ الفرضِ والأداءِ، وهما النَّفْلُ والقضاءُ (في ذلك) المذكور، من الفرضِ والراتبةِ. ولا يشترطُ أيضًا نيَّةُ الإعادة في المعادة، ولا إضافةُ الفعلِ إلى الله تعالى فيما ذكر، ولا في باقي العبادات؛ لأنَّها لا تكون إلَّا لله سبحانه، ولا عددِ الركعات. ومَنْ عليه ظهران، عيَّن السابقةَ؛ لأجلِ التَّرتيب، ولا يمنعُ صحَّتَها قصدُ تعليمِها ونحوِه.
(وينوي مع التحريمة) لتكونَ النيةُ مقارنةً للعبادةِ (أو) ينوي (قبلَها) أي: قبلَ تكبيرةِ الإحرام (بـ) زمنٍ (يسيرٍ) عُرْفًا، إنْ وجدتِ النيةُ (في الوقتِ) أي: وقتِ المؤدَّاة والراتبةِ، ما لم يفسخْها.
(وإن قَطَعَها) أي: النيةَ في أثناء الصلاة (أو تردَّد فيه) أي: قطعِها (بطلَتْ) لأنَّ استدامةَ النيةِ شرطٌ، ومع الفَسْخ، أو التردُّد لا يبقى مستديمًا. وكذا لو علَّقه على شَرْطٍ، لا إن عزَم على فعلِ محظورٍ قبلَ فعلِه. وإذا شكَّ في الصلاة، في النِّيَّة، أو التَّحريمةِ، استأنفها. وإن تذكَّر أنَّه نوى، وكان ذلك قبلَ قطعِها، فإنْ لم يكنْ أتى بشيءٍ من أفعالِ الصلاة، بنى، وإنْ عَمِل مع الشكِّ عملًا، استأنف، وبعدَ الفراغ، لا أَثَرَ للشكِّ.
(ويجوزُ) لمنفردٍ، أو مأمومٍ (قلْبُ فرضِهِ) الذي أَحْرَمَ به في وقته (نفلًا، إن اتَّسع وقتُه) المختارُ؛ لفعل ما أحرم به، ولأداءِ الفرض في وقته. (وكُرِهَ) قلبُ الفَرْضِ نفلًا (بلا غرَضٍ) صحيحٍ، كانْ يُحرِمَ منفردًا، فيريدَ الصلاةَ في جماعة، وإنِ انتقلَ من فَرْضٍ إلى آخرَ بالنية، بَطَلَا.
[ ٢ / ٨٥ ]
وينوي إمامٌ ومأمومٌ حالَهما، فإن نوى منفردٌ الإمامةَ أو الائتمامَ، لم يصحَّ.
وتبطل إنِ انفردَ بلا عذرٍ يُبيح تَرْكَ الجماعةِ.
وصلاةُ مأمومٍ بصلاة إمامِه، ولإمام أن يستخلفَ لمرضٍ وحَصْرٍ عن واجب،
(وينوي إمام) جماعةٍ (ومأمومٌ حالَهما) وجوبًا، فينوي الإمامُ الإمامةَ، والمأمومُ الائتمامَ؛ لأنَّ الجماعةَ يتعلَّق بها أحكامٌ، وإنَّما يتميَّزان بالنِّيَّة؛ فكانت شرطًا، رجلًا كان المأمومُ أو امرأةً. وإن اعتقد كلٌّ أنَّه إمامُ الآخَرِ أو مأمومُه، فسدتْ صلاتُهما، كما لو نوى إمامةَ مَنْ لا يصحُّ أن يؤمَّه، أو شكَّ في كونِه إمامًا أو مأمومًا. ولا يشترط تعيينُ الإمام ولا المأمومِ، ولا يضرُّ جهلُ مأمومٍ ما قرأ به إمامُه. وإن نوى زيدٌ الاقتداءَ بعمرٍو، ولم يَنْوِ عمرٌو الإمامةَ، صحَّتْ صلاةُ عمرٍو وحدَه. وتصحُّ نيةُ الإمامةِ ظانًّا حضورَ مأمومٍ، لا شاكًّا.
(فإنْ نوى منفردٌ) في أثناءِ الصلاة (الإمامةَ) بأنْ نوى أنَّه إمامٌ لغيره (أو) نوى المنفردُ (الائتمامَ) بأن نوى الاقتداءَ بغيره (لم يصحَّ) لأنَّه لم ينوِه في ابتداءِ الصلاة، سواءٌ صلَّى وحدَه ركعةً، أو لا، فرضً كانتِ الصلاةُ، أو نفلًا.
(وتبطلُ) صلاةُ مؤتَمٍّ (إن انفرد) أي: نوَى الانفرادَ (بلا عُذرٍ يبيحُ تَرْكَ الجماعة) كمرضٍ، وغَلَبةِ نُعَاس، وتطويلِ إمامٍ، وإنَّما بطلتْ؛ لتَرْكِ متابعةِ إمامِه، فلو فارقه لعُذرٍ، صحَّتْ، فإن فارقه في ثانيةِ جمعةٍ لعذرٍ، أتمَّها جمعةً.
(و) تبطلُ (صلاةُ مأمومِ بـ)
_________________
(١) ـبطلانِ (صلاةِ إمامِه) لعُذْرٍ أو غيره، لا عكسه، ويتمُّها منفردًا. (و) يجوزُ (لإمامٍ أن يستخلفَ) من يُتِمُّ الصلاةَ بالمأمومين (لـ) حدوثِ (مَرَضٍ) به (و) لـ (حَضْرٍ) أي: منعٍ (عن واجب) نحو قراءة، أو خوفٍ مِن سَبْقِ حَدَثٍ، لا إنْ
[ ٢ / ٨٦ ]
ويبني الخليفةُ على صلاةِ إمامِه. وإن أَحرمَ الراتبُ بمَن أحرم بهم نائبُه، وعاد النائب مؤتمًا، صحَّ.
سبقه قَبْلَ الاستخلاف.
(ويبني الخليفةُ) أي: من استخلَفَه الإمامُ في إتمام الصَّلاة (على) ترتيب (صلاةِ إمامه) المستخلِف له، لا على ترتيبِ نفسِه، لو كان مسبوقًا.
(وإنْ أحرم) الإمامُ (الراتبُ بمَنْ) أي: بمأمومين (أحرم بهم نائبه) لغيبته مثلًا، وبنى على صلاةِ نائبهِ (وعاد) أي: صار الإمامُ (النائبُ مؤتمًّا، صحَّ) لأنَّ أبا بكر ﵁ صلَّى في غيْبة النبيِّ ﷺ، فجاء النبيِّ ﷺ والناسُ في الصَّلاة، فتخلَّص حتى وقف في الصفِّ، وتقدَّم فصلَّى بهم. متَّفق عليه (^١). وإن سُبق اثنان فأكثرُ ببعض الصلاة، فَأُتمَّ أحدُهما بصاحبه في قضاءِ ما فاتهما، أو ائتمَّ مقيمٌ بمثله إذا سلَّم إمامٌ مسافرٌ، صحَّ.
_________________
(١) "صحيح" البخاري (٦٨٤)، و"صحيح" مسلم (٤٢١) عن سهل بن سعد الساعدي ﵁.
[ ٢ / ٨٧ ]