(سُنَّ لِمُحِلِّ بمكَّة وبقربها) ولمتمتِّعٍ من عُمرتِهِ (إحرامٌ بحجٍّ يومَ التَّروية) وهو ثامنُ ذي الحجَّةِ، سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ النَّاس كانوا يَتروَّونَ فيه (^١) الماءَ لما بعدَه (^٢). (قبلَ الزَّوالِ) فيُصلِّي بمنًى الظُّهرَ مع الإمامِ. والأفضلُ أن يُحرِمَ من تحتِ الميزاب.
(ويجزئُ) إحرامُه (من حيثُ شاء) من بقية الحرم ومن خارجه، ولا دمَ عليه. والمتمتِّع إذا عَدِمَ الهديَ وأراد الصومَ، سُنَّ له أن يُحرم يومَ السابعَ؛ ليصومَ الثلاثةَ مُحرمًا.
(ثُمَّ يبيتُ بمنًى) بكسرِ الميمِ مع الصَّرفِ وعدمِه، ويصلِّي مع الإمامِ (ندبًا، فإذا طلعتِ الشَّمسُ) من يومِ عرفةَ (سار) من منًى (إلى نَمِرة): موضعٌ بعرفةَ، وهو جبل عليه أنصابُ الحرمِ، على يمينك إذا خرجتَ من مأزمي عرفةَ تريدُ الموقفَ (^٣).
فيقيمُ بنمِرةَ إلى الزَّوالِ، يخطُبُ بها الإمامُ أو نائِبُه خطبةً قصيرةً، مفتتحةً بالتَّكبيرِ، يعلمهم فيها الوقوف ووَقتَه، والدَّفعَ منه، والمبيتَ بمُزدلفةَ (ويجمع بها) أي: بنمرةَ، من يجوزُ له الجمعُ (^٤)، حتَّى المنفرد (بين الظُّهرين تقديمًا).
_________________
(١) بعده في (م): "من".
(٢) "المطلع" ص ١٩٤.
(٣) "المطلع" ص ١٩٦. وجاء في هامش الأصل ما نصه: "مأزمي. تثنية مأزم بالهمز وكسر الزَّاي، وأصله المضيق بين الجبلين. قال النووي: وهما جبلان بين عرفة ومزدلفة".
(٤) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: من يجوز له الجمع. هو من عزم عند خروجه من مكّة أنَّه إذا رجع إليها من منى، لا يقيم بها أكثر من أربعة أيَّام. انتهى تقرير المؤلف".
[ ٢ / ٣٧٩ ]
ثُمَّ يأتي عرفةَ، وكلُّها موقفٌ، إلَّا بطنَ عُرَنة، وسُنَّ وقوفه راكبًا عندَ الصَّخَراتِ وجبلِ الرَّحمةِ،
(ثُمَّ يأتي عرفَة، وكلُّها موقفٌ، إلَّا بطنَ عُرَنة) لقوله ﷺ: "كلُّ عَرَفةَ موقفٌ، وارفعوا عن بطنِ عُرَنةَ" رواه ابن ماجه (^١). وعَرفَةُ: من الجبلِ المشرفِ على عُرَنةَ، إلى الجبالِ المقابلةِ له، إلى ما يلي حوائطَ بني عامر (^٢).
(وسُنَّ وقوفُه) أي: الحاجِّ بعرفةَ (راكبًا) مستقبِلَ القِبلةِ (عندَ الصَّخراتِ وجبل الرَّحمةِ) لقولِ جابرٍ: "إنَّ النَّبيَّ ﷺ جعلَ بَطْنَ ناقتِه القَصواء (^٣) إلى الصَّخراتِ، وجعلَ حَبلَ المشاةِ بين يديه، واستقبل القِبلةَ" (^٤). وقولُه: "جعلَ حبلَ المشاةِ" أي: طريقَهم
_________________
(١) في "سننه" (٣٠١٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵄ -وفي إسناده: القاسم بن عبد الله العمري- ولفظه: "كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة … ". قال البوصيرى في "مصباح الزجاجة" ٢/ ١٤٠: هذا إسناد ضعيف، القاسم بن عبد الله بن عمر؛ قال فيه أحمد بن حنبل: كان كاذبًا، يضع الحديث، ترك النَّاس حديثه. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال أبو حاتم وأبو زرعة والنسائي: متروك الحديث. وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب ﵁ رواه أبو داود [١٩٣٥]، والترمذي [٨٨٥١]، وابن ماجه [٣٠١٠] وهو عند أحمد (٥٦٢) بلفظ: "وعرفة كلها موقف". وأخرجه البيهقي ٥/ ١١٥ عن محمَّد بن المنكدر مرسلًا بلفظ: "عرفةكلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة … ". وصحّح النوويُّ إسناده في "المجموع" ٨/ ١١٩. وفي الباب عن ابن عباس، وجبير بن مطعم، وحبيب ابن خماشة ﵁. قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٢٤/ ٤١٨: أكثر الآثار ليس فيها استثناء بطن عرنة من عرفة، ولا بطن محسر من المزدلفة، وكذلك نقلها الحفَّاظ الإثبات الثقات من أهل الحديث في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر في الحديث الطويل في الحج ليس فيه استثناء عرنة ولا محسر. وهذه الرواية عند مسلم (١٢١٨) (١٤٩).
(٢) "معجم البلدان" ٤/ ١٠٤.
(٣) جاء في هامش الأصل ما نصه: "قوله: القصواء، قال الخطابي [في "معالم السنن" ٢/ ١٩٩]: القصواء مفتوحة القاف ممدودة الألف [التي قطع من أذنها]، يقال: قصوت البعير فهو مقصو، يقال: ناقة قصواء، ولا يقال: جمل أقصى. وأكثر أصحاب الحديث يقولون: القصواء، وهو خطأ فاحش. انتهى. وفي "الصحاح" [قصا] وكان لرسول الله ﷺ ناقة تسمى قصواء، ولم تكن مقطوعة الأذن. انتهى. شيخنا عثمان النجدي". وينظر "مطالب أولي النهى" ٢/ ٤١١.
(٤) سلف ص ٣٦٩ من حديث جابر ﵁ الطويل.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
لا صعودُه، ويُكْثِرُ من الدُّعاء، ومِنْ قولِ: لا إله إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يُحيي ويميتُ، وهو على كل شيءٍ قدير، اللَّهم اجعل في قلبي نُورًا، وفي بَصري نُورًا، وفي سَمْعي نُورًا، ويَسِّرْ لي أمري.
الذي يسلكُونَه في الرَّملِ. وقيل: أرادَ صفَّهم ومجتمعهم في مشيهِم تشبيهًا بحبلِ الرَّمل (^١).
و(لا) يُشرَعُ (صعودُه) أي: جبلِ الرَّحمةِ.
(ويُكثرُ من الدُّعاءِ، ومن قولِ: لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يحيي ويُميتُ) وهو حيٌّ لا يموتُ، بيده الخيرُ (وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. اللَّهمَّ اجعل في قلبي نُورًا، وفي بصري نُورًا، وفي سمعي نُورًا، ويسِّرْ لي أمري) لحديث (^٢): "أفضلُ الدُّعاء [دعاءُ] يومِ عَرَفةَ، وأفضلُ ما قلتُ أنا والنَّبيونَ من قبلي: لا إله إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له". رواه مالك في "الموطأ" (^٣)، وما في المتنِ مأثورٌ
_________________
(١) "النهاية في غريب الحديث" (حبل).
(٢) في (م): "الحديث".
(٣) ١/ ٢١٤ - ٢١٥ و٤٢٢ - ٤٢٣، ومن طريقه عبد الرزاق (٨١٢٥)، والبيهقي ٤/ ٢٨٤ و٥/ ١١٧ عن زياد ابن أبي زياد، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز. قال البيهقي: هذا مرسل، وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصولًا ووصلُه ضعيف. وأخرجه موصولًا ابن عدي في "الكامل" ٤/ ١٦٠٠، والبيهقي في "الشعب" (٤٠٧٢) عن عبد الرحمن بن يحيى المدني، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. قال ابن عدي: وهذا منكر عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، لا يرويه عنه غير عبد الرحمن بن يحيى، هذا وعبد الرحمن غير معروف، وهذا الحديث في "الموطأ" … مرسلًا. وقال البيهقي: هكذا رواه عبد الرحمن بن يحيى وغلط فيه، إنَّما رواه مالك في "الموطأ" مرسلًا. وفي الباب عن حماد بن أبي حميد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي … " أخرجه الترمذي (٣٥٨٥)، وهو عند أحمد (٦٩٦١). قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحمَّاد بن أبي حميد هو محمَّد بن أبي حميد، وهو أبو إبرهيم الأنصاري المدني، وليس بالقوي عند أهل الحديث. قال ابن القيم في "زاد المعاد" ٢/ ٢٣٨: وأسانيد هذه الأدعية فيها لين. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٥٢: رواه أحمد ورجاله موثوقون.
[ ٢ / ٣٨١ ]
ووقتُه: مِنْ فجرِ يومِ عرفةَ إلى فجرِ يومِ النَّحْرِ، فمَنْ وقفَ به ولو لحظةً وهو أهلٌ له، صحّ حجُّه، ولو نائمًا أو جاهلًا أنَّها عرفةُ.
ومَنْ وقف نهارًا، ودَفعَ قبلَ الغُروبِ، ولم يَعُدْ قبلَه، فعليه دمٌ، بخلافِ واقفٍ ليلًا
عن عليٍّ (^١).
(وَوَقتُه) أي: الوقوفِ بعَرفةَ (مِنْ فجرِ يومِ عرفةَ، إلى فجرِ يوم النَّحْرِ) لقولِ جابر: لا يفوتُ الحجُّ حتَّى يطلعَ الفجرُ من ليلةِ جَمْعٍ (^٢). قال أبو الزُّبير (^٣): فقلت له: أقالَ رسولُ اللهِ ﷺ ذلك؟ قال: نعم (^٤).
(فمن وقفَ به) أي: بوقتِ الوُقوفِ بعرفةَ (ولو لحظةً) مُختارًا (وهو) أي: الواقفُ بعرفةَ لحظةً (أَهلٌ له) أي: للحجِّ، بأنْ كان مسلمًا، عاقلًا، مُحرِمًا به (صحَّ حجُّه ولو نائمًا، أَو جاهلًا أنَّها عرفةُ) أو مارًّا بها راجلًا، أو راكبًا؛ لأنَّه حصلَ بعرفةَ في زمنِ الوقوفِ.
(ومن وَقَفَ) بعرفةَ (نهارًا، ودفعَ قبلَ الغروبِ، ولم يَعُدْ) بعدَ الغُروبِ من ليلةِ النَّحرِ إلى عرفةَ، أو عادَ إِليها (قبلَه) ولم يقعِ الغُروبِ وهو بها (فعليه دمٌ)، لتركِهِ واجبًا كالإحرامِ من الميقاتِ، فإنْ عادَ إليها ليلةَ النَّحرِ، فلا دمَ عليه (بخلاف واقفٍ ليلًا
_________________
(١) أخرجه البيهقي ٥/ ١١٧ من طريق موسى بن عببدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة. وقال: تفرد به موسى ابن عبيدة، وهو ضعيف، ولم يدرك أخوه عليًا ﵁.
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: (قوله: ليلة جمع -بالإضافة- ليلة المزدلفة. انتهى تقرير المؤلف".
(٣) هو: محمَّد بن مسلم بن تدْرُس، الحافظ الصدوق، القرشي الأسدي المكي، مولى حكيم بن حزام، روى عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي الطفيل، وابن الزبير، وآخرين، قال أبو أحمد بن عدي عنه: هو في نفسه ثقة، إلَّا أن يرويَ عنه بعض الضعفاء، فيكون ذلك من جهة الضعيف. وعلَّق عليه الذهبي في "السير" ٥/ ٣٨١ - ٣٨٦ - والكلام وما قبله منه-: هذا القول يصدق على مثل الزهري وقتادة، وقد عِيب أبو الزبير بأمور لا توجِب ضعفه المطلق، منها التدليس. (ت ١٢٨ هـ).
(٤) أخرجه البيهقي ٥/ ١٧٤.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
فقط.
ثُمَّ يدفعُ بعدَ الغُروبِ إلى مُزْدَلِفَةَ بسكينةٍ، ويسرعُ في الفَجْوةِ، ويجمعُ بها العِشاءَيْنِ تأخيرًا
فقط) فلا دمَّ عليه؛ لحديث: "من أدركَ عرفات بليل، فقد أدركَ الحجَّ" (^١).
(ثمَّ يدفعُ بعدَ الغُروبِ) من عرفةَ مع الأميرِ، على طريقِ المأزِمَين (إلى مُزدَلفَة): وهي ما بينَ المأزِمَيْن ووادي مُحَسِّرٍ (^٢). وسُنَّ كونُ دفعِه (بسكينةٍ) لقوله ﷺ: "أيُّها النَّاسُ، السكينةَ السكينةَ" (^٣). (ويُسرعُ في الفَجوة) أي: الفُرجةِ (^٤)؛ لقولِ أُسامةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يسيرُ العَنَقَ، فإذا وجَدَ فَجوةَ، نَصَّ (^٥). أي: أسرعَ؛ لأنَّ العَنَقَ: انبساطُ السيرِ. والنَّصُّ: فوقَ العَنَقَ (^٦).
(ويجمعُ بها) أي (^٧): بمُزدلفةَ بينَ (العِشاءَينِ تأخيرًا) أي: جمعَ تأخيرٍ؛ أي: يُسَنُّ
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في "الكامل" ٦/ ٢١٩٤ عن أبي يوسف، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، وعن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ بلفظ: "من يدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج". قال أحمد ابن حنبل: ابن أبي ليلى ضعيف، وعن عطاء أكثره خطأ، وقال: مضطرب الحديث. وقال يحيى: سيئ الحفظ جدًا. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢٥١٨) عن رحمة بن مصعب، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، ونافع، عن ابن عمر ﵂، أن رسول ﷺ قال: "من وقف بعرفات فقد أدرك الحج". قال الدارقطني: رحمة بن مصعب ضعيف، ولم يأت به غيره. وأخرج أبو داود (١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي في "المجتبى" ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤، وابن ماجه (٣٠١٦)، وهو عند أحمد (١٦٢٠٨) عن عروة بن مضرِّس الطَّائي ﵁ من حديث طويل، وفيه: قال ﷺ: "من شهد معنا الصَّلاة، وأفاض من عرفات ليلًا أو نهارًا، فقد قضى تفثه، وتمَّ حجُّه" لفظ ابن ماجه. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) مُحَسّر: وادٍ بين مزدلفة ومنى، وقيل: سمي بذلك؛ لأنَّ فيل أصحاب الفيل حسَّر فيه؛ أي: أعيا. "المطلع" ص ١٩٦ - ١٩٧.
(٣) سلف ص ٣٦٩ من حديث جابر بن عبد الله ﵄ الطَّويل.
(٤) "المطلع" ص ١٩٦.
(٥) أخرجه البخاري (١٦٦٦)، ومسلم (١٢٨٦) (٢٨٣)، وهو عند أحمد (٢١٧٨٣).
(٦) "النهاية" (عنق) و(نصص).
(٧) ليست في (م).
[ ٢ / ٣٨٣ ]
ويبيتُ بها، وله الدّفعُ بعدَ نصفِ اللَّيْلِ، وفيه قبلَه دمٌ.
فإذا صلَّى الصُّبحَ، أتى المشعَرَ الحرامَ، فرقَاهُ أو وقفَ عندَه، ويحمدُ اللهَ ويكبِّرهُ (^١)، ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين [١٩٨ - ١٩٩ من سورة البقرة]. ويدعُو حتَّى يُسْفِرَ جدًّا.
لمن دفعَ من عرفةَ، أن لا يُصلِّيَ المغربَ حتَّى يصلَ إلى مُزدلفةَ، فيجمع بينَ المغرب والعشاءِ مَن يجوزُ له الجمعُ، قبلَ حطِّ رحلِه، وإنْ صلَّى المغربَ بالطَّريق، تركَ السُّنَّةَ وأجزأه.
(ويبيتُ بها) أي: بمزدلفةَ وجوبًا؛ لأنَّ النَبيَّ ﷺ باتَ بها (^٢). وقالَ: "خُذُوا عنِّي مناسكَكُم" (^٣).
(وله الدَّفعُ) من مُزدلفةَ قبلَ الإِمامِ (بعدَ نصفِ اللَّيلِ، و) يجبُ (فيه) أي: في الدَّفعِ من مزدلفةَ (قبلَه) أي: قبلَ نصفِ اللَّيلِ (دمٌ) على غيرِ رُعاةِ حجَّ وسُقاةِ زمزمَ، سواءٌ كانَ عالمًا بالحُكمِ أو جاهلًا، عامدًا أو ناسيًا، هذا إن (^٤) وصلَها قبلَ نصفِ اللَّيلِ، ولم يَعُد إليها قبلَ الفجرِ، فإن لم يصلها إلَّا بعدَ نصفِ اللَّيلِ، أو وصلَها ودفعَ منها قبلَه، ثُمَّ عادَ إِليها قبلَ الفجرِ، فلا دمَ عليه.
(فإذا) أصبحَ بمزدلفةَ (صَلَّى الصُّبحَ) بِغَلَس (^٥)، ثُمَّ (أَتى المشعَرَ الحرامَ) وهو جبل صغيرٌ بالمزدلفةِ، سُمِّيَ بذلكَ؛ لأنَّه من علاماتِ الحجِّ (^٦) (فرقاه) إنْ سُهلَ عليه (أَو وَقَفَ عندَه، ويحمدُ اللهَ ويُكبِّرُه) ويهلِّله (ويقرأُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين) أي (^٧): إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩] (ويدعُو حتَّى يُسْفرَ جدًّا) لأنَّ
_________________
(١) في المطبوع: "ويكبر"، والمثبت موافق لما في "هداية الراغب".
(٢) سلف ص ٣٦٩ من حديث جابر بن عبد الله ﵄ الطوبل.
(٣) سلف ص ٣٧٣.
(٤) بعدها في (م) و(ح): "كان".
(٥) الغَلَس: ظلام آخر الليل "المصباح المنير" (غلس).
(٦) "اللسان" (شعر).
(٧) ليست في (م) و(ح).
[ ٢ / ٣٨٤ ]
ثُمَّ يسيرُ، فإذا بلغَ مُحسِّرًا، أسرعَ رَمْية حَجَرٍ، ويأخذُ حصَى الجمارِ سبعينَ حصاةً بينَ الحِمَّصِ والبُنْدُقِ.
فإذا وصلَ مِنًى، رمى جمرةَ العقبةِ مِنْ بطنِ الوادي بسَبْعٍ، واحدةً بعدَ
في حديثِ جابر: أن النبي ﷺ لم يزل واقفًا عندَ المَشعَرَ الحرامِ، حتَّى أسفرَ جدًا (^١).
(ثُمَّ) بعدَ الإسفارِ (يسيرُ) قبلَ طُلوعِ الشَّمس بسكينةٍ (فإذا بلغَ مُحسِّرًا): وهو وادٍ بينَ مُزدلفَة ومِنًى، سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه يحسرُ سالكَهُ (أَسرعَ) قَدْرَ (رَمْيةِ حَجَرٍ) إن كان ماشيًا، وإلا، حَرَّكَ دابَّتَه؛ لأنَّه ﷺ لمَّا أتى بَطنَ مُحسِّرٍ، حرَّكَ قليلًا، كما ذكرَهُ جابر (^١).
(ويأخدُ حصَى الجمارِ سبعينَ حصاة) من حيثُ شاءَ، وكان ابنُ عمرَ يأخذُه من جَمعٍ (^٢). وفعلَه سعيدُ بن جبير وقال: كانُوا يتزوَّدون الحصى مِن جَمْعٍ (^٣). وتكونُ الحصاةُ (بينَ الحِمَّصِ والبُنْدُقِ) كحصى الخَذف، فلا يُجزئ (^٤) صغيرة جدًّا ولا كبيرة، ولا يُسنُّ غسلُه.
(فإذا وصلَ مِنًى) وهي: من وادي مُحسِّرٍ إلى جمرةِ العقبةِ (^٥) (رَمى جمرةَ العقبةِ) راكبًا إن كان كذلك. وقال الأكثرُ: ماشيًا. ونُدِبَ أن يستقبلَ القِبلةَ، وأن يرمي على جانبِه (^٦) الأيمنِ. ويكونُ الرَّميُ (مِن بطنِ الوادي بسبع) حَصَياتٍ متعاقباتٍ (واحدةً بعدَ
_________________
(١) سلف ص ٣٦٩.
(٢) أخرجه البيهقي ٥/ ١٢٨.
(٣) أخرج ابن أبي شيبة ٤/ ١٩٠ "نشرة العمروي" عن سعيد بن جبير قال: خذوا الحصى من حيث شئتم.
(٤) في (م) و(ح): "تجزئ".
(٥) "معجم البلدان" ٥/ ١٩٨.
(٦) في (ح) و(م): "حاجبه".
[ ٢ / ٣٨٥ ]
أخرى، يرفعُ يدَه حتَّى يُرَى بياضُ إِبطِه، ويُكبِّرُ مع كل حصاةٍ، ويقول: اللَّهم اجعلْه حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وعَمَلًا مشكورًا. ولا يقفُ، ويقطعُ التَّلْبيةَ عندَها، ويرمي بعد طُلوعِ الشَّمسِ نَدْبًا، ويجزئُ بعدَ نصفِ اللَّيلِ، ولا يجزئُ الرَّميُ بغير الحصى، ولا بما رُمِيَ به.
أُخرى (^١» فلو رمى دفعةً واحدةً، فواحدة (^٢). ولا يُجزِئُ الوَضعُ. (يرفعُ يدَه) اليُمنى حالَ الرمي (حتَّى يُرَى بباضُ إبطه) لأنَّه أعونُ على الرمي (ويُكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ، ويقول: اللّهمّ اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وعَمَلًا مشكورًا.
ولا يقف) عندَ جمرةِ العَقَبةِ بعدَ رميِها؛ لِضيقِ المكان (ويقطع التَّلْبيةَ عندَها) لقولِ الفضلِ بن عبَّاسٍ: إن النبي ﷺ لم يزل يُلبِّي، حتَّى رَمَى جمرةَ العَقَبَةِ. أخرجاه في الصحيحين (^٣).
(ويرمى بعدَ طلوع الشَّمسِ نَدبًا) لقولِ جابرٍ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يرمي الجمرةَ ضُحَى يومِ النحرِ وحدَه. أخرجَه مسلم (^٤). (ويُجزئ) رميُها (بعدَ نصفِ اللَّيلِ) من ليلةِ النَّحرِ؛ لما رَوى أبو داودَ عن عائشةَ أن النبي ﷺ أمَرَ أُمِّ سَلَمَة ليلةَ النَّحرِ، فرمت جَمرة العَقَبَةِ قبلَ الفجرِ، ثُمَّ مضَتْ فأفاضَت (^٥). فإن غربت شمسُ يومِ الأضحى قبلَ رميِه، رمى من غدٍ بعدَ الزَّوالِ.
(ولا يُجزئ الرَّمي بغيرِ الحصى) كجوهرٍ وَذَهَبٍ (ولا) يُجزئُ الرَّميُ (بما رُميَ به) لأنَّه استُعملَ في عبادةٍ؛ فلا يُستعملُ ثانيًا، كماءِ الوضوءِ.
_________________
(١) في (م): "الأخرى" وفى (ح): "واحدة أخرى".
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: فواحدة، أي: فالمجزئ واحدة. انتهى تقرير المؤلف".
(٣) البخاري (١٦٨٦) و(١٦٨٧)، ومسلم (١٢٨١) (٢٦٧)، وهو عند أحمد (١٨٢٣).
(٤) في "صحيحه" (١٢٩٩) (٣١٤)، وهو عند أحمد (١٤٤٣٥) واللفظ له، وذكره البخاري تعليقًا قبل حديث (١٧٤٦).
(٥) "سنن" أبي داود (١٩٤٢). قال النووي في "المجموع" ٨/ ١٣٩: أما حديث عائشة في إرسال أم سلمة، فصحيح" رواه أبو داود بلفظه بإسناد صحيح على شرط مسلم.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
- ثمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا إن كان معه ويَحْلِقُ أو يقصرُ من جميع شعرِه، والمرأةُ
تقصر أنمُلةَ فأقلَّ، ثُم قد حل له كل شيءٍ إلَّا -
-
+-٣٣+٢٢ النساءِ، ولا دَمَ بتأخيرِ حَلْق أو
تقديمِه على رَمْيِ أو نحْرِ.
(ثمّ ينحَرُ هَدْيًا، إن كان معه) واجبًا كان أو تطوعًا، فإن لم يكن معه هديْ وعليه
واجب، اشتراه، وإلا، سُن له أن يَتَطوعَ به. وإذا نحرَ الهدي، فرقَه على مساكينِ
الحرمِ.
(ويحلقُ) مُستقبِلًا مُبتدِئًا بشقه الأيمنِ نَدبًا (أو يقصرُ من جميعِ شعرِهِ) لا من كل شعرةِ بعينِها (والمرأة تقصر) من شعرِها (أنملةً فأقل) لحديثِ ابنِ عبَّاسِ: ليسَ على النساءِ حَلق، إِنَما على النساءِ التقصيرُ. رواه أبو داود (^١). فتقصرُ من كل قرنِ قَدْرَ أنمُلةِ أو أقل، وكذا العبدُ، ولا يحلِقُ إلَّا بإذنِ سَيده. وسُنَ لمن حَلَقَ، أو قصر، أخذُ ظفر، وشاربٍ، وعانةٍ، وإبطٍ.
(ثُمَّ) إذا رمى، وحَلَقَ أو قصر، فـ (ـقد حلَّ له كلُّ شيءٍ) كان محظورًا بالإحرامِ (إلَّا النساءَ) وطأ، ومباشرةً، وقُبلةً، ولمسًا لشهوةٍ، وعقْدَ نكاحٍ؛ لما رَوى سعيد عن عائشةَ مرفوعًا: "إذا رميتُم وحلَقتم، فقدْ حَل لكم الطيبُ والثيابُ وكل شيءٍ إلَّا النساء" (^٢) (ولا) يجبُ (دم بتأخيرِ حَلق) أو تقصيرٍ عن أيامِ منًى (أو تقديمِه) أي: الحَلقِ أو التَّقصيرِ (على رَمْي أو نَحرٍ) أو عليهما، ولا إنْ نحَرَ، أو طافَ قبلَ رميهِ ولو
_________________
(١) في "سننه" (١٩٨٤) و(١٩٨٥) مرفوعًا. قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٢/ ٢٦١: وإسناده حسن، وقواه أبو حاتم في "العلل" [١/ ٢٨١]، والبخاري في "التاريخ" [٦/ ٤٦]، وأعله ابن القطان [في "بيان الوهم والإيهام" ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦]، وردِّ عليه ابن المواق.
(٢) لعله في "سننه" ولم نقف عليه في المطبوع منه. وأخرجه أبو داود (١٩٧٨) من طريق الحجاج بن أرطأة، عن الزُّهريّ، عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا، وهو عند أحمد (٢٥١٠٣) عن الحجاج، عن أبي بكر بن محمَّد، عن عمرة قال أبو داود: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم يرَ الزهريّ ولم يسمع منه. وقال الحافظ في "التلخيص الحبير" ٢/ ٢٦٠: ومداره على الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف مدلس، وقال البيهقي [٥/ ١٣٦]: إنه من تخليطاته. وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٤٢ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة موقوفًا.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
فصل
ثُمَّ يُفيضُ إلى مكَّةَ ويطوفُ طوافَ الإفاضةِ بالنيَّة،
عالمًا؛ لما رَوى سعيد عن عطاء، أن النبي ﷺ قال: "مَن قدمَ شيئًا قبلَ شيءٍ، فلا حَرَجَ" (^١). ويحصلُ التحلُّلُ الأوَّلُ: باثنينِ من رمْي وحَلقٍ وطوافٍ، والثَّاني: بما بقيَ مع سعيٍ. ثُمَّ يخطُبُ الإمامُ بمنًى يومَ النَّحرِ خُطبةً، يفتتحُها بالتَّكبيرِ، يُعلمُهم فيها النَّحرَ والإفاضةَ والرميَ.
فصل
(ثُمَّ يُفيضُ إلى مكَّةَ، ويطوف طواف الإفاضةِ) ويُقالُ (^٢): طواف الزيارةِ، ويعينُ كونه طوافَ الإفاضةِ (بالنيَّةِ) وجوبًا، وهو رُكن لا يتم حجه إلَّا به. فظاهرُه أن المفرِدَ والقارنَ لا يطوفانِ للقدومِ، ولو لَم يكونا دخلا مكَّةَ قبلَ ذلك. وكَذا المتمتع يطوفُ للإفاضةِ فقط، كمن دخلَ المسجدَ وأقيمتِ الصَّلاةُ، فإنَّه يكتفي بها عن تحيَّةِ المسجدِ، واختارَه الموفقُ (^٣)، والشَّيخُ تقي الدينِ (^٤)، وابنُ رجبٍ (^٥).
ونصّ الإمام (^٦) -واختارَه الأكثرُ- أن القارنَ والمفرِدَ إنْ لم يكونا دَخلاها قبلُ، يَطوفان للقدومِ برَمَلٍ واضطباعٍ، ثُمَّ للإفاضة، وأن المتمتعَ يطوف للقدوم بلا رَملٍ ولا اضطباعٍ ثم للإفاضة.
_________________
(١) لعله في "سننه" ولم نقف عليه في المطبوع منه. وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢١٧، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" ١/ ٢٠ - ٢١ مرسلًا، ولفظه: "من قدم شيئًا من حجه مكان شيء، فلا حرج". وفي الباب عن عبد الله بن عمرو ﵄: أخرجه البخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦)، وهو عند أحمد (٦٤٨٤) أنه جاء إلى النبي ﷺ رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: "اذبح ولا حرج" … الحديث. وعن ابن عباس ﵄: أخرجه البخاري (١٧٣٤)، ومسلم (١٣٠٧)، وهو عند أحمد (٢٣٣٨) أنه ﷺ سئل عن الذبح والرمي والحلق والتقديم والتأخير، فقال: "لا حرج".
(٢) بعدها في (م): "له".
(٣) في "المغني" ٥/ ٣٤٦.
(٤) في "الاختيارات الفقهية" ص ١٧٥.
(٥) في "القواعد الفقهية" ص ٢٥.
(٦) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: ونص الإمام … إلخ. هو المعتمد. انتهى تقرير المؤلف".
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وأوَّلُ وقتِه: مِنْ نِصْفِ ليلةِ النَّحرِ، وسُنَّ في يومِه، وله تأخيرُه، ثم يَسعى متمتِّعٌ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ، ومَنْ لمْ يَسْعَ مع طوافِ القُدومِ. ثُمَّ قدْ حلَّ له كل شيءٍ، ويشربُ من ماءِ زَمْزَمَ لما أحبَّ، ويتضلَّعُ منه، ويقولُ: بسم اللهِ، اللَّهمَّ اجعلْه لنا عِلمًا نافعًا، ورِزقًا واسعًا، ورِيًّا وشِبَعًا (^١)، وشِفاءً من كلِّ داءٍ، واغسلْ به قلبي، واملأهُ من خَشيتِكَ.
(وأَوَّل وقته) أي: وقتِ طوافِ الإفاضةِ (من نصفِ ليلةِ (^٢) النَّحرِ) لمن وقفَ قَبلَ ذلك بعرفاتٍ، وإلَّا، فبعدَ الوقوفِ.
(وَسُنَّ) فعلُه (في يومِه، وله تأخيرُه) أي: الطَّوافِ من أيَّامِ منًى؛ لأنَّ آخرَ وقتِه غيرُ محدودٍ كالسَّعي.
(ثُمَّ يَسعى متمتِّعٌ بينَ الصَّفا والمرْوة) لحجِّه؛ لأنَّ سعيَهُ الأوَّلَ كانَ لِعُمرتِه (و) يَسعى (مَنْ لم يَسْعَ مع طوافِ القُدومِ) مِن مُفرِدٍ وقارنٍ، ومَن سعى منهما، لم يُعِده؛ لأنَّه لا يستحبُّ التَّطوعُ به كسائرِ الأنساكِ، إلَّا الطَّوافَ؛ لأنَّه صلاةٌ (ثُمَّ قد حلَّ له كلُّ شيءٍ) حتَّى النِّساء، وهذا هو التحلُّل الثَّاني.
(ويشربُ من ماء زَمْزَمَ لما أحبَّ ويتضلَّعُ (^٣) منه) وَيرُشُّ على بَدَنِه وثوبِه، ويستقبلُ القِبلةَ، ويتنفَّسُ ثلاثًا (ويقولُ: بسمِ اللهِ، اللَّهمَّ اجعلْه لنا علمًا نافعًا، ورِزقًا واسعًا، وريًّا وَشِبَعًا، وَشِفاءً من كل داءٍ، واغسل به قلبي، واملأه من خَشيتِكَ) زادَ بعضُهم: "وحكمتِك"؛ لحديثِ جابرٍ: "ماءُ زمزمَ، لما شُربَ له" رواهُ ابنُ ماجه (^٤). وهذا الدعاءُ شاملٌ لخَيري الدُّنيا والآخرة.
_________________
(١) ليست في المطبوع، والمثبت من "هداية الراغب".
(٢) في (م) والأصل: "ليل".
(٣) تضلع من الطعام: امتلأ منه، وكأنه ملأ أضلاعه. "المصباح المنير" (ضلع).
(٤) في "سننه" (٣٠٦٢)، وهو عند أحمد (١٤٨٤٩) من طريق عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ٢/ ١٤٥: هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن المؤمل. وقال ابن القيم في "زاد المعاد" ٤/ ٣٦٠ - ٣٦١: وقد ضعف هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المؤمل- ثم ذكر طريقًا آخر عن ابن أبي الموالي وقال: -وابن أبي الموالي ثقة، فالحديث إذا حسن، وقد صحَّحه بعضهم، وجعله بعضهم موضوعًا، وكلا القولين فيه مجازفة.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
فصل
ثُمَّ يرجعُ فيبيتُ بمنًى ثلاثَ ليالٍ، ويرمي الجَمَراتِ أيَّامَ التَّشريقِ، فيبدأ بالأولى، وتلي مسجدَ الخَيْفِ بسبعِ حصَيَاتٍ، ويجعلُها عن يسارهِ، ويتأخَّرُ قليلًا، ويدعُو طويلًا، ثم الوسطى، ويجعلُها عن يمينه، فيرميها بالسَّبْعِ، ويتأخَّرُ قليلًا، ويدعُو، ثُمَّ جمرة العقبةِ، ويجعلُها عن يمينه، ويستبطِنُ الوادي، ولا يقفُ عندَها، وكذا يفعلُ في اليومِ الثَّاني والثالث بعدَ الزَّوالِ، ويستقبلُ القبلةَ.
فصل
(ثُمَّ يرجعُ) من مكَّةَ بعدَ الطَّوافِ والسَّعي (فـ) يُصلِّي ظهرَ يومِ النًّحرِ بِمنًى، و(يبيتُ بمنًى ثلاثَ ليالٍ) إن لم يتعجَّل، وليلتينِ إنْ تعجَّلَ في يومينِ.
(ويرمي الجَمَرَاتِ أَيَّامَ التَّشريقِ، فَيبدأُ بما رَمي الجَمرَةِ (الأولى، وتلي مسجدَ الخَيفِ (^١» فيرمِيها (بسبع حصيَاتٍ) متعاقباتٍ، يفعلُ كما تقدَّمَ في جَمرةِ العقبةِ. (ويجعلُها) أي: الجمرةَ (عن يسارِه، ويتأخَّرُ قليلًا) بحيثُ لا يُصيبُه الحصى (ويدعُو طويلًا) رافعًا يَدَيه.
(ثُمَّ) يأتي الجَمرَة (الوسطى ويجعلُها) أي: الوسطى (عن يمينه، فيرميها بـ) الحَصَياتِ (السَّبع، ويتأخَّرُ قليلًا ويدعُو) طويلًا.
(ثُمَّ) يرمي (جمرةَ العقبةِ) بسبع كذلك (ويجعلُها عن يمينه) (ويستبطِنُ الوادي، ولا يقفُ عندَها، وكذا يفعلُ) ما تقدَّمَ من رميِ الجمارِ الثَّلاثِ على التَّرتيبِ والكيفيةِ المذكورَين (في اليوم الثَّاني والثَّالثِ) من أيَّامِ التشريقِ.
ولا يُجزئُ الرَّمي في الأيَّامِ الثلاثةِ إلَّا (بعدَ الزَّوالِ) فلا يُجزئُ قبلَه، ولا ليلًا لغيرِ سُقاةٍ ورُعاةٍ. والأفضلُ: الرَّميُ قبلَ صلاةِ الظهر (ويستقبلُ القبلةَ) في الكلِّ.
_________________
(١) الخيف: ما ارتفع من الوادي قليلًا من مسيل الماء؛ ومنه مسجد الخيف بمنًى؛ لأنَّه بني في خيف الجبل. "المصباح المنير" (خيف).
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وإنْ رماه في الثَّالثِ، أجزأه (^١) أداءً، ويرتِّبه بالنيَّةِ، وإنْ أخَّره عنها، أو لم يَبِتْ بها، فَدمٌ، ومَنْ تعجَّل في يومينِ، خرجَ قبلَ الغُروبِ، وسقطَ عنه رميُ اليومِ الثَّالثِ، وَيدْفِنُ حَصاهُ نَدْبًا.
وإذا أرادَ الخروجَ من مكَّةَ، ودَّعَ البيتَ بالطَّوافِ،
(وإن رماه) أي: الحصى السَّبعين كلَّه (في) اليومِ (الثَّالثِ) منْ أيَّامِ التَّشريقِ (أجزأَه) الرَّميُ، ويكونُ (أَداءً) لأنَّ أيَّامَ التَّشريقِ كلَّها وقتُ الرَّمي. (ويرتِّبُه) وجوبًا (بالنِّيَّةِ) فيرمي لليومِ الأوَّلِ بنيَّتِه، ثُمَّ للثَّاني، وَهكذا كفوائت الصَّلاةِ.
(وإن أخَّره) أي: الرميَ (عنها) أي: من أيَّامِ التَّشريقِ، فعليهِ دَمٌ (أو لم يَبِت بها) أي: بمنًى؛ أي: فيها (فـ) عليهِ (دمٌ) لأنَّه تَرَكَ نُسكًا واجبًا. ولا مَبيتَ على سُقاةٍ ورُعاةٍ.
ويخطُبُ الإمامُ ثانيَ أيَّامِ التَّشريقِ خُطبة يعلِّمهم فيها حُكمَ التَّعجيلِ والتأخيرِ والتَّوديعِ.
(ومن تعجَّل في يومينِ) بأن أرادَ النَّفرَ من منًى في ثاني أيَّامِ التَّشريقِ (خرجَ قبلَ الغروبِ) ولا إثمَ عليه (وسقط عنه رمي اليوم الثَّالثِ، ويَدفِنُ حصاه) أي: حصى الثَّالثِ (نَدْبًا) وفُهِمَ منهُ أنَّه إذا لم يخرج قبلَ الغُروبِ، لزمَهُ المبيتُ والرَّمي مِنَ الغدِ بعدَ الزَّوالِ؛ لقولِ عمرَ ﵁: من أدركه (^٢) المساءُ في اليوم الثَّاني، فليُقِم إلى الغدِ، حتَّى ينفرَ مع النَّاسِ (^٣).
(وإذا أَرادَ الخروجَ من مكَّةَ) بعدَ عودِه إِليها (ودَّع البيتَ بالطَّواف) وجوبًا، إِذا
_________________
(١) في المطبوع: "أجزأ"، والمثبت موافق لما في "هداية الراغب".
(٢) في الأصل و(ح) و(م): "أدرك".
(٣) أخرجه البيهقي ٥/ ١٥٢ تعليقًا بنحوه، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٩٧ "نشرة العمروي" عن ابن عمر ﵄ موقوفًا باللفظ المذكور. وأخرجه مالك في "الموطأ" ١/ ٤٠٧، والبيهقي ٥/ ١٥٢ عن ابن عمر ﵄ موقوفًا أيضًا بلفظ: من غربت له الشَّمس من أوسط أيَّام التشريق وهو بمنًى، فلا ينفرنَّ حتَّى يرمي الجمار من الغد. قال البيهقي: وروي عن ابن المبارك، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، ولا يصح رفعه.
[ ٢ / ٣٩١ ]
ويسقط عن حائضٍ. وإنْ أقامَ أو اتَّجَر بعدَه، أعادَه، ومَنْ تركَه، رجعَ إليه إنْ لم يشقَّ، فإن لم يفعلْه، فعلَيْه دمٌ.
ويقفُ بالملتزَمِ بين الركنِ والبابِ ملصقًا جميعَه، ويدعُو فيقول:
فرغَ مِنْ جميعِ أمورِهِ؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: أمِرَ النَّاسُ أن يكونَ آخر عهدِهم بالبيتِ، إلَّا أنَّه خُفِّفَ عن المرأةِ الحائض. متَّفق عليه (^١)، ويُسمَّى طوافَ الصَّدَرِ (^٢).
(ويسقط) طواف الوداعِ (عن حائضٍ) ونُفساءَ؛ لما تقدَّم.
(وإنْ أقامَ) بعدَ طوافِ الوداع (أو اتَّجَر بعدَه، أعاده) إذا عَزمَ على الخروجِ وفرغَ من جميعِ أموره؛ ليكونَ آخرَ عهدِه بالبيتِ، كما جرت العادةُ في توديعِ المسافرِ أهلَه وإخوانَه.
(ومَن تركَه) أي: طواف الوداعِ غيرَ حائضٍ ونُفساءَ (رجعَ إليه إن لم يشقَّ) عليه الرُّجوعُ بلا إحرامٍ، إنْ لم يبعد من مكَّةَ، وإلَّا، أحرمَ بعُمرةٍ، فيطوفُ وَيَسعى للعمرةِ، ثُمَّ يطوفُ للوداعِ.
(فإن لم يفعله (^٣» أي: لم يرجِع، أو شقَّ الرُّجوعُ على مَن بعدَ عن مكَّةَ دونَ مسافةِ قَصرٍ، أو بعُدَ عنها مسافة قَصرٍ -ولا يلزمُه الرُّجوعُ إذًا- (فعليه دَمٌ) لتركهِ نُسُكًا واجبًا.
(ويقفُ) غيرُ حائضٍ ونُفساءَ بعد الوداعِ (بالملتزم) وهو مقدارُ أربعةِ أذرعٍ (بينَ الرُّكنِ) الذي به الحجرُ الأسودُ (والباب) (^٤) حالَ كونه (ملصقًا) به (جميعه) وجهَهُ، وصدرَهُ، وذراعيهِ، وكفيهِ مبسوطَتينِ (ويدعُو) بما وردَ (فيقول) وهو على هذهِ الحالِ:
_________________
(١) "صحيح" البخاري (١٧٥٥)، ومسلم (١٣٢٨).
(٢) الصَّدر -بفتح الصاد والدال-: رجوع المسافر من مقصده. "المطلع" ص ٢٠٠.
(٣) في الأصل و(س) و(م): "يفعل".
(٤) "المطلع" ص ٢٠٣.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
اللَّهمَّ هذا بيتُكَ، وأنا عبدُكَ، وابنُ عبدِكَ، وابنُ أمتِكَ، حملتني على ما سخَّرتَ لي من خلقِكَ، وسيَّرتني في بلادِكَ حتَّى بلَّغتني بنعمتِكَ إلى بيتِكَ، وأَعنتني على أداءِ نُسُكي، فإنْ كنتَ رضِيتَ عنِّي، فازددْ عنِّي رِضًا، وإلَّا، فمُنَّ الآنَ قبلَ أن تنأى عن بيتِكَ داري، وهذا أوانُ انصِرافي غير مستبدِلٍ بكَ ولا ببيتِكَ، ولا راغبٍ عنكَ، ولا عن بيتكَ، اللَّهمَّ فأصْحِبْنِي العافيةَ في بدني، والصِّحةَ في جسمي، والعِصمةَ في ديني، وأحسِن مُنقَلبي. وارزُقني طاعتَكَ ما أبقيتني، واجمعْ لي بين خَيْرَي الدُّنيا والآخرةِ، إنَّكَ على كل شيءٍ قديرٌ. ويدعو بما أحبَّ، ويصلِّي على النَّبيّ ﷺ،
(اللّهمّ هذا بيتُكَ، وأنا عبدُكَ وابنُ عبدِك وابنُ أمتكَ، حملتني على ما سخَّرتَ لي من خلقِكَ، وسيَّرتني في بلادِكَ حتَّى بلَّغتني بنعمتكَ إلى بيتكَ، وأعنتني على أداء نُسُكي، فإنْ كنتَ رضِيتَ عني، فازدد عنِّي رضًا، وإلَّا فمُنَّ الآنَ) -بضمِّ الميمِ وتشديدِ النُّون -فِعْلُ أمْرِ مِن مَن يَمُنُّ للدُّعاءِ (^١)، ويجوزُ كسرُ الميمِ على أنَّها حرف جرٍّ لابتداءِ الغاية. والآنَ: الوقتُ. (قبلَ أَنْ تنأى) أي: تبعدَ (^٢) (عن بيتِكَ داري، وهذا أَوانُ انصِرافي) إنْ أذِنتَ لي (غير مستبدِلٍ بكَ ولا ببيتكَ، ولا راغبٍ عنكَ ولا عن بيتِكَ، اللّهمّ فأصحِبني) بقطعِ الهمزةِ (العافيةَ في بدني، والصحةَ في جسمي، والعِصمةَ) أي: المنعَ مِنَ المعاصي (^٢) (في ديني، وأَحسِن (^٣) مُنْقلبي، وارزقني طاعتكَ ما أبقيتَني، واجمع لي بين خَيرَي الدُّنيا والآخر، إنَّكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ) (^٤).
(ويدعُو) بعدَ ذلك (بما أحبَّ، ويصلِّي على النبي ﷺ).
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: للدعاء. صفة لفعل، أي: فعل أمر موضوع للدعاء. انتهى. المؤلف بمعناه".
(٢) "المطلع" ص ٢٠٣.
(٣) في الأصل و(ح) و(س): "وحسِّن"، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في مصادر التخريج الآتية.
(٤) هذا الدعاء ذكره الشَّافعي في "الأم" ٢/ ١٨٧، وأخرجه عنه البيهقي ٥/ ١٦٤، وقال: وهو حسن.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
ويقول في انصرافِه: اللَّهمَّ لا تجعلْهُ آخرَ العَهْدِ. وتدعو حائضٌ ببابِ المسجدِ.
وتستحبُّ زيارةُ قبرِ النَّبيّ ﷺ وقبرِ صاحبَيْه حتَّى لنساءٍ.
ويأتي الحطِيمَ أيضًا -وهو تحتَ الميزابِ- فيدعُو ثُمَّ يشربُ من ماءِ زمزمَ، ويستلمُ الحَجَرَ.
ثمّ يخرجُ (ويقول في انصرافِه: اللّهمّ لا تجعلْهُ آخرَ العَهدِ. وتدعو حائضٌ) ونُفساءُ (ببابِ المسجدِ) بالدُّعاءِ السَّابقِ.
(وتُستحَبُّ زيارةُ قبرِ النبي ﷺ، وقبرِ صاحبيهِ) أبي بكرٍ وعمرَ ﵄ (حتَّى لنساءٍ) فتُسنُّ لهنَّ الزِّيارةُ؛ لحديثِ: "من حجَّ، فزارَ قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي" رواهُ الدارَقطنيُّ (^١). فيُسلِّمُ عليه مُستقبلًا له، ثُمَّ يستقبل القِبلةَ، ويجعلُ الحجرةَ عن يساره، ويدعو بما أحبَّ. وَيحرُمُ الطَّوافُ بها. وكرِهَ التَّمسُّحُ بها ورفْعُ الصَّوتِ عندَها. وإذا أدارَ وجهَهُ إلى بلدِه قال: لا إله إلَّا اللهُ، آيبُونَ، تائبون، عابدونَ، لِربَّنا حامدونَ، صَدَقَ اللهُ وَعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزَم الأحزابَ وحدَه (^٢).
_________________
(١) في "سننه" (٢٦٩٣)، وهو عند الطبراني في "الكبير" ١٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧ (١٣٤٩٧)، وابن عدي في "الكامل" ٢/ ٧٩٠، والبيهقي ٥/ ٢٤٦ من طريق حفص بن سليمان، عن ليث ابن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا. قال البيهقي: تفرد به حفص وهو ضعيف. وقال ابن عدي في "الكامل" ٢/ ٧٨٨: قال أحمد: حفص بن سليمان أبو عمر القارئ متروك الحديث، وقال يحيى بن معين: كان حفص كذابًا، وقال البخاري: حفص بن سليمان تركوه. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢٦٩٤) عن رجل من آل حاطب، عن حاطب مرفوعًا. قال الحافظ في "التلخيص الحبير" ٢/ ٢٦٦: وفي إسناده الرجل المجهول. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣٤٠٠) عن ابن عمر مرفوعًا من طريق عائشة ابنة يونس امرأة ليث بن أبي سليم، عن ليث بن سليم، عن مجاهد، به. قال الحافظ في "التلخيص الحبير" ٢/ ٢٦٧؛ أما رواية الطبراني ففيها من لا يعرف. وبهذا يتبيَّن أنَّه لا دليل على الاستحباب، بمعنى قصد الزيارة للقبور ممن هو خارج المدينة، واستحباب الزيارة ثابت لمسجده ﷺ بحديث: لا تُشدُّ الرحالُ إلَّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، والمسجد الأقصى، وهو عند البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٧٩٧)، ومسلم (١٣٤٤)، وهو عند أحمد (٤٤٩٦) عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قفل من غزو، أو حج، أو عمرة يكبِّر على كل شرف من الأرض ثلاث =
[ ٢ / ٣٩٤ ]
فصل
صفةُ العمرةِ: أن يُحرِمَ بها من الحِلِّ، والأفضلُ من التَّنعيمِ، ثُمَّ يطوفُ، وَيسعى، ويحلقَ أو يقصِّرَ، وتصحُّ كلَّ وقتٍ، وتجزئُ عن عُمرةِ الإسلام.
وأركانُ الحجِّ: إحرام، ووقوفٌ بعرفةَ،
فصل (^١)
(صفةُ العُمرةِ: أن يحرِمَ بها) من الميقاتِ، إذا كان مارًّا به، أو (من الحِلِّ) إذا كانَ بمكَّةَ، وأي موضعٍ من الحِلّ أحرمَ منه بها، جازَ (والأفضلُ) أن يُحرِمَ بها (من التَّنعيمِ) لأمرِه ﷺ عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بكرٍ أن يُعمِرَ عائشةَ من التَّنعيمِ (^٢). ويحرِمُ من الحَرمِ، وينعقدُ، وعليه دَمٌ. (ثُمَّ) بعدَ إحرامهِ بالعُمرةِ (يطوف، وَيسعَى، ويَحلِق أو يقصِّر) فيحلُّ؛ لإتيانهِ بأفعالها.
(وتَصَحُّ) العُمرةُ (كلَّ وقتٍ) فلا تُكرَه بأشهرِ الحجِّ، ولا يومَ النَّحرِ، أو عرفةَ. ويُكرهُ الإكثارُ والموالاةُ بينها باتفاقِ السَّلفِ. قاله في "المبدع" (^٣).
ويُستحبُّ تَكرارُها في رمضان؛ لأنَّها تعدِلُ حَجَّةً (وتُجزئُ) العُمرةُ من التَّنعيمِ، وعُمرةُ القارنِ (عن عُمرةِ الإسلامِ) التي هي الفرضُ.
(وأركانُ الحج) أربعةٌ: (إحرامٌ) وتقدَّمَ أنَّه نيَّةُ الدُّخولِ في النُّسكِ؛ لحديثِ: "إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ" (^٤). (ووقوف بعرفة) لحديثِ: "الحجِّ عرفة" (^٥).
_________________
(١) = تكيرات، ثم يقول: "لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون … ".
(٢) بعدها في (م): "في".
(٣) أخرجه البخاري (١٧٨٤)، ومسلم (١٢١٢)، وهو عند أحمد (١٧٠٥).
(٤) ٣/ ٢٦١.
(٥) سلف ١/ ٢٦٦.
(٦) قطعة من حديث أخرجه أبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي في "المجتبى" ٥/ ٢٥٦، وابن ماجه (٣٠١٥)، وهو عند أحمد (١٨٧٧٤) من حديث عبد الرحمن بن يعْمَر الديلي ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وطوافُ إفاضةٍ، وسَعْيٌ. وواجباتُه: إحرامٌ من ميقاتٍ، ووقوفُ مَنْ وقفَ بعرفةَ نهارًا إلى الغروبِ، والمبيتُ بمزدلفةَ إلى نصفِ اللَّيلِ، وبمنًى لياليَ أيَّام التَّشريقِ على غير سُقاة (^١) ورُعاة، والرَّميُ مرتبًا، وحَلْقٌ أو تقصيرٌ. والباقي سُنَنٌ.
(وطواف إفاضةِ) لقولهِ تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. (وسَعْيٌ) لحديثِ: "اسعَوْا؛ فإنَّ اللهَ كتبَ عليكم السَّعيَ" رواهُ الإمامُ أحمد (^٢).
(وواجباتُه) سبعة: (إحرامٌ من ميقاتٍ) معتبر له، وتقدَّمَ (ووقوفُ مَن وقفَ بعرفةَ نهارًا إلى الغروب) ليجمعَ واقفُ النَّهارِ بينَ جُزءٍ من النَّهارِ وجُزءٍ من اللَّيلِ، ولو قال: ووقوفُ من وقفَ نهارًا جزءًا من اللَّيلِ. لكان أظهرَ، وأمَّا من وقفَ ليلًا فقط، فلا واجبَ عليه.
(والمبيتُ بمُزدلفةَ) على غيرِ سُقاةٍ ورُعاةٍ (إلي) بعد (نصفِ اللَّيلِ).
(و) المبيتُ (بمنًى لياليَ أيَّامِ التَّشريقِ) على ما مرَّ (^٣) (على غيرِ سُقاة ورُعاةٍ. والرَّميُ مرتَّبًا وحَلْقٌ، أو تقصيرٌ) والوداعُ.
(والباقي) من أفعالِ حجّ وأقوالهِ السَّابقةِ (سُنَنٌ) كطوافِ القُدومِ، والمبيتِ بمنًى
_________________
(١) في المطبوع: "سعاة" والمثبت موافق لما في "هداية الراغب".
(٢) في "مسنده" (٢٧٣٦٧)، وهو عند الشَّافعي في "مسنده" ١/ ٣٥١ - ٣٥٢، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" ٨/ ٢٤٧، والطبراني في "الكبير" ٢٤/ ٢٢٥ - ٢٢٧ (٥٧٢)، (٥٧٤)، (٥٧٥)، (٥٧٦)، وابن عدي في "الكامل" ٤/ ١٤٥٦، والحاكم ٤/ ٧٠، والبيهقي ٥/ ٩٨ من حديث حبيبة بنت أبي تجراه. وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي: لم يصح. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٣/ ٤٩٨: أخرجه الشافعي وأحمد وغيرهما، وفي إسناد هذا الحديث: عبد الله بن المؤمل، وفيه ضعف، من ثم قال ابن المنذر: إن ثبت، فهو حجة في الوجوب. قلت: له طريق أخرى في "صحيح" ابن خزيمة [٢٧٦٤] مختصرة، وعند الطبراني [في "الكبير" ١١/ ١٨٤ (١١٤٣٧)] عن ابن عباس ﵄. اهـ وأخرجه الدارقطني (٢٥٨٢) من طريق آخر عن ابن المبارك، عن معروف بن مشكان، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية، عن نسوة من بني عبد الدار أدركن رسول الله ﷺ. قال الزيلعي في "نصب الراية" ٣/ ٥٦: قال صاحب "التنقيح": إسناده صحيح.
(٣) جاء بعدها في (م): "من التفصيل بين المتعجل وغيره" وهي حاشية في هامش الأصل، وجاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: على ما مر. من التفصيل بين المتعجل فعليه ليلتان، وغيره فعليه الثلاث. انتهى تقرير المؤلف".
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وأركانُ عُمرةٍ: إحرامٌ، وطوافٌ، وسعيٌ. وواجبُها (^١): حَلْقٌ أو تقصيرٌ، وإحرامٌ من الحِلِّ. فمَنْ تركَ الإحرامَ، لم ينعقدْ نُسكُه. ورُكنًا غيرَه، لم يتمَّ إلَّا به. وواجبًا ولو عمدًا، فدمٌ، ونُسكُه صحيحٌ. وسُنَّةً، فلا شيءَ عليه.
فصل
ليلةَ عرفةَ، والاضطباعِ والرَّملِ في موضِعهما، وتقبيلِ الحَجَرِ، واستلامِ (^٢) اليمانيِّ من غيرِ تقبيلٍ، والأدعيةِ ونحوِ ذلك.
(وأَركانُ عُمرةٍ) ثلاثةٌ: (إحرامٌ، وطوافٌ، وسعْيٌ) كالحجِّ (^٣) (وواجبُها: حَلْقٌ أو تقصيرٌ، وإحرامٌ من) الميقاتِ أو (الحِلِّ) على ما تقدَّم.
(فمن تركَ الإحرامَ، لم ينعقدْ نُسكُه) حَجًّا كان أو عُمرةً، كالصَّلاة لا تنعقدُ إلَّا بالنِّيَّةِ.
(و) مَن تركَ (رُكنًا غيرَه) أي: غيرَ الإحرام، أو تركَ نيَّته (^٤) حيثُ اعتبرت (لم يتمَّ) نُسكُه (إِلَّا به. و) من تركَ (واجبًا ولو عمدًا، فـ) عليه (دمٌ، ونُسكُه صحيحٌ) فإنْ عدم الدَّمَ، فَكَصومِ المتعةِ (^٥) (و) من تركَ (سُنَّةً، فلا شيءَ عليه) كالصَّلاةِ وأَولى.
فصلٌ
الفَواتُ: سَبْقٌ لا يُدرَكُ. والإحصارُ: الحبْسُ (^٦)
_________________
(١) في المطبوع: "وواجباتها"، والمثبت موافق لما في "هداية الراغب".
(٢) بعدها في (م): "الركن".
(٣) جاء في هامش الأصل ما نصه: "أي: في أدلتها".
(٤) في (م) و(ح): "نيَّة"، وجاء في هامش الأصل ما نصه: "أي: نيته الركن، كنية الطواف والسعي"، وجاء في هامش (س) ما نصه: قوله: نيته، أي: الركن حيث اعتبرت، أي: طلب، وذلك في غير الإحرام من بقية الأركان. انتهى تقرير".
(٥) جاء في هامش (س) ما نصه: "فكصوم المتعة، أي: فعليه عشرة أيام. انتهى. تقرير المؤلف" أي: يصوم عشرة أيام؛ ثلاثة في الحج، وسبعةً إذا رجع. "شرح منتهى الإرادات" ٢/ ٥٨٦.
(٦) "المطلع" ص ٢٠٤.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
ومَنْ طلعَ عليه فجرُ يوم النَّحرِ ولم يقفْ بعرفةَ، فاتَه الحجُّ، وتحلَّلَ بعمرةٍ إنْ شاء، ويقضي ويهدِي إن لم يشترطْ، ومَنْ صدَّه عدوٌّ عن البيتِ،
(و) قد أشارَ إلى الأَوَّلِ بقولهِ: (من طلعَ علبه فجرُ يوم النَّحرِ ولم يقفْ بعرفةَ، فاته الحجُّ) لقولِ جابرٍ: لا يفوتُ الحجُّ حتَّى يطلعَ الفجرُ من ليلة جَمْعٍ (^١). قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: نعم. رواه الأثرمُ، وتقدَّم (^٢).
(وتحلَّلَ بعمرةٍ) فيطوفُ، ويَسعى، ويحْلق أو يقصِّر (إنْ شاءَ) بأنْ لم يختر البقاءَ على إحرامهِ ليحجَّ مِنْ قابلٍ.
(ويقضي) الحجَّ الفائتَ (ويهدي) هديًا يذبحُه في قضائِهِ (إنْ لم يشترطْ) في ابتداءِ إحرامهِ؛ لقول عمرَ ﵁ لأبي أيوب لمَّا فاتَه الحجُّ: اصنعْ ما يصنعُ المعتمرُ، ثمَّ قد حلَلتَ، فإذا أدركتَ الحجَّ قابلًا، فحُجَّ وأهدِ ما استيسر مِنَ الهدْي. رواه الشَّافعيُّ ﵁ (^٣).
والقارِنُ وغيرُه سواءٌ، فإنِ اشترَطَ بأنْ قال في ابتداءِ إحرامِه: وإنْ حبسَني حابسٌ، فمحِلِّي حيثُ حبستني. فلا هَدْيَ عليه ولا قضاءَ، إلَّا أنْ يكونَ الحجُّ واجبًا، فيؤديه.
وإنْ أخطأ النَّاسُ، فوقفُوا الثَّامنَ أو العاشرَ، أجزأهم، وإن أخطأ بعضُهم (^٤)، فاتَه الحجُّ.
وأشارَ إلى الثَّاني بقوله: (ومن صدَّه) أي: منعَه (عدوٌّ عن البيتِ) ولمْ يكن له
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصه: "ليلة جمع، أي: مزدلفة".
(٢) لعله في "سنن" الأثرم ولم يطبع، وسلف ص ٣٨٢.
(٣) في "مسنده" ١/ ٣٨٤ من طريق مالك، وهو في "الموطأ" ١/ ٣٨٣ واللفظ له، وهو عند البيهقي ٥/ ١٧٤ من طريقهما. قال الحافظ ابن الملقن في "خلاصة البدر المنير" ٢/ ٤٨: رواه مالك والشافعي بإسناد صحيح.
(٤) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: وإن أخطأ بعضهم. المراد به ما دون النصف. انتهى. تقرير المؤلف. وهل النصف كالأقل منه أو كالأكثر، فليراجع".
[ ٢ / ٣٩٨ ]
أهدى، فإنْ لم يجدْ، صام عشرةَ أيَّامٍ بالنِّيَّة، ثمَّ حلَّ، وإن حصَره مرضٌ أو ذهابُ نفقةٍ، بقي مُحرِمًا إن لم يكنْ اشترطَ.
طريقٌ إلى الحج (أهدى) أي: نَحَر هديًا في موضِعه (فإنْ لم يجدْ) هديًا (صام عشرةَ أيَّامٍ بالنِّيَّة) أي: نيَّةِ التَّحلُّلِ (ثمَّ حلَّ) ولا إطعامَ في الإحصارِ. وظاهرُ كلامِه -كالخرقيِّ وغيره- عدمُ وجوبِ الحلْقِ أو التَّقصيرِ، وقدَّمه (^١) في "المحرر".
وإن صُدَّ عن عرفةَ دون البيتِ، تحلَّلَ بعُمرةٍ. وإن أُحصرَ عنْ طوافِ الإفاضةِ فقط، لم يتحلَّلْ حتى يطوفَ. وإن أُحصِرَ عن واجبٍ، لم يتحلَّل وعليه دمٌ.
(وإن حصَره مرضٌ، أو ذهابُ نفقهٍ) أو ضلَّ الطَّريقَ (بقيَ مُحرمًا) حتى يقدرَ على البيتِ؛ لأَنَّه لا يستفيدُ بالإحلالِ التخلُّصَ من أذاه، بخلافِ حَضرِ العدوِّ، فإنْ قدرَ على البيتِ بعد فواتِ الحجِّ، تحلَّلَ بعُمرةٍ، ولا ينحرُ هديًا معه إلَّا بالحَرَمِ، هذا (إن لم يكن اشترطَ) في ابتداءِ إحرامِه أنَّ محِلِّي حيثُ حبستني. فإن اشترط، فله التَّحلُّلُ مجانًا في الجميع.
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: وقدمه .. إلخ، أي: قدم عدم وجوب ذلك. انتهى. تقرير المولف".
[ ٢ / ٣٩٩ ]