يُسَنُ قيامُ إمامٍ فمأمومٍ رآه، عند قول: قد قامتِ الصلاةُ. وتسويةُ صفٍّ، وقربُه من إمام.
ويقول: اللهُ أكبرُ
باب صفة الصلاة
سُنَّ خروجٌ إليها بسكينة، ووقار، ويقارب خُطاه. وإذا دخلَ المسجدَ، قدَّم رجلَه اليمنى، واليسرى إذا خرج، كما تقدَّم. ويقول: باسم الله، والسلامُ على رسول الله، اللَّهُمَّ اغفرْ لي ذنوبي، وافتحْ لي أبوابَ رحمتك. ويقوله إذا خرج، إلا أنَّه يقول: أبوابَ فضلك. ولا يُشبِّك أصابَعه، ولا يخوضُ في حديثِ الدنيا، ويجلسُ مستقبلَ القِبلة.
و(يُسَنُّ قيامُ إمامٍ، فـ) قيامُ (مأمومٍ رآه) أي: رأى المأمومُ الإمامَ (عند قول) مقيمٍ: (قدْ قامتِ الصلاةُ) لأنَّ النبيِّ ﷺ كان يفعلُ ذلك. رواه ابنُ أبي أوْفى (^١). ولا يُحرِم الإمامُ حتى تفرغَ الإقامةُ.
(و) تُسن (تسويةُ صفٍّ) بمَنكِبٍ وكعبٍ، فيلتفت يمينًا، فيقول: استووا رحِمَكُم الله. وشمالًا كذلك، ويكمل الأوَّلُ فالأوَّلُ ويتراصُّون. وصفٌّ أوَّلُ لرجالٍ أفضلُ، وله ثوابه وثوابُ مَن وراءَه ما اتصلتِ الصفوفُ، والأخيرُ لنساءٍ أفضلُ (و) يُسنُّ (قُربُه) أي: الصفِّ (من إمام).
(ويقول) مصل مطلقًا: (الله أكبرُ) فلا تنعقدُ إلَّا بها نطقًا؛ لحديث: "تحريمُها
_________________
(١) أخرجه البزار في "مسنده" (٣٣٧١)، وابن عدي في "الكامل" ٢/ ٦٥٠، والبيهقي ٢/ ٢٢ كلهم من طريق حجاج بن فروخ، عن العوام بن حوشب، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان إذا قال بلال: قد قامت الصلاة، نهض رسولُ الله ﷺ فكبَّر. قال ابن حزم في "المحلى" ٤/ ١١٧: ورووا نحو هذا أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁، وهذان أثران مكذوبان؛ أما حديث ابن أبي أوفى فمن طريق الحجاج بن فروخ، متفق على ضعفه وترك الاحتجاج به، وأما خبر عمر، فمن طريق شريك القاضي، وهو ضعيف، فبطل التعلق بهما.
[ ٢ / ٨٩ ]
قائمًا رافعًا يدَيْه إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْه، مضمومةَ الأصابع، ممدودة. ويُسْمِعُه إمامٌ مَن خَلْفه كتسميعٍ وتسليمةٍ أُولى، وقراءةٍ في أُولتَي غَير الظُّهرَيْن
التكبيرُ" رواه أحمدُ وغيرُه (^١). فلا تصحُّ إن نكَّس، أو قال: الله الأكبر. أو: الجليل، ونحوه. أو مدَّ همزةَ: ألله، أو: أكبر، أو قال: أكبار. وإن مطَّطه، كُرِهَ مع بقاء المعنى، ولا بدَّ أن يأتي بالتكبيرة حال كونه (قائمًا) في فرض مع قدرةٍ، فإن أتى بالتَّحريمةِ، أو ابتدأها، أو أتَّمها غيرَ قائمٍ، صحَّتْ فعلًا، إن اتَّسعَ الوقتُ.
ويكونُ حالَ تحريمه (رافعًا يدَيْه) ندبًا، فإن عجز عن رفعِ إحداهما، رفعَ الأُخرى، ويبتدئ الرفعَ مع ابتداءِ التكبير، ويُنهيه مع انتهائِه (إلى حَذوِ) أي: مقابِل (مَنْكبَيْه) لقولِ ابنِ عمرَ: كان النبيُّ ﷺ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ، رفع يديه حتى يكونا حذوَ مَنْكَبَيْه، ثمَّ يُكبِّر. متَّفقٌ عليه (^٢). حالَ كونِ يدَيْه (مضمومةَ الأصابعِ ممدودتَـ) ــــها، مستقبلًا ببطونها القِبْلَة، فإن لم بقدِرْ على الرفع المسنونِ، رفع حسبَ إمكانه، ويسقطُ بفراغِ التَّكْبيرِ كلِّه. وكشفُ يدَيْه هنا وفي دعاءٍ أفضلُ (^٣). ورفعُهما إشارةٌ إلى رفعِ الحجاب بينه وبين ربِّه تعالى.
(ويُسْمِعُه) بضمِّ أوَّله، أي: يُسمِعُ التكبيرَ كلَّه (إمامٌ) ندبًا (مَنْ خلْفَه) من مأمومين؛ ليتابعوه (كـ) ـــما يُندبُ جَهْرُه بـ (تسميعٍ) أي: قولِ: سَمِعَ اللهُ لمن حمدَه (وتسليمةٍ أولى) فإن لم يُمْكِنْه إسماعُ جميعهم، جهر به بعضُهم؛ لفعل أبي بكر معه ﷺ. متفَقٌ عليه (^٤).
(و) يُسنُّ جهرُه بـ (ـــقراءة) الفاتحة والسور؛ (في أُولَتي غير الظُّهرَيْن) أي: الظُّهرِ
_________________
(١) "مسند" أحمد (١٠٠٦)، وأبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥) عن علي ﵁. قال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن.
(٢) "صحيح" البخاري (٧٣٦)، و"صحيح" مسلم (٣٩٠)، وهو عند أحمد (٤٥٤٠).
(٣) كذا ذكره ابن مفلح في "الفروع" ٢/ ١٦٨، ونقله عنه المرداوي في "الإنصاف ومعه المقنع والشرح الكبير" ٣/ ٤٢١، والمعنى أن تكون يداه حال الرفع لتكبيرة الإحرام وفي حال الدعاء مكشوفتين. وذكر النووي في "شرح صحيح مسلم" ٤/ ١١٤ استحباب كشف اليدين حال رفعهما لتكبيرة الإحرام.
(٤) "صحيح" البخاري (٦٨٧)، و"صحيح" مسلم (٤١٨)، وهو عند أحمد (٢٥٧٦١) عن عائشة ﵂.
[ ٢ / ٩٠ ]
وغيرُه نفسَه.
ثم يقبض كُوعَ يُسراه، ويجعلُهما تحت سُرَّتِه، وينظرُ مسجدَه، ثم يقول: سُبْحانَكَ اللهمَّ وبحمدِكَ، وتباركَ اسمُكَ، وتعالى جَدُّكَ، ولا إلهَ غيرُكَ.
والعصرِ، فيجهر في أُولتي مغربٍ، وعشاءٍ، وفي صبحٍ، وجمعةٍ، وعيدَين، وكسوفٍ، واستسقاءٍ، وتراويحَ، ووِتر بقدر ما يُسمِع المأمومين.
(وغيرُه) أي: غيرُ الإمام، وهو المأموم والمنفردُ يُسِرُّ بذلك كلِّه، إلا بقراءةٍ لمنفرد، وقائمٍ لقضاءِ ما فاته، فيخيَّران بَينَ الجهر وعدمِه، وفي نفل ليلًا يراعي المصلحة، لكن ينطقُ مصلٍّ بما قلنا، يُسرُّ به بحيث يُسمع (نفسَه) وجوبًا في كلِّ واجبٍ؛ لأنَّه لا يكونُ كلامًا بدونِ صَوْتٍ، وهو ما يتَأتَّى سماعُه حيث لا مانعَ، فإنْ كان، فبحيث يحصل السماعُ مع عدمِه. (ثمَّ) إذا فَرَغَ من التَّكبير (يقبضُ كُوعَ يُسراه) بكفِّ يمناه (ويجعلُهما تحتَ سرَّته) ندبًا (وينظرُ) مصلٍّ ندبًا (مسجدَه) أي: يجعلُ نظره إلى موضعِ سجوده، فلا يتعدَّاه؛ لأنَّه أخشعُ، إلَّا في صلاةِ خوفٍ؛ لحاجة.
(ثُمَّ) يستفتحُ ندبًا فـ (ــــيقول: سُبْحانَك اللَّهم) أي: أنزِّهُك يا ألله عمَّا لا يليقُ بك (وبحمدِك) سبَّحتُك (وتباركَ اسْمك) أي: كَثُرتْ بركاتُه (وتعالى جَدُّك) -بفتح الجيم- أي: ارتفع قدرُك وعَظُم (^١) (ولا إلهَ) يستحقُّ أن يُعبَدَ (غيرُك) كان ﷺ يستفتحُ بذلك. رواه أحمدُ وغيرُه (^٢).
_________________
(١) "المطلع" ص ٧١.
(٢) "مسند" أحمد (١١٤٧٣)، وهو عند أبي داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢)، والنسائي في "المجتبى" ٢/ ١٣٢، وفي "الكبرى" (٩٧٤)، وابن ماجه (٨٠٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁. وفي إسناده: علي بن علي الرفاعي. قال الترمذي: وقد تُكلِّم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلَّم في علي ابن علي الرفاعي، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث. اهـ. وقال النووي في "الخلاصة" ١/ ٣٦١: وروي الاستفتاح: "بسبحانك اللهم وبحمدك" من رواية جماعة من الصحابة، وأحاديثه كلها ضعيفة. قال الحفاظ: وإنما هو صحيح عن عمر موقوف عليه. اهـ. وخبر عمر أخرجه مسلم (٣٩٩) (٥٢).
[ ٢ / ٩١ ]
ثم يستعيذُ، ثم يُبسمِل سرًّا، وليست من الفاتحة، ثم يقرأ الفاتحةَ مرتَّبةً مرتَّلةً متواليةً، فإن قطعَها بذِكْر أو سكوتٍ غيرِ مشروع وطال، أو تَرَكَ منها تشديدةً أو حرفًا، أعادها غيرُ
(ثُمَّ يستعيذُ) ندبًا فيقول: أعوذُ بالله من الشيطان الرَّجيم (ثُمَّ يبسمِل) ندبًا فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم. وهي آيةٌ من القرآن (^١)، نزلت فَصْلًا بين السُّوَر غير "براءة" فيُكره ابتداؤُها بها. ويكون الاستفتاحُ، والتعوُّذ، والبسملة (سرًّا) فيُسَنُّ أنْ لا يجهرَ بشيءٍ من ذلك، ويخيَّر في غيرِ صلاةٍ في الجهر بالبسملة.
(وليست) البسملةُ (من الفاتحة) وتستحبُّ عند كلِّ فعلٍ مهمٍّ.
(ثُمَّ يقرأ الفاتحة) تامَّةً بتشديداتِها، وهي ركنٌ في كلِّ ركعةٍ، فرضٍ أو نفلٍ، وهي أفضلُ سورة، وآيةُ الكرسيِّ أعظمُ آية. وسُمِّيَت فاتحةً؛ لأنَّه يُفْتَتَحُ بقراءتِها الصلاةُ، وبكتابتها المصاحفُ. وفيها إحدى عشرةَ تشديدة. ويقرؤها (مرتَّبةً) وجوبًا، فلو قرأها منكَّسة، لم تصحَّ صلاتُه (مرتَّلةً) ندبًا، فيتمهَّل في قراءتِها، ويقفُ عند كلِّ آية كقرائتِه ﵊ (^٢). ويُكرَه الإفراطُ في التشديد والمدِّ.
ويقرؤُها (متواليةً) وجوبًا (فإنْ قَطَعَها بذِكْرٍ) غيرِ مشروعٍ (أو) قَطَعَها بـ (ــــسكوتٍ غيرِ مشروعٍ، وطال) القَطْعُ عرفًا، أعادها، فإن كان مشروعًا، كسؤالٍ عند آيةِ رحمة، وكسكوتٍ لاستماع قراءةِ إمامه، وكسجودِه لتلاوةٍ مع إمامه، لم يبطل ما مضى من قراءتها ولو طال. (أو تَرَكَ منها تشديدةً، أو حرفًا) مُجْمعًا عليه، بخِلاف ألف ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] (^٣)، أو ترك ترتيبًا (أعادها) أي: الفاتحةَ وجوبًا (غيرُ
_________________
(١) في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠].
(٢) أخرج أبو داود (٤٠٠١)، والترمذي (٢٩٢٧)، وأحمد (٢٦٥٨٣) عن أم سلمة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقطع قراءتَه، يقول: الحمد لله رب العالمين، ثم يقف، الرحمن الرحيم، ثم يقف، وكان يقرؤها: ملك يوم الدين" لفظ الترمذي. قال الترمذي: هذا حديث غريب، وبه يقول أبو عبيد.
(٣) قرأ عاصم والكسائي بالألف، وقرأ الباقون بغير ألف. "السبعة في القراءات" لابن مجاهد ص ١٠٤.
[ ٢ / ٩٢ ]
مأموم. ثم يقول: آمين. جهرًا في جهريَّة، ثم يقرأ سورةً، تكون في الصبح من طِوال المفصَّل، وفي المغرب من قصارِه، وفي الباقي من أوساطِه.
مأموم) وهو الإمامُ والمنفرد، فيستأنفُها إن تعمَّد. وأما المأموم، فهي سُنَّة في حقَّه، فلا يلزمُه إعادتها.
(ثمَّ يقول) كلُّ مصلٍّ: (آمين. جهرًا في) صلاةٍ (جهريَّة). ويقوله إمامٌ ومأمومٌ معًا بعد سكتةٍ لطيفة؛ ليُعْلَم أنَّها ليستْ من القرآن، وإنَّما هي طابعُ الدعاء، وهي اسمُ فِعلٍ بمعنى: اللهمَّ استجب. وحرُم وبطلتْ إن شدَّد مِيمَها. وإن تركه إمامٌ أو أسرَّه، أتى به مأمومٌ جهرًا. ويلزمُ جاهلًا تعلمُ الفاتحة، وذكرٍ واجب. ومن صلَّى وتلقَّف القراءة من غيره، صحَّتْ.
(ثمَّ) بعدَ الفاتحة (يقرأُ سورةً) كاملةً ندبًا، يفتتحها بـ "بسم الله الرحمن الرحيم".
وتجوزُ آية، إلا أن الإمامَ أحمدَ ﵀ استحبَّ كونَها طويلةً، كآية الدَّين (^١) والكرسيِّ (^٢)، ونصَّ على جواز تفريقِ السورة في ركعتين؛ لفعلِه ﷺ (^٣). ولا يعتدُّ بالسورة قبلَ الفاتحة. وكُرِه اقتصارٌ في الصَّلاة على الفاتحة، وقراءةٌ بكلِّ القرآن في فرضٍ؛ لعدم نقلِه، وللإطالة.
و(تكونُ) السورةُ (في) صلاةِ (الصُّبْحِ من طِوال المفصَّل) -بكسرِ الطَّاء- وأولُه سورة "ق"، ولا يُكْرَهُ فيها بقصارِه؛ لعذرٍ، كمرضٍ وسَفَرٍ (و) تكونُ (في) صلاةِ (المغرب من قصارِه) وأوَّلُه سورةُ "الضحى"، ولا يُكرَه فيها بطواله. (و) تكونُ السورةُ (في الباقي) من الصَّلوات كالظُّهرين والعشاء (من أوساطِه) وأولُه سورةُ "النبأ".
_________________
(١) وهي الآية (٢٨٢) من سورة البقرة.
(٢) وهي الآية (٢٥٥) من سورة البقرة.
(٣) أخرج أبو يعلى في "مسنده" (٤٩٢٤) عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قَسَمَ سورة البقرة في ركعتين. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ٢٧٤: رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات.
[ ٢ / ٩٣ ]
ولا تصحُّ بقراءةٍ تَخرُج عن مصحفِ عثمانَ.
ثم يَركعُ مكبِّرًا رافعًا يدَيْه، ويجعلُهما على ركبتَيْه، مفرَّجتَي الأصابعِ، ويُسوِّي ظهرَه، ورأسَه بحيالِه،
وحَرُم تنكيسُ الكلمات، وتبطلُ به، لا السور والآيات، بل يُكْره، إلَّا في الفاتحة، فيَحْرُم كما تقدَّم.
ولا يُكرَهُ ملازمة سورةٍ مع اعتقاد جوازِ غيرها.
(ولا تصحُّ) صلاةٌ (بقراءةٍ تَخرجُ عن مصحف عثمان) بنِ عفَّان رضي الله تعالى عنه، كقراءة ابنِ مسعود: "فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعات" (^١). وتصحُّ بما وافقَ مصحفَ عثمان، وصحَّ سندُه، وإنْ لم يكنْ من العشرةِ، وتتعلَّقُ به الأحكامُ. وإنْ كانَ في القراءةِ زيادةُ حرفٍ، فهي أولى؛ لأجْلِ الحسناتِ العَشْر (^٢).
(ثمَّ) بعدَ فراغِه مِنْ قراءةِ الفاتحة والسورةِ (يركعُ) حالَ كونِه (مكبِّرًا) لقولِ أبي هريرة: كانَ النبي ﷺ يكبِّر إذا قامَ إلى الصَّلاةِ، ثمَّ يكبِّر حين يركعُ. متَّفقٌ عليه (^٣) (رافعًا يَديْه) مع ابتداءِ الرُّكوعِ؛ لقولِ ابنِ عمرَ: رأيتُ النبيِّ ﷺ إذا استفتحَ الصَّلاةَ، رفعَ يدَيْه حتى يحاذيَ مَنْكِبَيْه، وإذا أرادَ أن يركعَ، وبعد ما يرفع رأسَه. متَّفقٌ عليه (^٤).
(ويجعلُهما) أي: يضعُ يدَيْه (على ركبَتيْه) حالَ كونِ يدَيْه (مفرَّجتَي الأصابع) نَدْبًا. ويُكْرَه التطبيقُ: بأنْ يجعلَ إِحدى كفَّيه على الأخرى، ثمَّ يجعلَهما بَينَ رُكبَتيه إذا ركع، كما في أوَّلِ الإِسلامِ، ثمَّ نُسِخَ (^٥).
(ويسوِّي) في الرُّكوع (ظهرَه، و) يكونُ (رأسُه بحياله) أي: بإزاءِ ظهرِه، فلا
_________________
(١) ولا تصح؛ لعدم تواترها. "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٣٨٩.
(٢) قال القرطبي في "تفسيره" ١/ ٢١٨ عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]: وقد احتجَّ بعضهم على أن "مالكًا" أبلغ؛ لأنَّ فيه زيادة حرف، فلقارئه عشر حسنات زيادة على من قرأ: "ملك".
(٣) البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢) (٢٨)، وهو عند أحمد (٩٨٥١).
(٤) البخاري (٧٣٦)، ومسلم (٣٩٠)، وهو عند أحمد (٤٥٤٠).
(٥) أخرج البخاري (٧٩٠) عن مصعب بن سعد أنه قال: صليت إلى جنب أبي، فطبَّقتُ بين كفيَّ، ثم وضعتهما بين فخذيَّ، فنهاني أبي وقال: كنا نفعله فنُهينا عنه، وأُمرنا أن نضع أيدينا على الركب. وهو عند مسلم (٥٣٥) بنحوه.
[ ٢ / ٩٤ ]
ويقول: سبحانَ ربِّيَ العظيم.
وأَدنى الكمال ثلاثٌ.
ثم يَرفعُ رأسَه ويديه قائلًا، إمامٌ ومنفردٌ: سمعَ اللهُ لمن حَمِدَه.
يرفعُه، ولا يخفضُه؛ لقولِ وابصةَ بنِ معبد (^١): رأيتُ النبيِّ ﷺ يصلِّي، وكان إذا رَكَعَ سوَّى ظهرَه، حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقرَّ. رواه ابنُ ماجه (^٢).
ويجافي مرفقَيْه عن جنبَيْه، والمجزئُ الانحناءُ بحيثُ يمكنُ -وَسَطًا- مسُّ ركبتَيْهِ بيديه، أو قدره من غيرهِ، ومِنْ قاعدٍ مقابلةُ وجههِ ما وراءَ ركبتَيْه مِنْ أرضٍ أدنى مقابلة، وتتمَّتُها الكمالُ.
(ويقولُ) راكعًا: (سبحانَ ربِّيَ العظيم) لأنَّه ﵊ كانَ يقولُها في ركوعِه. رواه مسلم وغيرُه (^٣).
والاقتصارُ عليها أفضلُ، والواجبُ مرَّةً (وأدنى الكمالِ ثلاثٌ) وأعلاهُ لإمامٍ عشرٌ، ولمنفردٍ العُرْفُ.
(ثمَّ يرفعُ رأسَه ويدَيْه) لحديثِ ابن عمرَ السَّابقِ (قائلًا) حالٌ متقدِّمةٌ على صاحبها، وهو (إمامٌ، ومنفردٌ: سَمِعَ اللهُ لمن حمدَه) مرتَّبًا وجوبًا؛ لأنَّه ﵊ كان يقولُ ذلك (^٤). قاله في "المبدع" (^٥). ومعنى "سمع": استجاب.
_________________
(١) هو أبو سالم، وقيل: أبو الشعثاء، وقيل: أبو سعيد، وابصة بن معبد بن عتبة الأسدي، وفد على النبي ﷺ سنة تسع، سكن الكوفة، ثم تحوَّل الى الرقة ومات بها. "تهذيب الأسماء واللغات" ١/ ١٤٢، و"الإصابة" ١٠/ ٢٨٩.
(٢) في "سننه" (٨٧٢). وفي إسناده: طلحة بن زيد، قال في "مصباح الزجاجة" ١/ ١٧٨: هذا إسناد ضعيف؛ فيه طلحة بن زيد، قال فيه البخاري وغيره: منكر الحديث. وقال أحمد وابن المديني: يضع الحديث. اهـ. وقال ابن رجب في "فتح الباري" له ٧/ ١٦٦: وإسناده ضعيف جدًا، وقد روي من طرق أخرى كلها ضعيفة.
(٣) في "صحيحه" (٧٧٢)، وهو عند أحمد (٢٣٢٤٠) من حديث حذيفة ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٣٩٠) (٢٥) من حديث ابن عمر، والبخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) ١/ ٤٤٩.
[ ٢ / ٩٥ ]
وإذا قاما: ربَّنا ولكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السماء، ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما شئتَ مِن شيءٍ بَعْدُ. ومأموم في رَفْعه: ربَّنا ولكَ الحَمْد. فقط.
ثم يَخِرُّ مكبِّرًا ساجدًا، يضع ركبتَيْه ثم يدَيْه ثم جبهتَه وأنفَه، ويكون
(و) يقولُ إمامٌ ومنفردٌ، (إذا قاما) أي: انتصبا واعتدلا من الرُّكوع: (ربَّنا ولك الحمدُ، مِلْءَ السماء، ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما شئْتَ من شيءٍ بعدُ) أي: حمدًا لو كان أجسامًا، لَمَلَأ ذلك. وله [أي: للمصلِّي، سواءٌ كان إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا] (^١) قول: "اللهمَّ ربَّنا ولَكَ الحمدُ" وبلا واوٍ أفضلُ، عكس "ربَّنا لكَ الحمدُ" فالصِّيَغ أربعٌ.
(و) يقولُ (مأمومٌ في) حالِ (رفْعِه) مِنَ الرُّكوعِ: (ربَّنا ولكَ الحمدُ. فقط) أي: لا يزيدُ على ذلكَ؛ لقولهِ ﷺ: "إذا قال الإمامُ: سمعَ اللهُ لمن حَمِده. فقولوا: ربَّنا ولَكَ الحمد" متَّفقٌ عليه من حديثِ أبي هريرة (^٢). وإذا رفع المصلِّي مِنَ الرُّكوع، فإن شاءَ وضعَ يمينَه على شمالِه، أو أرْسَلَهما.
(ثمَّ) إذا فرغَ مِنْ ذلكَ الاعتدالِ حيثُ سُنَّ (يَخِرُّ) حالَ كونِه (مكبِّرًا) ولا يرفعُ يديه (ساجدًا) على سَبْعَة أعضاء؛ لقولِ ابن عباس: أُمر النبي ﷺ أنْ يسجدَ على سبعةِ أعظم، ولا يكفَّ شَعَرًا ولا ثوبًا: الجبهةِ، واليدينِ، والركبتينِ، والرجلين. متَّفقٌ عليه (^٣).
و(يضعُ ركبتَيْه) أوَّلًا نَدْبًا (ثمَّ يَدْيه، ثمَّ جبهتَه وأنفَه) لما روى الدارقطنيُّ عن ابن عباس مرفوعًا: "لا صلاةَ لمنْ لم يضَعْ أنفَه على الأرض" (^٤) (ويكونُ) في سجودِه
_________________
(١) زيادة من (ز).
(٢) "صحيح" البخاري (٧٣٤)، و"صحيح" مسلم (٤٠٩)، وهو عند أحمد (٧١٤٤).
(٣) "صحيح" البخاري (٨٠٩)، و"صحيح" مسلم (٤٩٠)، وهو عند أحمد (٢٦٥٨). وسلف مختصرًا في الصفحة السابقة.
(٤) "سنن" الدارقطني (١٣١٨) و(١٣١٩)، وأخرجه أيضًا الحاكم ١/ ٢٧٠، والبيهقي ٢/ ١٠٤ من طريق أبي قتيبة، عن شعبة وعن سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن عكرمة عن ابن عباس. قال الدارقطني: قال لنا أبو بكر: لم يسنده عن سفيان وشعبة إلا أبو قتيبة، والصواب: عن عاصم عن عكرمة مرسل. [وأخرجه البيهقي ٢/ ١٠٤]، واقتصر الحاكم على رواية الثوري فقط.
[ ٢ / ٩٦ ]
على أطرافِ أصابعِ رجلَيْه، ويجافي عَضُدَيْه عن جنبَيْه، وبطنَه عن فخذَيْه، وهما عن ساقَيْه، ويُفرِّق ركبتَيْه.
ويُكرَه تَرْكُ مباشرةِ الجبهةِ بالمصلَّى بلا عذرٍ.
ويقول: سبحانَ ربِّيَ الأعلى. وأدنى كماله ما سبق. ثم يرفعُ مكبِّرًا ويجلسُ مفترِشًا يُسراه، ناصبًا يمناه،
(على أطرافِ أصابعِ رجلَيْه) نَدبًا، ويوجِّهُها إلى القبلة (ويجافي) أي: يباعدُ الساجدُ ندبًا (عَضُدَيْه عن جنبَيْه، وبطنَه عن فخدَيْه، وهما) أي: فخذاه، يُبْعِدُهما (عن ساقيه) ما لمْ يُؤذِ جارَه. (ويفرِّق ركبتَيه) ورجلَيه وأصابِعَهما. وله أنْ يعتمدَ بمرفقَيْه على فخذَيْه إنْ طال.
(و) لا تجبُ مباشرةُ المصلَّى بشيءٍ مِنْ أعضاء السُّجود السَّبْعة، فتصحُّ ولو مع حائلٍ ليس من أعضاءِ سجوده، لكن (يُكْرَه تركُ مباشرةِ الجبهةِ بالمصلَّى) بفَتْحِ اللامِ المشدَّدةِ: اسمُ مفعول، أي: مكان السُّجود (بلا عُذْرٍ) كحرٍّ، أو بَرْدٍ، فإنْ جعلَ بعضَ أعضاءِ السُّجودِ فوقَ بعضٍ، كما لو وضعَ يَدَيه على فَخِذَيْه، أو جبهتَه على يدَيْه، لم يجزئْه، ويجزئُ بعضُ كلِّ عضوٍ. وإنْ جعلَ ظُهُورَ كفَّيْه، أو قدمَيْه على الأرض، أو سَجَدَ على أطرافِ أصابعِ يدَيه، فظاهرُ الخبر أنَّه يجزئه. ذكره في "الشَّرح" (^١). ومَنْ عجز بالجبهةِ، لم يلزمْه بغيرِها، ويومئُ ما يمكنُه.
(ويقول) في سجودِهِ: (سبحانَ ربِّيَ الأعلى) على ما تقدَّم في تسبيحِ الركوع [(وأدنى كمالِه) أي: تسبيحِ السُّجودِ (ما سبق) في تسبيحِ الرُّكوع] (^٢)، وهو ثلاثٌ.
(ثمَّ يرفعُ) رأسَه من هذه السجدةِ الأولى حالَ كوْنِه (مكبِّرًا، ويجلسُ) حالَ دونه (مفترشًا يُسراه) أي: يُسرى رجليه (ناصبًا يُمناه) ويخرجُها من تحتِه، ويثني أصابِعَها
_________________
(١) "الشرح الكبير ومعه الإنصاف والمقنع" ٣/ ٥١٤.
(٢) ليست في (م).
[ ٢ / ٩٧ ]
ويقول: ربِّ اغفر لي. ثلاثًا، ثم يسجد الثانيةَ كالأولى، ثم ينهض مكبِّرًا قائمًا على صدور قدمَيْه مُعْتمِدًا على ركبتَيْه، إن سهل، فيصلِّي الثانيةَ كذلك، غيرَ التحريمةِ والاستفتاحِ والتعوُّذ إن تعوَّذ في الأولى، ثم يجلس مفترِشًا، ويداه على فخذَيْه، قابضًا خِنْصَرَ يُمناه وبِنْصَرَها، مُحَلِّقًا إبهامَها مع الوسطى، مشيرًا بسبَّاحتِها عند ذِكْر الله،
نحوَ القبلة، ويبسط يَدَيْهِ على فخذيه، مضمومتَي الأصابع.
(ويقول) بين السَّجْدتين: (ربِّ اغفر لي. ثلاثًا) ندبًا، والواجبُ مرَّةَ.
(ثم يسجدُ) السجدةَ (الثَّانية كالأولى) فيما تقدَّم من التَكبيرِ، والتَّسبيحِ، وغيرهما.
(ثمَّ) يرفعُ رأسَه من السجدةِ الثانية، و(ينهضُ) أي: يقومُ حالَ كونِه (مكبِّرًا، قائمًا، على صُدُور قدمَيْه) ولا يجلسُ للاستراحةِ (مُعْتمِدًا على رُكبَتَيْه إن سَهُل) وإلَّا، اعتمد بالأرض. وفي "الغنية": يُكره أن يقدِّم إحدى رجليه (فيصلِّي) الركعةَ (الثانيةَ كذلك) أي: كالأولى (غيرَ التَّحريمةِ) أي: تكبيرةِ الإحرام (والاستفتاح، والتعوُّذِ إنْ تعوَّذ في) الرَّكعة (الأولى) وإلَّا، تعوَّذ في الثَّانية، وغيرَ تجديدِ النيَّةِ، فلا يُشرَعُ ذلك إلَّا في الأولى.
(ثمَّ) بَعْدَ فراغِه من الرَّكعةِ الثَّانية (يجلسُ مفترشًا) كجلوسِه بين السَّجْدتين (ويداهُ على فخدَيْه) ولا يُلْقِمُهما (^١) ركبتَيْه (قابضًا خِنْصرَ يُمناه وبِنصرَها مُحلِّقًا) بضمِّ الميم، وتشديد اللام المكسورةِ (إبهامَها) أي: إبهامَ يُمنى يديْه (معَ) الأصبع (الوسطى) منها: بأنْ يَجْمَعَ بَين رَأسي الإبهامِ والوسطى، فتُشبه الحلْقةَ من حديدٍ ونحوه (مشيرًا بسبَّاحَتِها) وهي الأصبعُ التي تلي الإبهامَ، سُميت سبَّاحةً؛ لأنه يُشارُ بها للتوحيدِ، الذي هو رأسُ التَّنْزيه، الذي هو معنى التَّسبيح، وتسمَّى أَيضًا سبَّابةً؛ للإشارة بها للسَّبِّ، فيرفعُها مِنْ غيرِ تحريكٍ في تشهُّدِه ودعائه، في صلاةٍ وغيرها (عند ذِكْرِ الله) تعالى؛ تنبيهًا على التوحيد.
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: ولا يلقمها، أي: لا يأخذ ركبتيه بيديه. انتهى تقرير المؤلف".
[ ٢ / ٩٨ ]
ويبسطُ اليُسرى ويقول: التحياتُ لله، والصلوات، والطيِّباتُ، السلامُ عليك أيُّها النَّبِيّءُ ورحمةُ الله وبركاتُه، السلام علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحينَ، أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأَشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه. وهو التشهُّد الأوَّل.
وقولُه: "مُفْتَرِشًا ويداهُ على فخذَيْه، قابضًا، مُحلِّقًا، مشيرًا" أحوالٌ مترادفةٌ، أو متداخلة.
(ويبسطُ) أصابعَ يدِه (اليسرى) مضمومة إلى القبلة. وكذا يبسطُ سبَّاحةَ اليمنى في غير حالِ الإشارةِ بها (ويقولُ) سرًا: (التحياتُ لله) أي: الألفاظُ التي تدل على السَّلام، والمُلْك، والبقاءِ والعظمةِ لله تعالى، أي: مملوكةٌ له، أو مختصَّةٌ به (والصلواتُ) أي: الخمسُ، أو الرَّحماتُ، أو المعبودُ بها، أو العباداتُ كلُّها، أو الأدعيةُ (والطيَّباتُ) أي: الأعمالُ الصَّالحةُ، أو مِنَ الكَلِم (السَّلامُ) أي: اسمُ السَّلام، وهو الله، أو: سلامُ الله وتحيتُه (عليكَ أيُّها النَّبيء) بالهَمْزِ من النَّبأ، أي: الخبر؛ لأنه يُخْبِرُ عن الله. وبلا هَمْز، إمَّا تسهيلًا، أو من النبوَّة: أي: الرفعة؛ لأنه مرفوعُ الرُّتبةِ على سائر الخلائق (^١) (ورحمة اللهِ وبركاتُه) جمعُ بَرَكة: وهي النَّماءُ والزيادة (^١) (السَّلامُ علينا) أي: على الحاضرين، مِنَ الإمام، والمأموم، والملائكةِ (وعلى عباء الله الصَّالحين) جمعُ صالح: وهو القائمُ بما عليه من حقوقِ الله، وحقوق عبادة (^٢). وقيل: المكثرُ من العَمَلِ الصَّالحٍ، ويدخلُ فيه النساءُ، ومَنْ لم يشاركهُ في الصَّلاة.
(أشْهدُ) أي: أخبِرُ بأنِّي قاطعْ بـ (أنْ لا إله) أي: لا معبودَ بحقٍّ (إلَّا اللهُ) تعالى (وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه) إلى النَّاس كافَّةً.
(و) هذا المذكورُ (هو التشهدُ الأولُ) علَّمه النَّبِيُّ ﷺ ابنَ مسعودٍ، وهو في
_________________
(١) "المطلع" ص ٨٠.
(٢) "المطلع" ص ٨١.
[ ٢ / ٩٩ ]
ثم إن كانت الصلاةُ ثنائيَّة قال: اللهُمَّ صلِّ على محمَّد وعلى آلِ محمَّد، كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ، إئكَ حميدٌ مجيدٌ، وبارِك على محمَّد وعلى آلِ محمَّد، كما باركتَ على آلِ إبراهيم، إنكَ حميدٌ مجيدٌ، أعوذ باللهِ من عذاب جهنّم، ومن عذاب القبرِ، ومن فتنةِ المَحْيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيحِ الدَّجَّال.
ثم يقول
"الصحيحين" (^١).
(ثم) بعدَ فراغِه من التشهُّد الأوَّل (إن كانتِ الصَّلاةُ) التي أَحرم بها (ثنائيَّةً) كالصُّبحِ والرَّاتبة (قال: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ، وبارِك على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ، كما باركتَ على آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ) لأمرِه ﷺ بذلك في المتَّفق عليه مِنْ حديثِ كعب بن عُجرةَ (^٢). ولا يجزئ لو أبدل "آل" بـ "أهل"، ولا تقديمُ الصَّلاة على التشهّد.
ثُمَّ يستعيذُ نَدْبًا، فيقول: (أعوذُ بالله من عذابِ جهنّم، ومِنْ عذاب القبرِ، ومِنْ فتنةِ المحيا والممات) أي: الحياةِ والموتِ (ومن فتنةِ المَسِيحِ) بالحاء المهملة (الدَّجَّال).
وله الدعاءُ بما ورد في الكتاب، أو السُّنَّة، أو عن السَّلفِ، أو بأمرِ الآخرةِ، ولو لم يُشْبِهْ ما ورد. وليس له الدعاءُ بشيءٍ مما يُقصدُ به ملاذُّ الدنيا وشهواتُها، كقوله: اللهُمَّ ارزقني جاريةً حسناء، أو طعامًا طيِّبًا، وتبطلُ به.
(ثمَّ) يسلم وهو جالس؛ لقوله ﷺ: "وتحليلُها التسليمُ" (^٣) وهو منها، فـ (ـيقول
_________________
(١) "صحيح" البخارِي (٦٢٦٥)، و"صحيح" مسلم (٤٠٢) (٥٩)، وهو عند أحمد (٣٩٣٥).
(٢) "صحيح" البخاري (٣٣٧٠)، و"صحيح" مسلم (٤٠٦)، وهو عند أَحْمد (١٨١٠٤) وكعب بن عجرة: هو أبو مُحَمَّد الأَنْصَارِيّ، من أهل بيعة الرِّضوان (ت ٥٢ هـ). "الإصابة" ٨/ ٢٩٤ - ٢٩٦، "السير" ٣/ ٥٢ - ٥٤.
(٣) سلف تخريجه ص ٩٠ عند قوله ﷺ: "وتحريمها التكبير".
[ ٢ / ١٠٠ ]
عن يمينه: السلامُ عليكم ورحمةُ الله. وعن يساره كذلك.
وإن كان في ثلاثيَّة أو رباعيَّة، قام مكبرًا، بعد التشهّد الأوَّل وصلَّى ما بقيَ كالثانية بالفاتحة فقط.
ثم يَجلسُ متورِّكًا للتشهُّد الأخيرِ، وكذا المرأةُ، لكن تَضُمُّ نفسَها، وتَسْدلُ رجلَيْها في جانبِ يمينها في جلوسها.
عن يمينه: السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله) مرتَّبًا، معرَّفًا، وجوبًا (وعن يساره كذلك).
وسُنَّ الْتفاتُه عن يساره أكثر، وأن لا يطوِّل الكلام، ولا يمدَّه في الصّلاة، ولا على النَّاسِ، وأنْ يقفَ (^١) على آخرِ كل تسليمة، وأنْ يَنْوِيَ به الخروجَ من الصَّلاة، ولا يجزئُ إن لم يقل: "ورحمةُ الله" في غيرِ صلاةِ جنازةٍ، والأولى أن لا يزيدَ: "وبركاتُه".
(وإن كان) المصلِّي (في ثلاثيَّةٍ) كمغربٍ (أو رباعيَّة) كظُهْرٍ (قام) حال كونِه (مكبِّرًا، بعدَ التشهّد الأول) ولا يرفعُ يدَيْه (^٢) (وصلَّى ما بقي كـ) ـالرَّكعة (الثانية) لكنْ (بالفاتحةِ فقط) فلا يقرأ فيها سورةً، ويُسِرُّ بالقراءة.
(ثمَّ يجلسُ) حالَ كونِه (متورِّكًا للتشهُّد الأخير) بأن يَفرِشَ رِجْلَه اليُسْرى، وينصبَ اليُمْنى، ويخرجَهما عن يمينه، ويجعلَ ألْيتيه على الأرض، ثُمَّ يتشهَّد، ويسلِّم. (وكذا المرأةُ) فتفعلُ مِثلَ جميع ما يفعل الرجلُ مما تقدَّم، حتَّى رفعِ اليدين (لكنْ تضُمُّ نفسَها) في ركوعٍ وسجودٍ وغيرهما، فلا تتجافى.
(وتسدلُ (^٣) رجليها في جانِب يمينها في جلوسِها) أو تتربَّع، والسَّدْل أفضلُ. وتُسِرُّ بالقراءة وجوبًا إنْ سمعها أجنبي، وخُنْثى كأنثى.
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: وأن يقف، أي: لا يحرك آخره، بل يقف بالسكون. انتهى تقرير المؤلف".
(٢) والصواب: رفع اليدين، أخرج البخاري (٧٣٩) عن نافع أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبَّر ورفع يديه … وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابنُ عمر إلى نبيّ الله ﷺ. ينظر "الإنصاف ومعه المقنع والشرح الكبير" ٣/ ٥٧٩.
(٣) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: وتسدل إلخ، أي: لا تنصب رجلها اليمنى. انتهى. تقرير المؤلف".
[ ٢ / ١٠١ ]