آكدُها كسوفٌ، فاستسقاء، فتراويحُ، فوِتْرٌ، ووقته بعدَ صلاةِ العشاء إلى الفجر، وأقلُّه ركعة،
باب صلاة التطوع (^١)، وأوقات النَّهْي
والتطوَّعُ لغةً: فعلُ الطاعة.
وشرعًا: طاعة غيرُ واجبةٍ. وأفضلُ ما يتطوَّعُ به: الجهادُ، ثمَّ النَّفَقةُ (^٢) فيه، ثُمَّ العلمُ؛ تعلُّمه وتعليمُه، مِنْ حديثٍ، وفِقْهٍ، وتفسيرٍ، ثُمَّ الصَّلاةُ.
و(آكدُها) بمدِّ الهمزةِ -أي: أزيدُها فضيلةً-: صلاةُ (كُسُوف، فـ) ـــصلاةُ (استسقاء) لأنَّه ﷺ لمْ يُنْقَلْ عنه أنَّه تَرَكَ صلاةَ الكُسُوفِ عندَ وجُودِ سببِها، بخلافِ الاستسقاءِ؛ فإنَّه كان يستسقي تارةً، ويتركُ أخرى (فتراويحُ) لأنَّها تُسَنُّ لها الجماعةُ.
(فَوِتْرٌ) لأنَّه تُسَنُّ له الجماعةُ بعدَ التَّراويحِ، وهو سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ. روي عن الإمامِ أحمدَ ﵀ أنَّه قال: مَن ترك عَمْدًا الوتر، فهو رجلُ سَوء، لا ينبغي أنْ تُقْبَلَ له شهادةٌ.
(ووقته) أي: وقتُ الوترِ (بعد صلاةِ العِشَاء) ولو مجموعةً مع المغرب، تقديمًا (إلى) طلوع (الفَجْر) فلا يَصِحُّ فعلُه قبلَ صلاةِ العِشاءِ، ويسَنُّ بعدَ سُنَّتِها، وآخرُ ليلٍ لمن يثقُ بنفسِه أفضلُ.
(وأقلُّه: ركعة) لقولِه ﷺ: "الوِترُ ركعةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيلِ" رواه مسلم (^٣). ولا يُكرَهُ
_________________
(١) جاء في هامش (ح) ما نصه: "قال الحجَّاوي: التطوع: ما لم يثبت فيه نصٌّ بخصوصه، والسنة: نقل ما واظب عليه ﷺ، والمستحب: ما لم يواظب عليه، لكنه فعله".
(٢) في (م): "التَّفقه".
(٣) برقم: (٧٥٢)، وهو عند أحمد (٥٠١٦) عن ابن عمر ﵄.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وأكثره إحدى عشرةَ، مثنى مثنى، ويوتِر بواحدةٍ، وأدنى الكمالِ ثلاثٌ بسلامَيْن، يقرأ بعد الفاتحةِ في الأولى بـ: ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى:١]، وفي الثانية بالكافرون، وفي الثالثة بالإخلاص، وَيقْنُتُ فيها بعدَ الركوع نَدْبًا،
الاقتصارُ عليها؛ لثبوتِه عن عَشَرةِ من الصَّحابة، منهم: أَبو بكر، وعمرُ، وعثمانُ، وعائشة (^١)، رضي الله تعالى عنهم.
(وأكثرهُ) أي: أكثرُ الوِتر (إحدى عشرةَ) ركعةً، يصليها (مَثْنَى مَثْنى) أي: يسلِّم من كل ثنتين (ويوتِرُ بواحدةٍ)؛ لقولِ عائشةَ: كلانَ رسولُ الله ﷺ يصلِّي باللَّيلِ إحدى عَشرَة رَكعةً، يوتِرُ منها بواحدةٍ. وفي لفط: يُسَلِّمُ بَيْنَ كلِّ رَكْعتين، ويوتِرُ بواحدةٍ (^٢). هذا هو الأفضلُ.
ولهُ أن يسردَ عشرًا، ثُمَّ يجلسَ، فيتشهَّدَ ولا يسلِّم، ثُمَّ يأتي بالرَّكعةِ الأخيرةِ، ويتشهَّدَ، ويسلِّم. وإن أوْتَرَ بِخَمْسٍ، أو سَبْعٍ، لمْ يجلسْ إلَّا في آخرِها، وبتِسْعٍ، جَلَسَ عَقِبَ ثامنةٍ، فتشهَّد التشهُّدَ الأَوَّلَ، ثُمَّ أتى بالتاسعة.
(وأدنى الكمال) في الوتر (ثلاث) ركعاتٍ (بسلامَيْن) فيصلِّي ركعتَين ويسلِّم، ثُمَّ الثالثةَ ويسلِّم، لأنَّه أكثرُ عَمَلًا. ويجوزُ أنْ يسردَها بسلامٍ واحدٍ (يقرأُ) من أَوتَر بثلاثٍ (بعد) قراءةِ (الفاتحةِ في) الرَّكْعةِ (الأولى بـ) ـــسورةِ ("سبِّح" وفي) الرَّكْعةِ (الثانيةِ بـ) سورة ("الكافرون"، وفي) الرَّكْعةِ (الثالثة بـ) ـــسورة ("الإخلاص"، ويَقنُتُ فيها) أي: في الثالثة (بعدَ الركوع نَدْبًا)؛ لأنَّه صحَّ عنه ﷺ مِنْ روايةِ أبي هريرةَ (^٣)، وأنسٍ (^٤)،
_________________
(١) أثر أبي بكر: أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٢، وأثر عمر: أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٣/ ٢٤، وأثر عثمان: أخرجه الشافعي في "مسنده" (١/ ١٩٣ ترتيب مسنده)، وعبد الرزاق (٤٦٥٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٢) أخرجه بلفظه مسلم (٧٣٦) (١٢١)، (١٢٢)، وهو عند البخاري (٩٩٤) بنحوه، وأحمد (٢٤٥٧٧) دون قوله: "ويوتر بواحدة".
(٣) أخرج البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥) (٢٩٥)، وهو عند أحمد (٧٤٦٥) أن النبيَّ ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ، أو يدعو لأحدٍ، قنت بعد الركوع … لفظ أحمد.
(٤) أخرج البخاري (١٠٠١)، ومسلم (٦٧٧) (٢٩٨)، وهو عند أحمد (١٢١١٧) أن أنسًا سئل: أَوْقنت قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيرًا.
[ ٢ / ١٢٦ ]
ويقول: اللهمَّ اهدِني فيمَن هَدَيْتَ، وعافِني فيمَن عافَيْتَ، وتولَّنِي فيمَن تولَّيْتَ، وباركْ لي فيما أَعطيتَ، وَقِنِي شرَّ ما قضيتَ، إنَّك تَقضِي ولا يُقضى عليك، إنَّه لا يَذِلُّ من واليتَ، ولا يَعِزُّ من عادَيْتَ، تباركتَ ربَّنا وتعاليتَ،
وابنِ عبَّاس (^١). وإنْ قَنَتَ قبلَه بعدَ القراءةِ، جاز؛ لما روى أَبو داود، عن أُبيِّ بن كَعْب أن النبيَّ ﷺ كان يقنتُ في الوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوع (^٢). فيرفعُ يَدْيه إلى صدرِه يَبسطُهما، وبطونَهما نحوَ السَّماءِ ولو مأمومًا.
(ويقول) جهرًا: (اللَّهم اهْدِني فيمَنْ هدَيتَ) أصلُ الهداية: الدلالةُ (^٣)، وهي من الله التوفيقُ والإرشادُ (وعافِني فيمَنْ عافَيْتَ) أي: من الأَسقام والبلايا، والمعافاةُ: أن يعافيَكَ اللهُ من النَّاس، ويعافيَهم مِنْكَ (^٤) (وَتَوَلَّني فيمَن تولَّيتَ) الوليُّ: ضدُّ العدوِّ (^٥)، من تليتُ الشيءَ: إذا اعتنَيْتَ به، أو مِنْ وليتُهُ: إذا لم يكن بينَك وبينَه واسطةٌ (وبارك لي فيما أعطَيتَ) أي: أنعَمْتَ (وقِنِي شرَّ ما قَضَيتَ، إنَّك تَقْضِي ولا يُقضَى علبك، إنَّه لا يذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، ولا يَعِزُّ) بفتح الياء، وكَسْرِ العَيْن (مَن عادَيْتَ، تبارَكْتَ ربَّنا وتَعَاليْتَ) رواه أحمدُ، والتِّرمِذيِّ وحسنَّه من حديثِ الحسنِ بن عليٍّ قال: علَّمني رسولُ الله ﷺ كلماتٍ أقولُهنَ في قُنُوتِ الوِتر، وليس فيه: "ولا يَعِزُّ من عادَيْتَ" (^٦). ورواه البيهقيُّ (^٧) وأثبتها فيهِ،
_________________
(١) أخرجه أَبو داود في "سننه" (١٤٤٣)، وهو عند أحمد (٢٧٤٦) بلفظ: قَنَتَ رسول الله شهرًا متتابعًا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح، في دبر كلِّ صلاة، إذا قال: سمع الله لمن حمده، من الركعة الأخيرة يدعو عليهم … الخبر.
(٢) "سنن" أبي داود (١٤٢٧)، وهو عند النسائي في "الكبرى" (١٤٣٦)، وابن ماجه (١١٨٢). وضعفه النووي في "الخلاصة" ١/ ٥٦٣ - ٥٦٦.
(٣) "التعريفات" للجرجاني ص ٣١٩.
(٤) "لسان العرب" (عفا).
(٥) "الصحاح" (ولي).
(٦) أحمد (١٧١٨)، والترمذي (٤٦٤)، وهو عند ابن ماجه (١١٧٨).
(٧) في "سننه" ٢/ ٢٠٩. قال في "التلخيص الحبير" ١/ ٢٤٩: إلَّا أن النووي قال في "الخلاصة" [١/ ٤٥٧]: إن البيهقي رواها بسند ضعيف، وتبعه ابن الرفعة في "المطلب" فقال: لم تثبت هذه الرواية -ثم ردَّ كلامهما وقال: -وقد وقع لنا أي: هذه الزِّيادة- عاليًا جدًا متصلًا بالسماع … إلخ. وأسنده من طريق الطبراني في "الكبير" (٢٧٠٥).
[ ٢ / ١٢٧ ]
اللهمَّ إني أعوذُ برضاكَ من سَخَطِكَ، وبِعَفْوكَ من عقوبَتِكَ، وبِكَ منكَ لا أحصي ثناءً عليكَ أنتَ كما أَثنيتَ على نفسِكَ، اللهمَّ صلِّ على محمَّد. وَيمسَحُ وجهَه بيدَيْه.
وكُره قنوتٌ في غير وِتْرٍ.
ورواهُ النسائي (^١) مختصرًا، وفي آخِرِه: "وصلَّى الله على محمد".
(اللهمَّ إني أعوذُ برضاكَ مِن سَخَطِكَ، وبعفوكَ من عُقُوبتِك، وبكَ مِنْكَ) هذا إظهارٌ للعَجْزِ والانقطاع (لا أُحصي) أي: لا أطيقُ، ولا أبلغُ، ولا أُنهي (ثناءً عليك، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِك) اعترافٌ بالعَجْزِ عن الثَّناء، وردٌّ إلى المحيطِ عِلْمُه بكلِّ شيءٍ، جملةً وتفصيلًا. روى الخمسةُ عن عليٍّ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقولُ ذلك في آخرِ وِترِه، ورواتُه ثِقَاتٌ (^٢) (اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ) لحديثِ الحَسَنِ السابق.
(ويمسحُ وجْهَهُ بيدَيْه) إذا فرغَ من دعائه هنا وخارجَ الصَّلاة؛ لقول عمرَ: كان رسولُ الله ﷺ إذا رَفَعَ يَديْه في الدُّعاءِ، لمْ يَحُطَّهما حتَّى يمسحَ بهما وَجْهَهُ. رواه التِّرمِذيُّ (^٣). ويقول إمامٌ: اللَّهمَّ اهدنا -بصيغةِ الجمع- إلى آخره. ويؤمِّنُ مأمومٌ إنْ سمعه.
(وكُرِهَ قنوتٌ في غيرِ وِتْر) رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ (^٤)، وابن عبَّاسٍ (^٥)، وابن
_________________
(١) في "المجتبي" ٣/ ٢٤٨، وفي "الكبرى" (١٤٤٧).
(٢) أبو داود (١٤٢٧)، والتِّرمِذي (٣٥٦٦)، والنَّسائي في "المجتبى" ٣/ ٢٤٨، وابن ماجه (١١٧٩)، وأحمد (٧٥١). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث علي. وأخرجه مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة ﵂ في باب ما يقال في الركوع والسجود، وهو عند أحمد (٢٥٦٥٥).
(٣) في "سننه" (٣٣٨٦) وقال: هذا حديث صحيح غريب لا نعرفه إلَّا من حديث حمَّاد بن عيسى وقد تفرد به. قال ابن حبان في كتاب "الضعفاء" ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤: حمَّاد بن عيسى الجهني يروي المقلوبات التي بظن أنَّها معمولة لا يجوز الاحتجاج به. انتهى.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٤٩٤٩)، والطحاوي في "معاني الآثار" ١/ ٢٥٣ ولفظه: أن ابن مسعود كان لا يقنت في صلاة الفجر.
(٥) أخرجه الطحاوي ١/ ٢٥٢ عن عمران بن الحارث قال: صليت خلف ابن عبَّاس ﵄ الصبح، فلم يقنت.
[ ٢ / ١٢٨ ]
والتراويحُ عشرونَ ركعةً برمضانَ،
عمرَ (^١)، وأبي الدَّرداءِ (^٢) ﵁، إلَّا أنْ ينزلَ بالمسلمين نازلةٌ غيرُ الطَّاعون، فيقنت الإمامُ الأعظمُ ندبًا في الفرائضِ غير الجمعة، ويجهرُ به في جهريَّة.
ومن ائتمَّ بقانتٍ في فجرٍ، تابعَ الإمامَ، وأمَّن، ويقولُ بَعْدَ وِترِهِ: سبحانَ الملكِ القُدوس. ثلاثًا، ويمدُّ صوتَه في الثالثة.
(والتراويحُ) سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّهم يصلُّون أربعَ ركعاتٍ، ويتروَّحون ساعةً، أي: يستريحون (عشرون ركعةً) لما روى أَبو بكر عبدِ العزيز (^٣) في "الشافي" عن ابن عبَّاس: "أن النبيّ ﷺ كان يصلِّي في شَهْرِ رمضانَ عشرين ركعة" (^٤) تُصَلَّى (برمضان) لما في الصحيحين مِنْ حديثِ عائِشةَ: "أنَّه ﷺ صلَّاها ليالي، فَصَلُّوْها معه، ثُمَّ تأخَّرَ وصلَّى في بيته باقيَ الشَّهْر، وقال: إنِّي خشيتُ أنْ تُفرضَ عليكمْ، فتعجِزوا عنها" (^٥). وفي البخاريِّ (^٦): أنَّ عمرَ جمعَ النَّاسَ على أبيِّ بن كَعْبٍ، فصلَّى بهم التراويحَ. وروى أحمدُ، وصحَّحَه الترمذيُّ: "مَنْ قام مَعَ الإمامِ حتَّى ينصرفَ، كُتِبَ له قيامُ ليلةٍ" (^٧).
_________________
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" ١/ ١٥٩، وعبد الرزاق (٤٩٥٠) عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان لا يقنت في شيء من الصلاة.
(٢) أخرجه الطحاوي ١/ ٢٥٣ عن علقمة بن قيس، قال: لقيت أبا الدرداء بالشام، فسألته عن القنوت، فلم يعرفه.
(٣) هو الشيخ العلَّامة، شيخ الحنابلة، أَبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد البغدادي تلميذ أبي بكر الخلَّال، الملقب بـ"غلام الخلَّال"، وكتابه "الشافي" نحو ثمانين جزءًا، وله أيضًا كتاب "زاد المسافر"، و"الخلاف مع الشافعي" وغيرها، (ت ٣٦٣ هـ). "السير" ١٦/ ١٤٣ - ١٤٥، و"طبقات الحنابلة" ٢/ ١١٩ - ١٢٧.
(٤) وأخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٩٤، والطبراني في "الكبير" (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣ (١٢١٠٢)، وفي "الأوسط" (٧٩٨)، والبيهقي ٢/ ٤٩٦ وقال: تفرد به أَبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوني، وهو ضعيف. وقال في "نصب الراية" ٢/ ١٥٣: -هذا الحديث- معلول بأبي شيبة ابراهيم بن عثمان جد الإمام أبي بكر بن أبي شيبة، وهو متفق على ضعفه، وليَّنه ابن عدي في "الكامل" [١/ ٢٤١] اهـ.
(٥) "صحيح" البخارى (٩٢٤)، و"صحيح" مسلم (٧٦١) (١٧٨)، وهو عند أحمد (٢٥٣٦٢).
(٦) برقم (٢٠١٠) عن عبدِ الرحمن بن عبدٍ القاريِّ، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب … وفيه: فجمعهم على أبيِّ بن كعب.
(٧) أحمد (٢١٤٤٧)، والترمذي (٨٠٦)، وهو عند أبي داود (١٣٧٥)، والنسائي ٣/ ٢٠٢، وابن ماجه (١٣٢٧) من حديث أبي ذر ﵁.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وجماعةً أَوَّلَ ليلٍ أفضلُ، ومن له تهجُّد، يُوتِر بعدَه، وإلَّا، أَوترَ مع إمامِه.
والسنن الراتبة: ركعتانِ قبل الظهر، وركعتانِ بعدَها، وركعتانِ بعدَ المغربِ، وركعتانِ بعدَ العشاءِ وركعتانِ قبل الصُّبحِ،
وتُسَن لمنفردٍ ولجماعةٍ بغيرِ مَسْجدٍ.
(و) فعلُها (جماعةً) بمسجدٍ (أَوَّلَ ليلٍ أفضلُ) ووقتُها جوازًا ما بين عشاءٍ وفَجْرٍ.
واستحبابًا ما بين سُنَّةِ عشاءٍ ووتْرٍ (ومن لهُ تَهَجُّدٌ) أي: صلاةٌ بعد أن ينامَ (يوتِر) نَدْبًا (بَعْدَه) أي: بَعْدَ تهجُّدِه؛ لقوله ﷺ: "اجْعَلُوا آخِرَ صلاتكُم باللَّيْلِ وِترًا" متفق عليه (^١).
فإنْ تَبعَ إمامَه فأَوْتَرَ معه، شَفَعه، أي: ضمَّ لوترِه الذي تَبَعَ إمامَه فيه ركعةً، فحصلت له فضيلةُ متابعةِ إمامِه، وجَعْلِ وترِه آخرَ صلاتِه.
فإن لم يَشْفَعُه، أو أَوتَرَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ أراد التهجُّدَ، لم ينقُضْ وِتْرَهُ، وصلَّى، ولمْ يوتر. (وإلَّا) أي: وانْ لم يكنْ له تهجُّد (أَوْتَرَ مع إمامِه) لحديثِ أحمدَ والترمذيِّ، وتقدَّم.
وكُرِهَ تنفُّلْ بينها (^٢)، لا تعقيبٌ، وهو صلاتُه بعدَها، وبَعدَ وترٍ جماعةً.
(و) يلي الوترَ في الفضيلة (السننُ الرَّاتبةُ) التي تُفْعَلُ مَعَ الفرائضِ، وهي عَشرُ ركعاتٍ: (ركعتانِ قَبْلَ الظُّهر، وركعتانِ بعدَها، وركعتانِ بعدَ المغربِ، وركعتانِ بعدَ العشاءِ وركعتانِ قَبْلَ الصُّبحِ) لقول ابنِ عُمَرَ: "حَفِظتُ مِنْ رسولِ الله ﷺ عَشرَ ركعاتٍ: ركعتينِ قَبْلَ الظُّهر، وركعتَيْنِ بعدَها، وركعتَيْنِ بعدَ المغربِ في بيته، وركعتَيْنِ بعدَ العشاءِ في بيته، وركعتيْنِ قَبْلَ الصُّبحِ؛ كانتْ ساعةً لا يدْخلُ على النبيِّ ﷺ فيها أحدٌ. حدثتني حفصةُ: أنَّه كان إذا أذَّنَ المؤذِّنُ، وطَلَعَ الفَجْرُ، صلَّى رَكعَتَيْن". متَّفقٌ عليه (^٣).
_________________
(١) "صحيح" البخاري (٩٩٨)، و"صحيح" مسلم (٧٥١) (١٥١)، وهو عند أحمد (٤٧١٠) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: بينها، أي: بين ركعات التراويح. انتهى تقرير المؤلف".
(٣) "صحيح" البخاري (١١٨٠) و(١١٨١) واللفظ له، و"صحيح" مسلم (٧٢٩) (١٠٤) بنحوه، وهو عند أحمد (٤٥٠٦).
[ ٢ / ١٣٠ ]
وهما آكدُها، ومن فاته شيءٌ منها، قضاه ندبًا.
(وهما) أي: ركعتا الصُّبْحِ (آكدُها) أي: أفضلُ الرَّواتب؛ لقولِ عائشةَ: لم يكنِ النبي ﷺ على شيءٍ مِنَ النَّوافل أشدَّ تعاهدًا منه على رَكعَتَي الفَجْرِ. متَّفقٌ عليه (^١). فيُخيَّر فيما عَدَاهُما، وعَدا وِترٍ سَفرًا (^٢).
وسُنَّ تخفيفُهما، واضطجاعٌ بعدَهما على الأيمن. ويقرأُ بعد الفاتحة في الأُولى: "الكافرون"، وفي الثانية: "الإِخلاص". أو يقرأ في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية [١٣ من سورة البقرة]. وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة﴾ الآية [٦٤ من سورة آل عمران].
ويَلي ركعتي الصبح (^٣) ركعتا المغرب، ويسنُّ أن يقرأ فيهما بـ "الكافرون" و"الإخلاص"، ثمَّ بقيَّةُ الرواتبِ سَوَاءٌ.
(ومَنْ فاتَه شيءٌ منها) أي: مِنَ الرَّواتب (قضاهُ نَدْبًا) كالوتر؛ لأنَّه ﷺ قضى ركعتَي الفجرِ حينَ نامَ عنهما (^٤). وقضى الركعتَينِ اللتَينِ قَبْلَ الظُّهْر بَعْدَ العصر (^٥). وقيس الباقي، لكنْ ما فاتَ معَ فرضِه وكَثُر، فالأولى تركُه، إلَّا سنَّةَ فَجْرٍ. ووقتُ كلِّ سنَّةٍ قَبْلَ صلاةٍ: مِنْ دُخولِ وقتِها إلى فِعلها. وكلِّ سنَّةٍ بعدَها: مِنْ فعلِها إلى خروجِ وقتِها. فسُنَّةُ فجرٍ وظُهْرٍ الأَوَّلةُ بعدهما قضاءٌ.
والسننُ غيرُ الرَّواتب عشرون؛ أربعٌ قَبْلَ ظُهْرٍ وعَصْرٍ، وأربعٌ بعد ظُهْرٍ ومَغرِبٍ وعِشاءٍ.
_________________
(١) "صحيح" البخاري (١١٦٩) واللفظ له، و"صحيح" مسلم (٧٢٤)، وهو عند أحمد (٢٤١٦٧).
(٢) بعدها في (ح) و(ز): "في الأفضلية".
(٣) أخرجه مسلم (٦٨٠) (٣١٠)، وهو عند أحمد (٩٥٣٤) من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه مسلم (٦٨١) وهو عند أحمد (٢٢٥٤٦) من حديث أبي قتادة ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤) عن أم سلمة ﵂ من حديث طويل.
(٥) "صحيح" مسلم (١١٦٣)، وهو عند أحمد (٨٥٣٤).
[ ٢ / ١٣١ ]
وصلاةُ الليلِ أفضلُ، وأفصلُه الثُّلُثُ بعد النصفِ، وصلاةُ ليلٍ ونهارٍ مثنى، وإن تطوَّعُ نهارًا بأربعٍ، فلا بأسَ.
(وصلاةُ اللَّيل) أي: النَّفْلُ المُطْلَقُ فيه (أفضلُ) من النَّفْلِ المطلَقِ بالنَّهارِ؛ لحديثِ مسلم، عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "أفضلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الفريضةِ صلاةُ اللَّيلِ" (^١).
(وأفضلُه) أي: الليلِ (الثُّلُثُ بَعْدَ النِّصْفِ) أي: الثلثُ الذي يلي النِّصْفَ الأَوَّلَ؛ لحديث: "أفضلُ الصَّلاة صلاةُ داود، كان ينامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، ويقومُ ثُلثَه، وينامُ سُدُسَه" (^٢). (وصلاةُ ليلٍ ونهارٍ مثنى) أي: يُسَنُّ أنْ يُسَلِّمَ فيها مِنْ كلِّ ركعتَيْن؛ لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "صلاةُ الليلِ والنهارِ مَثْنَى مَثْنَى" رواه الخمسة (^٣).
(وإنْ تطوَّع نهارًا بأربع) ركعاتٍ، بسلام واحدٍ (فلا بأس) وبتشهدَيْنِ أولى؛ لحديثِ أبي أيوب مرفوعًا: كان يصلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أربعًا لا يفصلُ بينهنَّ بتسليمٍ" رواه أَبو داود وابنُ ماجه (^٤).
ويقرأ في كلِّ ركعةٍ مع الفاتحةِ سورةً، وإن زادَ على أربعِ نهارًا، أو اثنتين ليلًا. ولو جاوز ثمانيًا بسَلامٍ واحدٍ، صَحَّ، وكُرِهَ، إلَّا في الوترِ والضُّحى، فلا كراهةَ؛ لوردوه.
_________________
(١) "صحيح" مسلم (١١٦٣)، وهو عند أحمد (٨٥٣٤).
(٢) أخرجه البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩) (١٨٩)، وهو عند أحمد (٦٤٩١) من حديث عبدِ الله بن عمرو ﵄ بلفظ: "أحبُّ الصَّلاة … ".
(٣) أَبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي ٣/ ٢٢٧، وابنُ ماجه (١٣٢٢)، وأحمد (٤٧٩١) مرفوعًا. وأخرجه مالك في "الموطأ" ١/ ١١٩ عن ابن عمر موقوفًا. قال الترمذي: اختلف أصحاب شعبة في حديث ابن عمر فرفعه بعضهم، وأوقفه بعضهم، والصحيح ما روي عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "صلاة الليل مثنى مثنى". وأخرجه بهذا اللفظ مسلم (٧٤٩)، وأخرجه البخاري (٤٧٣)، وهو عند أحمد (٥١٠٣) بلفظ: أن رجلًا سأله -كيف صلاة الليل؟ فقال: "مثنى مثنى".
(٤) أَبو داود (١٢٧٠)، وابن ماجه (١١٥٧) وفي إسناده: عبيدة بن مُعَتِّب الضَّبِّي، قال أَبو داود: عبيدة ضعيف. وأخرجه بنحوه أحمد (٢٣٥٥١) وفي إسناده: شريك بن عبدِ الله النخعي سيِّئُ الحفظ، وعلي ابن الصلت مجهول. وينظر التوسع والكلام عليه ثمة. وأخرجه مسلم (٧٣٠)، وأحمد (٢٤١٦٤) عن عائشة ﵂ قالت: كان ﷺ يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا … الخبر.
[ ٢ / ١٣٢ ]
وأجرُ قاعدٍ على نصفِ أَجْرِ قائمٍ.
وتُسنُّ صلاةُ الضحى غِبًّا، وأقلُّها ركعتانِ، وأكثرُها ثمانٍ،
ويَصِحُّ تطوُّعٌ بركعةٍ ونحوِها، كثلاثٍ وخمسٍ. قال في "الإقناع" (^١): مع الكَرَاهةِ.
(وأجرُ) صلاةِ (قاعدٍ على نصفِ أجرِ) صلاةِ (قائمٍ) لحديثِ: "مَنْ صلَّى قائمًا، فهو أفضلُ. ومَنْ صلَّى قاعدًا، فله نصفُ أجرِ القائم" متَّفقٌ عليه (^٢). إلَّا المعذور، فأجرهُ قاعدًا، كأجرِه قائمًا؛ للعُذر. وسُنَّ (^٣) تربُّعه بمحلِّ قيامٍ، وثَنْيُ رجلَيْه برُكُوعٍ وسُجُودٍ، وكثرتُهما أفضلُ مِنْ طولِ قيامٍ.
(وتُسَنُّ صلاةُ الضُّحى غِبًّا) بأنْ يصلِّيها في بعضِ الأيامِ دونَ بعضٍ (^٤)؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ: كان النبيُّ ﷺ يصلِّي الضُّحى حتَّى نقولَ: لا يَدَعُها، ويدعُها حتَّى نقولَ: لا يصلِّيها. رواه أحمدُ، والترمذي وقال: غريبٌ (^٥).
(وأقلُّها) أي: أقلُّ صلاةِ الضُّحى (ركعتان) لأنَّه لمْ يُنْقَل أنَّه ﷺ صلَّاها دونَهما، وصلَّاهما ﷺ أربعًا (^٦) وستًّا (^٧). (وأكثرُها ثمانٍ) لحديثِ أمِّ هانئ: أن النبيَّ ﷺ عامَ الفَتح صلَّى ثمانيَ ركعاتٍ سُبْحةَ الضُحى. رواه الجماعة (^٨). والسُّبْحَةُ -بضَمِّ السِّين
_________________
(١) ١/ ٢٣٥.
(٢) "صحيح" البخارى (١١١٥) من حديث عمران بن حصين، واللفظ له، وهو أيضًا عند أحمد (١٩٨٨٧). وأخرجه مسلم (٧٣٥) لكن من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ بنحوه.
(٣) في (م): "ويسن".
(٤) "المطلع" ص ١٥ بنحوه.
(٥) أحمد (١١١٥٥)، والترمذي (٤٧٧).
(٦) أخرجه مسلم (٧١٩)، وأحمد (٢٤٩٢٤) عن معاذة، عن عائشة، أنها سألتها: أكان رسول الله ﷺ يصلِّي الضحى أربعًا؟ قالت: نعم أربعًا، ويزيد ما شاء الله.
(٧) أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" ١/ ٢١٢، والطبراني في "الأوسط" (٤٤١١) من حديث جابر بن عبد الله ﵄. وفي إسناده محمد بن قيس الزيات. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ٢٣٧: رواه الطبراني في "الأوسط" من رواية محمد بن قيس، عن جابر، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" [٧/ ٣٩٢]. ا هـ.
(٨) البخارى (١١٧٦)، ومسلم (٣٣٦)، وأبو داود (١٢٩٠)، والترمذي (٤٧٤)، والنسائي في "الكبرى" (٢٢٤)، وابن ماجه (٦١٤)، وهو عند أحمد (٢٦٨٨٧).
[ ٢ / ١٣٣ ]
وصلاةُ الاستخارة،
المهملة-: الصَّلاة (^١). ووقتُها: مِن خروجِ وقتِ النَّهي إلى قُبَيْلِ الزَّوال. وأفضلُه: إذا اشتدَّ الحر.
(و) تُسَنُّ (صلاة الاستخارةِ) ولو في خَيرٍ، ويبادرُ به بعدَها؛ لحديثِ جابر: كان رسولُ الله ﷺ يعلِّمنا الاستخارةَ في الأُمورِ كلِّها، كما يعلِّمنا السورةَ مِنَ القرآن، يقولُ: "إذا هَمَّ أَحدكُم بالأَمرِ، فليركعْ رَكعَتَينِ مِنْ غَيرِ الفريضةِ، ثُمَّ ليقل: اللهمَّ إنِّي أسْتخيرُك بعلمِك، وأسْتَقدِرُكَ بقدرتك، وأسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العظيم؛ فإنَّك تَقْدِرُ ولا أقدِرُ، وتَعلمُ ولا أعلمُ، وأنت علَّامُ الغُيُوب. اللهمَّ إن كُنْتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ خيرٌ لي في دِيني، ومعاشي، وعاقبةِ أمري -أو قال: عاجلِ أمري وآجله (^٢) - فيَسِّرْهُ (^٣) لي، ثُمَّ بارِك لي فيه. وإنْ كُنْتَ تعلَمُ أنَّ هذا الأمرَ شرٌّ لي في ديني، ومعاشي، وعاقبةِ أمري - أو قال: عاجلِ (^٤) أمري وآجلهِ- فاصْرِفْه عنِّي، واصْرِفْني عنه، واقدُرْ لي الخيرَ حيثُ كان، ثُمَّ أرْضِنِي به" ويسمِّي حاجته. أخرجَه البخاري، والترمذيُّ (^٥)، و[فيه: "ثُمَّ رضني به"] (^٦).
_________________
(١) "المصباح المنير" (سبح).
(٢) بعدها في (م): "فاقدره لي"، وقد وردت هذه الزيادة عند البخاري (١١٦٢) و(٦٣٨٢) و(٧٣٩٠).
(٣) في (م): "ويسره". وكذا وردت في روايات البخاري.
(٤) في (م): "في عاجل". وكذا أوردت في روايات البخاري.
(٥) "صحيح" البخاري (١١٦٢) و(٦٣٨٢) و(٧٣٩٠)، و"سنن" الترمذي (٤٨٠) واللفظ له.
(٦) جاء مكانها في (ح) و(ز) ما نصه: "قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري" [١٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧]: وقوله: "وأستقدرك بقدرتك" الباء للاستعانة، أو القسم الاستعطافي، ومعناه: أطلب منك أن تجعل لي قدرةً على المطلوب، وقوله: "واقدُر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به، بضمِّ الدال، ويجوز كسرها، أي: نجِّز لي، وتوله: "رضِّني" بتشديد المعجمة، أي: اجعلني بذلك راضيًا، فلا أندم على طلبه، ولا على وقوعه؛ لأني لا أعلم عاقبته، وإن كنت حال طلبه راضيًا به، قال: وقوله: "ثم ليقل" ظاهر في أن الدعاء يكون بعد الفراغ من الصلاة، ويحتمل أن يكون الترتيب فيه بالنسبة لأذكار الصلاة ودعائها، فيقوله بعد الفراغ وقبل السلام. انتهى". ورواية: "ثم رضني به" جاءت عند البخاري (٦٣٨٢) و(٧٣٩٠).
[ ٢ / ١٣٤ ]
وعَقِبَ الوضوءِ، وتحيَّةُ المسجد، وسجودُ تلاوةٍ معْ قِصَرِ فَصْلٍ،
(و) تُسَنُّ الصَّلاةُ (عَقبَ الوضوءِ) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: قال لبلالٍ عند صلاة الفجر: "يا بلالُ، حدِّثني بأرجى عَمَلٍ عَملْتَهُ في الإِسلام؛ فإنِّي سمعتُ دَفّ (^١) نَعْلَيْكَ بين يَدَيَّ في الجنةِ"؟ فقال: ما عَمِلتُ عَمَلًا أرْجى عندي: أنَّي لمْ أتَطهَّر طُهُورًا في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ، إلَّا صلَّيتُ بذلك الطُّهُورِ ما كَتَبَ اللهُ لي أنْ أصلِّي. متفقٌ عليه (^٢). ولفظُه للبخاريِّ.
(و) تُسَنُّ (تحيَّةُ المسجد) ركعتانِ فأكثرَ لكلِّ مَنْ دَخَلَه، قصَدَ الجلوس، أَوْ لا، غيرَ خطيبٍ دَخَلَ للخطبةِ، وغيرَ قيِّمه؛ لتكرُّرِ دخولِهِ، وغيرَ داخلِه لصلاةِ عيدٍ، أو: والإمامُ في مكتوبةٍ، أو: بعدَ شُرُوعٍ في إقامةٍ، وغيرَ داخِلِ المسجدِ الحرامِ. والأصلُ في مَشرُوعيَّتِها: قولُه ﷺ: "إذا جاء أحدُكُمْ يومَ الجمعةِ وَقَدْ خرَجَ الإمامُ، فلْيصلِّ ركعتَيْن" متفقٌ عليه (^٣). وتجزئ راتبةٌ وفريضةٌ ولو فائتتين عنها.
(و) يُسَنُّ (سجودُ تلاوةٍ) لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]. وحديثِ ابنِ عمرَ: كان النبي ﷺ يقرأ علينا السُّورة فيها السجدةُ، فيسجدُ، ونسجدُ معه، حتَّى ما يجدُ أحدُنا موضعًا لجبهتِه (^٤).
وهو كنافلة فيما يُعْتَبَرُ من الشُّروطِ؛ فيُسنُّ (مَعَ قِصَرِ فَضْلٍ) بينَ التِّلاوةِ أو الاستماعِ والسُّجودِ، فيتيمَّمُ مُحدِثٌ بشرطِهِ، ويسجدُ مع قِصَرِهِ (^٥).
_________________
(١) في (م)، والأصل، و(س): "دقَّ"، والمثبت من (ح) و(ز)، وهو الموافق لما في البخاري.
(٢) "صحيح" البخارى (١١٤٩)، و"صحيح" مسلم (٢٤٥٨)، وهو عند أحمد (٨٤٥٣). وورد عند مسلم وأحمد "خَشْف"، بدل: "دفَّ" والخشْفُ: الحسُّ والحركة، والدَّفُّ: السير الليِّن. "النهاية" (خشف)، (دفف).
(٣) صحيح البخارى (١١٦٦)، و"صحيح" مسلم (٨٧٥) (٥٧) واللفظ له. وهو عند أحمد (١٤٤٠٥) من حديث جابر بن عبدِ الله ﵄.
(٤) أخرجه بهذا اللفظ أَبو عوانة في "مسند" ٢/ ٢٠٧، وهو عند البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥)، وأحمد (٤٦٦٩).
(٥) أي: قِصَرِ الفَصْلِ بين السجود وسببه، بخلاف ما لو توضَّأ؛ لطول الفَصْل. "شرح منتهى الإرادات" ١/ ٥٢٠.
[ ٢ / ١٣٥ ]
لقارئٍ، ومستمعٍ، فلا يسجدُ إنْ لمْ يسجدْ قارئٌ.
والسجداتُ أربعَ عشرةَ، في الحجِّ اثنتان، يكبِّرُ إذا سجدَ، وإذا رفعَ،
وإنَّما يُسَنُّ (لقارئٍ، ومستمعٍ) لآيةِ السَّجْدةِ؛ لما تقدَّم، لا سامعٍ بلا قَصْدٍ، ولا مصلٍّ إلَّا متابعةً لإمامهِ.
وَيُعْتَبَرُ لسجودِ مستمعٍ كونُ قارئٍ يصلُح إِمامًا له (فلا يَسْجُدُ) مستمعٌ (إن لمْ يَسْجُدُ قارئٌ) ولا قدَّامَه، أو عنْ يسارهِ مع خلوِّ يمينِه. ولا رجلٌ لتلاوةِ امرأةٍ وخُنْثى، ويسجدُ لتلاوةِ أُمِّيٍّ، وزَمِنٍ، وصَبِيٍّ.
(والسجداتُ: أربعَ عشرَةَ) سجدةً: في آخرِ "الأعرافِ" (^١)، وفي "الرَّعْدِ" عند ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الآية: ١٥]، وفي "النَّحْلِ" عند ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [الآية: ٥٠]، وفي "الإِسراء" عند ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الآية: ١٠٩]. وفي "مريم" عند ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [الآية: ٥٨]. و(في "الحجِّ" اثنتان) الأولى: عند ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [الآية: ١٨]، والثانية: عند ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الآية: ٧٧]. وفي "الفُرْقان" عند ﴿وَزَادَهُمْ نفُورًا﴾ [الآية: ٦٠]. وفي "النَّمْلِ" عند ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [الآية: ٢٦]. وفي "آلم السجدة" عند ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الآية:١٥]. وفي "فُصِّلَتْ" عند ﴿وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ﴾ [الآية:٣٨]. وفي آخر "النَّجْمِ" (^٢). وفي "الإِنْشقاقِ" عند ﴿لَا يَسَجُدُونَ﴾ [الآية: ٢١]. وفي آخر "اقرأ" (^٣).
(يُكَبِّرُ) في سُجُودِ التلاوةِ تكبيرتَينِ، سواءٌ كان في الصَّلاة، أو خارِجَها، تكبيرةً (إذا سَجَدَ، و) يكبِّرُ تكبيرةً (إذا رَفَعَ) رأسَه مِنَ السُّجُودِ، كسُجودِ صُلْبِ الصَّلاةِ، والسَّهْوِ.
_________________
(١) [الآية: ٢٠٦].
(٢) [الآية: ٦٢].
(٣) [الآية: ١٩].
[ ٢ / ١٣٦ ]
ويجلسُ، ويسلمُ بلا تشهدٍ.
ويلزمُ مأمومًا متابعةُ إمامِهِ في جهْريَّة.
(ويجلسُ) إن سَجَدَ خارجَ الصلاةِ بَعدَ رَقعِه، ليُسَلِّمَ جالسًا. قال في "الإقناع" (^١) تبعا لصاحِبَي (^٢) "الفروع" و"المبدع" (^٣): ولعل جلوسه نَدبٌ.
(ويُسَلمُ) وجوبًا، فيبطلُ سجودُ التلاوةِ بتَركِ السَّلامِ عمدًا وسَهوًا؛ لعمومِ حديثِ: "تحريمُها التَّكبيرُ، وتحليلُها التَّسليمُ" (^٤).
والتسليمةُ الأولى رُكنٌ، وتجزئُ (بلا تشهُّدٍ) لأنَّه لم يُنْقَل. ويرفعُ يدَيه ولو في صَلَاةِ. وكُرِهَ جمعُ آياته (^٥)، وحذفُها، وقراءةُ إمامٍ آيةَ سجدةٍ في صلاةِ سر، وسُجُودُه لها. (ويلزمُ مأمومًا متابعةُ إمامِهِ) في سجودِ تلاوة (في) صلاة (جهريةٍ) كفَجرٍ، وعشاءٍ؛ لحديثِ: "إنما جُعِلَ الإمامُ، ليُؤتم به" (^٦). وأما صلاةُ السر: فلا يلزمُ المأمومَ متابعةُ الإمامِ فيها؛ فإن المأمومَ فيها ليسَ بتالٍ ولا مستمعٍ، بخلاف الجهرية، وإن كان ثَم مانع، كبُعد وطَرَشٍ؛ لأنها محل الإنصاتِ في الجملة. وسجودٌ عن قيام أفضلُ كصلاةِ نافلةٍ.
_________________
(١) ١/ ٢٤٠.
(٢) في (م): "لصاحب".
(٣) "الفروع" ٢/ ٣١٠، و"المبدع" ٢/ ٣١.
(٤) سلف تخريجه ص ٨٩.
(٥) في (م)، والأصل: "آيات".
(٦) جزء من حديث طويل روي عن عدد من الصحابة، منهم: حديث أنس ﵁: أخرجه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١)، وهو عند أحمد (١٢٦٥٦). وحديث أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤)، (٤١٧)، وهو عند أحمد (٨١٥٦). وحديث عائشة ﵂: أخرجه البخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢)، وهو عند أحمد (٢٤٢٥٠).
[ ٢ / ١٣٧ ]
ويستحب سجودُ شكرٍ؛ لتجددِ نعمةٍ، أو اندفاعِ نقمةٍ، فتبطلُ به صلاةُ غيرِ جاهلٍ، وناسٍ.
وأوقاتُ النَّهي: من طلوعِ الفجرِ
(ويُستحبُّ سجودُ شُكْرٍ) لله تعالى (لتجدُّدِ نعمةٍ) ظاهرة (^١)، عامةً أو خاصةً بالساجد (أو اندفاع نِقْمَةِ) كذلك، كتجددِ وَلَدٍ، ونصرةٍ على عدوٍّ؛ لحديثِ أبي بكرةَ: أن النبى ﷺ كان إذا أتاهُ أمرٌ يسر به، خر ساجدًا. رواه أبو داود (^٢).
وعُلِمَ من قوله: "تجددِ نعمةٍ" أنه لا يسجُد لدوامِها؛ لأنَّه لا يَنْقَطِعُ، فلو شُرع السجودُ له، لاستَغْرَقَ به عُمرَه، وإنما يُشرعُ سجودُ الشُّكرِ خارجَ الصلاةِ (فتبطلُ به صلاةُ غيرِ جاهِلٍ، ونَاسٍ) بأنْ كان عالمًا عامِدًا؛ لأنَّ سبَبه لا يتعلَّقُ بالصلاة، بخلاف سُجُودِ التلاوة.
وعُلِمَ منه، أنَّه لا تبطلُ الصلاةُ به مِنْ جاهل وناسٍ، كما لو زاد فيها سجودا كذلك. وصفتُه وأحكامُه كسجودِ التلاوة.
(وأوقاتُ النهي) [أي: التي نُهِيَ] (^٣) عن الصلاة فيها خمسة:
أحدُها: (مِن طُلُوع الفَجرِ) الثاني إلى طُلوعِ الشَّمسِ؛ لحديثِ: "إذا طَلَعَ الفَجرُ، فلا صَلَاةَ إلا ركعتي الفجرِ" احتج به أحمد (^٤).
_________________
(١) بعدها في (ح) و(ز): "سواء كانت".
(٢) برقم (٢٧٧٤)، وهو عند الترمذي (١٥٧٨)، وابن ماجه (١٣٩٤)، وأحمد (٢٠٤٥٥). وفي إسناده بكار بن عبد العزيز؛ قال في "فيض القدير" ٢/ ٥٤٩: قال ابن معين: ليس بشيء. ولسجود الشكر شواهد: من حديث سعد بن أبي وقاص أخرجه أبو داود (٢٧٧٥)، وفي إسناده مجهول. ومن حديث أنس أخرجه ابن ماجه (١٣٩٢) وفي إسناده ابن لهيعة، وهو سيئ الحفظ. وينظر تتمة تخريجه في "مسند" أحمد.
(٣) ليست في الأصل و(س)، وفي (م): "أي: التي ينهى".
(٤) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨١٦)، وابن عدي في "الكامل" ١/ ٢٩٧ عن أحمد بن عبد الصمد، عن إسماعيل بن قيس، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. قال =
[ ٢ / ١٣٨ ]
حتَّى ترتفعَ الشمسُ قدرَ رمحٍ.
وعند قيامِها حتَّى تزولَ.
ومن صلاةِ العصر
والثاني: عند الطلوع (حتى ترتفعَ الشمسُ) لحديثِ أبي سعيدٍ: "لا صلاةَ بعدَ الصبحِ حتى ترتفعَ الشَمسُ" متفق عليه (^١). وأوَّلُ هذا الوقتِ ظهورُ شيءٍ مِن قرصِ الشَّمسِ، ويستمر إلى ارتفاعها (قَدرَ رُمحٍ) في رأيِ العين.
(و) الثالثُ: (عندَ قيامِها) أي: الشَّمسِ، وهو حالةُ الاستواء (حتَّى تزولَ) لحديثِ عقبةَ بنِ عامر (^٢): "ثلاثُ ساعاتٍ كانَ النبى ﷺ ينهَانا أن نصلي فيهن، أو نقبرَ فيهنَّ موتانا: حين تطلع الشَّمسُ بازغةً حتَى ترتفعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظَّهيرةِ حتى تميلَ الشمسُ، وحينَ تَضيفُ الشَمسُ للغروبِ حتى تغربَ" رواه مسلم (^٣).
(و) الرابعُ: (مِنَ) الفراغِ مِن (صلاةِ العَصر) ولو مجموعةً وقتَ الظُّهر إلى الأخذِ في الغروب. فمن لم يصل العصرَ، أبيحَ له التنفلُ، وإنْ صلى غيرَه. وكذا لو أحرَم بها، ثم قَطَعَها، أو قَلبَها نفلًا. ومَنْ صلَّاها، فليسَ له التنفلُ وانْ صلى وحدَه؛ لحديثِ أبي سعيدٍ وغيرهِ: "لا صلاةَ بعدَ صلاةِ العَصرِ حتَّى تغرُبَ الشَّمسُ" (^٤). وتُفْعَلُ
_________________
(١) = الطبراني: لم يروه عن يحيى بن سعيد إلا إسماعيل بن قيس، تفرد به أحمد بن عبد الصمد. قال في "مجمع الزوائد" ٢/ ٢١٨: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه إسماعيل بن قيس وهو ضعيف. وقال ابن عدي: قال البخاري -عنه-: مديني منكر الحديث، وقال النسائي: مديني ضعيف.
(٢) البخاري (٥٨٦) واللفظ له، ومسلم (٨٢٧)، وهو عند أحمد (١١٩٠١). وأخرجه بنحوه أيضًا البخاري (٥٨١)، ومسلم (٨٢٦) من حديث ابن عباس ﵄، عن عمر ﵁. وأخرجه البخاري (٥٨٨)، ومسلم (٨٢٥)، وهو عند أحمد (٩٩٥٣) من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حنى نطلع الشمس.
(٣) هو عقبة بن عامر الجهنيُّ، صاحب رسول الله ﷺ، كان عالمًا، مقرئًا، فصيحًا فقيهًا فرضيًا، شاعرًا، كبير الشأن، وكان البريد إلى عمر بفتح دمشق، وله دار بخط باب توما، وشهد صفين مع معاوية، وأمره بعد ذلك على مصر. (ت ٥٨ هـ). "الإصابة" ٧/ ٢١ - ٢٢، "السير" ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٩.
(٤) برقم (٨٣١)، وهو عند أحمد (١٧٣٧٧).
(٥) سلف تخريجه آنفًا من حديث أبي سعيد ﵁.
[ ٢ / ١٣٩ ]
حتَّى يتم الغروب.
ويجوزُ قضاءُ الفرائضِ فيها، وركعتا الطَّوافِ، وإعادةُ جماعةٍ أقيمتْ وهو بالمسجدِ،
سُنَّةُ الظُّهرِ بعدَها، ولو في جَمْعِ تأخيرٍ.
والخامس: عندَ غروبِها (حتى يتم الغروبُ) لحديثِ عقبةَ، وتقدَّم.
(ويجوزُ قضاءُ الفرائضِ فيها) أي: في الأوقاتِ المذكورةِ؛ لعُمومِ حديثِ: "مَنْ نامَ عَن صَلاةٍ، أو نَسِيَها، فلْيُصَلها إذا ذكرَها" متَفقٌ عليه (^١). ولحديث: "إذا أدركَ أحدُكم سجدة من صلاةِ العَصرِ قَبلَ أنْ تغيبَ الشَّمس، فليتم صلاتَه" متفقٌ عليه (^٢). ويجرزُ فِعلُ منذورة، ونذرُها فيها؛ لأنَّها واجبةٌ أشبهتِ الفرائض.
(و) يجوزُ فيها (ركعتا الطواف) لحديثِ جبيرِ بن مُطعِم (^٣) مرفوعًا: "يا بني عبدِ منافٍ، لا تَمْنعُوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ وصلَّى فيه في أيةِ ساعةٍ شاءَ مِن ليل أو نهار" رواه الأثرمُ، والترمذي وصححَه (^٤). ولأنهما (^٥) تبعٌ له، وهو جائز كلَّ وقتٍ.
(و) يجوزُ فيها (إعادةُ جماعةٍ أُقِيْمت وهو بالمسجدِ) لحديثِ أبي ذرٍّ مرفوعًا: "صل الصلاة لوقتِها، فإنْ أقِيْمت وأنتَ في المسجدِ، فصل ولا تَقُل: إِني صليتُ؛ فلا أصلي" رواه أحمدُ ومسلم (^٦). فإن لم يكنْ بالمسجدِ، لم يستحب له الدخولُ ولا يعيدُها فيها.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ أبو يعلى في "مسنده" (٣٠٨٦)، والطبراني في "الأوسط" (٦١٢٩)، وهو عند البخارى (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤)، وأحمد (١١٩٧٢) بنحوه. كلهم من حديث أنس ﵁.
(٢) البخاري (٥٥٦) واللفظ له، ومسلم (٦٠٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) هو أبو محمد -ويقال: أبو عدي- جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، شيخ قريش في زمانه، ابن عم النبي ﷺ، من الطلقاء الذين حسن إسلامهم. (ت ٥٩، وقيل: ٥٨ هـ). "الاستيعاب" بها في "الإصابة" ٢/ ١٣١ - ١٣٤، و"السير" ٣/ ٩٥ - ٩٩.
(٤) لعله في "سنن" الأثرم ولم تطبع، وهو عند الترمذي (٨٦٨)، وأبي داود (١٨٩٤)، والنسائي في "المجتبى" ١/ ٢٨٤، وابن ماجه (١٢٥٤). قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عباس وأبي ذر ﵁.
(٥) في (م): "ولأنها".
(٦) "مسند" أحمد (٢١٤٢٣)، و"صحيح" مسلم (٦٤٨) (٢٤٢).
[ ٢ / ١٤٠ ]
وركعتا فجرٍ قبلَ فرضِه.
ويحرُمُ تطوُّعٌ عداها فيها حتَّى مالَه سببٌ.
(و) تجوزُ (ركعتا فجرٍ)، أي: سنته (قبلَ) صلاةِ (فرضِه) فلا تجوزُ بعدَها حتى ترتفعَ الشمسُ قِيدَ رُمحٍ (^١).
(ويحرمُ) إيقاعُ (تطوع) بصلاة، أو بعضِها، ما (عداها) أي المذكوراتِ: من ركعتي الطَّوافِ، وإعادةِ جماعةٍ أُقيْمَت وهو بالمسجدِ، وركعتي فجرٍ قَبْلَ فرضِه (فيها) أي: في الأوقاتِ الخمسةِ (حتَّى ما له سببٌ) مِن التَّطوعِ، كسجودِ تلاوة، وصلاةِ كسوفٍ، وقضاءِ راتبةٍ، وتحيةِ مسجد، إلا حالَ خطبة. ولا يجوزُ فيها صلاةُ جنازة لَمْ يخَف عليها، إلا بعد فجرٍ وعصر.
_________________
(١) قال ابن قدامة في "المغنى" ٢/ ٥٣١: فأما قضاء سنة الفجر بعدها فجائز، إلا أن أحمد اختار أن يقضيهما من الضحى، وقال: إن صلاهما بعد الفجر أجزأ، وأما أنا فأختار ذلك.
[ ٢ / ١٤١ ]
باب
صلاة الجماعة تلزمُ الرجالَ للخَمْس المؤدَّاةِ مَعَ القُدرةِ، لا شرطٌ،