تُسنُّ صلاةُ الكسوفِ إذا كُسِفَ أحدُ النيِّرين ركعتين، يقرأ جَهْرًا في الأولى بالفاتحةِ وسورةٍ طويلةٍ، ثم يركعُ طويلًا، ثم يرفع مسمِّعًا ويحمِّد،
باب في صلاة الكسوف
يقال: كسفتِ الشمسُ -بفتحِ الكاف وضمِّها- ومثلُه: خَسَفت، وهو ذَهابُ ضَوءِ الشَّمسِ والقمرِ أو بعضِه، وبابُهما ضَرَبَ، يتعدَّى ولا يتعدَّى. وقال ثعلب (^١): أجودُ الكلام: خَسَفَ القمرُ، وكَسَفَت الشمسُ. نقله في "المصباح" (^٢).
وصلاةُ الكسوفِ ثابتة بالسُّنَّة المشهورة، واستَنْبَطَها بعضُهُمْ من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧].
(تُسنُّ (^٣) صلاةُ الكسوفِ) جماعةً وفرادى بلا خطبةٍ؛ لأنَّه ﵊ أمر بها دونَ الخطبة (إذا كُسِفَ أحدُ النيِّرَين) الشمسِ والقمرِ، أي: وقت كسوفِ أحدهما؛ فـ"إذا" ظرفيَّة.
ووقتُها: من ابتدائه إلى التجلِّي. ولا تُقضى كاستسقاءٍ وتحيَّةِ مسجدٍ، فيصلِّي (ركعتَين، يقرأُ جَهْرًا) ولو في كسوفِ الشَّمسِ (في الأُولى بالفاتحةِ وسورةٍ طويلةٍ) مِن غيرِ تعيينٍ (ثم يركعُ) ركوعًا (طويلًا) مِن غيرِ تقديرٍ (ثم يرفعُ) رأسه (مسمِّعًا) أي: قائلًا: سَمِعَ الله لمن حَمِدَه. (ويُحَمِّد) أي: يقول: ربَّنا ولكَ الحمدُ. بعد اعتداله
_________________
(١) إمام النحو، أبو العباس، أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني مولاهم البغدادي، صاحب "الفصيح" و"اختلاف النحويين"، و"القراءات"، و"معاني القرآن" … (ت ٢٩١ هـ). "السير" ١٤/ ٥ - ٧.
(٢) مادة: (خسف).
(٣) قبلها في (م): "و".
[ ٢ / ٢١٥ ]
ثم يقرأ الفاتحة وسورةً طويلةً دون الأولى، ثم يركعُ طويلًا دونَ الأوَّل، ثم يرفعُ ويعتدل، ثم يسجدُ سجدتَيْن طويلتَيْن، ثم يصلِّي الثانيةَ كالأُولى، لكنْ دونَها في الكلِّ، ثم يتشهَّد ويسلِّم.
وإن تجلَّى الكسوفُ فيها، أتمَّها خفيفةً، وقبلَها، لم يصلّ.
(ثم يقرأُ الفاتحةَ وسورةً طويلةً دون) السورة (الأُولى، ثمَّ يركعُ) ركوعًا (طويلًا دون) الركوع (الأوَّلِ، ثمَّ يرفعُ) فيسمِّع (ويعتدلُ) فيحمِّد كما تقدَّم، ولا يُطِيلُ (ثم يسجدُ سجدتَيْن طويلتَين) ولا يطيلُ الجلوسَ بين السجدتَين (ثم يصلِّي) الرَّكعةَ (الثانية، كـ) الرَّكعةِ (الأُولى، لكن) تكونُ (دونَها في الكلِّ) أي: في جميعِ ما تقدَّم (ثم يتشهَّد، ويسلِّم) لفعلِه ﷺ، كما رُوِيَ عنه ذلكَ من طرقٍ بعضُها في الصحيحين (^١).
ولا تُعادُ إنْ فرغتْ قبل التَّجلِّي، بل يدعو ويَذكر، كما لو كان (^٢) وقت نَهي.
(وإن تجلَّى الكسوفُ فيها) أي: الصَّلاةِ (أتمَّها خفيفةً) لقوله ﷺ: "فصلُّوا وادعُوا حتَّى يَنكَشِفَ ما بكم" متَّفقٌ عليه من حديث أبي مسعود (^٣).
(و) إن تجلَّى (قبلها) أي: الصَّلاةِ، أي: قبل الشروعِ فيها (لم يُصَلِّ) لأنَّها لا تُقضَى، كما تقدَّم.
_________________
(١) منها حديث عائشة ﵂ أخرجه النسائي في "المجتبى" ٣/ ١٥٠ مطولًا، وأصل الحديث عند البخاري (١٠٤٧) -وفيه: ثم سلَّم، ودون ذكر التشهد- ومسلم (٩٠١)، وأحمد (٢٤٤٧٣). ومنها حديث ابن عباس وهو عند البخاري (١٠٥٣)، ومسلم (٩٠٥) (١١). ومنها حديث أسماء بنت أبي بكر، وهو عند البخاري (٧٤٥).
(٢) في (م) و(ح): "كانت"، وجاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: كما لو كان إلخ، أي: لا تصلَّى في وقت النهي أصلًا. انتهى. تقرير".
(٣) البخاري (١٠٤١)، ومسلم (٩١١). ووقع في النسخ: "ابن مسعود"، والمثبت -وهو الصواب- من البخارى ومسلم.
[ ٢ / ٢١٦ ]
ويصحُّ فعلُها كنافلةٍ، وبثلاثِ ركوعاتٍ، أو أربعٍ أو (^١) خمسٍ.
فصل
وإذا ضرَّ (^٢) جدبُ أرضٍ (^٣) وقحطُ مطرٍ، صلَّوا صلاةَ الاستسقاء،
وإنْ غابتِ الشَّمسُ كاسفةً، أو طَلَعَ الفجرُ، والقمرُ خاسفٌ، أو كانتْ آيةً غير الزلزلة، لم يصلِّ.
(ويصحُّ نعلُها) أي: صلاةِ الكسوف (كنافلةٍ) أي: بلا تعدُّدِ ركوعٍ ولا تطويلٍ.
(و) يصحُّ فعلُها (بثلاثِ ركوعاتٍ، أو أربعٍ) ركوعاتٍ، (أو خمسِ) ركوعاتٍ؛ لثبوته عنه ﷺ (^٤)، ولا يزيدُ على خمسِ ركوعاتٍ؛ لأنَّه لم يُنقل.