(باب) بالتنوين، أي: هذا بابٌ في صلاةِ الجماعةِ وأحكامِها، وما يبيحُ تَرْكَها، وما يتعلَّقُ به.
(صلاةُ الجماعة) مبتدأٌ، خبره قولُه: (تلزمُ الرجالَ) ويجوزُ إضافةُ بابٍ على الرجالِ [إلى صلاةِ الجماعة؛ فجملة "تلزمُ" مستأنفةٌ لا محل لها من الإعرابِ، أي: تجبُ صلاةُ الجماعةِ على الرجالِ] (^١) الأحرارِ (لـ) ــصلواتِ (الخمس المؤدَّاةِ) على الأعيانِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] والأمرُ للوجوبِ، وإذا كان ذلك مَعَ الخوفِ، فمعَ الأمْنِ أولى (مَعَ القُدْرة) عليها. فلا تلزمُ النساءَ، وَالخَناثى، والعبِيد، والمبعَّضين، وذوي الأعذارِ (لا شرط) أي: ليستِ الجماعةُ شرطًا لصحةِ الصلاةِ، نصًّا؛ لحديث ابنِ عمرَ مرفوعًا: "صلاةُ الجماعةِ تفضُلُ على صلاةِ الفَذ بسبعٍ وعشرينَ درجةً" رواه الجماعةُ إلا النسائيَّ وأبا داود (^٢).
ولا يَصِح حملُه على المعذورِ؛ لأنَّه يُكْتَبُ له من الأجرِ ما كان يفعلُه لولا العذر؛ للخبرِ (^٣). فتصحُّ مِنْ مُنفردٍ، ويأثمُ، ولا ينقصُ أجرُه مع عُذرٍ.
وتنعقدُ باثنين في غيرِ جُمعةٍ، وعيدٍ، ولو بأنثى، أو عبدٍ، لا بصبيٍّ في فرضٍ.
_________________
(١) ليست في الأصل، و(س).
(٢) البخاري (٦٤٥)، ومسلم (٦٥٠)، والترمذي (٢١٥)، وابن ماجه (٧٨٩)، وهو عند أحمد (٥٣٣٢). والفذ: الواحد. "النهاية" (فذذ)،
(٣) أخرج البخاري (٢٩٩٦)، وهو عند أحمد (١٩٦٧٩) من حديث أبي موسى الأشعرى قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا مرض العبدُ، أو سافر، كتبَ له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا".
[ ٢ / ١٤٣ ]
وله فعلُها ببيتِه، وأفضلُها المسجدُ العتيقُ، ثمَّ الأكثرُ، وأبعدُ أولى مِنْ أقرب.
وحَرُمَ أنْ يُؤم بمسجدٍ قَبْلَ إمامِه الراتِبِ،
وتسن بمسجد؛ للأخبار (^١).
(وله فعلُها) أي: الجماعةِ (ببيتِه) لحديث:"جُعِلَت ليَ الأرضُ مسجدًا وطَهُورًا" (^٢).
ويسَنُّ لأهلِ ثَغْرٍ (^٣) اجتماع بمسجدٍ واحدٍ (و) الأفضلُ لغيرِهم المسجدُ الذي لا تُقامُ فيه إلا بحضوره. ثم (أفضلُها) أي: الجماعةِ، أي: أفضلُ أماكنها (المسجدُ العتيقُ) لأنَّ الطاعةَ فيه أسبقُ. (ثم الأكثرُ) جماعةً؛ لأنه أعظمُ أجرًا (وأبعدُ) مَسجِدَين قديمَين، أو جَدِيدَين، سواءٌ اختلفا في كثرةِ الجَمعِ وقلتِه، أو استويا (أَولى مِن أقربَ) لحديثِ أبي موسى مرفوعًا: "أعظمُ النَّاسِ أجرا في الصلاةِ أبعدُهم فأبعدُهم ممشى" رواه البخاريُّ (^٤).
(وَحَرُمَ أنْ يُؤمَّ) -بالبناءِ للمفعول- بمسجدٍ له إمامٌ راتب (قَبلَ) فراغِ (إمامِه الرَّاتبِ) من الصلاة؛ لأنَّه بمنزلةِ صاحبِ البيتِ، وهو أحق بالإمامة مِمن سِواه؛ لحديثِ: "لا يُؤمنَ الرجلُ في بيته إلا بإذنِهِ" (^٥) ولا يحرمُ أن يَؤُمَّ بعدَ الراتب.
قال في "الإقناع" (^٦): ويتَّجه، إلا لمن يعادي الإمامَ، وحيثُ أمَّ قبلَ الراتب، لم
_________________
(١) أخرج البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١)، وأحمد (٢١٥٨٢) عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". لفظ البخاري.
(٢) جزء من حديث أخرجه البخارى (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حدبث جابر بن عبد الله ﵄، وأخرجه مسلم (٥٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) جاء في هامش (س) ما نصه: "الثغر: هو المكان المخُوف، الذى يلي الكفار. انتهى تقرير".
(٤) في "صحيحه" (٦٥١)، وهو عند مسلم (٦٦٢).
(٥) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٧٠٩٩) عن أبي مسعود الأنصارى ﵁، وهو عند أبي داود بلفظ: "ولا يُؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه". وعند مسلم (٦٧٣) بلفظ: "ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه".
(٦) ١/ ٢٤٦.
[ ٢ / ١٤٤ ]
إلا بإذنِه، أو مَعَ عُذْرِه.
ومَنْ صلى، ثمَّ أقيمتْ، سُنَّ أنْ يُعِيدَ غيرَ مغربٍ، ولا تُكرَه إعادةُ جماعةٍ في غيرِ مسجدَي مكَّةَ والمدينةِ،
تصح إمامتُه. (إلا بإذنِه) أي: الرَّاتبِ، فيُباحُ للمأذونِ أن يَؤمّ، وتصح إمامتُه (أو مع عُذرِه) أي: الراتب، بمرض ونحوه، أو مع تأخُّرِه، وضِيقِ الوقتِ؛ لأن أبا بكر ﵁ صلَّى حينَ غاب النبي ﷺ (^١). وفعَله عبدُ الرحمن بن عوفٍ ﵁، فقال النبي ﷺ: "أحسَنتُم" رواه مسلم (^٢). ولتَعَينِ تحصيلِ الصلاة إذنْ. وسواء علِمَ عذرَه، أو لا، ويراسَلُ إنْ تأخَّر عن وقتِه المعتادِ، مع قربِ محله، وعدم مشقة، وإلا، أو لم يُظن حضورُه، أو ظُن ولا يَكرَهُ الراتبُ ذلك، صلوا (^٣).
(ومَن صلى) الفرضَ منفردًا، أو في جماعة (ثم أُقيمت) الصلاةُ (سُنَّ) له (أنْ يعيدَ) مع الجماعةِ ثانيًا مع إمام الحي أو غيرهِ؛ لحديثِ أبي ذر مرفوعًا: "صلِّ الصَّلاة لوقتِها، فإنْ أقيمت وأنتَ في المسجدِ، فصل، ولا تقلْ: إني صليتُ؛ فلا أصلي" رواه أحمدُ ومسلم (^٤)، وتقدَّم (^٥).
وكذا إن جاءَ مسجِدًا غيرَ وقتِ نهيٍ لغير قصدِها (^٦) (غيرَ مغربٍ) فلا تُسَنُّ إعادتُها؛ لأن المعادَة تطوعٌ، ولا يكونُ بوترٍ، والصلاة الأولى فرضُه.
(ولا تُكرَه إعادةُ جماعةٍ) بأنْ تُقامَ مرَّةً ثانية (في) مسجد له إمام راتبٌ كغيرهِ (غير مَسجدَي مكةَ والمدينةِ) فتُكرَهُ فيهما، وعلله الإمامُ أحمدُ ﵀ بأنه أرغبُ في
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧١٣)، ومسلم (٤١٨)، وهو عند أحمد (٢٥٨٧٦) ضمن حديث طويل عن عائشة ﵂. وأخرجه مسلم (٤١٩) من حديث أنس ﵁، وبرقم (٤٢١) من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.
(٢) برقم (٢٧٤) (١٠٥)، وهو عند أحمد (١٨١٦٠) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٣) أي: لا يكره الإمام الراتبُ أن يصلي غيرُه مع غَيبته. "كشاف القناع" ١/ ٤٥٧.
(٤) "مسند" أحمد (٢١٤٢٣)، و"صحيح" مسلم (٦٤٨) (٢٤٢).
(٥) ص ١٤٠.
(٦) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: لغير قصدها، أي: الإعادة. انتهى تقرير".
[ ٢ / ١٤٥ ]
ولا فيهما لعُذْرٍ.
وإذا أُقيمتِ الصَّلاةُ، لمْ تَنعقدِ النَّافلةُ، وإنْ كان فيها، أتَمَّها إنْ لم يَخَفْ فَوْتَ الجماعةِ.
ومَنْ كبر قَبْلَ سلامِ إمامٍ، أدْرَكَ الجماعةَ، وإنْ أَدْرَكَهُ
توفير الجماعةِ أي: لئلا يتوانى النَّاسُ في حضورِ الجماعةِ مع الإمامِ الأوَّلِ (^١).
(ولا) تُكرَهُ إعادةُ الجماعةِ (فيهما) أي: في مَسجِدَي مكةَ والمدينةِ (لعُذرِ) في إقامتِها ثانيا؛ لأنَّها أخف من تَركِها. وقولُه كغيرهِ: "ولا تكرَه إعادةُ جماعةٍ" إنما قصدُوا به الرَّدَّ على مَنْ قال بالكراهةِ، وإلا، ففعلُها جماعة واجبٌ ولو أفْضى إلى التعدُّد، كما ذَكَرَه في "الإنصاف" (^٢).
(وإذا أُقيمتِ الصَّلاةُ) أي: شَرَعَ مُقيمٌ في إقامةِ الصَّلاةِ التي يريدُ الدخولَ مع إمامِها (لم تنعقدِ النافلةُ) -راتبة كانت، أو غيرَها- مِمن لم يُصَل تلكَ الصلاةَ؛ لحديثِ: "إذا أقيمتِ الصلاةُ، فلا صَلاةَ إلا المكتوبة" متفقٌ عليه (^٣). وإن جَهِلَ الإقامةَ، فكَجَهلِ وقتِ نَهيٍ (^٤).
(وإنْ كان) مَنْ يريد الدخولَ في صلاة أقيمت وهو (فيها) أي: في النافلةِ، ولو خارجَ المسجدِ (أتمَّها) أي: النافلةَ خفيفةً، ولا يزيدُ على ركعتين (إنْ لم يَخَف فَوتَ الجماعةِ) ولو فاتَته ركعةٌ، وإلا، قَطَعها؛ لأن الفَرضَ أهم.
(ومَنْ كبَّر قَلَ سلام إمامـ) ـه التسليمةَ الأولى (أَدرَكَ الجماعةَ. وإنْ أَدرَكَة) أي: أدرَك المأمومُ الإمامَ حالةَ كونِ الإمامِ (راكعًا) بأن اجتمع معه في الركوع، بحيثُ ينتهي المسبوقُ
_________________
(١) نقله عنه ابن قدامة في "المغني" ٣/ ١١.
(٢) ٤/ ٢٨٧.
(٣) "صحيح" مسلم (٧١٠) من حديث أبي هريرة ﵁، وعنون له البخاري فقط في كتاب الأذان، باب ٣٨، قبل حديث (٦٦٣).
(٤) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: فكجهل وقت نهي. أى: فالأصل عدمه، فتصح الصلاة حينئذٍ. انتهى تقرير المؤلف".
[ ٢ / ١٤٦ ]
راكعًا، أدْرَكَ الركعةَ، وأجزأتْه التحريمةُ عن تكبيرةِ ركوعٍ، ويتحملُ الإمامُ عنه قراءةَ الفاتحةِ.
إلى قدرِ الإجزاءِ مِنَ الرُّكوع، قَبلَ أن يزولَ الإمامُ عن قَدرِ الإجزاءِ منه (أَدرك) المأمومُ تلكَ (الركعةَ) ولو لم يُدرِكِ الطُّمأنينةَ مع الإمامِ، فَيَطمَئِنُّ، ثم يتابعُ إمامَه؛ لحديثِ: "مَن أدركَ الركوعَ، فقد أدركَ الركعةَ" رواه أبو داود (^١). وعليه أنْ يأتيَ بالتكبيرِ قائما، كما تقدم. (وأجزأته التحريمةُ) أي: تكبيرةُ الإحرامِ (عن تكبيرةِ ركوع) فإن نوى بتكبيرتِه الانتقالَ مع الإِحرامِ، أو وحدَه، لم تنعقد. والأفضلُ أنْ يأتيَ بتكبيرتَين. وسُنَّ دخولُه مع الإمامِ كيفَ أدرَكَه، وينحط بلا تكبيرٍ، ويقومُ مسبوقٌ به. وإن قام قبلَ سلامِ إمامِه الثانية، ولم يرجع، انقلبت نفلًا. وما أدْرَكَ آخرُها، وما يقضي أولُها، يستفتحُ له، ويتعوذُ، ويقرأ سورة، لكن لو أدركَ ركعة مِن رباعيَّةٍ، أو مغرب، تشهد عقِبَ أخرى.
(وبتحمَّلُ الإمامُ عنه) أي: عنِ المأمومِ (قراة الفاتِحة) فتصح صلاةُ المأمومِ بدونها؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا (^٢) قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "إنما جُعِلَ الإمامُ، ليُؤتم به، فإذا كَبَّرَ، فكبِّروا، وإذا قرَأ، فأنصِتُوا" رواهُ الخمسةُ إلا الترمذي (^٣). وحديثِ: "مَن كان له إمام، فقراءةُ الإمامِ له قراءة" رواه سعيد،
_________________
(١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، بل أخرجه أبو داود في "سننه" (٨٩٣) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "ومن أدرك الركعة، فقد أدرك الصلاة". وهو عند مسلم (٦٠٧).
(٢) من هنا الى قوله: "في الطاق، أي: المحراب" من فصل في الاقتداء، ساقط من (ز).
(٣) أبو داود (٦٠٤)، والنسائي ٢/ ١٤٢، وابن ماجه (٨٤٦)، وأحمد (٩٤٣٨). قال أبو داود: وهذه الزيادة "إذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد. وقال في "نصب الراية" ٢/ ١٦: وتعقبه المنذرى في "مختصره" فقال: وهذا فيه نظر؛ فإن أبا خالد الأحمر هذا هو: سليمان بن حيان، وهو من الثقات الذين احتج بهم البخاري ومسلم، ومع هذا فلم ينفرد بهذه الزيادة، بل تابعه عليها أبو سعيد محمد بن سعد الأنصاري الأشهلي المدني، نزيل بغداد، وقد سمع من ابن عجلان وهو ثقة، وثقه النسائي، وابن معين، وغيرهما، وقد أخرج مسلم هذه الزيادة في "صحيحه" [٤٠٤] في حديث أبي موسى الأشعري من حديث سليمان التيمي عن قتادة … إلخ. وأخرجه أيضًا البخارى (٧٢٢)، ومسلم (٤١٧)، وهو عند أحمد (٨١٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁ بنحوه. وسلف ص ١٣٧ مختصرًا.
[ ٢ / ١٤٧ ]
ويُسنُّ أنْ يقرأَ في إسرارِ إمامِه وسَكتاتِه.
وإذا لمْ يَسمعْه لبُعدٍ، أو طرشٍ، ما لم يشغلْ مَنْ بجنبِه،
وأحمدُ في "مسائلِ" ابنهِ عبدِ الله، والدارقطني (^١)، وهو وإنْ كان مُرسلًا، فهو عندنا حُجَّةٌ.
(ويُسَنُّ) للمأمومِ (أن يقرأَ) الفاتحة وسورةً حيثُ شُرِعَت (في إسرارِ إمامِهِ) أي: في الصلاة السرية كالظهرِ.
وكذا يقرأُ الفاتحةَ في الأخيرةِ مِن مغربٍ، وفي الأخيرتين مِنْ عشاءٍ؛ لحديثِ جابر: كنا نقرأ في الظُّهرِ والعَصرِ خَلفَ الإمامِ في الركعتَين الأوليَينِ بفاتحةِ الكتاب وسورةٍ، وفي الأخيرتَينِ بفاتحةِ الكتاب. رواه ابنُ ماجه (^٢). قال الترمذي (^٣): أكثرُ أهلِ العِلمِ يَرَوْنَ القراءةَ خَلفَ الإمامِ.
(و) يقرأ مأموم في (سَكَتاتِه) أي: الإمامِ في الجَهرِيَّة، كالصبحِ، والجمعةِ، وأُولتي مغرب، وعشاءٍ.
وسَكتاتُ الإمامِ ثلاثٌ: قَبلَ الفاتِحة في الركعةِ الأولى، وبعدَها بقدرِها في كل ركعةٍ، وبعدَ فراغِ القراءةِ.
(و) يُسَن أنْ يقرأ المأمومُ ما ذُكرَ (إذا لم يَسمَعهُ) أي: الإمامَ (لبُعدٍ) عن الإمامِ (أو لطَرَشٍ) أي: ثقلِ سمعِ المأموم (ما لم يَشغل) الأطرشُ بقراءةٍ (مَن بجنبِه) من
_________________
(١) لم نقف عليه في المطبوع من "سنن" سعيد و"مسائل عبد الله"، وهو في "سنن" الدارقطني برقم (١٢٣٣) عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ … وذكره. قال الدارقطني: لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان. فال ابن حجر في "التلخيص الحبير" ١/ ٢٣٢: وله طرق عن جماعة من الصحابة وكلها معلولة. وقال في "نصب الراية" ٢/ ٩: لم يصح عن النبي ﷺ فيه شيء. وأخرجه ابن ماجه (٨٥٠) عن جابر، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا. قال في "مصباح الزجاجة" ١/ ١٧٥: هذا إسناد ضعيف؛ جابر هو ابن يزيد الجعفي، متهم. وأخرجه عبد الرزاق (٢٧٩٧)، وابن أبي شيبة ١/ ٣٧٦ عن عبد الله بن شداد مرسلًا، وصوب الدارقطني المرسل في "سننه" ٢/ ١١١.
(٢) في "سننه" (٨٤٣) موقوفًا. قال البوصيرى في "مصباح الزجاجة" ١/ ١٧٤: قال المزي: موقوف. قلت: ورجاله ثقات.
(٣) في "سننه" ٢/ ١١٨ عقب حديث (٣١١).
[ ٢ / ١٤٨ ]
ويَستفتحُ، وَيستعيذُ، ولو فيما يجهرُ فيه إمامُه.
ومَنْ ركعَ، أو سجدَ ونحوه قَبْلَ إمامِه عَمْدًا، حَرُمَ، وعليه أنْ يرجعَ لمتابعتِه، كناسٍ ذَكَرَ، فإنْ لم يَرجعْ عَمْدًا، بطلتْ،
المأمومين، فإنْ شَغَلَه، تَرَكَه. قال في "المصباح" (^١): شَغَلَه الأمرُ شَغلا -من باب نَفَع- أي: ألهاه. انتهى.
وانْ سبقه الإمامُ بالقراءةِ وركع، تبعَه، بخلاف التشهدِ، فيتمه إذا سلم. فإنْ بقي عليه شيءٌ مِنَ الدُّعاءِ، سلَّم، إلا أنْ يكونَ يسيرًا.
(و) يُسَن لمأمومٍ أن (يَستَفتِح، ويستعيذ) في كل صلاة (ولو فيما يجهرُ فيه إمامُه) كالصبحِ، لكن في سكتاتِ الإمامِ، وإذا لم يسمعْه لبُعدٍ، أو طرشٍ، كما تقدم.
(ومَن ركعَ، أو سجدَ ونحو.) كمن رَفَعَ رأسَه مِن ركوع، أو سجودٍ (قبلَ إمامِه) حالةَ كونِ الفاعلِ (عَمدًا) أي: عامدًا (حَرُمَ) عليه؛ لقولِه عليه الصلاة السلام: "لا تسبِقوني بالركُوعِ، ولا بالسجُودِ، ولا بالقِيام" رواه مسلم (^٢). وعن أبي هريرةَ: "أمَا يخشى الذي يرفعُ رأسَه قبلَ الإمامِ أنْ يُحَولَ اللهُ رأسَه رأسَ حمار، أو يجعلَ صورتَهُ صورة حمار" متفق عليه (^٣).
ولا تبطلُ إنْ عاد للمتابعةِ (وعليه) أي: يجبُ على فاعلِ ذلكَ عَمدًا (أن يرجعَ لمتابعتِه) أي: الإمامِ، أي: ليأتي بما فعله قَبلَ الإمامِ عَقِبه؛ ليكونَ مؤتما به (كـ) ـما يجبُ على جاهل فَعَلَ ذلك وعلم (^٤)، وعلى (ناسٍ ذَكَرَ) أي: تذكر سَبقَ إمامِه، أن يرجعَ للمتابعة (فإنْ لم يرجع) عالمًا وجوبَه (عَمدا) أي: غيرَ ساهٍ حتى أدركه فيه (بطلت) صلاتُه؛ لتَركِ المتابعةِ الواجبةِ بلا عُذر.
_________________
(١) مادة (شغل).
(٢) برقم (٤٢٦)، وهو عند أحمد (١١٩٩٧) من حديث أنىس ﵁.
(٣) البخاري (٦٩١) واللفظ له، ومسلم (٤٢٧) (١١٤) مقتصرًا على طرفه الأول، و(٤٢٧) (١١٥) بذكر طرفه الثاني، وهو عند أحمد (٩٨٨٤).
(٤) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: وعلم، أي: الجاهل بأن أعلمه من عنده بالحكم. انتهى تقرير".
[ ٢ / ١٤٩ ]
وإن رَكَعَ، ورفعَ قَبْلَ إمامِه عَمْدًا، بطلتْ، وسَهْوًا أو جَهْلًا، يقضي الركعة.
وسُن تطويلُ أولى عن ثانيةٍ،
وعُلم ممَّا تقدَّم: أنها لا تبطلُ إنْ أبى الرجُوعَ -جاهلًا، أو ناسيًا- بل يُعتد به. والأولى لمأموم أنْ يَشرعَ في أفعالِها بعدَ إِمام، فإن وافقه، كُرِهَ. وإن كبَّر لإحرام مَعَه، أو قبل إتمامِه، لم تنعقد. وإن سلَّم قبلَه عَمدًا بلا عُذرٍ، أو سهوًا ولم يُعِده بعدَه، بطلت، ومعه، يُكرَه، ولا يضر سَبقٌ بقولِ غيرهما.
(وإن رَكَعَ) مأموم (ورفعَ قبل) ركوع (إمامِه) عالما (عَمدًا، بطلتْ) صلاتُه؛ لأنه سَبَقَه بركنٍ كاملٍ، هو معظمُ الركعةِ، فبطلت، كما لو سَبَقه بالسلام.
(و) إن رَكَعَ، ورَفَع قَبلَ إمامِه (سَهْوًا، أو جَهلًا) لم تبطلْ صلاتُه؛ لحديثِ: "عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنِّسيانِ" (^١). و(يقضي) بعد سلامِ إمامِه (الركعةَ) التي وقعَ السَّبْقُ فيها إنْ لم يأتِ بما سَبَقَ به مع الإمام، فإنْ أتى به، اعتُدَّ له بالركعة. وعُلم من كلامه: أنَّها لا تَبطُلُ إن سَبقَ إمامَه بركنٍ فعليٍّ غيرِ ركوعٍ. وأما السبقُ بركنَين، فكالركوعِ وأولى، كما لو ركعَ ورفعَ قبلَ ركوعِه، وَهَوَى إلى السُّجود قَبلَ رفعِه (^٢).
(وسن) لإمامٍ وغيرِه (تطويلُ) قراءةِ ركعةِ (أُولى عن) قراءةِ ركعةِ (ثانيةٍ) لحديثِ أبي قتادةَ مرفوعًا: "كان يقرأ في الظهرِ في الركعتينِ الأوليَين بفاتحةِ الكتابِ، وكان يطوِّلُ في الركعةِ الأولى ما لا يطوِّلُ في الثانية، وهكذا في صلاةِ العَصر، وهكذا في صلاةِ الصبح" متَّفقٌ عليه (^٣). زاد أبو داود (^٤): فظنَّنا أنَّه يريدُ بذلك أنْ يدركَ الناسُ الركعةَ الأولى. إلا في صلاةِ خوفٍ في بعضِ الأوجه، فالثانيةُ أطولُ، أو بيسيرٍ كبـ"سبح" و"الغاشية".
_________________
(١) سلف ص ١١٨.
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: رفعه، أي: الإمام من الركوع. انتهى تقرير".
(٣) البخاري (٧٧٦)، ومسلم (٤٥١)، وهو عند أحمد (٢٢٦١٧).
(٤) في "سننه" (٨٠٠).
[ ٢ / ١٥٠ ]
ولإمامٍ التخفيفُ مع الإِتمام، وانتظارُ داخلٍ إنْ لمْ يشقَّ.
وإن استأذنَتِ امرأةٌ لمسجدٍ، كُرِهَ مَنْعُها، وبيتُها خيرٌ لها.
(و) سُن (لإمامٍ التخفيفُ) للصلاة (مع الإتمامِ) للصلاة؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا صلَّى أحدُكم للناس، فليخفف؛ فإنَّ فيهم السَّقيم، والضعيفَ، وذا الحاجةِ. وإذا صلى لنفسه، فليطوِّل ما شاء" رواه الجماعةُ (^١).
وتُكرَهُ سرعةٌ تمنعُ مأمومًا فِعلَ ما يُسنُّ. ومحل التخفيفِ: ما لم يُؤثِرْ مأمومٌ التطويلَ.
(و) يُسَنُّ لإمامٍ أيضًا (انتظارُ داخلٍ) معه، أحسَّ به في ركوعٍ ونحوه؛ لأنَّ الانتظارَ ثَبتَ عنه ﵊ في صلاةِ الخوفِ (^٢)؛ لإدراك الجماعة، وهذا المعنى موجودٌ هنا (إنْ لم يشق) انتظارُه على مأمومٍ؛ لأن حرمةَ مَن معه أعظمُ؛ فلا يشق عليه لنفعِ الداخل.
(وإن استأذنَتِ امرأةٌ) حرَّةٌ، أو أمةٌ، زوجَها ونحوَه في خروجِها (لمسجدِ) تصلِّي فيه جماعةً، ليلًا أو نهارًا (كُرِه) له (مَنْعُها) منه؛ لحديثِ: "لا تمنعُوا إماءَ اللهِ مساجدَ الله" (^٣). وتخرجُ تَفِلةً: غيرَ مطيَّبةٍ، ولا لابسةٍ ثوبَ زينة (وبيتُها خيرٌ لها) لقوله ﵊: "وبيوتُهنَّ خيرٌ لهنَّ، ولْيَخرُجنَ تَفِلاتٍ" رواه أحمدُ وأبو داود (^٤).
_________________
(١) البخارى (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧)، وأبو داود (٧٩٤)، والترمذي (٢٣٦)، والنسائي ٢/ ٩٤، وأحمد (٨٢١٨). وأخرجه أيضًا مسلم (٤٦٨) من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁.
(٢) حديث صلاة الخوف سيأتي في بابه، وقال ابن حجر في "فتح الباري" ٢/ ٢٤٥: وقد ذكر البخاري في "جزء القراءة" [يعني به: "خير الكلام في القراءة خلف الإمام" ص ٥٤] كلامًا معناه أنه لم يرد عن أحد من السلف في انتظار الداخل في الركوع شئ، والله أعلم. اهـ.
(٣) أخرجه البخارى (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢) (١٣٦)، وهو عند أحمد (٤٦٥٥) من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ مجموعًا، بل أخرجه أحمد (٩٦٤٥)، وأبو داود (٥٦٥) عن أبي هريرة ﵁ دون قوله: "وبيوتهن خير لهن". وهو عند أحمد (٥٤٦٨)، وأبي داود (٥٦٧) عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن". قال النووى في "المجموع" ٤/ ٩٤، ٩٦ عن الحديث الأول: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقال عن الثاني: إسناده صحيح على شرط البخاري.
[ ٢ / ١٥١ ]
فصل
الأولى بالإمامةِ الأقرأُ، العالِمُ فِقْهَ صلاتهِ، ثم الأفقهُ، ثم الأسنُّ، ثم الأشرفُ،
وظاهرُه: حتى مسجدِ النبيِّ ﷺ.
ولأبٍ، ثُم ولي مَحْرَمٍ، منعُ مَولِيَته إن خَشِيَ فتنةً أو ضَررًا، ومن الانفراد (^١).